«رهانات خاطئة» سهلت طريق «سناب باك» نحو إيران

«الترويكا» عدّت مقترحات عراقجي غير كافية

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني مسعود بزشكيان يتصافحان الأربعاء في نيويورك قبل اجتماعهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني مسعود بزشكيان يتصافحان الأربعاء في نيويورك قبل اجتماعهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)
TT

«رهانات خاطئة» سهلت طريق «سناب باك» نحو إيران

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني مسعود بزشكيان يتصافحان الأربعاء في نيويورك قبل اجتماعهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني مسعود بزشكيان يتصافحان الأربعاء في نيويورك قبل اجتماعهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

إذا سارت الأمور كما هو متوقع لها، وسقط مشروع القرار الروسي - الصيني في مجلس الأمن، الجمعة، فإن العقوبات الدولية بحق إيران، التي جمدت ما بين عام 2016 و2025، ستدخل حيز التنفيذ مجدداً منتصف ليل السبت – الأحد، بتوقيت غرينيتش عملاً بآلية «سناب باك» المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015، والتي تبناها مجلس الأمن في قراره رقم 2231.

ومع هذا التطور، في حال تحقق وأصبح واقعاً، تكون «الترويكا الأوروبية» فرنسا وبريطانيا وألمانيا، قد نجحت في حشر إيران في الزاوية وذهبت، حتى النهاية، في سعيها لإعادة فرض العقوبات الدولية، وتوفير ورقة ضغط قوية عليها، وتجاهل تحذيراتها من إعادة تفعيل آلية «سناب باك».

بالمقابل، لم تنجح آخر محاولات إيران لإيقاف اندفاع قطار العقوبات القادم إليها من خلال مشروع القرار الذي تقدمت به روسيا والصين إلى مجلس الأمن، والذي كان التصويت عليه مقرراً الجمعة. فالنتيجة كانت معروفة سلفاً احتذاءً بنتيجة التصويت، يوم 28 أغسطس (آب)، على مشروع القرار الداعي لمواصلة العمل برفع العقوبات الدولية التي فرضت على طهران بموجب ست قرارات دولية ما بين عامي 2006 و2010.

فهذا المشروع سقط في عملية التصويت، لا بل إن الدول الغربية لم تجد حاجة لاستخدام حق النقض للتخلص منه. ورغم أن المفاوضات تواصلت، الجمعة، حتى آخر دقيقة، فإن المعلومات الواردة من نيويورك غلب عليها التشاؤم.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مستقبلاً الخميس الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك بمناسبة أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

رهانات إيرانية خاطئة

الواضح أن رهان طهران على موسكو وبكين لإنقاذها من مجموعات العقوبات الست التي سيعمل بها، كما هو مرجح، مجدداً، منذ صباح الأحد لم يكن صائباً؛ لأن صياغة المشروع الروسي - الصيني واجهت معارضة غربية؛ إذ دعا إلى إرجاء تفعيل «سناب باك» لمدة ستة أشهر من أجل إتاحة المجال أمام العمل الدبلوماسي والتوصل لاتفاق نووي جديد. والفارق الرئيسي بين المقترحين الروسي - الصيني من جهة، ومقترح الترويكا الأوروبية من جهة أخرى أن الأول لا يفرض أي شروط ملزمة على طهران، بينما الثاني ربط مهلة السماح الجديدة من ستة أشهر بأن تلتزم إيران بثلاثة شروط: عودة مفتشي الأمم المتحدة النوويين لمواصلة عملهم وتمكينهم من الوصول إلى كافة المنشآت النووية الإيرانية، وكشف مصير كمية اليورانيوم عالي التخصيب، 60 في المائة، البالغة ما يزيد على 400 كلغ، وأخيراً الانخراط في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية.

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن إيران «أخفقت في مناوراتها» حينما اعتبرت أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بين وزير خارجيتها عباس عراقجي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول عودة المفتشين إلى إيران «سيكون كافياً» لقطع الطريق على الذهاب بآلية «سناب باك» حتى النهاية.

المشكلة التي عانت منها طهران أنه كان هناك تفسيران للاتفاق: رافاييل غروسي، مدير عام الوكالة الدولية، فهمه على أنه «كارت بلانش» أعطي للمفتشين الدوليين للتحرك بحريّة، بينما القراءة الإيرانية أخرجت منه المواقع الثلاثة الرئيسية التي قصفها الإسرائيليون والأميركيون، نطنز وفوردو وأصفهان، وربطت كل تحرك للمفتشين بالحصول على موافقة مسبقة من مجلس الأمن القومي الإيراني.

السبب الحقيقي للخلاف بين الوكالة الدولية وإيران مرده لوجود تيارين داخليين إيرانيين يتجاذبان الملف النووي: الأول، «مهادن» ويريد أن يلعب ورقة الدبلوماسية، آخذاً بالاعتبار ميزان القوى الحالي في المنطقة، وتخوفه من أن يفضي الفشل الدبلوماسي ليس فقط إلى إعادة فرض العقوبات بل إلى حرب جديدة مع تل أبيب وواشنطن. والثاني «متشدد» ويرى في التساهل الدبلوماسي «استسلاماً» مرفوضاً. وأصحاب هذا التيار يرون أنهم يحظون بدعم المرشد الأعلى الذي يدلي بتصريحات تذهب باتجاه الرفض والتشدد.

بيد أن صحيفة «غارديان» نقلت، الجمعة، عن دبلوماسيين أوروبيين انتقادهم لـ غروسي كونه أبرم اتفاقاً في القاهرة مع الإيرانيين «دون أي مضمون حقيقي، مما سمح لطهران بتأجيل الدخول في مفاوضات جدّية»، وأنه حاول إرضاء كافة الأطراف لرغبته في الوصول إلى منصب أمين عام الأمم المتحدة.

عباس عراقجي قدم مقترحات لتجنيب بلاده إعادة فرض العقوبات الدولية عليها لكن الأوروبيين عدّوها غير كافية )د.ب.أ)

مقترحات متأخرة ومجزوءة

بيد أن طهران ارتكبت خطأ ثانياً يدور حول كيفية استخدام ورقة الثلاثين يوماً المنصوص عليها في اتفاق 2015 . وقالت مصادر دبلوماسية في باريس إن طهران راهنت على الاجتماعات المباشرة التي حصلت في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لإيجاد مخارج تبعد آلية «سناب باك». والحال أن العروض الإيرانية «الجديدة» شابها عاملان: الأول أنها جاءت متأخرة للغاية، والثاني أن الأوروبيين عدّوها «منقوصة»، وبالتالي «غير كافية، وكونها لا تتوافق مع شروطهم المعروفة». وكشفت مصادر عدة عن أن عراقجي قدم للأوروبيين عرضاً مزدوجاً: فقد اقترح، من جهة، السماح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى موقع نووي واحد من بين مواقع تعرضت للقصف. ومن جهة ثانية، طلب مهلة إضافية من 45 يوماً، بدل مقترح سابق ينص على تسعين يوماً، للتعامل مع كمية اليورانيوم عالي التخصيب الذي قال عنه، أكثر من مرة، إنه «تحت أنقاض» المواقع النووية التي قصفها الإسرائيليون والأميركيون في حرب الـ12 يوماً.

وقالت مصادر مطلعة في باريس إن الترويكا رفضت المقترحين وتمسكت بوصول المفتشين إلى كافة المواقع والكشف عن مصير اليورانيوم بلا تأخير.

ونقلت صحيفة «غارديان» البريطانية، عن دبلوماسي أوروبي قوله: «ظنّت وزارة الخارجية الإيرانية أننا لن نمضي في هذا المسار، لكنهم لم يقدموا أي عرض جاد. لقد أساء عراقجي التقدير بشكل كبير».

وقالت مصادر دبلوماسية أوروبية أخرى إن عراقجي «ضخّم قدرته على انتزاع موافقة أوروبية على مقترحه الأخير»، وإنه «كان عليه أن يرى الحقائق كما هي»، بناء على الاجتماع الذي ضمه مع وزراء «الترويكا» في نيويورك بحضور كايا كالاس.

كذلك سعت إيران لاستمالة فرنسا من خلال إعلامها بأنها ستفرج عن رهائنها الثلاثة المعتقلين في إيران، وبينهم سيسيل كوهلر ورفيق دربها جاك باريس المحتجزين منذ ثلاث سنوات، ما دفع باريس، الخميس، إلى سحب الشكوى التي تقدمت بها ضد إيران لدى محكمة العدل الدولية. والخلاصة نفسها أفضى إليها اجتماع الرئيس ماكرون مع نظيره الإيراني ليغرد بعدها أن «الفرصة تضيق بوجه إيران».

وخطأ إيران الآخر أنها لم تأخذ بعين الاعتبار، كفاية، أن «الترويكا الأوروبية» تعمل بتنسيق كبير مع واشنطن الملتزمة بخط متشدد إزاء طهران، والتي تضغط بقوة لإعادة فرض العقوبات، فضلاً عن الضغوط التي تمارسها إسرائيل، والتي برزت من خلال كلمة رئيس وزرائها نتنياهو في الجمعية العامة، الجمعة.

وكان وزير الطاقة الأميركي، کریس رایت، قد شدد في كلمته أمام المؤتمر السنوي للوکالة الدولیة للطاقة الذریة في فيينا، قبل أيام قليلة، على أن برنامج التخصیب الإیراني یجب أن یُلغى بالکامل، قائلاً: «إذا لم یکن هذا الأمر واضحاً بما فیه الکفایة من قبل، فأعید هنا التأکید على موقف الولایات المتحدة: مسار الأسلحة النوویة الإیرانیة، بما في ذلك تخصیب الیورانیوم وقدرات إعادة معالجة البلوتونیوم، یجب أن یُمحى تماماً».

اتهامات غربية لرافاييل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بسبب تساهله في توقيع اتفاق ركيك مع وزير خارجية إيران عباس عراقجي في القاهرة يوم 9 سبتمبر (د.ب.أ)

ما بعد «سناب باك»

كان لافتاً، خلال «أسبوع القادة» في نيويورك أن طهران قد تخلت عن خطاب التهديد والوعيد الذي دأبت عليه في الأسابيع الماضية رداً على تفعيل «سناب باك». إلا أنها عادت إليه من خلال تصريحات بزشكيان وعراقجي: الأول، قوله الخميس إن طهران مستعدة تماماً لمواجهة أي سيناريو، وستعدل سياساتها إذا أعيد فرض العقوبات الدولية عليها. والثاني، كتب، الجمعة، في تغريدة على منصة «تلغرام»، إن الاتفاق الذي تم توقيعه في مصر هذا الشهر «سيظل سارياً ما لم تُتخذ إجراءات عدائية ضد إيران، بما في ذلك إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن الدولي التي تم إلغاؤها»، مضيفاً: «خلاف ذلك، ستعتبر إيران أن التزاماتها العملية قد أُلغيت».

وقال عراقجي، في حديث لصحيفة «جاكرتا بوست» الإندونيسية، نشر الجمعة، ونقلته وكالة «إرنا»، إن «إيران لن تُساوم أبداً على سيادتها أو حقوقها أو أمنها»، محذراً الأوروبيين من «استبعادهم مستقبلاً من الاتصالات الدبلوماسية: ومنبهاً من عواقب وخيمة وواسعة النطاق على منطقة غرب آسيا والنظام الدولي؛ عواقب من شأنها تقويض سلامة ومصداقية الاتفاقيات الدولية، وتهزّ أسس الأمن الجماعي». وسبق لأصوات إيرانية أن دعت لطرد المفتشين الدوليين، وقطع أي علاقة مع الوكالة الدولية، لا بل إلى الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وحتى تغيير العقيدة الإيرانية التي تمنع الحصول على السلاح النووي.

ما الذي سيحصل بدءاً من صباح الأحد؟ تقول مصادر فرنسية إن الأمور مرهونة بما ستقدم عليه طهران، وإن باب التفاوض ما زال مفتوحاً بعد فرض العقوبات كما قبلها، ما يعيد الأمور لما كانت عليه قبل عام 2015.

وحث وزير الخارجية الألماني، الخميس، على مواصلة التفاوض للتوصل إلى اتفاق جديد. لكن ذلك لن يكون هدفاً سهلاً بالنظر لفشل خمس جولات تفاوضية بين وفدي واشنطن وطهران وأربع جولات بين إيران والترويكا. صحيح أن تخصيب اليورانيوم يعد صعوبة كبرى. لكن طهران تتخوف من إثارة ملفين رديفين: برنامجها الباليستي من جهة، وسياستها الإقليمية من جهة ثانية.


مقالات ذات صلة

المتشددون الإيرانيون يكثّفون دعواتهم لامتلاك قنبلة نووية

شؤون إقليمية صورة التقطها قمر «بلانت لبس» تظهر سقفاً جديداً فوق مبنى كان قد دُمر سابقاً في موقع أصفهان النووي بإيران بداية الشهر الحالي (رويترز)

المتشددون الإيرانيون يكثّفون دعواتهم لامتلاك قنبلة نووية

يتصاعد الجدل في إيران حول ما إذا كان ينبغي السعي لامتلاك قنبلة نووية في ظل الهجمات الأميركية الإسرائيلية المتواصلة وسط انتقال النقاش من دوائر مغلقة لسجال علني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية وحدة مدفعية إسرائيلية تطلق النار باتجاه لبنان، وسط تصاعد الأعمال العدائية بين إسرائيل و"حزب الله" في ظل استمرار الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران... شمال إسرائيل 26 مارس 2026 (رويترز)
p-circle

ما الشروط التي يطرحها الأطراف لإنهاء حرب إيران؟

فيما يلي ما تقوله الأطراف المعنية عن مواقفها في الحرب التي اندلعت بشن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران، في 28 فبراير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع للحكومة في قاعة مجلس الوزراء بالبيت الأبيض، 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: الإيرانيون يستجْدوننا للتوصل إلى اتفاق

في أحدث تصريحاته عن الحرب مع إيران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض، إن الإيرانيين يستجْدون أميركا الآن للتوصل إلى اتفاق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد سحابة من الدخان من موقع غارة جوية على طهران يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

هجمات جديدة مع استمرار حرب إيران... وحركة دبلوماسية بالكواليس

تتواصل الهجمات الصاروخية والقصف في الشرق الأوسط مع استمرار حرب إيران فيما تنشط حركة دبلوماسية في الكواليس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.


ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال مصدر مطلع، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه من المتوقع أن يتوافر، في وقت لاحق من اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي، الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وذكر المصدر أنه جرى إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي البيت الأبيض عبر وسطاء بأن الرد الإيراني سيصل، على الأرجح، اليوم الجمعة.

وقال ترمب، الخميس، إنه سيمدّد، مرة أخرى، المهلة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أو تدمير محطاتها للطاقة، وذلك بعد أن رفضت طهران، في وقت سابق، اقتراحه المؤلَّف من 15 بنداً لإنهاء الحرب التي شنّها مع إسرائيل.

وهدَّد ترمب، خلال اجتماع للوزراء في البيت الأبيض، الخميس، بزيادة الضغط على إيران إذا لم تُبرم اتفاقاً. وكتب لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيعلِّق تنفيذ الهجمات التي هدد بها على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان) 2026 الساعة 20:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة (منتصف ليلة السابع من أبريل بتوقيت غرينتش).

وأضاف، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «المحادثات جارية، وعلى الرغم من التقارير المغلوطة التي تنفي ذلك وتُروّجها وسائل الإعلام الكاذبة وغيرها، فإنها تسير على نحو جيد».

وتقول إيران إنها لا تُجري أي محادثات مع واشنطن، ولم يحدد ترمب الجهة التي يقول إن الولايات المتحدة تتفاوض معها في إيران، التي قُتل فيها كثير من كبار المسؤولين في الحرب.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن لديه معلومات بوجود اتصالات غير مباشرة، وإن هناك ترتيبات لعقد اجتماع مباشر. وأضاف: «يبدو أن ذلك سيكون قريباً جداً في باكستان».

ونقلت باكستان، التي تربطها علاقات جيدة مع إيران، مقترح واشنطن المكوَّن من 15 بنداً لطهران، كما أبدت استعدادها لاستضافة الاجتماعات.

وفي 23 مارس (آذار)، أعلن ترمب تعليق جميع الضربات التي هدد بها ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام. وقال، في منشور أمس، إن المهلة الجديدة تأتي استجابةً لطلب إيراني.


«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وجّهت «الأمم المتحدة» نداء لجمع تبرّعات بقيمة 80 مليون دولار لوكالات مختلفة فيها بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية المُلحة» لنحو مليونيْ لاجئ في إيران.

وتُعدّ إيران البلد الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين على أراضيه ويعيش فيه كثير من المهاجرين، بينهم ملايين الأفغان (4.5 مليون وفق مصادر حكومية) ومئات آلاف العراقيين، وفقاً للأمم المتحدة.

وقال الناطق باسم مفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، بابار بالوش، خلال إحاطة إعلامية في جنيف، إن «التصعيد الأخير في النزاع يضع اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم في إيران في وضع صعب، فهُم يواجهون مشاكل أمنية وأخرى نفسية وخطر خسارة وظائفهم وحاجة طارئة إلى مساكن».

وأشار إلى أن «الزملاء العاملين في المجال الإنساني برعاية المفوّضية السامية أعدّوا خطّة تدخُّل عاجل من أجل اللاجئين بغية مساعدة 1.8 مليون لاجئ (بمن فيهم الأفغان)، فضلاً عن مليون شخص من المجتمعات التي استضافتهم والمتأثّرة بدورها بالنزاع المتصاعد»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقضي الهدف بجمع 80 مليون دولار على نحو عاجل بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية الطارئة بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2026».

وقال الناطق باسم المفوّضية الأممية إن «النزاع ألقى بظلاله على النُّظم الاجتماعية الوطنية والحاجات آخذة في التنامي».

وأضاف: «ينبغي ألا ننسى أن معظم اللاجئين الأفغان في إيران يعيشون في قلب المدن وأن الجميع متأثّر. نتلقّى يومياً آلاف الاتصالات من أفغان يائسين يطلبون دعماً ومساعدة».