ما تفاصيل «خطة بلير» لحكم غزة للسنوات الخمس المقبلة؟

تغييب السلطة الفلسطينية وإيكال إدارة القطاع لـ«سلطة دولية انتقالية» بصلاحيات شاملة

الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

ما تفاصيل «خطة بلير» لحكم غزة للسنوات الخمس المقبلة؟

الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)

فيما انطلقت، الاثنين، مفاوضات في مدينة شرم الشيخ المصرية بشأن تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكونة من 20 مادة، لتشكل إطاراً عاماً يرسم مستقبل غزة، بدأ البحث يتركز على ما يسمى «اليوم التالي»، أي مستقبل القطاع بجوانبه كافة، من مسائل تتعلق بمصير «حماس»، ونزع السلاح، والحوكمة، وإعادة الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، وبينها وبين السلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، برز الدور الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إذ أظهرت المعلومات المتقاطعة أن «خطة ترمب» وُلدت من خلال مناقشات جرت في البيت الأبيض، نهاية أغسطس (آب) الماضي، بمشاركة الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر، الذي عاد مؤخراً إلى الواجهة الدبلوماسية، ولكن من غير صفة رسمية، كما كان حاله خلال ولاية ترمب الأولى، وبمشاركة بلير.

وتفيد معلومات أخرى أن «معهد توني بلير للتغيير العالمي» البحثي الذي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق منذ عدة سنوات هو من تولى صياغة الخطة التي شكّلت نواة لمقترحات ترمب. ومنذ 18 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأت موادها بالتسرب.

وعرضت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية الخطة بشيء من التفصيل، يوم الاثنين، وذلك بعد تطرق وسائل إعلام إسرائيلية وبريطانية لجوانب من بنودها.

ومن الجدير بالذكر أن البند التاسع من «خطة ترمب»، الخاص بحكم غزة، يشير إلى قيام «سلطة انتقالية» تعمل تحت إشراف «لجنة السلام»، المفترض أن يترأسها ترمب نفسه. وبلير هو الاسم الآخر الوحيد الوارد في هذا البند، ما يعني أن الطرف الأميركي يعدّه لترؤس هذه السلطة.

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مجتمعاً مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في العاصمة الأردنية عمان يوم 13 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وبحسب «لو فيغاور»، فإن الخطة التي جاءت في 21 صفحة، تنيط إدارة القطاع بـ«السلطة الدولية الانتقالية لغزة». وتقول الصحيفة إنها أُعدت «من قِبل فريق مرتبط بمكتب توني بلير ودوائر أميركية - إسرائيلية مقربة من إدارة ترمب»، وستتراوح مدتها الزمنية ما بين 3 و 5 سنوات.

وتقول مصادر أخرى إنها تستوحي، إلى حد ما، نماذج من الإدارات الانتقالية التي أنشأتها الأمم المتحدة في غرب غينيا الجديدة وكمبوديا وكوسوفو وتيمور الشرقية.

السلطة الدولية الانتقالية لغزة

تمثل «السلطة الدولية الانتقالية لغزة» (GITA) حجر الأساس لحكم القطاع ومستقبله، وفق الوثيقة المنشورة التي يراد منها أن تكون شاملة متكاملة.

وتقول الوثيقة إن السلطة الدولية الانتقالية «تمارس كافة الصلاحيات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. كما أنها تعيّن القضاة والوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية، وتتخذ قراراتها باسم السلطة الدولية. ولا يمكن لأي جهة فلسطينية إلغاء قراراتها»، أي أن مصير القطاع في كافة المناحي مرهون بما ترتئيه، وبعيداً عن أي تدخل لسكانه في المسائل الأساسية.

واللافت أن الوثيقة لا تشير إلى الجهة التي يعود إليها تشكيل هذه «السلطة»، إذ مجلس الأمن لا يظهر في الصورة، ولا أي جهة دولية رسمية. كذلك ليست هناك إشارة دقيقة للمدة الزمنية الممنوحة لها حيث الوثيقة تتحدث عن 3 إلى 5 سنوات، وليس معروفاً ما إذا كان سيتم تمديدها.

والحال أن دولاً، يُراد لها أن تكون جزءاً من «القوة الدولية» التي ستتولى الأمن في غزة ومهمات أخرى، مثل نزع سلاح الفصائل المسلحة، خلال المرحلة الانتقالية، تصرّ على أن يكون انتدابها نتيجة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وهو أمر غير وارد في الوثيقة.

من الناحية العملية، يتكون «الطابق الأول» من الخطة من «مجلس إدارة دولي»، بإشراف بلير شخصياً بصفته منسقاً عاماً أو رئيساً تنفيذياً، يضم من 7 إلى 10 أعضاء يتم اختيارهم من رجال أعمال ودبلوماسيين وخبراء اقتصاديين.

ويتمتع مجلس الإدارة الأشبه بـ«مجلس حكم» بصلاحيات موسعة، إذ تعود إليه مسؤولية «اتخاذ القرارات الأساسية في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد». ويُقترح أن يبقى مقره خارج غزة، إما في العاصمة القطرية الدوحة أو في العريش المصرية.

توني بلير في صورة أرشيفية مصافحاً الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقر رئاسة الحكومة البريطانية في لندن يوم 4 مايو عام 1998 (أ.ف.ب)

ومن الأسماء المقترحة، إلى جانب بلير رئيساً للسلطة الانتقالية، الهولندية سيغريد كاغ نائبة للرئيس للشؤون الإنسانية، والأميركي مارك روان رئيساً لصندوق إعادة الإعمار، والمصري نجيب ساويرس مسؤولاً عن الاستثمارات الإقليمية، والإسرائيلي الأميركي آرييه لايتستون ممثلاً عن اتفاقات إبراهيم، وأخيراً تشير الوثيقة إلى «ممثل» فلسطيني مجهول الهوية وغير متمتع بأي صلاحية.

وتقترح الخطة «طبقة ثانية»، قوامها اختيار «مديرين» فلسطينيين «محايدين من بين شخصيات مهنية غير حزبية». ومهمة هؤلاء إدارة القطاعات العامة ويعملون تحت إشراف مباشر من المجلس الدولي. ولمزيد من الضمانات، تشير الخطة إلى أنهم «سيخضعون لتدقيق دوري من لجنة دولية».

أما «الطبقة الثالثة» فتتألف من «مجلس استشاري محلي» تشارك فيه شخصيات فلسطينية من غزة والضفة، ويكون دوره استشارياً فقط، ومن غير أي صلاحيات تنفيذية.

المكون الاقتصادي

بالنظر للدمار غير المسبوق في القطاع، سيكون الجانب الاقتصادي بالغ الأهمية لأن مهمته ستنصب على إعادة تأهيل القطاع ليكون مكاناً يحسن العيش فيه.

من هنا تجيء أهمية إنشاء الصندوق الدولي تحت مسمى «صندوق تعافي غزة والاستثمار» الذي سيديره الأشخاص المذكورون سابقاً. ومن المفترض تمويله من التبرعات الخارجية، إضافة إلى الاستثمارات الغربية والقروض المضمونة دولياً، بحسب تقرير «لو فيغارو».

وثمة ملاحظتان رئيسيتان؛ الأولى أنه لا إشارة مطلقاً لمسؤولية إسرائيل عن تدمير غزة ومساهمتها في إعادة بناء ما هدّمته طائراتها ودباباتها وجرافاتها؛ والثانية أن «مشاريع إعادة الإعمار سوف تتم وفق نموذج تجاري ربحي، عملاً بمبدأ أن الشركات تستثمر وتشارك في الأرباح».

الجانب الأمني والسياسي

تقترح الخطة إنشاء قوة أمنية متعددة الجنسيات تحت إشراف الأمم المتحدة، أو تحالف بقيادة الولايات المتحدة، كما أنها تؤكد بشكل قاطع على «حظر كامل لأي فصيل فلسطيني مسلح داخل غزة خلال الفترة الانتقالية». ومن بين مهمات هذه القوة «إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشراف دولي».

قصف مدينة غزة متواصل الثلاثاء رغم المفاوضات الجارية في شرم الشيخ المصرية منذ يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أما بالنسبة لمرحلية عمل «السلطة الانتقالية» وأهدافها، فإنها تنص على مرحلة تأسيسية أولى تمتد 3 أشهر، يتم خلالها إطلاقها واختيار أعضائها الذين سيبقون خارج القطاع. والمرحلة الثانية المسماة «الانتشار الأولي» يُفترض أن تدوم 6 أشهر لإطلاق الإدارة الجديدة وتأمين الوضع الأمني. بعدها، يتعين أن تنطلق مرحلة إعادة الإعمار بالتركيز على مشاريع البنية التحتية، التي ستدوم من سنتين إلى 3 سنوات.

وأخيراً، تشير الخطة إلى بدء «النقل التدريجي» للمسؤوليات إلى «السلطة الفلسطينية المعدلة»، في إشارة إلى ما جاء في خطة ترمب.

ومن الملاحظ في الخطة أنها تُغيّب السكان. ورغم تناولها مسألة إعادة الإعمار، لا يظهر الفلسطينيون المهجَّرون والمدمرة بيوتهم، على الأقل في ما تسرب من هذه الخطة التي تتسم بتهميش المؤسسات الفلسطينية، وتوكل المسؤولية الأمنية بأكملها لقوى غير فلسطينية طيلة سنوات، وتربط إلى حد كبير إعادة الإعمار بقيام شركات ربحية. وبكلام آخر، سيكون مصير القطاع للسنوات الخمس المقبلة، في حال تم تنفيذ «الخطة» كما هي منشورة، لقيادة خارجية.

والسؤال المطروح؛ هل سيتم العمل بـ«خطة بلير» الذي أعيد إلى المسرح الشرق أوسطي بإرادة أميركية، علماً بأن السنوات التي قضاها مندوباً لـ«اللجنة الرباعية» لم تشهد أي تقدم أو أي إنجاز يحسب له؟


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
TT

طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)

أكدت إيران تمسكها بتخصيب اليورانيوم «حتى لو اندلعت الحرب»، وذلك بعد يومين من أحدث جولة محادثات بين طهران وواشنطن في العاصمة العُمانية مسقط.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن تقبل «التخصيب الصفري» تحت أي ظرف، مشدداً على أن أي تفاوض مشروط بالاعتراف بحق إيران في التخصيب داخل أراضيها، مع استعدادها لبحث إجراءات لبناء الثقة مقابل رفع العقوبات.

ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محادثات مسقط بأنها «خطوة إلى الأمام»، في حين عبّر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي عن تشكيكه في نيات واشنطن، محذراً من استخدام المفاوضات «للمكر وكسب الوقت».

كما كشف عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، محمود نبويان، عن رسالة أميركية سبقت المفاوضات طلبت «السماح بضرب نقطتين داخل إيران»، وقال إن الرد كان بأن أي هجوم سيُقابَل بخسائر كبيرة.

في غضون ذلك، لوّحت إسرائيل بالتحرك عسكرياً ضد القدرات الصاروخية الإيرانية إذا تجاوزت طهران «الخطوط الحمراء». وقال وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، إن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران «لا قيمة له»، عادّاً أن احتمال المواجهة العسكرية مع طهران لا يزال قائماً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات.


تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر مطلعة قولها، يوم الأحد، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت إيران بأنها تتوقع من الوفد الإيراني تقديم «مقترحات جوهرية» خلال الاجتماع المقبل بين الجانبين.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين قولهما إن الأميركيين يتوقعون من إيران تقديم «تنازلات» في الملف النووي وقضايا أخرى.

وقالت الصحيفة إن المجلس الوزاري الأمني في إسرائيل يرى أن النظام الإيراني لا يمكن الوثوق بوعوده.

ونقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر عسكري قوله: «النظام الإيراني أثبت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن الوثوق بوعوده... إذا حاولت إيران المساس بسيادتنا أو مواطنينا فستكون العواقب وخيمة عليها... وسنواجهها بقوة حاسمة».

وقال المصدر إن إسرائيل متمسكة بأن تفضي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى منعها من امتلاك أسلحة نووية وفرض قيود على صواريخها الباليستية.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، نقلاً عن مصادر أمنية، أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، لكنها تتابع التطورات داخل إيران عن كثب.

واستضافت مسقط، صباح الجمعة، جولة مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام إصلاحية إيرانية، مساء الأحد، باعتقال آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران»، في إطار حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي، بعد أسابيع من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.

وذكر موقع «امتداد»، القريب من «جبهة الإصلاحات»، أن منصوري اعتُقلت بموجب أوامر قضائية على يد عناصر من جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، خلال مداهمة منزلها في بلدة قرتشك ورامين، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.

وفي وقت لاحق، أكدت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، اعتقال منصوري إلى جانب إبراهيم أصغرزاده، النائب الأسبق، والشخصية الإصلاحية البارزة وعضو اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات»، ومحسن أمين‌زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

بزشكيان عقد ثالث اجتماع مع أعضاء «جبهة الإصلاحات» منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل أغسطس 2025 (الرئاسة الإيرانية)

وحسب المصادر نفسها، شملت الاتهامات الموجّهة إلى المعتقلين «استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتنسيق مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وتحريف المسارات السياسية للجماعات، وإنشاء آليات سرية ذات طابع تقويضي».

وقال مسؤول مطّلع إن السلطات «تعاملت مع هذه المجموعة وفقاً للقانون»، رغم «تحمّل مواقفهم النقدية السابقة»، بسبب ما وُصف بـ«استمرار أنشطتهم المناهضة للأمن».

وتُعد «جبهة الإصلاحات» الإطار التنسيقي الأوسع للأحزاب الإصلاحية في إيران، وكانت من أبرز الجهات التي دعمت الرئيس مسعود بزشكيان خلال الانتخابات الأخيرة.

وتوازياً، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان مقتضب وغامض، بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة، على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير، من دون الكشف عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية أو ملابسات توقيفهم.

وبحسب الوكالة، فإن هذه الأحداث «الإرهابية»، أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل» وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي.

وأضافت أن رصد سلوك السياسية البارزة في عدد من التيارات خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية دفع الادعاء العام إلى فتح ملفاتهم، بعد اتهامهم بتنظيم وقيادة أنشطة لإرباك الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتبرير ما وصفته بـ«الإرهاب الميداني».

وذكرت «تسنيم» أنه بعد استكمال الإجراءات، وجهت اتهامات إلى أربعة أشخاص مرتبطين بحزب سياسي، جرى توقيف عدد منهم بتهمة العمل لصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة، فيما استدعي آخرون للتحقيق، في إطار قضية تتهم عناصرها بالتحريض وتقويض التماسك الوطني، حسب الوكالة.

الناشطة آذري منصوري وأمين زاده على اليسار وفي يمين الصورة اصغرزاده (جماران)

وأكدت وكالة «ميزان»، التابعة للسلطة القضائية، توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن هوياتهم.

وكانت منصوري (60 عاماً) شغلت سابقاً منصب مستشارة للرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي. وبعد اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: «عندما تُغلق جميع السبل لإسماع الصوت، يخرج الاحتجاج إلى الشارع»، معتبرة أن «القمع هو أسوأ طريقة للتعامل مع المحتجين»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي إشارة إلى سقوط آلاف القتلى خلال الاحتجاجات، قالت لاحقاً: «لا يمكننا الوصول إلى الإعلام، لكننا نقول للعائلات المفجوعة: أنتم لستم وحدكم»، مضيفة أن «لا قوة ولا مبرر ولا وقت يمكن أن يطهّر هذه الكارثة الكبرى».

وسبق أن أوقفت منصوري بعد الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بتهم من بينها الإخلال بالنظام العام والدعاية ضد الدولة. وفي عام 2022، وُجهت إليها تهمة «نشر الأكاذيب بقصد إيذاء الآخرين وإثارة الرأي العام عبر الإنترنت»، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة عام وشهرين.

ومنذ يونيو (حزيران) 2023، تتولى منصوري رئاسة جبهة الإصلاحات، وهي التحالف الرئيسي للأحزاب والمجموعات الإصلاحية التي تطالب بتوسيع الحريات الاجتماعية وتعزيز دور المجتمع المدني.

تحذيرات القضاء

وتأتي هذه الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) نتيجة الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة مناهضة للحكومة، بلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني).

وقالت السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات بدأت بشكل سلمي قبل أن تتحول إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، متهمةً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما وصفته بـ«عملية إرهابية». وأسفرت حملة القمع اللاحقة عن إنهاء الاحتجاجات التي اعتبرت التحدي السياسي الأكبر للنظام منذ عام 1979.

وقبيل حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجان تقصي حقائق، محذّراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، فقد جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

تهديد برلماني للإصلاحيين

وتزامنت حملة الاعتقالات مع تصاعد الجدل الذي أثارته تصريحات علي شكوري‌راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، التي اتهم فيها القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب أمير حسين ثابتـي، عضو كتلة «الصمود» المتشددة في البرلمان، الذي طالب شكوري‌راد بتقديم أدلة تثبت أن القوات الأمنية هي من أحرقت المساجد، محذّراً من أن عدم تقديم مستندات «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً».

وفي رسالة رسمية، اتهم ثابتـي شكوري‌راد بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة»، وكتب: «إذا كانت لديكم مستندات، فسلّموها لي لمتابعتها عبر البرلمان والجهات المعنية، وإعلان النتيجة النهائية للشعب».

وأضاف محذّراً: «عدم تقديم الأدلة يُعد ظلماً كبيراً بحق النظام والقوات الأمنية، لا يجبر حتى بالاعتذار العلني».

ماذا قال شكوري‌راد؟

وكان تسجيل صوتي مسرب من شكوري‌راد قد نُشر الأسبوع الماضي، ويقدّم فيه رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية بالوقوف خلف تلك الأحداث.

وفي تصريحات أخرى، انتقد شكوري‌راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، معتبراً أن ذلك «أحرق دوره كقوة وسطية»، وقال إن القوة الوسطية «تمثّل رأسمالاً اجتماعياً أساسياً في الأزمات».

دخان يتصاعد مع تجمع متظاهرين مناهضين للحكومة في مشهد بإيران 10 يناير 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وفي السياق نفسه، أشار شكوري‌راد إلى المؤتمر الأخير لحزب «الاتحاد»، حيث طُرح خلال إحدى جلساته اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد الإيراني علي خامنئي، في إطار معالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، في خطوة قال إنها نوقشت داخل الأطر الحزبية ولم تُطرح بصيغة علنية.

«مجلس انتقالي»

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» قد أفادت، في تقرير نشرته في 20 يناير، بأن المجلس المركزي لـ«جبهة الإصلاحات» عقد اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقش مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي وتشكيل «مجلس انتقالي»، غير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان والتراجع عن أي دعوة علنية.

وحسب التقرير، شملت المناقشات أيضاً اقتراحات بـ«استقالات جماعية» و«دعوات لتظاهرات واسعة»، إلا أن الضغوط الأمنية، التي تضمنت تحذيرات من اعتقالات واسعة، حالت دون المضي بهذه الخطوات.

وحسب مصادر قريبة من التيار الإصلاحي، نقلت عنها القناة، فإن رد الفعل الأمني يعكس حساسية السلطة تجاه أي مؤشرات على انقسام سياسي في المستويات العليا، وسعيها لمنع تشكّل أي إجماع أو تحرّك علني داخل المشهد السياسي الإيراني.