فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة أكد لـ {الشرق الأوسط} أنه من الصعب التوصل إلى حل في سوريا من دون إيران

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف
TT

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

يعتبر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان من أبرز الدبلوماسيين الأميركيين، إذ عمل قرابة 30 عاما في وزارة الخارجية الأميركية واختص في شؤون الشرق الأوسط. واشتهر فيلتمان بعد أن أصبح من أبرز السفراء الأميركيين في العالم العربي، خلال شغله منصب السفير الأميركي لدى لبنان بين عامي 2004 و2008. وبعد أن تولى منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى عام 2009 أسهم في تنفيذ سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما في المنطقة بعد وصوله إلى البيت الأبيض وعمل عن كثب مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، ولكنه قرر ترك وزارة الخارجية الأميركية بعد إعلان كلينتون عزمها على الاستقالة من منصبها في ولاية أوباما الرئاسية الثانية. وتولى فيلتمان منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في يوليو (تموز) 2012، حيث يتولى ملفات واسعة النطاق ويركز جهوده في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى الإشراف على مساعدة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات حول العالم. والتقت «الشرق الأوسط» فيلتمان في مكتبه بنيويورك بعد انتهاء النقاش العام الرفيع المستوى للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة لبحث أبرز ملفات الشرق الأوسط، مع التركيز على سوريا وآلية تطبيق إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012 بدعم من مجلس الأمن للأمم المتحدة وأطراف إقليمية عدة يعتبرها فيلتمان أساسا لحل الأزمة السورية سياسيا. كما تحدث فيلتمان عن إيران التي زارها في أغسطس (آب) الماضي، الأمر الذي كان شبه مستحيل عند عمله في وزارة الخارجية الأميركية. وفيما يلي أبرز ما جاء الحوار:

* لنبدأ الحدث في مناقشة سوريا وقرار مجلس الأمن 2118 الذي أقر الأسبوع الماضي، ما أهمية القرار من حيث تقريب إمكانية التوصل إلى حل سياسي في سوريا؟
- إنه أمر مهم من نواحٍ عدة، أولا هناك القضية التي يتمحور حولها القرار وهي الأسلحة الكيماوية، والتي لم تؤكد الحكومة السورية سابقا أنها تمتلكها. الآن يجب أن تدمر هذه الأسلحة، وهذا أمر مهم بحد ذاته، إذ إنه ينزع هذا النوع من السلاح الكريه من الترسانة السورية. الأمر الثاني هو أن القرار كسر شلل مجلس الأمن، الشلل الذي سكن مجلس الأمن منذ عامين ونصف العام، بينما يذبح السوريون. وأعتبر أن هذا أمر مهم جدا لأننا نستطيع أن نقول الآن إنه بإمكان مجلس الأمن العمل سويا حول سوريا، وضمن هذا القرار هناك فقرة تطالب بعقد مؤتمر جنيف بأسرع وقت ممكن، فبات لدينا زخم وراء العملية السياسية. علينا أن نترجم هذا التطور إلى مؤتمر، وأن ندفع السوريين وداعميهم الإقليميين والدوليين للتركيز على أساليب سياسية بدلا من عسكرية، ولكننا في وضع أفضل بكثير مما كنا عليه قبل أسبوعين في معالجة الأزمة السورية. لا أريد أن أقلل من حجم التحديات التي تواجهنا، ولكن أقول لكل من قال إن مجلس الأمن عاجز عن العمل وإن الأمم المتحدة باتت غير معنية بالأزمة السورية (ما عدا المساعدات الإنسانية)، أثبت قرار الأسبوع الماضي أن هذه النظرية خاطئة.
* ولكن مع ذلك، القرار أشار إلى الفصل السابع ولكن لم يصدر بموجبه، وإذا فشلت الأطراف السورية في الالتزام به، يمكن أن يعود مجلس الأمن إلى نفس الخلافات السابقة.. البعض يرى أن القرار أعطى الحكومة السورية فسحة لعدم الالتزام بواجباتها الأخرى، بما في ذلك وقف قتل الأبرياء بأسلحة أخرى..
- قرار مجلس الأمن لا يعطينا آلية لوقف تدافع الأسلحة إلى سوريا أو وقف استخدامها، أنتِ على صواب، ولكنه يتعامل مع نوع من الأسلحة السيئة بشكل خاص، ولكن لننظر إلى ما تحقق، لدينا اتفاق روسي - أميركي بأنه يجب ألا تستخدم هذه الأسلحة في سوريا ويجب ألا تكن متاحة لأي طرف يقاتل في سوريا أو يأخذهم من سوريا. هذا أمر ذو معنى، ولدينا أيضا اتفاق روسي - أميركي يعود لـ7 مايو (أيار) حول ضرورة جمع السوريين حول الطاولة بهدف تطبيق الإعلان الذي جرى التوقيع عليه في جنيف العام الماضي، لم يكن لدينا أي من هذه الأمور قبل بضعة أشهر. لم يكن لدينا اعتراف من السوريين بأن لديهم هذه الأسلحة قبل بضعة أسابيع، فإذا بنا ننظر إلى هذه العملية خطوة تلو خطوة، انتقلنا من مجلس الأمن منقسما إلى واحد فيه إجماع. وفريق الأسلحة الكيماوية وصل إلى دمشق الثلاثاء وسنرى كيف تسير الأمور على واقع الأرض، ولكن من خلال مناقشاتنا الأسبوع الماضي ومن خلال تواصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مع أعضاء مجلس الأمن، نعتقد أن الروس والأميركيين صادقون في تطبيق هذا القرار.
* هذا الاتفاق على أسلحة سوريا الكيماوية سمح بمجال لدفع المسار السياسي، ولكن إذا عقد اجتماع جنيف سيكون فقط بدءا لعملية مطولة، هل ممكن أن تنجح ما دام الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه؟
- هناك قضيتان يختلف الناس حولهما عندما يتحدثون عن الشروط لعقد مؤتمر جنيف، الأولى هو عن ميزان القوة العسكرية على الأرض ومن يسيطر على أي قطعة الأرض، والثانية هي ما دور الرئيس الأسد؟ برأيي، عندما أنظر إلى إعلان جنيف من العام الماضي وأفكر بطريق إلى الأمام، أعتقد أن النقطتين تقتربان من أن تكونا غير مهمتين، إنهما ليستا أساسا لما نريد تحقيقه في جنيف. إعلان جنيف يضع أسلوبا سياسيا لحل الأزمة في سوريا، مسار سياسي يتم تطبيقه بالتراضي المتبادل. وهذا يعني أنه من غير المهم من يسيطر على أي قرية، إذن لابد من اجتماع السوريين حول طاولة الحوار بنية حسنة من أجل تطبيق إعلان جنيف التي تتحدث عن وضع جميع السلطات التنفيذية تحت تصرف هيئة للحكم الانتقالي الذي سيشكل بالتراضي، وذلك يعني أن دور الرئيس الأسد يجب ألا يكون مفصليا في تحديد التوصل إلى اتفاق حول الجلوس على طاولة الحوار. العناصر التي نحتاجها من أجل فرص أفضل لنجاح مؤتمر جنيف هي مجيء المشاركين إلى جنيف على استعداد للتفاوض على تطبيقها في بعض الأحيان، وذلك يعني أن تأتي الأطراف السورية نفسها، إذا كانت تمثل المعارضة أو الحكومة، بنية جدية للعمل على تطبيق إعلان جنيف. وذلك يعني في أحيان أخرى أن يأتي الشركاء الإقليميون والدوليون بالتزام لهذا المبدأ، حتى يرى السوريون أنه لا يوجد خيار آخر، لا يوجد مخرج آخر عدا تطبيق إعلان جنيف. وأعتقد أن إعلان جنيف يعطينا جوهر ما سنتفاوض حوله في جنيف، لا نعلم من سيكونون أعضاء هيئة الحكم الانتقالي أو آلية نقل السلطات التنفيذية كاملة لها، ولكن نعلم ما نريد تحقيقه وهو هيئة حكم انتقالي مبني على التراضي المتبادل.
* قلت إن على هيئة الحكم الانتقالي المرتقبة أن تشمل ممثلين عن الحكومة السورية الحالية المعارضة، ولكن أليس من المقلق أن أطراف المعارضة المتوقع حضورها جنيف لا تمثل جميع العناصر الفعالة على الأرض في سوريا؟
- إنني قلق من الطرفين، قلق من أن الحكومة تعتقد أن بإضافة بعض الوجوه الجديدة إلى مجلس الوزراء الحالي وإطلاق اسم هيئة الحكم الانتقالي سينتهي الأمر. ومن الواضح أن ذلك لن يغير الوضع على الأرض ولن يعطي من يريد التغيير الشعور بأن هناك سوريا جديدة وتفاهما جديدا في سوريا حول الحكم. إنني أيضا قلق من طرف المعارضة بسبب التنوع الشاسع في المعارضة التي يعني أنها لن تستطيع أن تأتي مع وفد موحد يعتبر ممثلا وذات سلطة (للمعارضة)، وهو جزء من واجبنا، ليس للأمم المتحدة، بل كل من يريد حلا سلميا للمأساة التي اجتاحت سوريا، أن نعمل مع المعارضة وقوى المعارضة كي يعلموا ما هو مطلوب منهم في جنيف، وأنتِ على صواب في أن التمثيل المتوقع للمعارضة لن يشمل كل المجموعات التي تقاتل على الأرض، لا أتخيل وجود جبهة النصرة في جنيف على سبيل المثال، ولا أتوقع أن أيا منا يريد أن يراها هناك. ولكن إذا كان لديك عملية يمكن للشعب في سوريا أن يراها كأمل حقيقي لحل سياسي وإنهاء النزاع العسكري، أعتقد أن الذين يحاربون سيجدون أنفسهم معزولين، وسيشعرون برفض الشعب لأساليبهم. في الوقت الراهن، يبدو أنه لا يوجد خيار غير القتال، ونرى سوريا تدمر أمام أعيننا، ولكن عندما تبدأ العملية السياسية، وعندما يعمل السوريون لوضع آلية حكم بناء على إعلان جنيف، سيكون بإمكان غالبية السوريين وضع الثقة بمرحلة انتقالية، وسيتراجع التأييد الشعبي للقتال. وهذه هي النظرية وعلينا إثباتها، ولكن هذا التحرك أفضل بكثير من مواصلة مشاهدة سوريا تدمر أمام أعيننا والشعب السوري يعاني بأسى. قلنا لوفد المعارضة إنه في اليوم الأول من المؤتمر عندما تمر الكاميرات على قاعة الاجتماع، على السوريين الجالسين في منازلهم أن يتطلعوا إلى تحسن الأوضاع بعد طول الانتظار، يجب أن يشبه الوفد واقيا سوريا.
* البعض قلق من أن «شبه سوريا» هو خطة للتقسيم بناء على الطائفية، والبعض يريد أن نرى علويا وكرديا ومسيحيا وسنيا وغيرها من تسمية كدليل على التمثيل الشعبي، ولكن الكثير من السوريين يخشون من أن هذا المبدأ هو لتقسيم البلاد، بينما آخرون يخشون من أن عزل النظام السوري سيضرهم..
- أساس خطة عمل جنيف هي أن يقرر السوريون أنفسهم كيف يجري تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ولكن الافتراض الأساسي هو أن الهيئة ستشمل أناسا من هياكل الحكم الحالية والمعارضة. والمفترض أن وضع الهيئة بناء على التراضي المتبادل يعني إشراك ممثلين عن الطرفين.
* لقد قال الرئيس الأسد تكرارا إنه يؤمن بأن الشعب السوري سيقرر من يحكمه من خلال صناديق الاقتراع عام 2014، هل ترى هذه الانتخابات كوسيلة معقولة لإحداث الانتقال السياسي في سوريا؟
- حاليا، نحن نعمل في الأمم المتحدة تحت توجيهات مجلس الأمن، بناء على ما نص عليه قرار 2118، وما نسمعه من دول أساسية أن الطريق إلى الأمام مبني على إعلان جنيف من العام الماضي. فلسفتنا الأساسية هي أن السوريين سيجتمعون في جنيف ليس لبحث «ماذا» سيفعلون، بل كيف وبمشاركة من. لا أرى كيف يمكن إجراء انتخابات وطنية تعتبر ذات مصداقية مع الظروف الحالية داخل سوريا. بالطبع لا نريد أن نقول للسوريين كيف سيحكمون في المستقبل المنظور، ولكن نحن نتحدث عن مرحلة انتقالية مهمة جدا تجلب دعم أكبر عدد ممكن من السوريين لإنهاء مصيبة القتال في سوريا ويسمح للسوريين بوضع خريطة إلى الأمام.
* هناك تساؤلات حول إمكانية دعوة إيران لحضور مؤتمر جنيف، هل تعتبر أنه من المفيد مشاركتها؟
- من الصعب لي أن أتخيل أن حلا في سوريا سينجح إذا لم تكن إيران مشتركة فيه، بشكل أو بآخر. ولكن مثلما قلت، نحن نركز على كيفية تطبيق إعلان جنيف ونريد أن نتأكد من أن أي طرف يقبل دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بالمشاركة، إذا كان سوريا أو غير سوري، أن يفهم أن مشاركتهم بغرض تأييد حل سياسي مبني على إعلان جنيف. ولكن هل أعتقد أنه يجب التواصل مع إيران؟ نعم أعتقد ذلك.
* خلال زيارتك إلى إيران في أغسطس، هل شعرت بأن القيادة الإيرانية مستعدة على أن تكون جزءا من حل سياسي في سوريا؟
- أرسلني الأمين العام أساسا إلى إيران لبحث الوضع السوري، والهدف الأولي كان الحديث مع المسؤولين هناك حول الحاجة إلى التحرك بأسرع وقت ممكن باتجاه حل سياسي لسوريا والابتعاد عن المنطق العسكري الذي أدى إلى كل هذا الدمار في سوريا. ونحو ثلاثة أرباع وقت في إيران كان مخصصا لمناقشات حول سوريا.
* وهل كانت تلك المناقشات مجدية، هل الإيرانيون على استعداد لدعم عملية الانتقال السياسي؟
- المحادثات كانت جيدة، بناءة وعميقة. كان لدينا الوقت الكافي للدخول في تفاصيل تفكيرنا حول هذه القضية. وبالطبع، الأمين العام التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف هنا في نيويورك لإعطاء آرائه حول ضرورة التحرك إلى حل سياسي وتبادل الأفكار مع القيادة الإيرانية. قال الإيرانيون علنا ما يقولونه في اللقاءات المغلقة، وهو التعبير عن قلقهم العميق من التهديد الإرهاب في سوريا، والذي يشكل تهديدا لسوريا وللمنطقة. تحدثوا عن آرائهم حول سوريا ضمن إطار القلق من الإرهاب. وقلنا إن اتخاذ الأسلوب العسكري سيطيل من المعاناة. لا نعتقد أن بإمكان المعارضة أن تطيح بحكومة الرئيس الأسد بالقوة ولا نرى أن حكومة الرئيس الأسد قادرة على هزم المعارضة بالقوة. نحن بحاجة إلى حل سياسي وهذه رسالتي للإيرانيين.
* الأسبوع الماضي كانت هناك تطورات تاريخية في نيويورك، بما فيها اتصال بين الرئيسين أوباما وروحاني. التداعيات لا تخص فقط الملف النووي الإيراني، بل المنطقة كلها. من خلال محادثاتك مع الإيرانيين، هل تتوقع أن نرى تراجعا في التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية؟
- أمل ذلك، خلال السنوات القليلة الماضية رأينا تصعيدا هائلا في التوتر السني - الشيعي على سبيل المثال. وهذا أمر يشكل مخاطر حقيقية للدول التي تتمتع بتنوع إثني وعرقي، وأفكر هنا بدول مثل لبنان والعراق وسوريا وغيرها. التوتر السني - الشيعي برأينا لديه القدرة على وضع المنطقة في مخاطر حقيقية، ولا أرى كيف يمكن التخفيف من التوتر السني - الشيعي ما دام القتال في سوريا مستمرا، ربما القتال لم يبدأ طائفيا، ولكنه أصبح بهذا الاتجاه. أعتقد أنه لا بد من تواصل مع كل اللاعبين الإقليميين لتنبيههم إلى خطورة الصراع السوري خارج سوريا، بالإضافة إلى اهتمام الرئيس روحاني الواضح للتواصل مع العالم يمكن أن يخفف من التوتر والتحرك تجاه التهدئة. الأمر لن يكون تلقائيا أو سهلا، ولكن هناك فرصة الآن للدبلوماسية. كان شهر سبتمبر (أيلول) مهما للدبلوماسية الدولية مقارنة مع أعوام سابقة من النقاش العام.
* الرئيس اللبناني ميشال سليمان حصل على دعم كبير هنا في الأمم المتحدة، بإطلاق مجموعة الدعم الدولي للبنان برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة، وهو يعتبر الآن اللاعب الأساسي لحماية استقرار لبنان الهش مع تعطيل تشكيل الحكومة. ولكن كيف يمكن أن يستمر الوضع خاصة مع لعب حزب الله دورا ظاهريا وفعالا في الصراع السوري؟
- الرئيس سليمان يستحق الكثير من الإشادة للاستقرار النسبي الذي يتمتع به لبنان، فلبنان يعاني بالطبع من الكثير من المشكلات، ورأينا ما حدث في طرابلس ورأينا القنابل في الضاحية الجنوبية، ومخاطر انفجار طائفي موجودة دائما في لبنان. ولكن إذا نظرنا إلى الكارثة في سوريا والروابط بين سوريا ولبنان، فإن عدم انزلاق لبنان هو إنجاز مهم من قبل اللبنانيين أنفسهم، وميشال سليمان أيضا هو الذي عمل بشكل رائع على إبقاء لبنان بعيدا قدر الإمكان من تسرب المشكلات السياسية والأمنية في سوريا. الأمين العام يقر بالمخاطر التي تواجه لبنان والعبء الهائل الذي يحمله لبنان من اللاجئين الذي وصل عددهم إلى ما بين 800 و900 ألف، ولهذا يريد الأمين العام بدء عملية، ليس فقط عقد اجتماع واحد، بل عملية مع الرئيس سليمان لجذب الدعم لقوات الأمن اللبنانية التي تقوم بعمل بطولي لحماية أمن لبنان. وهناك أيضا هدف باستخدام هذه العملية لجذب المزيد من المساعدات لدعم العائلات والمجتمع المضيف للسوريين، وأيضا بصراحة نريد تقديم دعم سياسي لحكومة لبنان في هذا الوضع الصعب. هناك فراغ في مجلس الوزراء ولم تجر انتخابات برلمانية، فالرئاسة الآن تعتبر أساس الشرعية اللبنانية، وأعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة أراد أن يظهر دعما سياسيا لمكتب الرئاسة اللبنانية، بالإضافة إلى دور ميشال سليمان. لدينا ميزة فيما يخص التعامل مع لبنان وهو إجماع أعضاء مجلس الأمن على أهمية لبنان ودعمه. نأمل أن يسهم هذا الاجتماع ليس فقط في ضرورة دعم لبنان، بل أيضا أن يستخدم مع قرار مجلس الأمن 2118 للعمل بشكل أفضل على معالجة الأزمة السورية مباشرة.
* هل يشمل ذلك معالجة تدخل حزب الله في سوريا؟
- هذه قضية صعبة جدا. مجلس الأمن أوضح من خلال بيانات رئاسية أن سياسة الرئيس سليمان بالنأي عن النفس سياسة يدعمها مجلس الأمن ويفهمها. أفضل طريقة لحماية لبنان هي من خلال عدم جر لبنان إلى الصراع السوري. ولكن كما تعلمون هناك مقاتلون من كلا الطرفين الذين دخلوا سوريا ويدعمون الطرفين في سوريا، وهذا أمر خطير جدا للبنان، ولقد قلنا ذلك. وأعتقد أن ميشال سليمان كان شجاعا في الوقوف ضد مثل هذا التدخل في القتال داخل سوريا، إذا كان من طرف حزب الله أو من المجموعات السنية. وأحد الأسباب التي تدفع مجموعة الدعم الدولي للسعي إلى مساعدة القوات اللبنانية المسلحة لأنها أظهرت القدرة على منع بعض القتال من الانتقال سوريا إلى لبنان. وتدخل حزب الله في سوريا لا يساعد لبنان.
* الحدود السورية مع العراق أيضا تشكل خطرا حاليا، هناك مخاوف من أن الحدود لا تخضع لسيطرة حكومية من الطرفين، بينما تزداد قوة «دول الإسلام في العراق والشام»، وهناك مقاتلون آخرون من العراق يقاتلون إلى جوار الحكومة.. لقد زرت العراق أخيرا، هل وجدت أن الحكومة العراقية حازمة في منع هؤلاء المقاتلين؟
- كنت في العراق في أغسطس (آب) الماضي، وظهر أنه أكثر الشهور دموية في العراق منذ خمس سنوات. كل زعيم عراقي التقيت به عبر عن قلق عميق من زيادة العنف في البلاد. ولا شك أن هناك امتدادا من سوريا، ولكن هناك أيضا شلل سياسي داخل العراق يساهم في الظروف المؤدية إلى هذا العنف، كما أن العراق يستعد لانتخابات جديدة. وهذه العوامل الثلاثة؛ امتداد العنف من سوريا والشلل السياسي والانتخابات المقبلة، تزيد التحدي أمام العراقيين للتعامل مع التهديد الأمني حاليا، لأن هناك أطرافا يهمها تصاعد العنف بأهداف سياسية. ما يقلقني أن الكثير من الذين التقيتهم في العراق يرون القتال من منظور طائفي فقط. لم أشعر بأن هناك حوارا أو تنسيقا بين القادة العراقيين الذي يأمل به المرء رغم التهديدات الأمنية الحقيقية وذبح العراقيين يوميا. ومع اقتراب الانتخابات، يصبح من الأصعب توحيد الصف. الأحزاب والقادة السياسيون يريدون أن يظهروا فرقهم عن الآخرين مع اقتراب موعد الانتخابات العام المقبل، بدلا من ظهوره نحو العمل بشأن سوريا. ولكن التهديد الأمني في العراق حاليا بات خطيرا إلى درجة أننا نشجع جميع العراقيين، بغض النظر عن خلافاتهم، أن يعالجوا هذا التهديد الحقيقي. ولكني حقا تشجعت من التزام الجميع بإجراء الانتخابات في موعدها. العراق لديه سجل قوي جدا لإجراء الانتخابات في موعدها، بالأوقات الجيدة والسيئة، هذا سجل يثير الإعجاب، ونحن نعتقد أنه من المهم جدا الالتزام بهذه الروزنامة، عبر الجميع، من رئيس الوزراء إلى كل الساسة، عليهم الالتزام بموعد الانتخابات.
* يبدو أن هناك شبه إجماع من كل الدول المعنية بالملف السوري، الدول العربية وروسيا والولايات المتحدة وإيران، على ضرورة مكافحة الإرهاب ويجب أن يجمع ذلك الجميع في معالجة الملف السوري.. هل الخوف من عناصر «القاعدة» بات سببا أقوى للتوصل إلى اتفاق من مقتل أكثر من 115 ألف سوري وتشريد الملايين؟
- هناك اعتراف متنام أنه كلما زاد القتال، المأساة لا تقتصر على القتلى والمشردين، بل إن هناك مشكلة بعيدة الأمد من الإرهابيين ستخرج من سوريا. وأعتقد أن هناك تركيزا على هذا التهديد الإرهابي الذي يعيدنا إلى جنيف، لأنه عند التوصل إلى هيئة حكم انتقالي، يسمح لأناس من الحكومة والمعارضة بالعمل معا، يمكن أن يكون هناك أسلوب متفق عليه لتوحيد سوريا وعزل تلك المجموعات التي لا يمكن أن تكون جزءا من جمهورية سورية جديدة.
* هناك تطور مهم آخر وهو بدء محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بجدول زمني محدد.. هل يمكن أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق خلال مدة تسعة أشهر مثلما حدد الأميركيون؟ وما هو الخيار الآخر لو لم يتحقق ذلك؟
- لا أعلم ما هي الخطة البديلة، الأميركيون ملتزمون كليا بالخطة الحالية والفلسطينيون والإسرائيليون أيضا قالوا إنهم ملتزمون بالخطة الحالية، لا أحد يتحدث عن خطة بديلة. ما أثار إعجابي حتى الآن هو احترام الإسرائيليين والفلسطينيين لقوانين اللعبة، لقد رأيت محادثات سابقة يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون مباشرة بعد المحادثات ويهرولون إلى الإعلام وينتقدون الطرف الآخر ويعطون نسختهم هم مما يحدث في المفاوضات. لا يحدث ذلك الآن. نعم الفلسطينيون والإسرائيليون يعلنون، وأحيانا بقوة، عن مواقفهم للإعلام ولكن لا يتحدثون عن موقف الطرف الآخر أو ما يجري في قاعات الاجتماع، لا يسربون تفاصيل المحادثات الجارية، وهذه كانت أحد التفاهمات مع الأميركيين. الالتزام بهذه التفاهمات يشير إلى أن الطرفين ملتزمون بجدية المفاوضات. الأمين العام استضاف الرباعية الدولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة) مع المفاوضين الفلسطيني صائب عريقات والإسرائيلية تسيبي ليفني وأكدا التزامهما بالمفاوضات والمضي قدما في العمل، وأنهما عبرا عن ارتياحهما للمفاوضات، وأن كل طرف يعمل بحسن نية ولكن لم يدخلوا في التفاصيل، وذلك بناء على ما تم الاتفاق عليه، إذ لا تكشف هذه التفاصيل. ولكن بعد 20 عاما من المحادثات، المطلوب ليست مفاوضات مطولة بل قرارات.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.