النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أزمات عالمية تثبت أن النقود الورقية تبقى الملاذ الأخير

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
TT

النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت المدفوعات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد والشركات على حد سواء. فالهواتف الذكية، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات المصرفية، والعملات المشفرة، لم تعد خيارات مستقبلية؛ بل أصبحت واقعاً يومياً يهيمن على المشهد المالي العالمي.

ومع هذا الانتشار الرقمي الواسع، أثارت دراسة حديثة للبنك المركزي الأوروبي تحت عنوان «حافظ على هدوئك واحتفظ بالنقود» جدلاً واسعاً؛ حيث دعا البنك من خلالها مواطني منطقة اليورو إلى الاحتفاظ ببعض النقود الورقية في منازلهم، معتبراً إياها شبكة أمان أساسية تحميهم في حال تعطل أنظمة الدفع الرقمية.

تكمن قوة هذه الدعوة في التناقض الظاهر فيها: بينما يشجع العالم على التحول الرقمي الكامل وتقليص الاعتماد على النقد الورقي، يصر «المركزي الأوروبي» على ضرورة الاحتفاظ بالنقود الورقية كوسيلة لضمان الاستقرار المالي والمرونة في الأزمات. ويعكس هذا التناقض مفارقة جوهرية: على الرغم من التقدم الهائل في المدفوعات الرقمية وسهولة الوصول إليها، يظل النقد الورقي محافظاً على دوره الأساسي، ليس فقط كأداة دفع؛ بل كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين المالي أو التقني.

فقد أثبتت الأزمات الأخيرة -سواء أكانت صحية أم سياسية أم تقنية- أن النقد الورقي يؤدي دوراً لا تستطيع الوسائل الرقمية منافسته فيه، بدءاً من حماية الأفراد والمؤسسات أمام تعطل الأنظمة الإلكترونية، وصولاً إلى توفير السيولة الفورية عند انقطاع الخدمات الرقمية أو وقوع صدمات اقتصادية مفاجئة.

رجل يستخدم هاتفه للدفع عبر خدمة الهاتف المحمول «أبل باي» في مقهى بموسكو

المدفوعات الرقمية: نمو مستمر

تشير البيانات إلى أن المدفوعات الرقمية شهدت نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي؛ إذ ارتفعت قيمة المعاملات عبر المحافظ الرقمية من 1.6 تريليون دولار في 2014 إلى 15.7 تريليون دولار في 2024. ويُعزى هذا النمو إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتحسين البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وتغير تفضيلات المستهلكين بعد جائحة «كوفيد-19».

وتُعد التجارة الإلكترونية من أبرز المحركات لهذا التوسع الرقمي؛ إذ ارتفعت قيمتها من نحو 9.09 تريليون دولار في 2019 إلى توقعات تصل إلى 27.15 تريليون دولار بحلول 2027، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 14.7 في المائة. كما شهدت المدفوعات عبر الهواتف المحمولة نمواً ملحوظاً؛ إذ من المتوقع أن تصل قيمة المعاملات إلى 3.31 تريليون دولار بحلول 2027، ما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستهلكين نحو الدفع الرقمي السريع والمريح.

النقد صامد رغم المد الرقمي

رغم هذا المد الرقمي، يظل النقد صامداً. فحسب تقرير النقد العالمي 2022، ارتفعت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول بين 2011 و2020، ما يعكس قدرة النقد على التكيف مع التطورات الرقمية، ومكانته المستمرة كوسيلة دفع مفضلة لدى شريحة واسعة من السكان.

ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن النقد يحتفظ بخصائص فريدة، تزيد من أهميته في الأزمات: ملموس، ومرن، وغير متصل بالإنترنت، ومقبول على نطاق واسع. كما بقيت قيمة أوراق اليورو المتداولة مستقرة عند أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر الأخيرة، مع زيادة مؤقتة خلال جائحة «كوفيد-19»، ثم اعتدال منذ منتصف 2022 بفعل ارتفاع أسعار الفائدة.

الطلب على النقد أثناء الأزمات

تُعد الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية من أبرز العوامل التي تدعم استمرار الطلب على النقد. ففي حين يقل استخدام النقد اليومي مع التوسع الرقمي، يزداد الاعتماد عليه كخيار احتياطي لتلبية الاحتياجات الطارئة. وأظهرت دراسة المركزي الأوروبي 4 أزمات رئيسية:

1- جائحة «كوفيد-19»: مع تفشي الجائحة مطلع 2020، شهد الطلب على الأوراق النقدية قفزة استثنائية؛ حيث ارتفع صافي الإصدار بأكثر من 140 مليار يورو (164.58 مليار دولار) بنهاية العام، أي بزيادة تجاوزت 130 في المائة عن المتوسط السنوي قبل الجائحة. ورغم تراجع استخدام النقد اليومي نتيجة الإغلاقات والمخاوف الصحية، ارتفعت الحيازات النقدية للأفراد داخل المنازل، ما يعكس ما تُسمَّى «مفارقة الأوراق النقدية»: زيادة الحيازات رغم انخفاض الاستخدام في المعاملات.

2- الحرب الروسية على أوكرانيا: في فبراير (شباط) 2022، أدى الغزو الروسي إلى ارتفاع حاد في الطلب على النقد؛ خصوصاً في الدول المجاورة، نتيجة مخاوف عدم اليقين الجيوسياسي، واحتمال تعرض البنية التحتية لهجمات إلكترونية. وبلغت الزيادات في صافي الإصدار اليومي نحو 36 في المائة في الشهر الأول من الصراع، في دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بينما ظلت الدول الأبعد عن النزاع قريبة من مستوياتها التاريخية.

3- انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الأيبيرية: أثبت النقد دوره الحيوي خلال انقطاع واسع للتيار الكهربائي في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ تعطلت أنظمة الدفع الرقمية، بما في ذلك نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية. وأدى الانقطاع إلى تراجع الإنفاق بالبطاقات بنسبة 41– 42 في المائة، والانخفاض في التجارة الإلكترونية بنحو 54 في المائة، بينما أصبح النقد الوسيلة الوحيدة المتاحة للأشخاص الذين امتلكوه، مما يعكس أهميته كخيار احتياطي خلال الأعطال.

4- أزمة الديون السيادية في اليونان: خلال أزمة الديون اليونانية 2014– 2015، ارتفع صافي إصدار الأوراق النقدية من بنك اليونان بشكل ملحوظ، متجاوزاً التقديرات الافتراضية مرات عدة، نتيجة حالة عدم اليقين السياسية والمالية. ووصل متوسط الإصدار اليومي خلال فترة الأزمة إلى 72 مليون يورو (84.64 مليون دولار) أعلى من المتوقع، متراكماً إلى نحو 11.2 مليار يورو (13.17 مليار دولار) بعد 6 أشهر، ما يعكس اعتماد المواطنين على النقد كوسيلة أمان ومرونة في مواجهة الأزمة.

رجل يستخدم النقود لدفع ثمن مشترياته خلال تسوقه في ميلانو (رويترز)

تحديات التحول الكامل للشركات

رغم الانتشار المتزايد للمدفوعات الرقمية، لا تزال الشركات -خصوصاً الصغيرة والمتوسطة- مترددة في التخلي عن النقد. يعود ذلك أساساً إلى تكاليف التنفيذ المرتفعة، ورسوم المعاملات على البطاقات والمحافظ الرقمية، بالإضافة إلى المخاطر التقنية مثل الأعطال والانقطاعات.

كما تلعب تفضيلات العملاء دوراً مهماً؛ إذ يفضل كبار السن وذوو الدخل المحدود النقد لاعتبارات الخصوصية والتحكم في الميزانية، كما تعتبر بعض الثقافات الدفع النقدي أكثر ملاءمة في مناسبات معينة، مما يؤكد أن الاختيار الفردي لا يزال عنصراً محورياً في تحديد وسائل الدفع. كذلك يفرض الإطار التشريعي أحياناً قبول النقد لضمان شمول جميع المستهلكين، ما يجعل التحول الكامل إلى مجتمع بلا نقد عملية معقدة.

هل بات الاقتصاد العالمي بلا نقود؟

الإجابة -حسب المعطيات- واضحة: لا، ليس بعد.

يتوقع الخبراء استمرار تراجع استخدام النقد، ولكنه سيظل جزءاً أساسياً من النظام المالي لعقود قادمة. فالمستقبل ليس خياراً ثنائياً بين النقد والمدفوعات الرقمية؛ بل هو نظام متنوع الوسائل يوازن بين الابتكار والأمان.

ولا تُعد دعوة البنك المركزي الأوروبي تراجعاً عن الرقمنة؛ بل هي تأكيد على المرونة والأمن القومي المالي. ففي مجتمع بلا نقود، تصبح القدرة على الصمود أمام الأزمات محدودة؛ لأنه إذا أصبح كل شيء رقمياً، واختُرق النظام المصرفي أو التحويل الإلكتروني، فإنه يمكن تدمير الاقتصاد دون إطلاق رصاصة واحدة، وفق خبراء، مثل جاي زاغورسكي، من جامعة بوسطن، الذي يؤكد أن النقود الورقية ستظل جزءاً أساسياً من المستقبل، وأن الأمن القومي في بعض الحالات يعتمد عليها.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة للبنك المركزي الأوروبي في 2024، إلى أهمية النقد بالنسبة للجمهور؛ إذ يرى 62 في المائة من المستهلكين، أنه من الضروري أن يظل النقد خياراً متاحاً للدفع، مقابل 60 في المائة في 2022، وأبدت غالبية كبيرة (87 في المائة) رضاها عن سهولة الوصول إلى النقود، رغم انخفاضه قليلاً مقارنة بـ89 في المائة في 2022.

الحاجة إلى نهج متوازن

يتطلب مستقبل المعاملات المالية منظوراً متوازناً، يتجاوز التفكير في خيار ثنائي بين النقد والمدفوعات الرقمية. ويجب أن يضمن هذا النهج توفير خيارات دفع متعددة تناسب جميع الفئات، وإتاحة الوصول لأنظمة الدفع للجميع، بما في ذلك الفئات محدودة الوصول للتكنولوجيا، وحماية بيانات المستخدمين، وضمان عدم المراقبة المالية غير المبررة، وتحسين أمان الدفع الرقمي مع الحفاظ على خيار النقد، وتشجيع الابتكار التكنولوجي مع ضمان موثوقية الأنظمة الجديدة، وقدرة النظام على الصمود أمام الأعطال والهجمات الإلكترونية والانقطاعات.

تعكس مفارقة المدفوعات الرقمية (التعايش بين التقدم التكنولوجي السريع واستمرار استخدام النقد) الطبيعة المعقدة لعلاقة المجتمع بالمال واحتياجات السكان المختلفة. ويعتمد تحقيق نظام مالي مستدام على تعاون البنوك المركزية والمؤسسات المالية والشركات والمستهلكين، لضمان فعالية وأمان وشمولية أنظمة الدفع.

أحد الزبائن يدفع باستخدام بطاقة ائتمان داخل متجر في باريس (رويترز)

ضمان مواجهة الأزمات

يوفر النقد أماناً فردياً وعملياً؛ حيث يمنح المستخدمين شعوراً باليقين والتحكم، ويعمل كوسيلة دفع غير متصلة بالإنترنت عند فشل أنظمة الدفع الرقمية أو انقطاع الكهرباء. كما يلعب النقد دوراً حيوياً في مرونة النظام المالي؛ إذ يعمل كإطار احتياطي أساسي، وتساهم الحيازات النقدية الفردية في توزيع السيولة عند تعطل الأنظمة المركزية، ما يجعلها أشبه بـ«التأمين المجتمعي منخفض التكلفة».

ويمتاز النقد أيضاً بالقيمة الاسمية الثابتة، وسهولة الوصول، والخصوصية، مما يفسر استمرار الطلب عليه بقوة في أوقات التوتر، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية التقليدية. وقد أدركت البنوك المركزية في دول مثل هولندا والنمسا وفنلندا هذه الأهمية، فبدأت توصي الأسر بالاحتفاظ بمخزون نقدي يكفي لعدة أيام من المشتريات الأساسية، كما أجرت تجارب على أجهزة صرَّاف آلي مقاومة للانقطاعات لضمان الوصول للنقد في أوقات الأزمات.

وعليه، يعزز هذا النهج دور النقد كالتزام مباشر من البنك المركزي ومتاح للجميع، ليس فقط في المعاملات اليومية؛ بل كركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وثقة الجمهور. فهل يمكن أن يضمن المستقبل المالي التوازن بين الابتكار الرقمي والشمولية الاقتصادية، ويظل النظام قوياً وموثوقاً أمام الأزمات، إذا اختفى النقد الذي يمثل شبكة الأمان الأساسية للفرد والمؤسسات على حد سواء؟


مقالات ذات صلة

قمة ترمب وشي... «الاقتصاد أولاً» وسط ضغوط عالمية

تحليل إخباري الرئيسان الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب يتصافحان خلال آخر لقاء جمعهما بكوريا الجنوبية أكتوبر الماضي (رويترز)

قمة ترمب وشي... «الاقتصاد أولاً» وسط ضغوط عالمية

تتجه الأنظار إلى العاصمة الصينية بكين، حيث يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة تبدو اقتصادية بامتياز

لمياء نبيل (القاهرة)
الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي لدى لقاء أمين عام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ماثياس كورمان في مكتبها بالعاصمة طوكيو يوم الاثنين (أ.ب)

«التعاون الاقتصادي والتنمية» تتوقع رفع اليابان الفائدة إلى 2 % بنهاية 2027

توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة على المدى القصير إلى 2% من 0.75% حالياً بحلول نهاية عام 2027.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم بأحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

أسهم التكنولوجيا تقود صعود أسواق الصين

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الأربعاء، حيث أقبل المستثمرون على شراء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي بعد انخفاضها في بداية التداولات

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أحد متاجر مجموعة «سوفت بنك» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«سوفت بنك» تضاعف أرباحها بفضل استثمارات «أوبن إيه آي»

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» أن صافي أرباحها تجاوز ثلاثة أضعاف، ليصل إلى 1.83 تريليون ين في الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم بأحد ميادين العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«نيكي» يعوّض خسائره المبكرة مع انتعاش «كيوكسيا» لصناعة رقائق الذاكرة

استعاد مؤشر نيكي الياباني خسائره المبكرة، يوم الأربعاء، ليغلق على ارتفاع، مدعوماً بانتعاش سهم شركة كيوكسيا لصناعة رقائق الذاكرة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

غموض بشأن مستقبل مدير «بيمكس» المكسيكية يلقي بظلاله على جذب رؤوس الأموال

محطة وقود في المكسيك تابعة لـ«بيمكس» (رويترز)
محطة وقود في المكسيك تابعة لـ«بيمكس» (رويترز)
TT

غموض بشأن مستقبل مدير «بيمكس» المكسيكية يلقي بظلاله على جذب رؤوس الأموال

محطة وقود في المكسيك تابعة لـ«بيمكس» (رويترز)
محطة وقود في المكسيك تابعة لـ«بيمكس» (رويترز)

يزداد الغموض بشأن مستقبل فيكتور رودريغيز، الرئيس التنفيذي لـ«بيمكس»؛ شركة النفط الوطنية بالمكسيك، في ظل سعي الحليف القديم للرئيسة كلوديا شينباوم إلى إنقاذ الشركة المتعثرة، وفق «رويترز»، نقلاً عن 4 مصادر مطلعة على الأمر.

وقد شهدت الأشهر الـ18 الأولى من ولايته في «بيمكس» تفاقم الانقسامات الداخلية، وتسرباً نفطياً كبيراً، وحادثاً مميتاً في مصفاة نفط.

ويبلغ إنتاج الشركة حاليا 1.6 مليون برميل يومياً فقط، أي أقل من الهدف المحدد البالغ 1.8 مليون برميل يومياً، ولم تتمكن الشركة من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن حرب إيران.

في غضون ذلك، هُمّش رودريغيز من قبل شينباوم، التي انخرطت بشكل متصاعد في عمليات إعادة هيكلة عملاق النفط، وفق مصادر تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها.

وقدم الأكاديمي السابق البالغ من العمر 69 عاماً استقالته مرتين العام الماضي، وفق مصدرين. وفي كل مرة، أقنعته شينباوم بالبقاء.

وأوضحت المصادر أن انخراطها المتنامي - بما في ذلك تدخلها في التعيينات الرئيسية التي تُترك عادة للرئيس التنفيذي - قد خلق مراكز ولاء متنافسة في شركة «بيمكس»؛ مما زاد من صعوبة مهمة إعادة الهيكلة بالنسبة إلى رودريغيز، الذي تولى المنصب دون أي خبرة عملية مباشرة في مجال الأعمال أو السياسة.

وقال أحد المصادر: «تعلم كلوديا أنها تسيطر على (بيمكس) من خلال الإبقاء على فيكتور... إنها مدفوعة بالخوف من أن تُفلت زمام الأمور من يديها، لكن ما لا تدركه هو أنها قد أفلتته بالفعل، حيث يسعى كل فرد إلى تحقيق مصالحه الخاصة».

وتعاني «بيمكس» من ديون تبلغ 79 مليار دولار، بالإضافة إلى 20.8 مليار دولار مستحقة للموردين والمقاولين. وقد خسرت 2.6 مليار دولار في الربع الأول من العام، على الرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

البقاء مع رودريغيز حالياً

قالت مصادر، وفق «رويترز»، إن التكهنات بشأن مستقبل رودريغيز - ومَن قد يخلفه - قد انتشرت مراراً وتكراراً في الأوساط الحكومية والصناعية.

ومن بين الأسماء المطروحة لازارو كارديناس باتيل، رئيس ديوان شينباوم وحفيد الرئيس المكسيكي التاريخي الذي أمّم صناعة النفط في البلاد عام 1938. وقد ذكرت مصادر سابقاً أنه رفض المنصب عندما عرض عليه في بداية ولاية شينباوم.

وأفادت المصادر بأن القرارات الرئيسية والتعيينات العليا تُتخذ؛ بشكل متصاعد، خارج سيطرة رودريغيز، بما في ذلك المناصب العليا بقسم الاستكشاف والإنتاج، والذراع التجارية، والإدارة القانونية.

وقد غادرت روزا بيلو، المديرة القانونية التي عينها رودريغيز، منصبها وحلت محلها مؤقتاً ديانا مارتينيز، المرتبطة بوزيرة الطاقة لوز إيلينا غونزاليس.

ومن المعتاد أن يكون للرئيس والوزراء الرئيسيين رأي في التعيينات العليا بشركة «بيمكس»، لكن المصادر أشارت إلى أن مدى اتخاذ هذه القرارات دون استشارة رودريغيز أمر غير معتاد للغاية.

وأضافت المصادر أن بعض كبار المسؤولين التنفيذيين يتبعون فعلياً وزارتَيْ المالية أو الطاقة بدلاً من رودريغيز. وقالت ميريام غرونستين، المستشارة والمحللة المعروفة في قطاع الطاقة المكسيكي: «لم يتمكن الرئيس التنفيذي لشركة (بيمكس) من تحسين الوضع أو تصحيح المسار؛ لأنه عالق بين قوى سياسية متعددة. إنه رئيس تنفيذي أصفه بأنه عاجز عن الدفاع عن نفسه»، وفق «رويترز».

جذب رؤوس الأموال الأجنبية

أفادت مصادر بأن شينباوم عالقة بين محاولتها جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وفي الوقت نفسه إرضاء القوميين في قطاع الطاقة داخل الحكومة، الذين يرغبون في أن تُحكِم «بيمكس» قبضتها على صناعة النفط المكسيكية.

ويعود فوز الرئيسة الساحق في انتخابات 2024 جزئياً إلى شعبية سلفها القومي ومرشدها، آندريس مانويل لوبيز أوبرادور.

وقالت 3 مصادر إن شينباوم ورودريغيز حاولا جذب مزيد من الشراكات والاستثمارات الخاصة، لكن الاهتمام كان محدوداً؛ ويعود ذلك جزئياً إلى حجم ديون الشركة والشروط غير المُرضية التي يفرضها بعض المسؤولين في الحكومة.

ووفق أحد المصادر، فقد حذّر رودريغيز بأن الشروط الاقتصادية والضريبية التي عرضتها شركة «بيمكس» لن تكون جذابة للمستثمرين في القطاع الخاص.

وأعلنت «بيمكس» عن خطط لتوقيع 11 عقداً من هذا القبيل، لكنها منحت حتى الآن 9 عقود فقط بسبب انخفاض الإقبال عن المتوقع، الذي ذهب معظمه إلى شركات صغيرة. وأفادت مصادر، في هذا الصدد، بأن الطلب كان ضعيفاً؛ نتيجة صغر حجم حقول النفط وعدم اليقين بشأن التزام «بيمكس» سداد مستحقات الموردين في الوقت المحدد.

وواجهت شينباوم أيضاً مشكلات مستمرة في مصفاة «أولميكا»، التي تعدّ من المشروعات المفضلة لدى لوبيز أوبرادور، والتي بدأت عملياتها في النصف الثاني من عام 2024 بعد تأخيرات رفعت تكلفتها إلى 21 مليار دولار، أي أكثر من ضعف ميزانيتها الأصلية.

وقد أسفر حريق اندلع بالقرب من المصفاة في مارس (آذار) الماضي عن مقتل 5 أشخاص، تلاه حريق آخر في منشأة لتخزين فحم الكوك في 9 أبريل (نيسان) الماضي. وأفادت 3 من المصادر بأن شينباوم تُراجع الآن شخصياً التغطية الإعلامية لشركة «بيمكس» بشكل شبه يومي. وقال أحد المصادر: «إنها مستاءة، بل ومحبطة، مما يحدث».


تباين في «وول ستريت» بعد قفزة بأسعار الجملة... وأسهم التكنولوجيا تقود رحلة التعافي

امرأة تسير تحت المطر في شارع وول ستريت بنيويورك (رويترز)
امرأة تسير تحت المطر في شارع وول ستريت بنيويورك (رويترز)
TT

تباين في «وول ستريت» بعد قفزة بأسعار الجملة... وأسهم التكنولوجيا تقود رحلة التعافي

امرأة تسير تحت المطر في شارع وول ستريت بنيويورك (رويترز)
امرأة تسير تحت المطر في شارع وول ستريت بنيويورك (رويترز)

شهدت تداولات «وول ستريت» تبايناً ملحوظاً يوم الأربعاء، حيث تصارعت الأسواق بين مخاوف التضخم المتزايدة وانتعاش أسهم التكنولوجيا التي حاولت استعادة زخمها بعد عثرة اليوم السابق.

وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز» بنسبة 0.1 في المائة، ليظل قريباً من مستوياته القياسية، بينما هبط مؤشر داو جونز بمقدار 235 نقطة (0.5 في المائة). في المقابل، ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 0.2 في المائة مدعوماً بمكاسب أسهم الرقائق؛ حيث قفز سهم «مايكرون تكنولوجي» بنسبة 4.3 في المائة، وارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 2.4 في المائة.

«إنفيديا» والمنعطف الصيني

برز سهم «إنفيديا» باعتباره أقوى قوة دافعة للسوق، وسط دعوة تلقاها مديرها التنفيذي جنسن هوانغ لمرافقة الرئيس دونالد ترمب في رحلته إلى الصين. وتُعلق الأسواق آمالاً كبيرة على هذه الزيارة لمناقشة السماح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مما قد يفتح آفاقاً جديدة للشركة.

موجة التضخم وحرب إيران

رغم تفاؤل التكنولوجيا، تواجه السوق «طريقاً وعراً» بحسب المحللين؛ حيث أظهر تقرير أسعار الجملة ضغوطاً أسوأ من المتوقع، متأثرة بارتفاع تكاليف الوقود والنقل والرسوم الجمركية. ويظل المحرك الأساسي لهذه الضغوط هو قفزة أسعار النفط الناتجة عن الحرب مع إيران، التي أدت لتباطؤ تدفق الخام عالمياً، حيث استقر خام برنت عند 107.55 دولار للبرميل.

وقد أدت هذه المعطيات إلى تخلي المتداولين عن آمالهم في خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام. بل إن التوقعات بدأت تميل نحو احتمالية رفع الفائدة كونه خياراً تالياً إذا استمر التضخم في التسارع، وهو ما دفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات للارتفاع إلى 4.47 في المائة.

عالمياً؛ تصدّر مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية المشهد بارتفاع 2.6 في المائة، مستعيداً توازنه بعد مخاوف سابقة بشأن خطط حكومية لإعادة توزيع أرباح شركات الذكاء الاصطناعي، بينما سجلت مجموعة «سوف بنك» اليابانية قفزة في أرباحها السنوية بخمسة أضعاف بفضل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.


غورغييفا تحذر: استمرار ارتفاع النفط حتى عام 2027 يُنذر بركود اقتصادي

غورغييفا تتحدث خلال مؤتمر ميلكن العالمي 2026 في بيفرلي هيلز (أرشفية - رويترز)
غورغييفا تتحدث خلال مؤتمر ميلكن العالمي 2026 في بيفرلي هيلز (أرشفية - رويترز)
TT

غورغييفا تحذر: استمرار ارتفاع النفط حتى عام 2027 يُنذر بركود اقتصادي

غورغييفا تتحدث خلال مؤتمر ميلكن العالمي 2026 في بيفرلي هيلز (أرشفية - رويترز)
غورغييفا تتحدث خلال مؤتمر ميلكن العالمي 2026 في بيفرلي هيلز (أرشفية - رويترز)

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الأربعاء، من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2027 يُنذر بخطر دخول الاقتصاد العالمي في ركود فني.

وقالت خلال مؤتمر عُقد في بوزنان، بولندا: «إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، على سبيل المثال، عند مستوى 120 أو 130 دولاراً للبرميل حتى عام 2027، فهناك خطر من تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى 2 في المائة، وهو ما يُعرف بالركود الفني».