المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

مؤسسة بلا أوراق: الثورة الصحية تبدأ من هنا

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030
TT

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

في عام 2030، ستشهد مدينة «ذا لاين The Line» لحظة فارقة في تاريخ الطب، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل على مستوى العالم بأسره.

بداية فصل جديد

هناك، في قلب المدينة التي صُممت لتكون أيقونة للمستقبل، سيُفتتح أول مستشفى ذكي متكامل.. مستشفى لا يعتمد على المعايير التقليدية، ولا يكرر ما سبق، بل يصوغ نموذجاً جديداً للرعاية الصحية.

هنا، لا مكان للطوابير الطويلة، ولا للانتظار المرهق، بل رعاية ذكية تنبض بالحياة، يقودها الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتوأم الرقمي.

ثمرة تجارب عالمية

افتتاح هذا المستشفى الذكي في «ذا لاين» عام 2030 لن يكون مجرد تدشين لمرفق صحي جديد، بل سيكون إعلاناً لولادة فصل جديد في الطب. فهو ثمرة لتجارب عالمية سبقت: تجربة Agent Hospital في الصين عام 2024، التي اعتمدت على 42 طبيباً افتراضياً و4 ممرضين آليين لخدمة أكثر من عشرة آلاف مريض يومياً، وكذلك تجربة Hope Hospital في الولايات المتحدة، التي قدّمت مفهوم التوأم الرقمي (Digital Twin) للمريض.

إلا أن المملكة لا تستنسخ هذه التجارب، بل تتجاوزها لتبني نموذجاً خاصاً بها، يرتكز على «رؤية 2030» التي تسعى إلى جعل السعودية صانعة المستقبل، لا متلقية له.

الأطباء الجدد: وكلاء رقميون

في المستشفى الذكي القادم، ستتغيّر صورة الطبيب التي اعتدنا عليها؛ فليس هناك مكتب مزدحم بالملفات، ولا معطف أبيض يتنقل بين الردهات. والطبيب هنا هو وكيل رقمي مستقل (Autonomous AI Agent)، كيان افتراضي يُتقن لغات العالم، ويحلل في اللحظة الواحدة آلاف المؤشرات الحيوية المتشابكة.

هؤلاء الأطباء الجدد لا يعرفون النوم ولا الإرهاق، ولا ينسون تفصيلاً مهما صغر. يتتبعون حياة المريض كما لو كانت رواية مفتوحة الصفحات: من نبرة صوته الخافتة إلى كيمياء لعابه، ومن خفقات قلبه المتسارعة إلى تقلبات مزاجه الدقيقة... كل نبضة، وكل نفس، تتحول إلى بيانات تُترجم فوراً إلى قرارات علاجية.

مستشفى ذكي

وحسب المخطط، سيضم المستشفى:

* أكثر من 120 طبيباً افتراضياً يتوزعون على مختلف التخصصات الدقيقة، من طب العيون إلى جراحة الأعصاب.

* نحو 60 مساعداً صحياً افتراضياً يتولون المتابعة اليومية، من التغذية إلى الدعم النفسي، كأنهم ممرضون رقميون يرافقون المريض على مدار الساعة.

* قاعدة معرفية سعودية - عالمية تُحدَّث لحظياً من أحدث الأبحاث الطبية، لتضمن أن أي تشخيص أو قرار علاجي يستند دوماً إلى أحدث ما توصّل إليه العلم.

التوأم الرقمي: مرآة لا تفارقك

في هذا المستشفى الذكي، لا يعيش المريض وحده؛ فلكل إنسان نسخة حية تلازمه أينما ذهب، تُعرف باسم التوأم الرقمي، إنه مرآة افتراضية تراقب الجسد لحظة بلحظة: تُسجِّل أنفاسك المتقطعة، وقطرات عرقك الصغيرة، وتتابع حتى تفاصيل نومك وأدق تقلبات مزاجك.

مع هذا التوأم، يتغيّر دور الطبيب جذرياً. فهو لا ينتظر أن يسمع شكواك بعد أن يشتد الألم، بل يقرأ العلامات قبل أن تدركها أنت نفسك، ويتدخل في اللحظة المناسبة ليَحول بينك وبين المرض. هنا تتحول الرعاية الصحية من مجرد رد فعل متأخر إلى توقع استباقي يسبق الخطر بخطوة، ويمنح المريض فرصة العيش في أمان أكبر.

إنترنت الأشياء: الرعاية تبدأ من فراشك

في المستشفى الذكي، لا تنتظر الرعاية حتى تصل إلى باب العيادة، بل تبدأ من أبسط تفاصيل حياتك اليومية:

من فراشك، ومن مرآة حمامك، وحتى من أنبوب معجون الأسنان.

* فراشك الذكي يرصد أنماط التنفس في أثناء النوم، ويكشف مبكراً عن بوادر اضطراب النوم أو ضعف وظائف الرئة.

* ساعتك الذكية تلتقط إيقاع قلبك، لتفرّق بين قلق عابر لا يستحق القلق... وإشارة خفية تنذر بمشكلة قلبية خطيرة.

* مرآة الحمام تحلل نبرة صوتك كل صباح، لتكشف عن تغيرات دقيقة مرتبطة بالاكتئاب أو الإرهاق.

* وحتى أنبوب معجون الأسنان يتحول إلى مختبر مصغّر، يحلل لعابك لحظياً، كاشفاً نسب الغلوكوز ومؤشرات الالتهاب.

وحين تُرصد أي إشارة غير مألوفة، تبدأ سلسلة ذكية متكاملة:

إشعار للطبيب الافتراضي → تحليل فوري للبيانات → وصفة علاجية شخصية → وصول الدواء إلى بابك بطائرة ذكية من الدرون.

هنا تتحول أدواتك اليومية من أشياء صامتة إلى شبكة حية، تُراقب صحتك بصمت، وتعمل من أجلك دون أن تشعر.

قصة أم نواف: حين سبقت الخوارزميات الألم

في أحد منازل «ذا لاين»، استيقظت أم نواف في صباح ربيعي هادئ وهي تشعر بتعب خفيف. ظنّت أنه إرهاق عابر بعد يوم طويل، ولم تدرك أن فراشها الذكي كان قد رصد انخفاضاً طفيفاً في جودة نومها وارتفاعاً غير مألوف في حرارة جلدها.

في الحمام، التقطت فرشاة الأسنان الذكية إشارات التهابية في لعابها، بينما سجّلت المرآة الذكية تغيراً خافتاً في نبرة صوتها، بالكاد يلاحظه الإنسان. كل هذه البيانات الدقيقة تجمّعت في لحظات، وانتقلت فوراً إلى الطبيبة الافتراضية «نورا-5»، وكيلة رقمية متخصص في أمراض النساء وكبار السن.

لكن «نورا-5» لم تُصدر إنذاراً مرعباً، بل خاطبتها بلطف مألوف:

«صباح الخير يا أم نواف، لاحظت بعض التغيرات في بياناتك. هل تسمحين بإجراء فحص إضافي؟».

ابتسمت أم نواف بتردد، ثم وافقت. عندها تولّى المرحاض الذكي المهمة، فحلّل البول ودرجة الحموضة وكشف عن البكتيريا خلال ثوانٍ.

النتيجة كانت واضحة: بداية التهاب في المسالك البولية، في مرحلة مبكرة جداً.

العلاج: وصفة رقمية صُممت خصيصاً لها، أُرسلت إلى أقرب صيدلية.

وفي دقائق معدودة، حطّت طائرة ذكية صغيرة أمام باب منزلها، تحمل الدواء الذي أوقف المرض قبل أن يبدأ.

لم تغادر أم نواف منزلها. لم تنتظر في مختبر مزدحم. لم تعرف الألم.

لقد سبقت الخوارزميات المرض... وسبق الذكاء الألم.

التعليم الطبي: أطباء يُصنعون من التوأم الرقمي

المستشفى الذكي لا يقتصر دوره على شفاء المرضى، بل يتحول إلى جامعة حيّة لصناعة جيل جديد من الأطباء. هنا، تختفي القاعات التقليدية التي تعلّم الطلبة على جثث باردة أو سيناريوهات جامدة، ويحل محلها عالم من التوائم الرقمية الافتراضية، كائنات افتراضية تحاكي أمراضاً حقيقية، وتتغير باستمرار كما يفعل الجسد البشري.

قد يجد الطالب نفسه أمام مريض افتراضي يعاني من ألم مزمن لا يزول بالمسكنات، فيتعلم كيف يوازن بين العلاج الدوائي والدعم النفسي.

أو يواجه مريضاً يخشى فقدان وظيفته إن عرف رئيسه بحالته، فيتدرب على التواصل الحساس والسرية الطبية.

بل قد يُوضع أمام سؤال أخلاقي صعب: هل تُخبر المريض بأنه يحتضَر، أم تؤجل الخبر لحماية معنوياته؟

في هذه المدرسة غير المسبوقة، لا يُصنع الطبيب كآلة تحفظ الوصفات، بل كإنسان كامل: عالِم دقيق، ومُعالج يحمل الرحمة في قرار.

مختبر السياسات الصحية: قرارات تُختبر قبل أن تقع

في المستشفى الذكي، لا يقتصر الابتكار على غرف العلاج أو أجهزة التشخيص، بل يمتد ليشمل مختبراً وطنياً للسياسات الصحية، أشبه بغرفة محاكاة ضخمة للمستقبل. هنا تُختبر القرارات الكبرى قبل أن تُطبّق على أرض الواقع، ويُقاس أثرها بدقة متناهية.

ماذا سيحدث لو ارتفعت نسب السمنة بين فئة المراهقين؟

كيف قد يتطور فيروس جديد في مناخ «ذا لاين» المغلق والمترابط؟

ما النتائج الاقتصادية والصحية لفرض ضريبة على المشروبات السكرية؟

كل هذه الأسئلة لا تُترك للتكهنات أو الاجتهاد البشري وحده، بل تُعالَج عبر خوارزميات دقيقة تعتمد على بيانات وطنية حيّة تُحدَّث لحظة بلحظة. النتيجة: قرارات مدروسة، تستند إلى العلم لا إلى الحدس، وتمنح صانعي السياسات ثقة بأنهم يسيرون على أرض صلبة.

الأخلاقيات السعودية: القيم قبل الخوارزميات

في المستشفى الذكي، لا يُترك الذكاء الاصطناعي ليعمل في فراغ تقني بارد، بل يُوجَّه ببوصلة قيمية سعودية واضحة. فالتقنية مهما بلغت دقتها لا قيمة لها إن فقدت روحها الإنسانية.

تُخزَّن البيانات محلياً تحت إشراف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، ضماناً للسيادة الرقمية وحماية الخصوصية.

تُراجع القرارات الطبية عبر لجنة أخلاقية متخصصة، توازن بين مصلحة المريض وقيم المجتمع.

وتستعد المملكة لإطلاق ميثاق وطني لأخلاقيات الذكاء الصحي، ينص على قاعدة ذهبية: أن تكون الرحمة فوق الخوارزمية، والإنسانية قبل الأتمتة.

بهذا تصبح السعودية ليست رائدة في التقنية فحسب، بل أيضاً في صياغة فلسفة أخلاقية تجعل الذكاء الاصطناعي خادماً للإنسان، وليس سيداً عليه.

السعودية تصنع المستقبل

عام 2030، حين يُفتتح المستشفى الذكي في «ذا لاين»، لن يكون مجرد مشروع طبي متطور، بل أيقونة من أيقونات «رؤية السعودية 2030»، وإعلاناً عن عودة الطب العربي إلى منصة الريادة بعد قرون.

فكما كان ابن سينا يضع «القانون في الطب»، والزهراوي يؤسس علم الجراحة، وابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، تعود السعودية اليوم لتكتب فصلاً جديداً بلغة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لتُثبت أن الإرث العظيم يمكن أن يولَد من جديد بثوب حديث.

والمملكة اليوم لا تتنبأ بمستقبل الطب... بل تصنعه، وتصدّره للعالم من قلب «ذا لاين».

هامش توضيحي

هذه المقالة افتراضية تستشرف المستقبل، وليست خبراً عن مشروع معلن رسمياً. بنيتُها على أفكار مستوحاة من تجارب عالمية مثل Agent Hospital في الصين وHope Hospital في الولايات المتحدة، وعلى ما تعكسه «رؤية السعودية 2030» من طموح القيادة في جعل المملكة رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي والطب الذكي.


مقالات ذات صلة

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.