النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أزمات عالمية تثبت أن النقود الورقية تبقى الملاذ الأخير

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
TT

النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت المدفوعات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد والشركات على حد سواء. فالهواتف الذكية، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات المصرفية، والعملات المشفرة، لم تعد خيارات مستقبلية؛ بل أصبحت واقعاً يومياً يهيمن على المشهد المالي العالمي.

ومع هذا الانتشار الرقمي الواسع، أثارت دراسة حديثة للبنك المركزي الأوروبي تحت عنوان «حافظ على هدوئك واحتفظ بالنقود» جدلاً واسعاً؛ حيث دعا البنك من خلالها مواطني منطقة اليورو إلى الاحتفاظ ببعض النقود الورقية في منازلهم، معتبراً إياها شبكة أمان أساسية تحميهم في حال تعطل أنظمة الدفع الرقمية.

تكمن قوة هذه الدعوة في التناقض الظاهر فيها: بينما يشجع العالم على التحول الرقمي الكامل وتقليص الاعتماد على النقد الورقي، يصر «المركزي الأوروبي» على ضرورة الاحتفاظ بالنقود الورقية كوسيلة لضمان الاستقرار المالي والمرونة في الأزمات. ويعكس هذا التناقض مفارقة جوهرية: على الرغم من التقدم الهائل في المدفوعات الرقمية وسهولة الوصول إليها، يظل النقد الورقي محافظاً على دوره الأساسي، ليس فقط كأداة دفع؛ بل كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين المالي أو التقني.

فقد أثبتت الأزمات الأخيرة -سواء أكانت صحية أم سياسية أم تقنية- أن النقد الورقي يؤدي دوراً لا تستطيع الوسائل الرقمية منافسته فيه، بدءاً من حماية الأفراد والمؤسسات أمام تعطل الأنظمة الإلكترونية، وصولاً إلى توفير السيولة الفورية عند انقطاع الخدمات الرقمية أو وقوع صدمات اقتصادية مفاجئة.

رجل يستخدم هاتفه للدفع عبر خدمة الهاتف المحمول «أبل باي» في مقهى بموسكو

المدفوعات الرقمية: نمو مستمر

تشير البيانات إلى أن المدفوعات الرقمية شهدت نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي؛ إذ ارتفعت قيمة المعاملات عبر المحافظ الرقمية من 1.6 تريليون دولار في 2014 إلى 15.7 تريليون دولار في 2024. ويُعزى هذا النمو إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتحسين البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وتغير تفضيلات المستهلكين بعد جائحة «كوفيد-19».

وتُعد التجارة الإلكترونية من أبرز المحركات لهذا التوسع الرقمي؛ إذ ارتفعت قيمتها من نحو 9.09 تريليون دولار في 2019 إلى توقعات تصل إلى 27.15 تريليون دولار بحلول 2027، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 14.7 في المائة. كما شهدت المدفوعات عبر الهواتف المحمولة نمواً ملحوظاً؛ إذ من المتوقع أن تصل قيمة المعاملات إلى 3.31 تريليون دولار بحلول 2027، ما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستهلكين نحو الدفع الرقمي السريع والمريح.

النقد صامد رغم المد الرقمي

رغم هذا المد الرقمي، يظل النقد صامداً. فحسب تقرير النقد العالمي 2022، ارتفعت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول بين 2011 و2020، ما يعكس قدرة النقد على التكيف مع التطورات الرقمية، ومكانته المستمرة كوسيلة دفع مفضلة لدى شريحة واسعة من السكان.

ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن النقد يحتفظ بخصائص فريدة، تزيد من أهميته في الأزمات: ملموس، ومرن، وغير متصل بالإنترنت، ومقبول على نطاق واسع. كما بقيت قيمة أوراق اليورو المتداولة مستقرة عند أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر الأخيرة، مع زيادة مؤقتة خلال جائحة «كوفيد-19»، ثم اعتدال منذ منتصف 2022 بفعل ارتفاع أسعار الفائدة.

الطلب على النقد أثناء الأزمات

تُعد الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية من أبرز العوامل التي تدعم استمرار الطلب على النقد. ففي حين يقل استخدام النقد اليومي مع التوسع الرقمي، يزداد الاعتماد عليه كخيار احتياطي لتلبية الاحتياجات الطارئة. وأظهرت دراسة المركزي الأوروبي 4 أزمات رئيسية:

1- جائحة «كوفيد-19»: مع تفشي الجائحة مطلع 2020، شهد الطلب على الأوراق النقدية قفزة استثنائية؛ حيث ارتفع صافي الإصدار بأكثر من 140 مليار يورو (164.58 مليار دولار) بنهاية العام، أي بزيادة تجاوزت 130 في المائة عن المتوسط السنوي قبل الجائحة. ورغم تراجع استخدام النقد اليومي نتيجة الإغلاقات والمخاوف الصحية، ارتفعت الحيازات النقدية للأفراد داخل المنازل، ما يعكس ما تُسمَّى «مفارقة الأوراق النقدية»: زيادة الحيازات رغم انخفاض الاستخدام في المعاملات.

2- الحرب الروسية على أوكرانيا: في فبراير (شباط) 2022، أدى الغزو الروسي إلى ارتفاع حاد في الطلب على النقد؛ خصوصاً في الدول المجاورة، نتيجة مخاوف عدم اليقين الجيوسياسي، واحتمال تعرض البنية التحتية لهجمات إلكترونية. وبلغت الزيادات في صافي الإصدار اليومي نحو 36 في المائة في الشهر الأول من الصراع، في دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بينما ظلت الدول الأبعد عن النزاع قريبة من مستوياتها التاريخية.

3- انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الأيبيرية: أثبت النقد دوره الحيوي خلال انقطاع واسع للتيار الكهربائي في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ تعطلت أنظمة الدفع الرقمية، بما في ذلك نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية. وأدى الانقطاع إلى تراجع الإنفاق بالبطاقات بنسبة 41– 42 في المائة، والانخفاض في التجارة الإلكترونية بنحو 54 في المائة، بينما أصبح النقد الوسيلة الوحيدة المتاحة للأشخاص الذين امتلكوه، مما يعكس أهميته كخيار احتياطي خلال الأعطال.

4- أزمة الديون السيادية في اليونان: خلال أزمة الديون اليونانية 2014– 2015، ارتفع صافي إصدار الأوراق النقدية من بنك اليونان بشكل ملحوظ، متجاوزاً التقديرات الافتراضية مرات عدة، نتيجة حالة عدم اليقين السياسية والمالية. ووصل متوسط الإصدار اليومي خلال فترة الأزمة إلى 72 مليون يورو (84.64 مليون دولار) أعلى من المتوقع، متراكماً إلى نحو 11.2 مليار يورو (13.17 مليار دولار) بعد 6 أشهر، ما يعكس اعتماد المواطنين على النقد كوسيلة أمان ومرونة في مواجهة الأزمة.

رجل يستخدم النقود لدفع ثمن مشترياته خلال تسوقه في ميلانو (رويترز)

تحديات التحول الكامل للشركات

رغم الانتشار المتزايد للمدفوعات الرقمية، لا تزال الشركات -خصوصاً الصغيرة والمتوسطة- مترددة في التخلي عن النقد. يعود ذلك أساساً إلى تكاليف التنفيذ المرتفعة، ورسوم المعاملات على البطاقات والمحافظ الرقمية، بالإضافة إلى المخاطر التقنية مثل الأعطال والانقطاعات.

كما تلعب تفضيلات العملاء دوراً مهماً؛ إذ يفضل كبار السن وذوو الدخل المحدود النقد لاعتبارات الخصوصية والتحكم في الميزانية، كما تعتبر بعض الثقافات الدفع النقدي أكثر ملاءمة في مناسبات معينة، مما يؤكد أن الاختيار الفردي لا يزال عنصراً محورياً في تحديد وسائل الدفع. كذلك يفرض الإطار التشريعي أحياناً قبول النقد لضمان شمول جميع المستهلكين، ما يجعل التحول الكامل إلى مجتمع بلا نقد عملية معقدة.

هل بات الاقتصاد العالمي بلا نقود؟

الإجابة -حسب المعطيات- واضحة: لا، ليس بعد.

يتوقع الخبراء استمرار تراجع استخدام النقد، ولكنه سيظل جزءاً أساسياً من النظام المالي لعقود قادمة. فالمستقبل ليس خياراً ثنائياً بين النقد والمدفوعات الرقمية؛ بل هو نظام متنوع الوسائل يوازن بين الابتكار والأمان.

ولا تُعد دعوة البنك المركزي الأوروبي تراجعاً عن الرقمنة؛ بل هي تأكيد على المرونة والأمن القومي المالي. ففي مجتمع بلا نقود، تصبح القدرة على الصمود أمام الأزمات محدودة؛ لأنه إذا أصبح كل شيء رقمياً، واختُرق النظام المصرفي أو التحويل الإلكتروني، فإنه يمكن تدمير الاقتصاد دون إطلاق رصاصة واحدة، وفق خبراء، مثل جاي زاغورسكي، من جامعة بوسطن، الذي يؤكد أن النقود الورقية ستظل جزءاً أساسياً من المستقبل، وأن الأمن القومي في بعض الحالات يعتمد عليها.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة للبنك المركزي الأوروبي في 2024، إلى أهمية النقد بالنسبة للجمهور؛ إذ يرى 62 في المائة من المستهلكين، أنه من الضروري أن يظل النقد خياراً متاحاً للدفع، مقابل 60 في المائة في 2022، وأبدت غالبية كبيرة (87 في المائة) رضاها عن سهولة الوصول إلى النقود، رغم انخفاضه قليلاً مقارنة بـ89 في المائة في 2022.

الحاجة إلى نهج متوازن

يتطلب مستقبل المعاملات المالية منظوراً متوازناً، يتجاوز التفكير في خيار ثنائي بين النقد والمدفوعات الرقمية. ويجب أن يضمن هذا النهج توفير خيارات دفع متعددة تناسب جميع الفئات، وإتاحة الوصول لأنظمة الدفع للجميع، بما في ذلك الفئات محدودة الوصول للتكنولوجيا، وحماية بيانات المستخدمين، وضمان عدم المراقبة المالية غير المبررة، وتحسين أمان الدفع الرقمي مع الحفاظ على خيار النقد، وتشجيع الابتكار التكنولوجي مع ضمان موثوقية الأنظمة الجديدة، وقدرة النظام على الصمود أمام الأعطال والهجمات الإلكترونية والانقطاعات.

تعكس مفارقة المدفوعات الرقمية (التعايش بين التقدم التكنولوجي السريع واستمرار استخدام النقد) الطبيعة المعقدة لعلاقة المجتمع بالمال واحتياجات السكان المختلفة. ويعتمد تحقيق نظام مالي مستدام على تعاون البنوك المركزية والمؤسسات المالية والشركات والمستهلكين، لضمان فعالية وأمان وشمولية أنظمة الدفع.

أحد الزبائن يدفع باستخدام بطاقة ائتمان داخل متجر في باريس (رويترز)

ضمان مواجهة الأزمات

يوفر النقد أماناً فردياً وعملياً؛ حيث يمنح المستخدمين شعوراً باليقين والتحكم، ويعمل كوسيلة دفع غير متصلة بالإنترنت عند فشل أنظمة الدفع الرقمية أو انقطاع الكهرباء. كما يلعب النقد دوراً حيوياً في مرونة النظام المالي؛ إذ يعمل كإطار احتياطي أساسي، وتساهم الحيازات النقدية الفردية في توزيع السيولة عند تعطل الأنظمة المركزية، ما يجعلها أشبه بـ«التأمين المجتمعي منخفض التكلفة».

ويمتاز النقد أيضاً بالقيمة الاسمية الثابتة، وسهولة الوصول، والخصوصية، مما يفسر استمرار الطلب عليه بقوة في أوقات التوتر، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية التقليدية. وقد أدركت البنوك المركزية في دول مثل هولندا والنمسا وفنلندا هذه الأهمية، فبدأت توصي الأسر بالاحتفاظ بمخزون نقدي يكفي لعدة أيام من المشتريات الأساسية، كما أجرت تجارب على أجهزة صرَّاف آلي مقاومة للانقطاعات لضمان الوصول للنقد في أوقات الأزمات.

وعليه، يعزز هذا النهج دور النقد كالتزام مباشر من البنك المركزي ومتاح للجميع، ليس فقط في المعاملات اليومية؛ بل كركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وثقة الجمهور. فهل يمكن أن يضمن المستقبل المالي التوازن بين الابتكار الرقمي والشمولية الاقتصادية، ويظل النظام قوياً وموثوقاً أمام الأزمات، إذا اختفى النقد الذي يمثل شبكة الأمان الأساسية للفرد والمؤسسات على حد سواء؟


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيك توك» يظهر على هاتف ذكي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يطالب «تيك توك» بتغيير «تصميمه الإدماني»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الجمعة، أنه أبلغ «تيك توك» بضرورة تغيير تصميمه «الإدماني» وإلا فسيواجه غرامات باهظة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في ألمانيا (رويترز)

صانع السياسة بـ«المركزي الأوروبي»: أي ارتفاع كبير لليورو قد يستدعي التحرك

قال صانع السياسة النقدية بالبنك المركزي الأوروبي مارتينز كازاكس في تدوينة يوم الجمعة إن أي ارتفاع كبير في قيمة اليورو قد يدفع البنك لاتخاذ إجراءات.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت، ستوكهولم )
الاقتصاد بائعو أطعمة في أحد شوارع مدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تواصل التراجع في يناير

تراجعت أسعار الغذاء العالمية في يناير للشهر الخامس على التوالي، مدعومة بانخفاض أسعار منتجات الألبان والسكر واللحوم.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد منازل سكنية جديدة في مشروع إسكان بمدينة آيلزبري (رويترز)

أسعار المنازل في المملكة المتحدة تسجل أكبر ارتفاع منذ نوفمبر 2024

أعلنت شركة «هاليفاكس» المتخصصة في قروض الرهن العقاري يوم الجمعة أن أسعار المنازل في بريطانيا سجلت أكبر ارتفاع منذ أكثر من عام في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن )

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».


كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من التفاؤل المفرط بشأن تراجع التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من التفاؤل المفرط بشأن تراجع التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، يوم الجمعة، إن هناك خطراً من أن يبالغ البنك المركزي في التفاؤل بشأن الانخفاض المتوقع في التضخم في أبريل (نيسان)، وإنه من المهم التأكد من أن نمو الأسعار لن يقل عن المستوى المستهدف.

وأضاف بيل أنه كما سعى بنك إنجلترا إلى تجاوز الارتفاع المؤقت في التضخم عام 2025، والذي يعكس جزئياً إجراءات تنظيمية استثنائية، فإنه لا ينبغي له أن يولي أهمية مفرطة لانخفاض التضخم إلى 2 في المائة المتوقع في أبريل، عندما تدخل أسعار الطاقة المنظمة المنخفضة حيز التنفيذ، وفق «رويترز».

وأضاف: «هناك خطر يتمثل في الإفراط في الاطمئنان إلى التراجع الحاد في ديناميكيات التضخم على المدى القصير، الناتج عن الإجراءات المالية الانكماشية التي أُعلن عنها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ما قد يؤدي إلى إغفال المسار الأساسي للتضخم الذي يعكس الضغوط السعرية المستدامة، والتي قد تستمر حتى بعد زوال التأثيرات المؤقتة».

وخلال حديثه إلى ممثلي الشركات عقب قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة في فبراير (شباط)، شدد بيل على ضرورة استمرار السياسة النقدية في التعامل مع أي ضغوط تضخمية مستمرة.

وكان بيل ضمن أغلبية ضئيلة بلغت خمسة أصوات مقابل أربعة داخل لجنة السياسة النقدية، التي صوتت لصالح الإبقاء على سعر الفائدة عند 3.75 في المائة هذا الأسبوع، وذلك عقب خفضه بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأشار بيل، وفق محضر اجتماع لجنة السياسة النقدية الصادر يوم الخميس، إلى أن وتيرة خفض أسعار الفائدة قد تكون سريعة أكثر من اللازم، محذراً من أن الضغوط التضخمية المستقبلية قد تعيق استقرار التضخم عند المستوى المستهدف بصورة مستدامة بعد تراجعه المتوقع في وقت لاحق من العام الحالي.

توقعات بخفض الفائدة تدريجياً إلى 3 في المائة

في سياق متصل، كشف استطلاع نُشر يوم الجمعة أن المستثمرين المشاركين في مسح بنك إنجلترا يتوقعون أن يقوم البنك المركزي بخفض سعر الفائدة الرئيسي تدريجياً ليصل إلى أدنى مستوى عند 3 في المائة بحلول اجتماع مارس (آذار) 2027، مقارنةً بمستواه الحالي البالغ 3.75 في المائة.

ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، تتوقع الأسواق المالية بدرجة كبيرة تنفيذ خفضين إضافيين لسعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال عام 2026، لكنها لا ترجح حالياً هبوط الفائدة إلى مستوى 3 في المائة.

وأجرى بنك إنجلترا استطلاعه الفصلي للمشاركين في السوق خلال الفترة بين 21 و23 يناير (كانون الثاني)، وتلقى 92 استجابة.

وأظهر الاستطلاع أن توقعات تشديد السياسة النقدية الكمية لدى البنك خلال الاثني عشر شهراً التي تبدأ في أكتوبر (تشرين الأول) لم تشهد أي تغيير، إذ استقرت عند متوسط 50 مليار جنيه إسترليني (نحو 68 مليار دولار)، وهو المستوى نفسه المسجل في الاستطلاع السابق الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني).

كما أشار الاستطلاع إلى أن متوسط توقعات عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات قد يرتفع إلى 4.25 في المائة بحلول نهاية عام 2026، مقارنةً بتوقعات سابقة بلغت 4 في المائة.