النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

«تجمّع الباحثات اللبنانيات» يطرح أسئلة عن المرأة والرقمنة

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات
TT

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

أسئلة طازجة يطرحها الكتاب الجديد الذي صدر عن «تجمع الباحثات اللبنانيات» حول أحوال النساء بعد الانقلابات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها العالم، والأهم في ظل التحولات التكنولوجية الهائلة والسريعة. ويسأل الكتاب الذي يحمل عنوان «النساء العربيات والمرجعيات في ظل الرقمنة وفوضى المعلومات»، إن كانت هذه التطورات قد فتحت الباب للمرأة للخروج إلى آفاق أرحب، بالفعل، أم أن الفضاء الافتراضي الذي تديره مجموعات من المحتكرين، وتحركه المصالح، وضع النساء تحت وطأة قيود من نوع آخر، وأعاد تأطير نظرتهن إلى الحياة؟ كما يحاول الكتاب أن يكشف عن مدى استفادة النساء واقعياً من المستجدات التكنولوجية، وكيف أثّرت في حياتهن؟ وكيف تتموضع النساء في الفضاء الافتراضي؟

موضوع واسع وطموح، لكنَّ الباحثات واجهن التحدي وأقبلن على دراسات أنارت زوايا كانت لا تزال مظلمة، خصوصاً أن المساهَمات في الكتاب تأتي من جيلين مختلفين؛ جيل تعامل مع التكنولوجيا باكراً، وآخر انكبّ عليها متأخراً، مما يجعل الرؤية أكثر بانورامية.

في المحور الأول من الكتاب الذي قُسم إلى أربعة محاور، ست دراسات تحت عنوان «مساءلة النساء للمرجعيات وإغراءات الفضاء الرقمي». تستهلها نهوند القادري عيسى، بالتركيز على فهم مدى تعلق النساء بالمرجعيات التقليدية وانفتاحهن في الوقت عينه على الخبرات وشبكات علائقية جديدة، والموازنة الصعبة بين الاثنين، في مرحلة انتقالية، بحيث يصعب التنبؤ بما ستكون عليه حال الجيل الجديد، الذي بدأ يرتبط بشكل أوثق بالشاشة.

اعتمد بحث نهوند القادري عيسى على الاستماع إلى آراء وتجارب عينة من النساء لمعرفة كيف يستخدمن الفضاء الرقمي، ويتعاطين مع واقعهن وقيودهن الاجتماعية، وإلى أي درجة حقق لهن ذلك استقلالية حقيقية.

صحيح أن الفضاء الرقمي سهَّل على النساء الوصول إلى المعلومات، واكتساب خبرات جديدة، وتكوين شبكة علاقات تتخطى الحدود الجغرافية، لكن في الوقت نفسه، ولّد لديهن نوعاً من فقدان الثقة بالمعلومات، وتسبب بشيء من الإرباك. فالمعلومات المتدفقة والمتناقضة، جعلت النساء يتعاملن بحذر أحياناً، وحيرة في أحيان أخرى. ومنهن من تقع ضحية لوصفات جاهزة، أو أفكار متطرفة.

وبالتالي فنحن أمام أشكال جديدة للهيمنة الناعمة، وتشّكل مرجعيات جديدة كالمؤثرين والخبراء، ومدعي المعارف، ممن يمارسون سلطة بديلة عن السلطات التقليدية التي هي في طور التفكك.

وتُرينا الدراسات تفاعلاً تبادلياً بين العالمين الرقمي والواقعي. فسلوكيات النساء وخياراتهن في الفضاء الرقمي تتأثر بواقعهن الاجتماعي، والعكس بالعكس.

باختصار، يخلص هذا المحور إلى أن الفضاء الرقمي ليس أداة للتحرر، بل ساحة معقدة تمنح فرصاً، ولكنها تطرح في الوقت نفسه إشكاليات جديدة حول السلطة والثقة والهوية، مما يستدعي تعاملاً نقدياً وحذراً من النساء.

المنصات عزّزت حضور المرأة في الفضاء العموميّ، ومنحتها الأدوات الفعّالة للمطالبة بحقوقها، لكنها أسهمت أيضاً في إضعافها في الوقت ذاته. فهذه التكنولوجيا لم تغيِّر في طرق الحصول على الأخبار والمعلومات وطبيعتها فقط، بل غيّرت نمط المعيشة والعلاقة بين الأفراد، بالنسبة إلى نصر الدين لعياضي. بينما رأت رفيف صيداوي أن وصول النساء العربيات إلى المعلومات لم يؤدِّ بالضرورة إلى المعرفة المتمنَّاة، بسبب تنشئة ترسخت فيها قيم الجمال الأنثوي والشعور الزائف بالتمكين المتأتي من منطق الاستهلاك.

هكذا فإن آليات تشغيل الخوارزميات فرضت على النساء، اللواتي طمحن إلى الاستفادة من المعرفة الرقمية، والفرص التكنولوجية، نوعاً آخر من السيطرة، تمارسه عليهن الشركات الكبرى، التي حصرت المستخدمين في حلقات محددة، بحيث يبقى المستهلك يدور في فلك من يشاركه الأفكار، مما يعزز الانعزالية الفكرية، ويبعث على خفض مستوى التسامح وتقبُّل الآخر، ويعزز الانقسامات الاجتماعية والشعور بالكراهية، حسبما توصلت إليه بيسان طي.

على الضدّ من ذلك تجد تغريد السميري أن ثمة نماذج إيجابية، وأن المنصات الرقمية تسمح بالتفاعل بين الأجيال، مستدلَّةً بتجربة دلال أبو آمنة في برنامجها «مشوار ستّي»، الذي أعاد التواصل مع ذاكرة الجدات، وضخها بالحياة، عبر الفضاء الرقمي. ونرى بصحبة السميري كيف تتجوَّل النساء بين المدن والأحياء الفلسطينيّة، وتقام اللقاءات والحفلات بين الأهالي وهم يحتفلون بإحياء التقاليد الفنّية والاجتماعيّة، ويستمعون إلى قصص إنسانيّة، في محاولة لاستعادة ما مزَّقه الاحتلال، وربط المناطق بعضها ببعض. تكتب السميري: «هؤلاء الحفيدات استطعن عبر الفضاء الرقمي أن يُعِدن الاعتبار لمرجعيّة الجدّات وأن يُصَدّرن ذاكرتهن عن وطنهن المسلوب إلى العالم».

في المحور الثاني الذي يُعنى بـ«سلوك النساء المعلوماتي وأصواتهنّ في العالم الرقمي»، تعقد مود اسطفان مقارنةً بين الدراسات النسائيّة الأجنبيّة المعنيّة بالسلوك المعلوماتي، والدراسات العربية. وتبيَّن لها أن مقاربات الباحثات الأجنبيات جاءت تجديديّة خارج التقاليد الذكورية السائدة، ولها اهتمامات إنسانية وبالفئات الاجتماعية المهمشة، وهو ما تفتقر إليه دراسات الباحثات العربيّات حول السلوك المعلوماتي في البيئة الرقميّة. إذ ترينا اسطفان أن إسهامات النساء العربيات بقيت محدودة، وأغلبيّتها تبحث في مناطق تقليدية، وتتمحور حول استخدام مصادر المعلومات، لا سيَّما الشبكات الاجتماعيّة، والفوارق الجندريّة.

وتتساءل هاجر خنفير عن تمثلات الأنوثة التي تصنعها المؤثّرات العربيات في الفضاء الرقمي، وتَبيَّن لها أنّه على الرغم ممّا أتاحته لهن التكنولوجيا من تحرر من القيود بقي التغيير محدوداً والسمات التقليديّة للأنوثة ثابتة، تدور في دائرة الاستهلاك، الخاضع لمنطق الربح الذي فرضته الوصاية الرأسماليّة على تلك التقنيات. وإن كانت بعض التصورات النمطية عن الأنوثة انتقلت من كونها الموضوع لأن تصبح هي المنتج نفسه.

ومن خلال دراسة حالة 25 امرأة لبنانية على شبكات التواصل وبمعاينة المحتوى الذي يقدمنه، الذي قُسِّم إلى ثلاث فئات: محتوى المعلومة، ومحتوى الاستعراض الذاتي، ومحتوى الترويج للعلامات التجاريّة. وجدت لمى كحّال أن المعلومات المُستقاة من العلم والخبرة العملية التي تقدمها النساء على الشبكة هي الأمتن رغم اعتماد صانعاتها على صورتهن الشخصيّة. في حين أن المحتوى القائم على الاستعراض الذاتي يكرِّس النموذج النمطي حول جمال المرأة. أما ما يتحكم في محتوى الترويج، فهي الماركات التجاريّة. وتلحظ كحّال أنه رغم صعوبة الواقع اللبناني، ثمة غياب مدوٍّ للقضايا الكبرى عن المحتوى النسائي. وتخلص إلى أن صانعات المحتوى لا يلتفتن إلى الواقع وما يشوبه من حروب ولا حتّى إلى قضايا النساء ومشكلاتهنّ في لبنان. مما يعني أن هاجس الربح المادّي السريع هو أحد العوامل الرئيسية المُؤَثّرة بعملهن.

في حين تدرس دينا الخواجة حالة عشرين امرأة مصرية، وتتبع تفاعلهن مع حرب غزة، لتخلص إلى أن النساء ابتعدن عن التسييس، وتمكنَّ من تفادي الخسارة المادية ورقابة الخوارزميات، وتعاطين مع هذه الكارثة من منطلقات إنسانيّة ودينية، ووجدن أنفسهنّ أمام ضرورة تطوير أدوات تضامنهنّ، في ظل حرب الإبادة، لتجييش المشاعر، وجمع التبرعات، وحشد التأييد، من منطلقات دينية وإنسانية، بعيداً عن التسييس، متهرباتٍ من التضييق السياسي.

أما رانية جواد ومادلين الحلبي فتركَّز اهتمامهما على شهادات الفلسطينيات الحية، التي روينها من خلال شبكات التواصل. قصص روت عمق المعاناة اليوميّة. النساء الغزَّيات في رواياتهن تحايلن على سياسات المنع، وفي المساحة الممكنة من استخدام شبكة الإنترنت، سردن يومياتهن، مستغلات كلّ دقيقة إنترنت قبل أن يقرر الاحتلال عزلهن عن العالم. هكذا أصبحت شبكة الإنترنت مكاناً للحصول على الدعم النفسي ومصدراً لتبادل المعلومات والاطمئنان على الأقارب، وكذلك توثيق الارتكابات والمجازر التي تغيب عن وسائل الإعلام. خلصت الباحثتان إلى أن المنصّات صارت أداةً للتوثيق والمقاومة في وجه الإبادة والعنف الاستعماري، وفعل مواجهة.

«تحدِّيات تفلُّت النساء من المرجعيَّات في البيئة الرقميَّة» هو عنوان المحور الثالث، حيث ضاعفت التكنولوجيا مشكلةَ البطالة، وأحدثت شرخاً بين شرائح المجتمع، وباعدت بين المستجد والثقافة التقليديّة، وأعلت من شأن الفردانية، وطغت ثقافة الاستهلاك. عزّة سليمان تجد أن النساء ُفعّلنَ وجودهنّ من خلال أدوات الثورة الرقميّة، من جهة، لكنهن وجدن أنفسهنّ ضحايا لأدوات السوق، من جهة أخرى، مما حولهن إلى أدوات، أكثر من كونهن عنصراً فاعلاً.

وحول الاقتصاد الرقمي ودوره في التنمية، تطرح زهور كرّام، من المغرب، أسئلة حول إذا ما أمكن تحقيق التوازن بين استثمار التكنولوجيا والمحافظة على خصوصيات النسق المجتمعي المغربي، وتخلص كزميلاتها الباحثات في الكتاب إلى أن الرقميّة قد تسهم في دمقرطة فرص العمل للنساء، لكنها في الوقت عينه تطرح تحدّيات جديدة عليهن.

إصلاح جاد تحاول أن تفهم أسباب نجاح جهات دينية في تأليب الرأي العام على منظمات حقوق المرأة، وتحديداً تلك التي حاولت التسويق لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). تعتمد الدراسة على مراجعة رسائل وسائل التواصل الاجتماعيّ للمشاركات في الترويج للاتفاقيّة وكذلك الرسائل المضادة لها التي شهَّرت بالاتفاقية، وحصدت التعاطف والتأييد.

ويخلص البحث إلى أن نجاح هؤلاء في التأثير في الرأي العام، يعود إلى تجاهل الوضع الخاص في فلسطين. إذ ركزت الاتفاقية بشدّة على حقوق المرأة والطفل، فيما تم تجاهل حقوق الشعب بأكمله، مما جعل الطرح غير مقنع.

ويُختم الكتاب بفصل رابع فيه شهادات حية لنساء تروين تجاربهن حول اهتزاز المرجعيات وانعدام اليقين عند النساء. النساء الغزَّيات تحايلن على سياسات المنع فسردن يومياتهن على الإنترنت قبل أن يعزلهن الاحتلال عن العالم


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي