إضرابات ومظاهرات فرنسا عملية «ليّ ذراع» بين المنظمين والسلطات

النقابات تتحدث عن مظاهرة مليونية غاضبة تتحدى وزير الداخلية المتهم بـ«صب الزيت على النار»

الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
TT

إضرابات ومظاهرات فرنسا عملية «ليّ ذراع» بين المنظمين والسلطات

الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)

بعد الأزمتين المالية والسياسية اللتين عرفتهما فرنسا في الأسابيع الأخيرة مع استقالة حكومة فرنسوا بايرو، وتفجر أزمة المديونية المتفاقمة، وتدهور سمعة البلاد لدى المؤسسات المالية الدولية ولدى شريكات فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، جاء دور الأزمة الاجتماعية التي تفجرت أمس مع الإضرابات والمظاهرات التي دعت إليها ثماني نقابات مجتمعة وتُرجمت بنزول مئات الآلاف من المحتجين في العاصمة باريس والعديد من المدن الكبرى والمتوسطة.

متظاهرون يفترشون الأرض في مدينة «ليل» شمال البلاد أمام مبنى المحافظة في سياق الدعوة إلى إضرابات ومظاهرات عامة في كل أنحاء فرنسا (أ.ف.ب)

ووسط انتشار أمني واسع النطاق تمثل بقيام وزارة الداخلية بتعبئة قوة من 80 ألف رجل شرطة ودرك وأمن مدعومة بمركبة مدرعة تابعة للدرك الوطني من طراز «سنتور»، ومسيرات لمراقبة تقدم المظاهرات، وعشرات الآليات ترش المياه لتفريق المتظاهرين، شهدت البلاد تعبئة نقابية واجتماعية واسعة، رأى فيها الكثير من المراقبين استعادة لما عرفته فرنسا، لأشهر، قبل عامين ونصف عام، بمناسبة تغيير قانون سن التقاعد.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة لتجميده أو للتراجع عنه، شكلت أحد المطالب الرئيسية ليوم الخميس الذي وصفه وزير المواصلات، بـ«الخميس الأسود».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال استقبال رسمي أمام قصر الإليزيه في باريس 16 سبتمبر 2025 (رويترز)

إعادة التوازن

يوم الخميس، بدت النقابات أكثر تصميماً من أي وقت مضى على الدخول في عملية «لي ذراع» مع السلطات، والغرض المحدد منها الضغط على سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة المكلف الداخل في مفاوضات شاقة مع الكتل البرلمانية ذات المطالب المتناقضة، للتراجع عن صورة الميزانية لعام 2026 التي بلورها خلفه بايرو والتي أسقط بسببها في البرلمان.

والسلاح الأمضى بأيدي النقابات يكمن في نجاحها في توحيد مطالبها ورؤيتها. ومن ناحية المطالب، فإن النقابات المستندة إلى تأييد يتجاوز نطاق الموظفين والعمال، عبرت عن طموح واسع؛ إذ إنها تريد، وفق ماريليز ليون، الأمينة العامة للاتحاد الديمقراطي للعمال، تخلي الحكومة العتيدة عن سياسة التقشف، وتطمح بالمزيد من الموارد للمؤسسات وللخدمات العامة، وتصر على تحقيق العدالة الضريبية بفرض ضرائب على كبريات الثروات، فضلاً عن التخلي عن قانون التقاعد في سن 64 عاماً، ومراجعة قانون تعويض العاطلين عن العمل، إلخ. ثم هناك مطالب قطاعية كالصيادلة والمعلمين والموظفين.

جانب من المناوشات التي جرت في باريس ويظهر في الصورة استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع في مسعاها لتفريق المتظاهرين (أ.ف.ب)

وزير الداخلية في مرمى النقابات واليسار

لم يتأخر اندلاع جدل عنيف بين روتايو، وزير الداخلية وقادة نقابيين وسياسيين أخذوا على الأول سعيه لـ«كهربة» المسيرات الشعبية، حيث تحدث يومي الأربعاء والخميس عن آلاف المشاغبين الذين يمكن أن ينضموا إلى صفوف المتظاهرين، وإمكانية لجوئهم إلى العنف.

وليس سراً أن روتايو الذي يرأس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والطامح للترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2027، منذ أن عُين في منصبه قبل عام، يحرص على الظهور بمظهر الرجل القوي الحازم الساعي لقمع الفوضى وفرض النظام العام مهما كان الثمن، كما أنه يدافع عن مواقف بالغة التشدد في ملف الهجرات واللجوء.

ومنذ الأربعاء، حذر الوزير المستقيل من «أخطار كبيرة للإخلال بالنظام العام، بسبب وجود جماعات من اليسار المتطرف ستحاول التسلل إلى المسيرات الرسمية»، وعاود التحذير، الخميس، حين تحدث عن محاولة «تخريب» لشبكة مياه في «المارتينيك»، لكن «تم إحباطها»، وهو ما نفته وزارة الداخلية بسرعة.

كذلك شدد على أنه سيكون «صارماً للغاية» في حال حدوث أي تجاوزات، وأنه أعطى تعليمات واضحة للقوى الأمنية التي عليها «التدخل الفوري لتوقيف الأفراد» المشاغبين «وتقديمهم إلى العدالة». أما محافظ شرطة باريس، لوران نونييز، فقد عبر، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عن «قلقه الشديد» من وجود عدد كبير من مثيري الشغب وسط المسيرات النقابية في باريس.

كانت صوفي بينيه، الأمينة العامة للاتحاد العام للعمال، أول من هاجم روتايو. فقد نددت، في حديث لقناة «فرانس إنفو» الإخبارية بكيفية تعاطي رجال الأمن مع المتظاهرين، وقالت: «منذ صباح اليوم، هناك متظاهرات ومتظاهرون يتعرضون للغاز» المسيل للدموع «والعنف رغم أنهم سلميون». وأضافت بينيه: «في العاشر من سبتمبر (أيلول)، لم تكن هناك أعمال عنف تُذكر» بمناسبة حراك «لنشل كل شيء»، «واليوم أيضاً لن تكون هناك أعمال عنف، باستثناء تلك التي تنتج عن استراتيجية الحفاظ على النظام التي ينفذها وزير الداخلية».

جانب من المناوشات التي جرت في باريس ويظهر في الصورة استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع في مسعاها لتفريق المتظاهرين (أ.ف.ب)

وحثت بينيه الفرنسيين على النزول إلى الشوارع بقوة، وتجاوز محاولات التخويف. وفي السياق عينه، هاجمت مارين توندولييه، الأمينة الوطنية لحزب «البيئيين»، الوزير المستقيل، معتبرة أنه «لا ينتظر سوى حدوث أعمال عنف»، وأنه «بنفسه سبب كافٍ لحجب الثقة عنه» في حال بقائه وزيراً للداخلية.

وأدلى جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد بدلوه، في كلمة له في مدينة مرسيليا الساحلية، لدى انطلاق المظاهرة فيها، داعياً المتظاهرين لتجنب العنف؛ «لأنه لا يخدم سوى شخص واحد هو روتايو، الذي يحتاج إلى العنف، ويحتاج إلى حاويات القمامة المشتعلة، ويحتاج إلى كل هذه الفوضى ليظهر بدور المنقذ أو شيء من هذا القبيل»، مضيفاً: «هذا الرجل يُعدّ استفزازاً متنقلاً، وعلى رئيس الجمهورية أن يُعيده إلى جادة الصواب».

أكثر من مليون متظاهر

ترى النقابات أن يوم التعبئة حقق نجاحاً فائقاً؛ إذ إنه أنزل إلى الشوارع ما لا يقل عن مليون شخص، وفق الاتحاد العام للعمال القريب من اليسار، وتحديداً من الحزب الشيوعي. وهذه الأرقام أعلى بكثير من الأرقام الرسمية؛ إذ إن وزارة الداخلية أحصت، بعد الظهر، 282 ألف متظاهر، باستثناء باريس حيث انطلقت المظاهرة من ساحة الباستيل بعد الظهر.

واللافت أن ما يزيد على 90 في المائة من الصيدليات أقفلت أبوابها. وأحصت القوى الأمنية 476 عملاً احتجاجياً. وكالعادة تسببت حركة الإضرابات بإرباك قطاع النقل؛ سواء القطارات أو حافلات المترو أو غيرها من وسائل النقل العمومية. كذلك، فإن القطاع التعليمي أصيب بقوة؛ إذ أشارت أقوى نقابات الأساتذة والمعلمين إلى أن «تعبئة القطاع كانت قوية خصوصاً في التعليم الثانوي حيث بلغت نسبة المضربين 45 في المائة».

الشطة تطلق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين في باريس (رويترز)

وأفادت وزارة التعليم بإغلاق 23 مدرسة ثانوية بالكامل، كما تم وضع حواجز أمام 52 مدرسة أخرى. ووفق وزارة الداخلية، فقد ألقي عن القبض على 140 شخصاً، أُودع منهم 75 ناشطاً السجن.

وفي مرسيليا، سارت مظاهرة ضمت 15 ألف شخص، وأفضت مناوشات بين المتظاهرين والأمن إلى جرح سبعة رجال شرطة. وشوهد رجل شرطة يركل، عدة مرات، متظاهرة وقعت أرضاً. وفي أكثر من مظاهرة، ظهر أشخاص يرتدون الملابس السوداء ويخفون ملامحهم وينتمون، بشكل عام، إلى تنظيم يساري متشدد يسمى «بلاك بلوك».

متظاهر مقنّع يلقي مقذوفاً في أحد شوارع باريس (رويترز)

وسعى المتظاهرون، بعضهم كان يحمل لافتات تطالب بوقف مد إسرائيل بالسلاح، إلى سد مداخل مؤسسة عسكرية يظن أنها تصدّر أسلحة لإسرائيل. وفي باريس شوهد أشخاص يلبسون الكوفيات ورفعت يافطات تندد بمجازر غزة، وأخرى تدعو لرحيل ماكرون. وعلى مسار مظاهرة باريس، عمد العديد من المؤسسات التجارية إلى إغلاق أبوابها خوفاً من التكسير، فيما عمدت أخرى إلى رفع ألواح خشبية لحماية واجهاتها.

وفي مدينة ليون، ثاني كبرى الدن الفرنسية، كما في مدينة نانت غرب البلاد، كانت الأجواء مشحونة بين المتظاهرين والأمن. أظهرت بيانات صادرة عن «شركة كهرباء فرنسا» أن إنتاجها من المفاعلات النووية انخفض بمقدار 1.1 غيغاوات، الخميس، بعدما قلص العمال إنتاج الطاقة في «مفاعل فلامونفيل 1». ويبلغ حجم الطاقة النووية في فرنسا 57 غيغاوات تنتج نحو 70 في المائة من الطاقة الكهربائية في البلاد، وهي النسبة الأعلى في أوروبا.


مقالات ذات صلة

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

شمال افريقيا مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

رئيس السلطة القضائية في إيران لعدم التهاون مع «عملاء» أميركا وإسرائيل

قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، الاثنين، إنه لا ينبغي التهاون أو التأخر في إصدار الأحكام ضد المتّهمين بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الرياضة والشباب الإيراني أحمد دنيا مالي (في الوسط)  يشارك في مسيرة إحياء ذكرى «يوم القدس»... طهران 13 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:37

في ظهور نادر لهم خلال الحرب... قادة إيرانيون يشاركون بمسيرة «يوم القدس» بطهران

شارك مسؤولون إيرانيون كبار بينهم الرئيس مسعود بيزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في مسيرة «يوم القدس» في وسط طهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يقفون حراساً في أحد شوارع العاصمة الإيرانية طهران بجوار لافتة كبيرة تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي... 12 مارس 2026 (رويترز)

«الحرس الثوري» يتعهّد برد «أكثر حدّة» على أي مظاهرات جديدة في إيران

أعلن «الحرس الثوري الإيراني»، الجمعة، أنّ أي احتجاجات جديدة ضدّ السلطة ستواجَه برد «أكثر حدّة» من ذلك الذي قوبلت به المظاهرات التي شهدتها البلاد في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
TT

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

قام وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، التركي المؤيد للأكراد، بزيارة جديدة إلى زعيم حزب «العمال الكردستاني»، السجين عبد الله أوجلان، وسط غموض حول عملية «السلام» التي تمر عبر حل الحزب ونزع أسلحته.

وجاءت زيارة الوفد، المعروف إعلامياً باسم «وفد إيمرالي»، بعد أيام من رسالة وجهها أوجلان من محبسه في سجن جزيرة إيمرالي (غرب تركيا) خلال احتفالات عيد «نوروز» في ديار بكر السبت الماضي، إلى مختلف أطراف العملية التي تُطلق عليها الحكومة «مسار تركيا خالية من الإرهاب»، حثّ فيها الجميع على العمل لإنجاحها، وتحقيق «الاندماج الديمقراطي».

وكان آخر لقاء للوفد، الذي يضم كلاً من نائبي حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، بروين بولدان ومدحت سانجار، والمحامي فائق أوزغور إيرول من مكتب «عصرين» للمحاماة، لأوجلان تم في 16 فبراير (شباط) الماضي.

موقف ثابت لأوجلان

وعقد اللقاء مع أوجلان قبل يومين فقط من تصويت «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» بالبرلمان التركي، في 18 فبراير الماضي على تقرير مشترك للأحزاب المشاركة فيها، يتضمن مقترحات بشأن اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية، المطلوبة لمواكبة حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

أعضاء «وفد إيمرالي» النائبة بروين بولدان وعن يسارها النائب مدحت سانجار وعن يمينها المحامي فائق أوزغور إيرول (حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» - «إكس»)

وأكد أوجلان في ذلك اللقاء أن القضية الكردية ذات بُعدين؛ أمني وسياسي، وأن البُعد السياسي هو الأوسع، وأنه يجب العمل على تحقيق «الوحدة الديمقراطية» في إطار مبدأ شامل للحكم الديمقراطي.

وعشية لقاء الوفد مع أوجلان، أكدت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، في مؤتمر صحافي، أهمية الزيارة، لافتة إلى أن الوفد سيناقش معه الخطوات القانونية الواجب اتخاذها في إطار نزع أسلحة «العمال الكردستاني»، ووضعه قائداً لهذه العملية، مشددة على ضرورة تغيير وضع أوجلان الحالي كونه فاعلاً مهماً في المنطقة يقترح مشروعاً قائماً على التعددية من حيث الهوية واللغات والتعايش.

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد عائشة غل دوغان خلال مؤتمر صحافي بمقر الحزب في أنقرة الخميس (حساب الحزب في «إكس»)

ولفتت دوغان إلى أنه كان من المقرر، حسبما أعلن سابقاً، أن يبدأ البرلمان مناقشة تقرير لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

انقسام بين الأطراف

ومع غموض الجدول الزمني للبرلمان بشأن بدء مناقشة التقرير في لجنة «العدل» تمهيداً لطرحه على الجلسات العامة، يتردد في الأوساط السياسية في أنقرة أن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، يتعمد إبطاء العملية بسبب ردة فعل قاعدة ناخبيه، لا سيما مع تكرار ذكر اسم أوجلان والتركيز على دوره في العملية، والمطالبة بتحسين وضعه.

في المقابل، يُصعد حزبا «الحركة القومية»، شريك «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، و«الديمقراطية والمساواة للشعوب» ضغوطهما على الحكومة لتسريع العملية.

قامت مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» بإجراق الأسلحة في مراسم رمزية أقيمت في جبل قنديل بمحافظة السيلمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي (رويترز)

وحسب مصادر حزب «العدالة والتنمية»، فإن الحكومة تتبع استراتيجية تقوم على التحقق من حل «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته أولاً، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية من خلال البرلمان بناءً على ذلك، لرغبتها في رؤية تطورات ملموسة على أرض الواقع، ومراعاة لحساسية الناخبين، وتجنباً للفشل الذي كان مصيراً لعمليات مماثلة سابقة.

ويتمسك الجانب الكردي بإقرار اللوائح القانونية من أجل دفع عملية حل «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

ورهن تقرير اللجنة البرلمانية الموافقة على اللوائح القانونية بالتأكد من انتهاء نزع الأسلحة عبر آلية للتحقق والتأكيد، تتألف من وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» وجهاز المخابرات، الذي ستكون له الكلمة الأخيرة في إعداد التقرير النهائي الذي سيُعرض على الرئيس رجب طيب إردوغان، من أجل المصادقة على ما سيقره البرلمان من لوائح قانونية تتعلق بمسار «تركيا خالية من الإرهاب».

تأثير إقليمي

وأرجع الكاتب المتخصص في القضية الكردية، ألب أصلان أوزاردام، السبب في التأجيل غير المعلن لمناقشة تقرير اللجنة البرلمانية إلى التطورات الإقليمية، لا سيما مسار حرب إيران، الذي دفع الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها بشأن نزع أسلحة «العمال الكردستاني».

وعدّ أن المأزق الحالي لا ينبع فقط من غياب الإرادة، بل أيضاً من الترقب الحذر الذي فرضه تغير البيئة الاستراتيجية، ومع ذلك، فإنّ القضية الحقيقية التي تُشكل هذا المشهد هي معضلة تبدو تقنية، لكنها في جوهرها سياسية، تتعلق بكيفية التحقق من نزع الأسلحة؛ حيث لايزال هناك غياب متبادل للثقة بين الدولة و«العمال الكردستاني».

رفعت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تقريرها حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني» إلى البرلمان في 18 فبراير انتظاراً للبدء في مناقشته (حساب البرلمان في «إكس»)

ورأى أوزاردام أنه على النقيض من نماذج مشابهة كآيرلندا الشمالية وكولومبيا، يمكن النظر إلى هذا الأمر في تركيا من خلال نموذج أكثر واقعية، يقوم على تقسيم عملية نزع السلاح إلى مراحل محددة، هي: تسليم الأسلحة بمعدلات معينة، ووقف الأنشطة في مناطق محددة، ونقل الأفراد إلى وضع محدد، وبالتوازي مع هذه المراحل، يمكن أيضاً إعداد لوائح قانونية، على أن يكون دخولها حيّز التنفيذ مرتبطاً بهذه التطورات، أي أنه يمكن سن القوانين وربط تطبيقها بإتمام خطوات محددة وموثقة، وأن تلبى توقعات الأطراف تدريجياً، لا دفعة واحدة.


تجنيد رقمي للمراهقين البريطانيين من قبل عملاء إيرانيين للتجسس

(شاترستوك)
(شاترستوك)
TT

تجنيد رقمي للمراهقين البريطانيين من قبل عملاء إيرانيين للتجسس

(شاترستوك)
(شاترستوك)

كشفت تقارير أمنية عن استهداف جهات استخباراتية إيرانية لمراهقين بريطانيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، عارضةً عليهم مبالغ مالية مقابل تنفيذ مهام تجسسية داخل المملكة المتحدة. وفقاً لـ«جي بي نيوز».

وتعمل قنوات على تطبيق «تلغرام» مرتبطة بأجهزة طهران على نشر إعلانات تطلب مراقبة أهداف محددة، مقابل 500 جنيه إسترليني للمهام البسيطة، مع مبالغ أكبر للعمليات المعقدة. وتُكتب الرسائل بالإنجليزية والعبرية لاستقطاب فئات متنوعة، بينما تتولى روبوتات دردشة آلية التواصل الأولي، وجمع معلومات عن المتقدمين قبل ترتيب المدفوعات عبر العملات الرقمية لإخفاء مسار الأموال.

ويؤكد محللون أن هذا الأسلوب مشابه لتكتيكات استُخدمت سابقاً في إسرائيل، حيث وُجهت اتهامات لقُصَّر بتنفيذ مهام تصوير لمنشآت حساسة مقابل المال. ويشير الخبير الأمني روجر ماكميلان إلى أن المراهقين المستهدفين ليسوا عملاء محترفين، بل شباب ضعفاء يُستدرجون بإغراء المال السريع، وهو أسلوب مشابه لتكتيكات روسية سابقة.

وفي سياق متصل، تحقق الشرطة البريطانية في هجوم حرق استهدف أربع سيارات إسعاف تابعة لجالية يهودية في غولدرز غرين، وسط شبهات بوجود وسطاء إجراميين جرى تجنيدهم عبر الإنترنت. وقد أوقفت الشرطة رجلين بريطانيين، قبل الإفراج عنهما بكفالة، فيما لم يتضح بعد مدى صلة جماعة تطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بالهجوم.

ويقول ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، أور هورفيتز، إن إيران تنشط بشكل مكثف في بريطانيا والولايات المتحدة في عمليات التجنيد الرقمي، مستغلة أساليب غير مباشرة لتجنب المخاطر، مع التركيز على استهداف مجتمعات يهودية وإسرائيلية. وأضاف أن «المملكة المتحدة تُعد بيئة جاذبة لهذه الأنشطة، بسبب صعوبة مراقبتها المباشرة».

في المقابل، حذر المدير العام لجهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5)، السير كين ماكالوم، من أن قبول أي أموال من دول أجنبية مقابل أنشطة غير قانونية سيواجه قوة أجهزة الأمن بالكامل.

وفي محاولة للحد من هذه المخاطر على الشباب، تطلق الحكومة تجربة محدودة لفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على 300 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، تشمل ساعات حظر رقمي، بهدف تقييم أثر هذه القيود على دراستهم وحياتهم الأسرية، تمهيداً لتطبيق سياسات أوسع.

ومن المقرر أن تختتم الوزارة مشاوراتها في 26 مايو (أيار) بعد تلقي عشرات آلاف الردود من أولياء الأمور والأطفال، في خطوة تؤكد أن المواجهة مع تهديدات الفضاء الرقمي بدأت منذ الشاشات الصغيرة... قبل أن تصل إلى الحياة الواقعية.


لاتفيا تتهم روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة ضد دول البلطيق

رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

لاتفيا تتهم روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة ضد دول البلطيق

رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اتهمت وزارة الدفاع اللاتفية روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة منسقة على نطاق واسع ضد دول البلطيق.

وقالت الوزارة، الجمعة، إن موسكو تزعم أن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا تسمح باستخدام أراضيها في شن هجمات أوكرانية ضد روسيا.

وأضافت الوزارة أن الحملة تتضمن معلومات مضللة، واستخدام روبوتات دردشة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتستهدف الجماهير التي تتحدث الروسية، وتستغل الشباب.

جاء البيان مرفقاً بلقطات شاشة لمنشورات عبر الإنترنت يُزعَم أنها تظهر ما يثبت الحملة الروسية.

وأوضحت الوزارة أن الحملة تهدف إلى إضعاف الثقة في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وتقسيم المجتمع وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة وإضعاف الدعم الموجه لأوكرانيا.

ولفتت الوزارة إلى أن موسكو تحاول عن طريق ذلك أن تحوِّل الاهتمام عن عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الأوكرانية المضادة الناجحة على أهداف روسية تطلّ على ساحل بحر البلطيق.

وشددت على عدم مشاركة أي من لاتفيا وإستونيا وليتوانيا في التخطيط لهجمات أوكرانية مضادة أو تنفيذها.