«أميركا أولاً» يخيّم على خطاب ترمب وسط حروب ونزاعات وتحديات

غياب الأجواء الاحتفالية رغم حضور زعماء العالم الذكرى الـ80 لإنشاء الأمم المتحدة

وصول الوفود الدبلوماسية إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك استعداداً لانعقاد الجمعية العامة (أ.ف.ب)
وصول الوفود الدبلوماسية إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك استعداداً لانعقاد الجمعية العامة (أ.ف.ب)
TT

«أميركا أولاً» يخيّم على خطاب ترمب وسط حروب ونزاعات وتحديات

وصول الوفود الدبلوماسية إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك استعداداً لانعقاد الجمعية العامة (أ.ف.ب)
وصول الوفود الدبلوماسية إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك استعداداً لانعقاد الجمعية العامة (أ.ف.ب)

تشهد نيويورك بدءاً من صباح الثلاثاء انطلاق الاجتماعات رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية الثمانين، في واحد من أكثر الأوقات تقلباً على الساحة الدولية. وتأتي هذه الدورة أيضاً في ظل تحديات تزداد خطورة بسبب حرب طاحنة تشنها إسرائيل في غزة وغزو متواصل من روسيا لأوكرانيا، ونزاعات أخرى في بلدان عديدة أبرزها اليمن والسودان وليبيا، وتحولات متسارعة رفع خلالها الرئيس دونالد ترمب شعار «أميركا أولاً» باعتباره بديلاً عن الرهانات الطويلة الأمد على الدور القيادي للولايات المتحدة.

ومع ذلك، توافد نحو 150 من رؤساء الدول والحكومات والمئات من المسؤولين الدوليين الكبار إلى نيويورك، التي تحوّلت إلى قلعة أمنية لتوفير الحماية لهذه المناسبة، فيما ظلّت الآمال معقودة على الأمم المتحدة، التي ولدت من أنقاض الحرب العالمية الثانية على أساس أن الدول ستعمل سوية لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية والمالية، لتجد نفسها الآن في خضم أزمة حادة، اعترف بها الأمين العام أنطونيو غوتيريش بقوله إن «التعاون الدولي يعاني ضغوطاً لا سابق لها في حياتنا». وأضاف: «نجتمع في ظروف مضطربة، بل ومجهولة» بسبب «ارتفاع حرارة كوكبنا، وتسارع التقنيات الجديدة من دون حواجز، واتساع أوجه عدم المساواة ساعة بساعة».

السفير الأميركي الجديد لدى الأمم المتحدة مايك ولتز متحدثاً في اجتماع طارئ لمجلس الأمن حول إستونيا قبيل وصول الوفد للمشاركة في الجمعية العامة (أ.ف.ب)

مصالح أميركية

في أجواء لا تبدو احتفالية بالذكرى السنوية الثمانين، يتطلع الآلاف من المسؤولين والدبلوماسيين الدوليين إلى ما سيقوله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن القضايا الساخنة التي تشغل بلاده محلياً وعلى الساحة الدولية؛ نظراً إلى الثقل الهائل الذي تحظى به الولايات المتحدة، وانصراف الإدارة إلى تطبيق أجندة ترمب القائمة على شعاريه «أميركا أولاً» و«فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، اللذين يريدان وضع الاعتبارات الخاصة بالمصالح الأميركية فوق أي اعتبار آخر مهما علا شأنه.

ويتوقع أن يبرز خطاب ترمب إنجازاته في مكان تخلى فيه عن النفوذ، مع تأكيده في الوقت ذاته على النفوذ الأميركي الأحادي من خارج المنظمة الدولية. وبرز عدم اكتراث إدارته في خفض مساهمتها في ميزانية الأمم المتحدة، ووضعت نفسها في مواجهة حلفائها الذين طال أمدهم في مجلس الأمن. ولطالما كانت الأمم المتحدة هدفاً مفضلاً للجمهوريين، لكن المدافعين عنها يقولون إن تجاهل إدارة ترمب للأمم المتحدة كان ضاراً بشكل خاص في وقت التوترات الدولية المتصاعدة والصراعات الدموية في غزة وأوكرانيا.

وبالإضافة إلى ترمب، يشمل اليوم الأول كلمات مهمة لكل من الرؤساء: البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سليفا، والتركي رجب طيب إردوغان، والمكسيكية كلاوديو شينباوم، والبرتغالي مارسيلو ريبيلو دو سوسا، واللبناني جوزيف عون، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمصري عبد الفتاح السيسي، والعراقي عبد اللطيف رشيد. وكذلك سيتم إلقاء كلمتين لكل من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والعاهل المغربي الملك محمد السادس.

إجراءات أمنية مشددة وتفتيش للسيارات في محيط مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

أفكار نبيلة

وعاماً بعد عام، يستغل مسؤولو الأمم المتحدة وقادة العالم الاجتماع السنوي لطرح أفكار نبيلة وخرائط طريق مفصلة للتغيير. لكن التطبيق الملموس لا يزال بعيد المنال. ولا يزال العالم بعيداً كل البعد عن تحقيق أهدافه في التنمية أو إيجاد حل لتغير المناخ. حتى عمل الأمم المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية العالمية - وهو أحد المجالات القليلة التي واصلت فيها المنظمة التفوق والريادة - صار الآن مهدداً بتخفيضات الميزانية، ولامبالاة المانحين، وتقليص عدد الموظفين.

لكن مراقبي الأمم المتحدة يؤكدون أنه في عالم شديد الاستقطاب، مع انعدام أي احتمالات لوقف النار في غزة وأوكرانيا والسودان، فإن تحقيق الاجتماع رفيع المستوى لأي تقدم يبقى علامة استفهام كبيرة.

وبالإضافة إلى ملف حرب غزة الذي استأثر بحيز واسع من الاهتمامات الدولية ضمن المؤتمر الدولي لحل الدولتين، هناك الكثير من القضايا الشائكة المدرجة على جدول الأعمال، ومنها ما يتعلق بغزو روسيا لأوكرانيا وحروب التعرفات الجمركية للرئيس ترمب مع بقية دول العالم، بالإضافة إلى متابعة زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي سيكون أول رئيس سوري يتحدث في مثل هذه المناسبة منذ عام 1967، وملف إيران النووي مع زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في ظل جهود غربية لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على بلاده بسبب برنامجها النووي.

وفي أحد الأمثلة المتبقية على التعاون مع الحلفاء التقليديين، تدعم الولايات المتحدة تحرك الحكومات الأوروبية لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بسبب برنامجها النووي، وتُعرف بآلية «سناب باك»؛ لأن إيران واصلت العمل على برنامجها النووي في انتهاك لاتفاق عام 2015؛ ما دفع الموقعين الأوروبيين إلى إعادة فرض العقوبات التي رُفعت سابقاً.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متحدثاً في الاجتماع الرفيع للمؤتمر العالمي الرابع للنساء في الأمم المتحدة قبيل انعقاد الجمعية العامة (إ.ب.أ)

هواجس ومخاوف

يشهد الأسبوع أيضاً العديد من الاجتماعات رفيعة المستوى حول معالجة تغير المناخ، والحرب المستمرة منذ أكثر من عامين في السودان، التي أطلقت شرارة أسوأ أزمة نزوح في العالم، وحول الصومال حيث تنشط جماعة «الشباب» المؤيدة لتنظيم «القاعدة»، والأزمة التي تعانيها هايتي، حيث تسيطر العصابات على أكثر من 90 في المائة من العاصمة بورت أو برينس، وتوسعت إلى الريف.

وأقيمت، الاثنين، مناسبة لإحياء الذكرى الثلاثين لمؤتمر بكين للمرأة، الذي اعتمد برنامجاً لتحقيق المساواة بين الجنسين. وتقول الأمم المتحدة إن تحقيق هذا الهدف يزداد ابتعاداً.

ويتمثل أحد أهم أهداف غوتيريش هذا العام في حشد الدعم لخططه لإصلاح الأمم المتحدة وجعلها أكثر استجابة للعالم مما هي عليه في 2025. وبسبب تخفيضات التمويل من جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، أعلنت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي أن ميزانيتها التشغيلية العادية لعام 2026 بحاجة إلى خفض بنسبة 15 في المائة لتصل إلى 3.2 مليار دولار، بالإضافة إلى خفض بنسبة 19 في المائة في الوظائف؛ أي 2681 وظيفة.

وبدلاً من استراتيجية التعاون، قال محللون إنه خلال هذا الأسبوع، سيضغط مسؤولو إدارة ترمب على دول العالم لتبني قيود على حقوق اللجوء. وقال مصدران مطلعان على التخطيط إن البيت الأبيض يعمل على جدولة محادثات ثنائية لترمب مع بعض القادة مثل الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما قد يلتقي بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لأول مرة في ولايته الثانية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: استقرار البطالة عالمياً في 2026 يخفي أزمة في جودة الوظائف

الاقتصاد يصطف عاطلون عن العمل في أحد الشوارع بكيب تاون في جنوب أفريقيا (رويترز)

الأمم المتحدة: استقرار البطالة عالمياً في 2026 يخفي أزمة في جودة الوظائف

توقعت الأمم المتحدة، يوم الأربعاء، أن يظل معدل البطالة العالمي مستقراً خلال عام 2026، إلا أنها حذّرت من الاستقرار الظاهري في أسواق العمل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية ممثل إيران في الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني (أ.ف.ب)

إيران تتهم ترمب بتشجيع الاضطرابات السياسية بما فيها العنف

اتهمت إيران الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب اليوم الثلاثاء بتشجيع زعزعة الاستقرار السياسي والتحريض على العنف وتهديد سيادة البلاد ‌ووحدة أراضيها وأمنها ‌القومي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب «الأونروا»

حذّر الأمين العام ​للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل من أنه قد يحيلها إلى محكمة العدل الدولية إذا لم تلغ القوانين التي تستهدف وكالة «الأونروا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (د.ب.أ)

إسرائيل تقطع علاقاتها مع ثلاث منظمات دولية

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنّها ستقطع علاقاتها، الثلاثاء، مع ثلاث منظمات دولية، من بينها وكالتان تابعتان للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي صورة لموقع تابع لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل (رويترز - أرشيفية)

«يونيفيل»: قذيفتان تصيبان مهبط طائرات مروحية وبوابة موقع للأمم المتحدة في جنوب لبنان

أعلنت قوات «يونيفيل» أن قذيفتي هاون يُحتمل أنهما قنابل مضيئة أصابتا مهبط الطائرات المروحية والبوابة الرئيسية لموقع تابع للأمم المتحدة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
TT

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

حذّر نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الأربعاء، من أن العلاقة مع الولايات المتحدة «بصدد التفكك»، وأن أوروبا تمر بمرحلة تُثار فيها «تساؤلات حول ثوابتها»، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثارها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً حقيبة المالية خلال خطاب في المؤسسة الألمانية للأبحاث الاقتصادية «دي آي دبليو» في برلين، إن «التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».


تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
TT

تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)

يمنح تصاعد المنافسة بين القوى العظمى، الولايات المتحدة، سبباً أكبر للاستثمار في أطر التعاون الدولي للحد من الأسلحة النووية.

وقال محللان في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه بعد مرور نحو 80 عاماً على قصف هيروشيما وناغازاكي، لا يزال المجتمع الدولي يواجه التداعيات الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية لسباقات التسلح النووي.

وقد حددت المنافسة الثنائية خلال الحرب الباردة الديناميكيات النووية العالمية، ولكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً؛ حيث يشمل دولاً متعددة تمتلك أسلحة نووية، وتقنيات ناشئة، وتحالفات جيوسياسية متغيرة.

فما دوافع سباقات التسلح النووي المعاصرة؟ وما المخاطر التي تشكلها هذه المنافسات؟ وما المسارات المحتملة نحو الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد؟

تطور سباقات التسلح النووي

خلال الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إنتاج واسع النطاق للأسلحة النووية، مدفوعَين بنظرية الردع والتنافس الآيديولوجي والمخاوف من الضعف. وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تخفيف حدة التوترات، ولكنه لم يقضِ على الأسلحة النووية. وبدلاً من ذلك، تطور النظام العالمي إلى بيئة متعددة الأقطاب تضم 9 دول نووية، لكل منها ثقافتها الاستراتيجية واهتماماتها الأمنية الخاصة.

وعلى الرغم من أن غالبية دول الأمم المتحدة أيدت مبدأ نزع السلاح النووي، لم تتبنَّ أي من الدول التي تمتلك أسلحة نووية حالياً هذا المفهوم؛ بل ولم تتخذ أي خطوات ضئيلة في هذا الاتجاه.

وقال المحللان إن هناك عدة عوامل تدفع حالياً إلى تحديث الأسلحة النووية وسباقات التسلح المحتملة، وهي:

الابتكار التكنولوجي: تثير الأسلحة الفرط صوتية والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الصاروخي، شكوكاً جديدة بشأن قدرة الترسانات النووية على البقاء. وهناك مصدر آخر لعدم الاستقرار المحتمل، وهو الفاعلية المتزايدة للأسلحة التقليدية في توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى بقدرات تدميرية، والتي قد تستدعي رداً نووياً. بالإضافة إلى ذلك، تقلص أنظمة المعلومات والتصنيع الحديثة، مقارنة بأنظمة الأجيال السابقة، والمدة الزمنية بين الفكرة وإنتاج النموذج الأولي وبين النموذج الأولي والإنتاج الضخم.

التنافس الإقليمي

يهدد التنافس العسكري الإقليمي بين الهند وباكستان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والصين والهند، وبين الصين وكوريا الشمالية، واليابان والولايات المتحدة، بتصعيد الحرب التقليدية إلى استخدام للأسلحة النووية؛ بل وحتى من دون تجاوز العتبة النووية، ويفاقم التوترات النووية الإقليمية والعالمية.

تآكل الحد من التسلح: أدى الانسحاب من اتفاقيات الحد من التسلح النووي -مثل معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى- إلى جانب إضعاف اتفاقية «ستارت» الجديدة التي تكاد تنتهي، إلى خلق حالة من الفوضى في مجال الحد من التسلح، مما يتسبب في انعدام الثقة التنافسي بين القوى النووية، وزيادة عدم اليقين بشأن تفكيرها الاستراتيجي النووي.

المنافسة بين القوى العظمى: أسفر وصول الصين شبه الحتمي كقوة نووية عظمى ثالثة عن ظهور محور إضافي من عدم اليقين، مقارنة بالتنافس الثنائي خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وتعد مشاركة الصين في صيغة ثلاثية لتبادل التفكير الاستراتيجي بشأن الأسلحة النووية والحد من التسلح ضرورة حتمية، وإن كانت صعبة للغاية، بالنسبة للدول الثلاث وقادتها العسكريين.

مخاطر وعواقب تجدد سباقات التسلح

عدم الاستقرار الاستراتيجي: مع سعي الدول لامتلاك ترسانات أكثر تطوراً وتنوعاً، يزداد خطر حدوث سوء تقدير. ويمكن أن تؤدي التقنيات التي تقلص وقت صنع القرار -مثل المركبات الانزلاقية فائقة السرعة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي- إلى زيادة احتمالية الاستخدام النووي العرضي أو الاستباقي.

مسارات التصعيد الإقليمي

في جنوب آسيا، تتسبب فترات إطلاق الصواريخ القصيرة والعقائد الغامضة في تفاقم حدة الأزمة بين الهند وباكستان. وفي شبه الجزيرة الكورية، تشكل القدرات المتزايدة لكوريا الشمالية تحدياً لأطر الردع التقليدية. وفي أوروبا، يثير الموقف النووي الروسي وردود فعل حلف شمال الأطلسي (الناتو) شكوكاً جديدة تذكر بديناميكيات الحرب الباردة، ولكن مع وجود عدد أكبر من الجهات الفاعلة وقيود أقل.

التكاليف الاقتصادية وتكاليف الفرص البديلة: تتطلب برامج تحديث الأسلحة النووية استثمارات مالية ضخمة. لذلك، بالنسبة لكثير من الدول، فإن السعي وراء القدرات النووية يعكس مفاضلة بين الفوائد الأمنية المتوقعة والاحتياجات المجتمعية طويلة الأجل. حتى في إطار الاحتياجات الدفاعية، توجد مفاضلات مهمة بين أنظمة الأسلحة المفضلة ودعم البنية التحتية.

وعلى سبيل المثال، في حالة الولايات المتحدة، قد يكون هناك تنافس بين تكاليف تطوير ونشر نظام الدفاع الصاروخي المقترح «القبة الذهبية» وبين طلبات القوات المسلحة لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية الاستراتيجية الهجومية.

المخاوف المعيارية والأخلاقية: إن الاعتماد المستمر على الأسلحة النووية يثير تساؤلات أخلاقية عميقة؛ حيث ستكون العواقب الإنسانية لأي مواجهة نووية -سواء كانت متعمدة أو عرضية- عواقب كارثية. ويهدد التآكل المحتمل للمعايير المناهضة للتجارب النووية والتهديدات المتهورة بالاستخدام النووي الاستباقي عقوداً من التقدم نحو تجنب الأزمات النووية وإدارتها.

المسارات المستقبلية: التصعيد أم ضبط النفس؟

يتطلب تنشيط الحد من التسلح أساليب مبتكرة تعكس واقع تعدد الأقطاب اليوم. ويجب أن تشمل الخطوات المحتملة توسيع تدابير الشفافية بين الدول التي تمتلك الأسلحة النووية، ووضع اتفاقيات جديدة تتناول التقنيات الناشئة، وتعزيز قنوات الاتصال في الأزمات للحد من سوء التقدير.

واعتبر المحللان أن التطورات التقنية الكبيرة يمكن أن تقلب الآليات المفهومة لطمأنة الدول النووية إزاء مخاوف الهجوم النووي الاستباقي. ومع تداخل الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والأنظمة المستقلة مع القيادة والسيطرة النووية، ستحتاج الدول إلى معايير أو اتفاقيات جديدة لمنع الاستخدامات المزعزعة للاستقرار.

ويمكن أن يكون وضع تفاهمات مشتركة لـ«الخطوط الحمراء» في التفاعلات النووية السيبرانية نقطة انطلاق.

وفي المناطق التي تشهد توترات نووية حادة، قد تساعد الأطر الدبلوماسية المصممة خصيصاً على تقليص المخاطر. وستساهم تدابير بناء الثقة في جنوب آسيا، وتجديد الحوار بشأن شبه الجزيرة الكورية، والمناقشات الأمنية الأوروبية، في تحقيق الاستقرار. كما أن احتواء نمو الأعداد والقدرة الفتاكة للأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، في سياق الحفاظ على الردع والأمن الإقليميين، يعد أمراً له أهمية فورية.

ولا تزال المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والهيئات الدولية تلعب دوراً حيوياً في تشكيل الخطاب العام، وإجراء البحوث، والدعوة إلى تدابير الحد من المخاطر. وقد يكون تأثيرها بالغ الأهمية في ظل ما تواجهه القنوات الدبلوماسية الرسمية من عقبات سياسية.

ومن بين هذه التحديات: النقص النسبي في الدراسات المتعلقة بالردع النووي والحد من التسلح في أقسام البحوث بالجامعات حالياً، مقارنة بفترات الحرب الباردة وما بعدها مباشرة.

واختتم الخبيران تحليلهما بالقول إن سباقات التسلح النووي ليست من الماضي، وليست موضوعاً غامضاً، وإنما هي موجودة في كل مكان من خلال التغير التكنولوجي والمنافسة الجيوسياسية، وهياكل القوة العالمية المتغيرة.

وسوف يعتمد مستقبل الاستقرار النووي على الخيارات التي تتخذها الدول اليوم، سواء أكانت السعي وراء منافسة غير مقيدة، أم الاستثمار في أطر تعاونية تحد من المخاطر وتعزز الأمن على المدى الطويل. وفي حين أن التحديات هائلة، فإن الفرص المتاحة للدبلوماسية المبتكرة والحوكمة التكنولوجية والالتزام المتجدد بالحد من التسلح، تقدم مسارات نحو مستقبل أكثر أماناً.


رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».