جمهورية «ماسبيرو» الإعلامية

تضم 40 ألف موظف.. وأرهقتها الديون

مبنى «ماسبيرو» على كورنيش القاهرة (صورة أرشيفية)
مبنى «ماسبيرو» على كورنيش القاهرة (صورة أرشيفية)
TT

جمهورية «ماسبيرو» الإعلامية

مبنى «ماسبيرو» على كورنيش القاهرة (صورة أرشيفية)
مبنى «ماسبيرو» على كورنيش القاهرة (صورة أرشيفية)

عشرات الممرات الدائرية تمشي فيها بلا دليل، تؤدي بك إلى ممرات دائرية جديدة، من طابق إلى طابق، حتى تشعر بالإرهاق وتبحث عن مرشد. أنت الآن في مبنى ماسبيرو. من الصعب على الموظف الجديد أو الضيف الوصول إلى نهاية في متاهة شبه معتمة دون مساعدة.
جرى تأسيس المبنى على هيئة أسطوانية من الخارج والداخل عام 1959. يشرف على كورنيش نيل القاهرة، وله أبواب ضخمة موزعة على الاتجاهات الأربعة، ومجموعة من المصاعد في كل جانب تقريبا. يقول المثل القديم إن من يتحكم في ماسبيرو يتولى السلطة في أكبر بلدان منطقة الشرق الأوسط سكانا. أحاطت به الدبابات والمدرعات في أيام الحروب وأيام الثورات وأيام الفوضى.
وبينما الزمن يجري ويتغير مثل جريان النهر، ظل ماسبيرو، بجيوش الموظفين فيه، واقفا في ثبات، حتى أدركه سيل إعلام القطاع الخاص والفضائيات التلفزيونية والمحطات الإذاعية العابرة للحدود، إضافة للإنترنت. واليوم، وبينما يستعد أول برلمان منتخب في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتعديل القوانين المنظمة للعمل الإعلامي، بدأ المبنى ينفض غبار السنين عن نفسه ويبحث عن طريق مغاير في عالم مختلف.
يقدر عدد العاملين في ماسبيرو بنحو 40 ألفا. لهذا أغلب الموظفين في الداخل بلا مكاتب. يتبادلون الوقوف في الممرات لشرب الشاي والتدخين. أما في الشوارع المجاورة، وفي الجراجات الثلاثة القريبة، فإنك لا تجد مكانا لصف السيارة، لدرجة أن البعض يطلق على المبنى «جمهورية ماسبيرو الإعلامية». يبلغ عدد القنوات التلفزيونية التي يديرها ويبثها نحو عشرين قناة، والمحطات الإذاعية نحو عشرين محطة. ومع ذلك يعاني ضعف القدرة على المنافسة، ومن ديون بمئات الملايين من الدولارات.
«الزحام فيه أصبح يخنق الإبداع».. هكذا تقول سكينة فؤاد، وهي عضو في لجنة حاولت إصلاح أوضاع ماسبيرو في مرحلة ما بعد مبارك. كما أنها مستشارة سابقة للرئاسة المصرية. وتضيف: «يجب إعادة الهيكلة وتكوين المؤسسات المعنية بالإعلام التي نص عليها الدستور». وتحتفظ السيدة فؤاد بذكريات كثيرة عن المبنى الذي عملت فيه كإعلامية ورئيسة تحرير لعقود من الزمن: «آن الأوان لكي يشترك الجميع في رسم خريطة لمستقبل ماسبيرو».
الاسم الحقيقي والرسمي لهذا الصرح الذي يصل ارتفاعه اليوم لنحو ثلاثين طابقا، هو «اتحاد الإذاعة والتلفزيون». استمد شهرته من شارع يحمل اسم العالم الفرنسي، جاستون ماسبيرو، الذي كان يشغل قبل 130 سنة منصب مدير مصلحة الآثار المصرية. وبالقرب من منطقة بولاق أبو العلا الفقيرة، وقصور الباشاوات المهجورة، والمتحف المصري ذي اللون الأحمر، جرى وضع أولى لبنات المبنى ليكون، منذ بداية ستينات القرن الماضي، علامة على مرحلة جديدة في عمر المصريين، ولتخرج منه، وتنتقل عبر الأثير، خطب عبد الناصر والسادات ومبارك، وبيانات الثورة والتحرير والحرب والهزيمة والتنحي. واليوم تبدو الأضواء عبر الممرات خافتة وكابية.
وبعد ثورة 2011 جاء للحكم المجلس العسكري، ثم محمد مرسي، ومن بعده الرئيس المؤقت عدلي منصور، إلى أن تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة منتصف العام الماضي. وخلال السنوات الأربع الأخيرة انخفض عدد العاملين في ماسبيرو بمقدار يتراوح بين خمسة آلاف وتسعة آلاف، لسببين؛ الأول تقليص تعيين موظفين جدد، والثاني خروج القدامى للتقاعد. ويقول مسؤول حكومي إنه إذا استمرت الخطة (أي وقف التعيينات) فقد ينخفض العدد ألوفا أخرى.
من ثنايا اللغط الدائر هذه الأيام حول ماسبيرو ومستقبله تستطيع أن تدرك أن قنواته ومحطاته، رغم الفقر، ما زالت المعبِّر الرسمي عن الدولة، لكن الدكتور أحمد كامل، مستشار الإعلام السياسي بالعاصمة المصرية، يقول إنه وعلى عكس الصحف والإذاعات الرسمية، فقد التلفزيون، وهو جزء من ماسبيرو، قدرته على أن يكون مؤثرا على الجمهور في الداخل والخارج.
«رغم كل شيء ما زال في ماسبيرو ما يرمز للسلطة.. إنه أحد مصادر القوة والبريق التي لم تخفت بعد»، يقول الدكتور ياسر عبد العزيز، الذي عمل في السابق مستشارا لدى هيئة الإذاعة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويضيف موضحا أن مشكلة ماسبيرو اليوم هي «نتيجة لعقود من التوظيف الدعائي لأدوات الدولة الإعلامية وهيمنة السلطة التنفيذية على تلك الأدوات»، إلى جانب «التوظيف على أسس اجتماعية، أي بالواسطة والمحسوبية والولاء».
منذ غياب مبارك تغيرت أشياء كثيرة، من بينها انفتاح المجال على مصراعيه لقنوات التلفزيون الخاصة، ومنها، وهو الأهم، إلغاء وزارة الإعلام التي ظلت من الوزارات المهمة وذات الحساسية لأنها تشرف على لسان الدولة في الداخل والخارج. وبدلا من ذلك، نصت المادة 213 من الدستور الذي جرى إقراره العام الماضي، على تكوين «هيئة مستقلة تقوم على إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية المملوكة للدولة، وتطويرها، وتنمية أصولها، وضمان استقلالها وحيادها، والتزامها بأداء مهني، وإداري، واقتصادي رشيد».
وتحتاج المادة الدستورية إلى قانون يحولها إلى واقع. ومن المنتظر أن يقوم البرلمان بهذه المهمة. ومثل ألوف العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، يخشى معد البرامج، محمود، البالغ من العمر 42 عاما، من الإحالة للتقاعد أو النقل إلى وظائف أخرى تابعة للدولة أيضا. وتتضمن تقارير جرى إعدادها من قبل لجان مكلفة من الحكومة ببحث مشكلة ماسبيرو اقتراحات عديدة من بينها المقترح الأصعب، وهو «تخفيض العمالة». لكن موظفين كبارا في المبنى لديهم حلول بسيطة ومعروفة؛ أي «العمل بنفس طريقة القنوات المنافسة».
كما أن التلفزيون والإذاعة كانا قبل 30 سنة يبتكران كل شيء.. المسلسلات، فوازير رمضان، حفلات أضواء المدينة، البرامج الثقافية والسياسية والدينية، فقرات الأطفال التي كان ينتظرها الصغار والكبار.. الخ. ويضيف محمود: «انظر كيف تغير الزمن، بينما أنت تعمل بنفس الآليات القديمة. مثلا حين تتحدث عن انخفاض مستوى ضيوف عدة قنوات تلفزيونية رسمية، يقال لك إن قنوات ماسبيرو لا تعطي مقابل استضافة متحدث سواء كان سياسيا أو معلقا على الأحداث أو خبيرا، بينما القنوات المنافسة، من القطاع الخاص المحلي أو القنوات العربية والأجنبية، تدفع للضيف».
رواتب الإعلاميين والفنيين الزهيدة تدفعهم للعمل مع قنوات أخرى منافسة. «راتبي لا يكفي نفقات المعيشة»، يقول محمود، الذي يعمل بعد دوامه الرسمي، مثل كثيرين من زملائه، لصالح قنوات خاصة تبث برامج دردشة مسائية. ولا يوجد في لوائح ماسبيرو ما يمنع ذلك.
ومن الاقتراحات الأخرى التي تجري دراستها منع موظفي ماسبيرو، من مصورين ومعدين ومخرجين، من التعاقد مع قنوات خاصة طالما هم متعاقدون مع اتحاد الإذاعة والتلفزيون. وتقول السيدة فؤاد إن إحدى مهام المجلس النيابي الجديد «تفعيل القوانين الخاصة بالإعلام.. أتصور أنه يجب النظر أولا في أحوال العاملين، بحيث لا يمكن أن يكون كل من دخل من باب المبنى قد تحول إلى مقدم برامج ومذيع. يجب النظر بحيادية ومهنية بما يحفظ حقوق العاملين والمشاهدين في إعلام حقيقي».
لا أحد ينكر أن ماسبيرو فيه كفاءات كثيرة. بكل بساطة يقال لك إن غالبية المذيعين والعاملين في عشرات القنوات المملوكة للقطاع الخاص هم أبناء ماسبيرو أساسا. وتعلق سكينة فؤاد قائلة: «أرى أن ماسبيرو يمتلئ بالكفاءات، والإعلام الخاص كله أخذ من ماسبيرو، لكن المشكلة تكمن في تنظيم العمل الداخلي.. لا بد من إعادة توزيع العمالة على أسس موضوعية». وتقول: «أثق في وجود القدرة على إعادة الهيكلة وترتيب الأوضاع داخل هذا البيت الضخم».
في الوقت الراهن توجد لجنة وطنية مشكلة من أساتذة وخبراء في الإعلام ومن أبناء المهنة، تقوم بوضع دراسات بشأن ماسبيرو.. «ويجب احترام رأيهم والأخذ به». ومثل كثيرين يرفضون العصف بحقوق العاملين فيه، تقول سكينة فؤاد إن المطلوب ليس المساس بهؤلاء، لكن المشكلة أن كل من يدخل من باب المبنى بصفة وظيفية يتركها ويحمل صفة أخرى.. «هذا أدى لاختلاط الأمور بشدة». وتضيف أن «ما نحتاجه هو أن تتاح فرصة لكل مذيع ولكل مقدم برامج. الزحام يخنق الجميع ويخنق الإبداع. هل هذا يعني العصف بحقوق العاملين؟ لا، لكنْ، مطلوب ترتيب البيت من الداخل بعدالة ومهنية دون واسطة، وألا يكون هناك تمييز إلا بالكفاءة».
من أعلى كوبري السادس من أكتوبر في وسط القاهرة، ومن الكورنيش القريب من مقر وزارة الخارجية المصرية، يمكن أن ترى الهوائي الضخم والأطباق اللاقطة لأجهزة إرسال اتحاد الإذاعة والتلفزيون. وتوجد في مصر ثلاثة أذرع إعلامية رئيسية تعد بمثابة صوت الدولة.. الذراع الأولى تتمثل في «ماسبيرو»، والثانية «وكالة أنباء الشرق الأوسط»، والثالثة «الهيئة العامة للاستعلامات».
وتقدر رواتب العاملين في ماسبيرو فقط بنحو ربع مليار جنيه (الدولار يساوي نحو 8 جنيهات). ويقول الدكتور عبد العزيز إن «ماسبيرو رغم ما فيه من إشكاليات كبيرة فإنه ما زال لديه عدد من مصادر البريق، مثل التعبير عن صوت الدولة وسياستها وقراراتها، لأن ما يقال عبر التلفزيون العام هو يمثل العموم ويخاطب العموم، وهذا الأمر موجود في كل الدول، سواء كانت دولا متقدمة أو غير متقدمة. والمصدر الآخر من مصادر البريق أن ماسبيرو يمتلك ثروة من المصنفات التي تعود لعقود سابقة، وتتميز بالكثير من الأهمية، ولها أبعاد وجدانية ووطنية».
إلا أن «هيكل الموارد البشرية في ماسبيرو لم يتم انتقاؤه وفق أسس أو معايير مهنية»، كما يوضح عبد العزيز، مشيرا إلى أن «آليات الترقي والصعود اعتمدت لسنوات على المحسوبية والولاء. الدولة غضت الطرف عن أساليب الإنفاق الخاطئة، فتراكمت الديون حتى تجاوزت 22 مليار جنيه». وهو يرى أن الدولة أيضا لم تضمن ترقية أدوات التلفزيون العام التنافسية «فبات عاجزا عن الوفاء بدوره الأساسي، وهو أن يكون مصدر الاعتماد الرئيسي للمواطنين في ما يخص الأخبار والمعلومات والتثقيف والترفيه عبر وسائل الإعلام».
رغم كل شيء فإن ماسبيرو ما زال يمتلك دائرة صناعة إعلامية متكاملة، من معدات واستوديوهات، وإشارات البث، وحصص في بعض المشاريع الإعلامية العملاقة مثل «نايل سات»، أو كما يؤكد عبد العزيز: «ما زالت تتوافر فيه بعض مصادر القوة والأهمية، ومنها أن به عددا كبيرا من الإعلاميين المميزين، وإن كانت آليات العمل فيه لا تسمح بإطلاق قدراتهم على النحو المأمول».
و«الحل بسيط»، وفقا للدكتور عبد العزيز، وهو تفعيل المادة 213 من الدستور، لكنه يقول إن تفعيلها «لا بد أن يكون متلائما مع روح الدستور واستحقاقاته في ما يتعلق بوسائل الإعلام العامة، خاصة ما ورد في المادة 72 والتي تنص على التزام الدولة بضمان استقلال وسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام». ويضيف: «من الممكن أن تكون قريبة من تجربة (بي بي سي)».
المشكلة أن ماسبيرو ليس جسما عاديا. إنه يشبه الأخطبوط بأذرعه الكثيرة، بغض النظر عن قدرته على التأثير أو الربح.. يوجد ضمن شبكة «التلفزيون المصري» كل من «القناة الأولى» و«القناة الثانية» و«الفضائية المصرية» و«الفضائية الموجهة للولايات المتحدة الأميركية». ومن كثرة الأبواب المطلة على الممرات الدائرية من الصعب أن تعرف من أين دخلت وكيف تخرج. ويقول المعد محمود: «كثيرٌ من الضيوف يتوهون. المشي داخل المبنى يحتاج خبرة». وتبث قنوات هذه الشبكة نحو 34789 ساعة في السنة وفقا للجهاز المركزي للإحصاء. وتشمل شبكة «تلفزيون النيل» عدة قنوات متخصصة هي «النيل»، و«سينما» و«الثقافية» و«المنوعات» و«الأسرة والطفل» و«الرياضة» و«التعليمية» و«البحث العلمي» و«التعليم العالي» و«كوميدي». وتبث القنوات المتخصصة في السنة 76409 ساعات وفقا للمصدر نفسه. ومن قنوات شبكة «تلفزيون المحروسة» (خاصة بالأقاليم المصرية)، قناة «القاهرة» و«الدلتا» و«الإسكندرية» و«القنال» و«الصعيد» و«طيبة». وتبث 35856 ساعة في السنة.
أما المحطات الإذاعية فأهمها «الإذاعة العامة» التي تبث من خلالها إذاعات ذات تاريخ مثل «البرنامج العام» منذ سنة 1934، و«صوت العرب»، و«القرآن الكريم» و«الشرق الأوسط» و«الأغاني» و«راديو مصر» و«البرنامج الثقافي» و«الشباب والرياضة» و«البرنامج الموسيقى» و«البرنامج الأوروبي» و«الأخبار والموسيقى»، و«التعليمية»، بالإضافة إلى إذاعات أخرى إقليمية وموجهة.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».