3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

ضرورة توظيف وحدات الابتكار كمحفزات… وخلق ثقافة عمل جديدة للتواؤم معها

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي
TT

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

لا تتعلق قصة الذكاء الاصطناعي الحقيقية في معظم المؤسسات بالخوارزميات؛ بل بالعادات السائدة فيها.

روتين الأعمال يقضي على الإبداع

في حين تظهر أدوات جديدة مصحوبة بعروض مبهرة ووعود واثقة، فإن الروتين اليومي هو الذي يُحدد ما النظام وما الأمر الذي يجذب الانتباه، ومن الذي يُمكنه المخاطرة؛ لذا فإن ما يُعدّ «عملاً جيداً» يميل إلى البقاء على حاله، كما كتب فيصل حق (*).

وبينما يُنشئ القادة وحدات خاصة، أو يُطلقون دورات تدريبية، أو يبحثون عن مكاسب سريعة، فإنهم يجدون أن الثقافة القديمة تُعيد ضبط الشروط والظروف بهدوء. وعندما يحدث ذلك، تتلاشى المكاسب المبكرة، ويتوقف التبني للأدوات الجديدة، ويزداد التشكيك.

3

خرافات

تستند هذه المقالة إلى كتابي القادم للنظر في ثلاث خرافات متكررة تُساعد في دعم الثقافات القائمة، وتمنع التحولات العميقة اللازمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناجحة.

إن تحويل الأعمال لتحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي يعني تجاوز هذه الجوانب المُريحة وتغيير الظروف التي تعمل في ظلها المؤسسة بأكملها.

1. الخرافة الأولى: «وحدات الابتكار ستنقذنا». بعد خمس سنوات من التشغيل، بدت خدمة الحكومة الرقمية Government Digital Service (GDS) في المملكة المتحدة قوية، فمنذ أن أُنشئت عام 2011، أحدثت ثورة في الخدمات الرقمية البريطانية. وبهدف إعادة تصوّر «الحكومة منصةً»؛ جمعت مئات المواقع الإلكترونية في بوابة واحدة سهلة الاستخدام، وخفّضت الهدر بإجبار الإدارات على توحيد منصاتها، وأثبتت أنه، بالنهج الصحيح، فإن حتى الهيئات الحكومية قادرة على التحرك بسرعة مشابهة للشركات الناشئة. وفي عام 2016، صُنّفت الخدمات الرقمية في المملكة المتحدة بوصفها أفضل الخدمات الرقمية في العالم. ومع ذلك، بحلول عام 2020، اختفت خدمة الحكومة الرقمية كقوة مؤثرة داخل حكومة المملكة المتحدة.

وحدات نخبوية... تتلاشى

يتكرر هذا النمط بانتظام في مختبرات الابتكار المؤسسية: إنشاء وحدة نخبة، ومنحها قواعد خاصة، والاحتفال بالإنجازات المبكرة، ثم تركها تتلاشى. يمكن لوحدة الابتكار أن تحقق نتائج استثنائية ما دام أنها تتمتع بحماية القيادة العليا، وموارد متدفقة بحرّية، وثقافة داخلية تجذب المواهب الاستثنائية. لكن هذا النموذج يحمل في طياته أيضاً بذور انهياره، فوضعية المؤسسة كجهة خارجية تُمكّن إدخال الابتكارات الرائدة تجعل الاستدامة واسعة النطاق شبه مستحيلة. وعندما يرحل الرعاة التنفيذيون، يسقط الدرع، وتبدأ الأجسام المضادة التنظيمية في إعادة تأكيد المعايير الثقافية السبقة.

وحدات الابتكار بصفتها محفزات... ومواءمة ثقافة العمل معها

لتنطبق دورة الحياة المتوقعة هذه على الفرق التي تُركز على الذكاء الاصطناعي بقدر ما تنطبق على الفرق التي تُحرك أي نوع آخر من التغيير التكنولوجي.

الدرس المستفاد من هذا ليس التخلي عن وحدات الابتكار، بل استخدامها استراتيجياً ومتابعة المكاسب التي تحققها. يجب النظر إلى وحدات الابتكار بصفتها محفزات، وليست حلولاً دائمة. وبينما تمضي هذه الفرق قُدماً بتحقيق مكاسب سريعة وإثبات مناهج جديدة، تحتاج المؤسسات أيضاً إلى تحويل ثقافتها الأوسع بالتوازي.

لا ينبغي أن يكون الهدف حماية وحدة الابتكار إلى أجل غير مسمى، بل مواءمة الثقافة التنظيمية مع المناهج المبتكرة التي تُطورها. فإذا كانت وحدات الابتكار بمثابة شرارات، فإن الثقافة هي الأكسجين. أنت في حاجة إلى كليهما معاً، وإلا انطفأت شعلة التغيير.

التدريب في أجواء الإبداع الفكري

2. الخرافة الثانية: «موظفونا في حاجة فقط إلى التدريب». تنفق الشركات الملايين لتعليم موظفيها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم تتساءل لماذا لا تحدث التحولات المطلوبة أبداً. والسبب هو أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالمهارات فحسب، بل بالخيال (الإبداع الفكري) اللازم لاستخدامها بفاعلية.

يمكنك تدريب قوى العمل لديك على استخدام التكنولوجيا الجديدة، لكن لا يمكنك تدريبها على الحماس لها أو الاهتمام بمستقبل العمل. وهذا يتطلب تغييراً على المستوى الثقافي.

الذكاء الاصطناعي شريكاً

عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإن الفجوة الحقيقية تكمن في المفاهيم، وليست في التقنية. يحتاج الموظفون إلى التحول من عدّ الذكاء الاصطناعي أداةً أفضل إلى فهم دوره بصفته شريكاً فكرياً. وهذا يتطلب أكثر من مجرد دروس تعليمية. إنه يعني عرض كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحويل سير العمل، ثم مكافأة استخدامه الإبداعي.

أظهِِر لفريق المبيعات كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ باحتياجات العملاء قبل المكالمات، وليس مجرد نسخها لاحقاً. وضِّح كيف يمكن للفرق القانونية التحول من مراجعة المستندات إلى الاستشارات الاستراتيجية. وعندما تطلب المؤسسات من موظفيها «استخدام الأدوات» دون تغيير الأعراف الاجتماعية المحيطة باستخدامها، قد يُعاقب الأفراد على قيامهم بما طلبته القيادة بالضبط.

ضعف تقييم العاملين مستخدمي الذكاء الاصطناعي

وجدت تجربة حديثة أجريت على 1026 مهندس برمجيات أنه عندما اعتقد المراجعون أن الرموز الكومبيوترية قد أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فقد قيّموا كفاءة المبرمج المؤلف لها بنسبة أقل بنحو 9 في المائة على الرغم من أن نوع العمل كان متطابقاً. والأكثر إثارة للقلق هو أن العقوبة كانت أكبر للنساء والمهندسين الأكبر سناً، وهما فئتان لطالما عوملتا بمعاملة سلبية في التقييمات.

في استطلاع مصاحب شمل 919 مهندساً، أفاد الكثيرون بترددهم في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ خوفاً من أن يُفهم تبنيه على أنه نقص في المهارة - ما يوضح سبب عدم ترجمة إتاحة الأدوات الذكية والتدريب عليها إلى إقبال كبير، في جو تشير فيه الثقافة السائدة إلى أن الاستخدام الواضح للذكاء الاصطناعي سيضر بالمصداقية.

إزاحة القوة العاملة

3. الخرافة الثالثة: «الذكاء الاصطناعي يُسهّل تقليص القوى العاملة».

هناك وعود مغرية تُسوق للشركات حالياً. يكمن السبيل لتحقيق قيمة كبرى للذكاء الاصطناعي ببساطة في استبدال أكبر عدد ممكن من الموظفين. إذن سرّح نصف موظفيك، واحتفظ بالمدخرات، ودع الآلات تُدير الباقي. حسابات بسيطة للعقول البسيطة.

الحقيقة المُربكة هي أن الذكاء الاصطناعي قادر، وسيُحلّ محلّ الكثير من الوظائف البشرية، لكنه لن يقوم بذلك بسلاسة، ولن يكون ذلك سهلاً. كما أن فكرة استبدال العنصر البشري في معظم الحالات بآلة، ببساطة لا تُجدي نفعاً.

تسريع الأتمتة سيقوض ركائز هيكل العمل

يعمل البشر معاً كأجزاء من هياكل اجتماعية متعددة الطبقات تطورت كنظم في وسطها المحيط. وغالباً ما يكون لتغيير جزء واحد عواقب وخيمة على جزء آخر. إذا تسرّعنا في الأتمتة، فإننا نُخاطر بتفكيك الركائز التي تُسند الهيكل بأكمله.

فكّر في الساعات المُرهقة التي يقضيها المُحللون المُبتدئون في تنظيف البيانات، وتدقيق الأرقام، وبناء النماذج من الصفر. أو العمل الذي سيقوم به المدير المُعيّن حديثاً، وهو الإشراف على الأداء وملء المستندات. نُسمّيه عملاً روتينياً، ولكنه في الواقع الطريقة التي يُطوّر بها البشر المهارات التي سيحتاجون إليها في المناصب العليا.

وظيفة المبتدئين... مسار يتخرج فيه القادة الكبار

إذا استغنيتَ عن وظائف المبتدئين، ستفقد المسار الوظيفي الذي يُخرّج قادةً كباراً ذوي مهارات عالية تحتاج إليهم. وإذا سمحتَ بـ«إعادة هيكلة المهارات» المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فستفقد الحكمة البشرية والإشراف اللذين تعتمد عليهما المؤسسات.

مثال على قوة العمل البشري

وإليك هذا المثال: يُظهر مسار «كلارنا» Klarna كلا جانبي هذه المعادلة. في أوائل عام 2024، تعامل مساعد الذكاء الاصطناعي الخاص بها مع ثلثي محادثات العملاء، مُقدّماً أوقاتاً للحلول خلال أقل من دقيقتين، مع انخفاض بنسبة 25 في المائة في تكرار الاستفسارات. وبحلول عام 2025، أقرّت قيادة «كلارنا» علناً بحدود هذا النهج المُعتمد على الذكاء الاصطناعي فقط، وبدأت في إعادة فتح الأدوار البشرية، مُركّزة على تجربة خدمة العميل البشرية إلى جانب الأتمتة.

السؤال الحقيقي ليس عدد الأشخاص الذين يُمكنك الاستغناء عنهم. لتطبيق الذكاء الاصطناعي بفاعلية، عليك أن تُدرك أن البشر يُقدّمون مساهمات أساسية لا تظهر في توصيف وظائفهم.

دليل التحول الثقافي: تصحيح الخرافات

يعتمد تغيير الثقافة على العادات والحوافز والتوقعات، وليس مجرد إضافة أدوات جديدة. يقدم الدليل التالي خطوات ملموسة يمكن للقادة اتخاذها الآن لتجنب المخاطر التي تقع فيها كثير من الشركات.

• تنفيذ تحولات موازية (تصحيح الخرافة الأولى). تحقق وحدة الابتكار مكاسب سريعة، بينما تُحدث المبادرات المنفصلة عنها تحولاً في الثقافة الأوسع. يجب أن يحدث هذا في وقت واحد، وليس بالتتابع.

استخدم وضع وحدة الابتكار المحمي وانتصاراتها المبكرة لبناء ثقة مؤسسية بالتغيير، مع الاستثمار بالتساوي في إعداد الثقافة الرئيسية لما هو قادم. وبدون مسارات متوازية، تصبح وحدة الابتكار جزيرة معزولة من التميز، وستزول في النهاية.

• تغيير الطبقة الوسطى (تصحيح الخرافة الثانية). المدراء المتوسطون هم الحراس الحقيقيون لتغيير الثقافة. توقفوا عن إهدار الطاقة في محاولة تغيير المتشككين. بدلاً من ذلك، حددوا الفضوليين (أي الذين لديهم حب الاطلاع) وامنحوهم سلطة التجربة، وخصصوا ميزانية للفشل، وتجنّبوا الالتزام بالمعايير التقليدية.

حاولوا منح مدراء محددين ميثاقاً مصغراً لتطبيق التغيير في فرقهم، إلى جانب جلسة أسبوعية لعرض نتائج العمل (ما هو الذكاء الاصطناعي المستخدم، وما هو المقبول أو المرفوض، ولماذا؟) لمشاركة ما تعلموه مع زملائهم.

• بناء مسارات تعلم بديلة (تصحيح الخرافة الثالثة). إذا ألغى الذكاء الاصطناعي التجارب التي تبني الحكمة، فتجب عليك إعادة إنشائها بوعي. تُصبح عمليات المحاكاة عالية الدقة، وبرامج التدوير، و«أيام العمل البشرية» من دون الذكاء الاصطناعي ضروريات وجودية. حافظ صراحةً على الأنشطة التي تُنمّي القدرة على التعرّف على الأنماط وحس العمل. قد يبدو الاستثمار مُبذراً حتى تُدرك أن البديل هو قوة عاملة قادرة على تشغيل الأدوات، ولكنها لا تستطيع الاستجابة عند حدوث أي عطل.

الخيار الرئيسي

يُعدّ تغيير الثقافة أصعب من تطبيق التكنولوجيا. إنه أكثر تعقيداً وبطءً، ويستحيل التحكم فيه بالكامل. ستختار معظم الشركات المسار السهل: شراء الذكاء الاصطناعي، والتدريب على الأدوات، وإنشاء مختبر ابتكار، والأمل في الأفضل.

القلة التي تختار المسار الصعب - التحول المتوازي، والتطور الثقافي، والحفاظ على تجارب التعلم - ستكتسب مزايا تنافسية قوية. سيكون لديهم قوى عاملة لا تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل تفكر به، وثقافات لا تكتفي بتقبل التغيير، بل تتوقعه، ومنظمات لا تكتفي بالنجاة من التغيير، بل تقوده.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».