النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

«تجمّع الباحثات اللبنانيات» يطرح أسئلة عن المرأة والرقمنة

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات
TT

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

النساء العربيات ومعركة التحرر من قمع الخوارزميات

أسئلة طازجة يطرحها الكتاب الجديد الذي صدر عن «تجمع الباحثات اللبنانيات» حول أحوال النساء بعد الانقلابات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها العالم، والأهم في ظل التحولات التكنولوجية الهائلة والسريعة. ويسأل الكتاب الذي يحمل عنوان «النساء العربيات والمرجعيات في ظل الرقمنة وفوضى المعلومات»، إن كانت هذه التطورات قد فتحت الباب للمرأة للخروج إلى آفاق أرحب، بالفعل، أم أن الفضاء الافتراضي الذي تديره مجموعات من المحتكرين، وتحركه المصالح، وضع النساء تحت وطأة قيود من نوع آخر، وأعاد تأطير نظرتهن إلى الحياة؟ كما يحاول الكتاب أن يكشف عن مدى استفادة النساء واقعياً من المستجدات التكنولوجية، وكيف أثّرت في حياتهن؟ وكيف تتموضع النساء في الفضاء الافتراضي؟

موضوع واسع وطموح، لكنَّ الباحثات واجهن التحدي وأقبلن على دراسات أنارت زوايا كانت لا تزال مظلمة، خصوصاً أن المساهَمات في الكتاب تأتي من جيلين مختلفين؛ جيل تعامل مع التكنولوجيا باكراً، وآخر انكبّ عليها متأخراً، مما يجعل الرؤية أكثر بانورامية.

في المحور الأول من الكتاب الذي قُسم إلى أربعة محاور، ست دراسات تحت عنوان «مساءلة النساء للمرجعيات وإغراءات الفضاء الرقمي». تستهلها نهوند القادري عيسى، بالتركيز على فهم مدى تعلق النساء بالمرجعيات التقليدية وانفتاحهن في الوقت عينه على الخبرات وشبكات علائقية جديدة، والموازنة الصعبة بين الاثنين، في مرحلة انتقالية، بحيث يصعب التنبؤ بما ستكون عليه حال الجيل الجديد، الذي بدأ يرتبط بشكل أوثق بالشاشة.

اعتمد بحث نهوند القادري عيسى على الاستماع إلى آراء وتجارب عينة من النساء لمعرفة كيف يستخدمن الفضاء الرقمي، ويتعاطين مع واقعهن وقيودهن الاجتماعية، وإلى أي درجة حقق لهن ذلك استقلالية حقيقية.

صحيح أن الفضاء الرقمي سهَّل على النساء الوصول إلى المعلومات، واكتساب خبرات جديدة، وتكوين شبكة علاقات تتخطى الحدود الجغرافية، لكن في الوقت نفسه، ولّد لديهن نوعاً من فقدان الثقة بالمعلومات، وتسبب بشيء من الإرباك. فالمعلومات المتدفقة والمتناقضة، جعلت النساء يتعاملن بحذر أحياناً، وحيرة في أحيان أخرى. ومنهن من تقع ضحية لوصفات جاهزة، أو أفكار متطرفة.

وبالتالي فنحن أمام أشكال جديدة للهيمنة الناعمة، وتشّكل مرجعيات جديدة كالمؤثرين والخبراء، ومدعي المعارف، ممن يمارسون سلطة بديلة عن السلطات التقليدية التي هي في طور التفكك.

وتُرينا الدراسات تفاعلاً تبادلياً بين العالمين الرقمي والواقعي. فسلوكيات النساء وخياراتهن في الفضاء الرقمي تتأثر بواقعهن الاجتماعي، والعكس بالعكس.

باختصار، يخلص هذا المحور إلى أن الفضاء الرقمي ليس أداة للتحرر، بل ساحة معقدة تمنح فرصاً، ولكنها تطرح في الوقت نفسه إشكاليات جديدة حول السلطة والثقة والهوية، مما يستدعي تعاملاً نقدياً وحذراً من النساء.

المنصات عزّزت حضور المرأة في الفضاء العموميّ، ومنحتها الأدوات الفعّالة للمطالبة بحقوقها، لكنها أسهمت أيضاً في إضعافها في الوقت ذاته. فهذه التكنولوجيا لم تغيِّر في طرق الحصول على الأخبار والمعلومات وطبيعتها فقط، بل غيّرت نمط المعيشة والعلاقة بين الأفراد، بالنسبة إلى نصر الدين لعياضي. بينما رأت رفيف صيداوي أن وصول النساء العربيات إلى المعلومات لم يؤدِّ بالضرورة إلى المعرفة المتمنَّاة، بسبب تنشئة ترسخت فيها قيم الجمال الأنثوي والشعور الزائف بالتمكين المتأتي من منطق الاستهلاك.

هكذا فإن آليات تشغيل الخوارزميات فرضت على النساء، اللواتي طمحن إلى الاستفادة من المعرفة الرقمية، والفرص التكنولوجية، نوعاً آخر من السيطرة، تمارسه عليهن الشركات الكبرى، التي حصرت المستخدمين في حلقات محددة، بحيث يبقى المستهلك يدور في فلك من يشاركه الأفكار، مما يعزز الانعزالية الفكرية، ويبعث على خفض مستوى التسامح وتقبُّل الآخر، ويعزز الانقسامات الاجتماعية والشعور بالكراهية، حسبما توصلت إليه بيسان طي.

على الضدّ من ذلك تجد تغريد السميري أن ثمة نماذج إيجابية، وأن المنصات الرقمية تسمح بالتفاعل بين الأجيال، مستدلَّةً بتجربة دلال أبو آمنة في برنامجها «مشوار ستّي»، الذي أعاد التواصل مع ذاكرة الجدات، وضخها بالحياة، عبر الفضاء الرقمي. ونرى بصحبة السميري كيف تتجوَّل النساء بين المدن والأحياء الفلسطينيّة، وتقام اللقاءات والحفلات بين الأهالي وهم يحتفلون بإحياء التقاليد الفنّية والاجتماعيّة، ويستمعون إلى قصص إنسانيّة، في محاولة لاستعادة ما مزَّقه الاحتلال، وربط المناطق بعضها ببعض. تكتب السميري: «هؤلاء الحفيدات استطعن عبر الفضاء الرقمي أن يُعِدن الاعتبار لمرجعيّة الجدّات وأن يُصَدّرن ذاكرتهن عن وطنهن المسلوب إلى العالم».

في المحور الثاني الذي يُعنى بـ«سلوك النساء المعلوماتي وأصواتهنّ في العالم الرقمي»، تعقد مود اسطفان مقارنةً بين الدراسات النسائيّة الأجنبيّة المعنيّة بالسلوك المعلوماتي، والدراسات العربية. وتبيَّن لها أن مقاربات الباحثات الأجنبيات جاءت تجديديّة خارج التقاليد الذكورية السائدة، ولها اهتمامات إنسانية وبالفئات الاجتماعية المهمشة، وهو ما تفتقر إليه دراسات الباحثات العربيّات حول السلوك المعلوماتي في البيئة الرقميّة. إذ ترينا اسطفان أن إسهامات النساء العربيات بقيت محدودة، وأغلبيّتها تبحث في مناطق تقليدية، وتتمحور حول استخدام مصادر المعلومات، لا سيَّما الشبكات الاجتماعيّة، والفوارق الجندريّة.

وتتساءل هاجر خنفير عن تمثلات الأنوثة التي تصنعها المؤثّرات العربيات في الفضاء الرقمي، وتَبيَّن لها أنّه على الرغم ممّا أتاحته لهن التكنولوجيا من تحرر من القيود بقي التغيير محدوداً والسمات التقليديّة للأنوثة ثابتة، تدور في دائرة الاستهلاك، الخاضع لمنطق الربح الذي فرضته الوصاية الرأسماليّة على تلك التقنيات. وإن كانت بعض التصورات النمطية عن الأنوثة انتقلت من كونها الموضوع لأن تصبح هي المنتج نفسه.

ومن خلال دراسة حالة 25 امرأة لبنانية على شبكات التواصل وبمعاينة المحتوى الذي يقدمنه، الذي قُسِّم إلى ثلاث فئات: محتوى المعلومة، ومحتوى الاستعراض الذاتي، ومحتوى الترويج للعلامات التجاريّة. وجدت لمى كحّال أن المعلومات المُستقاة من العلم والخبرة العملية التي تقدمها النساء على الشبكة هي الأمتن رغم اعتماد صانعاتها على صورتهن الشخصيّة. في حين أن المحتوى القائم على الاستعراض الذاتي يكرِّس النموذج النمطي حول جمال المرأة. أما ما يتحكم في محتوى الترويج، فهي الماركات التجاريّة. وتلحظ كحّال أنه رغم صعوبة الواقع اللبناني، ثمة غياب مدوٍّ للقضايا الكبرى عن المحتوى النسائي. وتخلص إلى أن صانعات المحتوى لا يلتفتن إلى الواقع وما يشوبه من حروب ولا حتّى إلى قضايا النساء ومشكلاتهنّ في لبنان. مما يعني أن هاجس الربح المادّي السريع هو أحد العوامل الرئيسية المُؤَثّرة بعملهن.

في حين تدرس دينا الخواجة حالة عشرين امرأة مصرية، وتتبع تفاعلهن مع حرب غزة، لتخلص إلى أن النساء ابتعدن عن التسييس، وتمكنَّ من تفادي الخسارة المادية ورقابة الخوارزميات، وتعاطين مع هذه الكارثة من منطلقات إنسانيّة ودينية، ووجدن أنفسهنّ أمام ضرورة تطوير أدوات تضامنهنّ، في ظل حرب الإبادة، لتجييش المشاعر، وجمع التبرعات، وحشد التأييد، من منطلقات دينية وإنسانية، بعيداً عن التسييس، متهرباتٍ من التضييق السياسي.

أما رانية جواد ومادلين الحلبي فتركَّز اهتمامهما على شهادات الفلسطينيات الحية، التي روينها من خلال شبكات التواصل. قصص روت عمق المعاناة اليوميّة. النساء الغزَّيات في رواياتهن تحايلن على سياسات المنع، وفي المساحة الممكنة من استخدام شبكة الإنترنت، سردن يومياتهن، مستغلات كلّ دقيقة إنترنت قبل أن يقرر الاحتلال عزلهن عن العالم. هكذا أصبحت شبكة الإنترنت مكاناً للحصول على الدعم النفسي ومصدراً لتبادل المعلومات والاطمئنان على الأقارب، وكذلك توثيق الارتكابات والمجازر التي تغيب عن وسائل الإعلام. خلصت الباحثتان إلى أن المنصّات صارت أداةً للتوثيق والمقاومة في وجه الإبادة والعنف الاستعماري، وفعل مواجهة.

«تحدِّيات تفلُّت النساء من المرجعيَّات في البيئة الرقميَّة» هو عنوان المحور الثالث، حيث ضاعفت التكنولوجيا مشكلةَ البطالة، وأحدثت شرخاً بين شرائح المجتمع، وباعدت بين المستجد والثقافة التقليديّة، وأعلت من شأن الفردانية، وطغت ثقافة الاستهلاك. عزّة سليمان تجد أن النساء ُفعّلنَ وجودهنّ من خلال أدوات الثورة الرقميّة، من جهة، لكنهن وجدن أنفسهنّ ضحايا لأدوات السوق، من جهة أخرى، مما حولهن إلى أدوات، أكثر من كونهن عنصراً فاعلاً.

وحول الاقتصاد الرقمي ودوره في التنمية، تطرح زهور كرّام، من المغرب، أسئلة حول إذا ما أمكن تحقيق التوازن بين استثمار التكنولوجيا والمحافظة على خصوصيات النسق المجتمعي المغربي، وتخلص كزميلاتها الباحثات في الكتاب إلى أن الرقميّة قد تسهم في دمقرطة فرص العمل للنساء، لكنها في الوقت عينه تطرح تحدّيات جديدة عليهن.

إصلاح جاد تحاول أن تفهم أسباب نجاح جهات دينية في تأليب الرأي العام على منظمات حقوق المرأة، وتحديداً تلك التي حاولت التسويق لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). تعتمد الدراسة على مراجعة رسائل وسائل التواصل الاجتماعيّ للمشاركات في الترويج للاتفاقيّة وكذلك الرسائل المضادة لها التي شهَّرت بالاتفاقية، وحصدت التعاطف والتأييد.

ويخلص البحث إلى أن نجاح هؤلاء في التأثير في الرأي العام، يعود إلى تجاهل الوضع الخاص في فلسطين. إذ ركزت الاتفاقية بشدّة على حقوق المرأة والطفل، فيما تم تجاهل حقوق الشعب بأكمله، مما جعل الطرح غير مقنع.

ويُختم الكتاب بفصل رابع فيه شهادات حية لنساء تروين تجاربهن حول اهتزاز المرجعيات وانعدام اليقين عند النساء. النساء الغزَّيات تحايلن على سياسات المنع فسردن يومياتهن على الإنترنت قبل أن يعزلهن الاحتلال عن العالم


مقالات ذات صلة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».