عودة أجواء الحرب والنزوح إلى جنوب لبنان

غارات بعد تحذيرات وحركة نزوح كثيفة

الدخان يتصاعد من بلدة دبين إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (الوكالة الوطنية للإعلام)
الدخان يتصاعد من بلدة دبين إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

عودة أجواء الحرب والنزوح إلى جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من بلدة دبين إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (الوكالة الوطنية للإعلام)
الدخان يتصاعد من بلدة دبين إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (الوكالة الوطنية للإعلام)

عاش أهالي جنوب لبنان مجدداً أجواء الحرب والنزوح على وقع تجدد الغارات الإسرائيلية العنيفة والموسعة، بعد إنذارات أطلقها الجيش الإسرائيلي إلى خمس بلدات، داعياً سكان عدد من المباني إلى إخلائها، وهو ما أدى إلى نزوح كبير، واستدعى مواقف مستنكرة من المسؤولين في لبنان، ودعوات للمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل.

سلام: لممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل

وبينما يأتي هذا التصعيد قبيل عودة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت للمشاركة في اجتماعات لجنة مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، الأحد، في الناقورة، جدّد رئيس الحكومة نواف سلام موقف لبنان «المتمسك بمسار وقف الأعمال العدائية»، مشيراً إلى أن «الحكومة اللبنانية تؤكد أنها منخرطة في اجتماعات الميكانيزم، لكن السؤال المشروع اليوم: أين هو التزام إسرائيل بهذه الآليات؟ وكيف يعقل أن تستمر في ممارسة الترهيب والاعتداءات، فيما يفترض بهذه الاجتماعات أن تضمن التطبيق الكامل للقرار 1701 ولوقف العمليات العدائية؟».

وأضاف: «وعليه، يدعو لبنان المجتمع الدولي، لا سيما الدول الراعية لاتفاق وقف العمليات العدائية، إلى ممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها فوراً، والعودة إلى الآلية واتفاق وقف العمليات العدائية والتزاماته، بما في ذلك الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها، ووقف الاعتداءات، والإفراج عن الأسرى».

وأدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الغارات الإسرائيلية، وطالب الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بوضع حد فوري للانتهاكات السافرة لسيادة لبنان.

وقال عون في بيان: «إسرائيل لا تحترم عمل الآلية ولا أياً من الدول الراعية لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وغاراتها الجوية انتهاك فاضح لقرار مجلس الأمن 1701»؛ في إشارة إلى آلية مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار. وأضاف عون أن «صمت الدول الراعية تقاعس خطير يشجع على هذه الاعتداءات. ويجب أن تخدم الآلية جميع الأطراف، لا أن تكون وسيلة لتغطية اعتداءات إسرائيل».

الجيش اللبناني: 4500 خرق إسرائيلي

وبعد وقت قصير من التصعيد الإسرائيلي، أعلن الجيش اللبناني، في بيان، تسجيل 4500 خرق منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مشدداً على أن هذه الخروق تعيق انتشاره في الجنوب.

وقال الجيش في بيانه: «يستمر العدو الإسرائيلي في اعتداءاته على المواطنين وآخرها استهداف عدد من القرى الجنوبية اليوم، بالإضافة إلى المدنيين في عدة مناطق آهلة، ما يسفر عن وقوع شهداء وجرحى».

وأضاف الجيش: «يتزامن ذلك مع خروقاته المتمادية للسيادة اللبنانية برّاً وبحراً وجوّاً، وارتكاباته المستمرة ضد سكان القرى الحدودية، بما في ذلك إطلاق القنابل الحارقة وتفجير المنازل»، مشيراً إلى «أن هذه الاعتداءات والخروقات تعيق انتشار الجيش في الجنوب، واستمرارها سيعرقل تنفيذ خطته ابتداءً من منطقة جنوب الليطاني»، موضحاً أن «قيادة الجيش تتابع هذه الخروقات بالتنسيق مع لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان – (اليونيفيل)».

إنذارات لبلدات و«بنى تحتية لـ(حزب الله)»

وفي تصعيد غير مسبوق منذ أشهر، أطلق الجيش الإسرائيلي عند الساعة الخامسة بعد ظهر الأربعاء، تحذيره إلى سكان بلدات ميس الجبل وكفرتبنيت ودبين، قبل أن ينفذ الطيران الإسرائيلي غاراته على البلدات المستهدفة بعد أقل من ساعة من التحذير. ليعود ويطلق تحذيرات جديدة لبلدتي الشهابية وبرج قلاوية في الجنوب.

وتوجه أدرعي عبر منصة «إكس» بـ«إنذار عاجل إلى سكان جنوب لبنان»، قائلاً: «سيهاجم جيش الدفاع على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ(حزب الله) في أنحاء جنوب لبنان، وذلك في مواجهة محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة»، وتوجّه إلى السكان بالقول: «أنتم توجدون في مبانٍ يستخدمها (حزب الله) الإرهابي، من أجل سلامتكم أنتم مضطرون لإخلاء تلك المباني والمباني المجاورة لها فوراً، والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر».

وهذه التحذيرات أثارت حالة من الذعر والخوف في نفوس السكان الذين غادروا منازلهم، وسُجلت حركة نزوح كثيفة في المنطقة.

وشهد طريق كفرتبنيت - النبطية الفوقا زحمة سير باتجاه مدينة النبطية والبلدات المجاورة، بسبب نزوح سكان الحي المهدد في كفرتبنيت بالغارات الإسرائيلية، إضافة إلى نسبة من بقية الأحياء في البلدة، وفق «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أنه «تم قطع الطريق المؤدي إلى كفرتبنيت عند مفترق زوطر، حفاظاً على سلامة الأهالي لحين انتهاء الغارات الإسرائيلية».

ويأتي هذا التصعيد غير المسبوق في موازاة استمرار الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة على الجنوب والبقاع عبر تنفيذ غارات جوية على عدد من المناطق، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر من العام الماضي مع «حزب الله».

البلدات المستهدفة: بين شمال الليطاني وجنوبه

تقع ميس الجبل في قضاء مرجعيون جنوب الليطاني وعلى تماس مباشر مع الحدود، ما يجعلها من أبرز بلدات الخط الأمامي. خلال الحرب الأخيرة، كانت من أكثر القرى تضرراً نتيجة توغلات إسرائيلية وتفجيرات ممنهجة لمنازل ومنشآت، حيث تحوّلت إلى بلدة شبه مدمرة، ولم يتمكن أبناؤها من العودة إليها على غرار عدد كبير من القرى الحدودية.

أما كفرتبنيت، رغم وقوعها شمال الليطاني ضمن قضاء النبطية وعلى بُعد أربعة كيلومترات فقط من مركز المدينة، فلم تسلم من الضربات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة... البلدة الريفية شهدت نزوحاً واسعاً خلال ذروة القصف. لكن ومع الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار عاد جزء كبير من أبنائها إليها، وهو ما جعل عدد النازحين منها مرتفعاً، الخميس، عند إطلاق الجيش الإسرائيلي تحذيراته.

إلى الجنوب من الليطاني وعلى مقربة من الخيام وكفركلا، تقع دبّين التي شهدت هي الأخرى قصفاً جوياً ومدفعياً متكرراً خلال الحرب وبعد الهدنة أواخر 2024. ورغم أن كثافة الاستهداف أقل من ميس الجبل، فإن طابعها المباشر جعل من دبّين أيضاً هدفاً متكرراً. في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استهدف وسط البلدة مباشرة، ومع التحذير الإسرائيلي الأخير، باتت غالبية وسط دبّين تقريباً ضمن دائرة الإخلاء الإجباري، وسُجّلت أيضاً حركة نزوح منها.

أما بلدتا الشهابية وبرج قلاوية فهما تقعان في قلب قضاء صور جنوب لبنان، وتشكلان جزءاً من المنطقة الممتدة بين مجرى نهر الليطاني والحدود الجنوبية. موقعهما الجغرافي جعلهما عرضة للاستهدافات الإسرائيلية المتكررة بحجة وجود بنى تحتية أو نشاطات مرتبطة بـ«حزب الله».

وهما تقعان شمال نهر الليطاني؛ أي في منطقة لا يشملها مباشرة الحظر المفروض بموجب القرار الدولي 1701، لكنها بقيت ضمن دائرة المواجهة العسكرية.


مقالات ذات صلة

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

المشرق العربي حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

سأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

جدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان تأكيده على دعم بلاده للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي مناطق جنوب لبنان تتعرض بشكل دائم لقصف إسرائيلي رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: نقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، أنه بدأ قصف أهداف لجماعة «حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان. 

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

قال مصدر في حركة «حماس» إن قيادياً بارزاً في الجناح العسكري للحركة كان بين ​سبعة أشخاص لقوا حتفهم في غارتين جويتين إسرائيليتين على دير البلح بوسط قطاع غزة، اليوم الخميس.

وأكد المصدر في «حماس» أن أحد القتلى هو محمد الحولي، القيادي بالجناح العسكري للحركة في دير البلح.

وندّدت «حماس» بالغارة الجوية على منزل لعائلة الحولي، في بيان لم تُشِر فيه ‌إلى محمد ‌الحولي أو دوره في الحركة.

‌وقالت إن الغارة «تمثل خرقاً ‌فاضحاً ومتكرراً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف مجدداً أن الاحتلال لا يلتزم بالاتفاق ويسعى، بشكل متعمد، إلى تعطيله، تمهيداً لاستئناف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة».

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

وأفاد مسؤولون صحيون بأن مِن بين القتلى الستة الآخرين فتى يبلغ من العمر 16 عاماً.

وأشارت تقارير إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني وثلاثة جنود إسرائيليين، منذ دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين ‌الأول) الماضي.

وهدمت إسرائيل مباني، وطردت السكان ‍من أكثر من نصف قطاع غزة الذي لا تزال قواتها متمركزة فيه. ويعيش حالياً ‍جميع سكان القطاع تقريباً، والبالغ عددهم أكثر من مليونيْ نسمة، في مساكن مؤقتة أو مبان متضررة في شريط ضيق من الأراضي انسحبت منه القوات الإسرائيلية واستعادت «حماس» السيطرة عليه.

وقالت منظمة الأمم المتحدة ​للطفولة «يونيسيف»، يوم الثلاثاء، إن أكثر من 100 طفل قُتلوا في غزة منذ وقف إطلاق النار، بعضهم ضحايا لهجمات بطائرات مُسيَّرة.

وتبادلت إسرائيل و«حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، ولا تزال وجهة نظر الطرفين متباينة للغاية بخصوص قضايا رئيسية، رغم إعلان الولايات المتحدة دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أمس الأربعاء.

وشنّت إسرائيل عملياتها في غزة، عقب هجومٍ شنّته فصائل، بقيادة «حماس»، في أكتوبر 2023، والذي تشير إحصاءات إسرائيلية إلى أنه تسبّب في مقتل 1200 شخص.

أما في قطاع غزة، فتشير السلطات الصحية فيه إلى أن الحرب الإسرائيلية على القطاع أدت ‌إلى مقتل 71 ألف شخص وخلفت دماراً واسعاً.


إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)

في تطور جديد ذي أبعاد اقتصادية اجتماعية، كلّفت الحكومة اللبنانية وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البدء بإجراءات بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت، وهو قرار لطالما شكّل موضع خلاف مع أهالي ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020، الذين يرفضون أي خطوة تمسّ بالإهراءات القديمة قبل تحقيق العدالة والمحاسبة.

ما تبقى من إهراءات القمح بمرفأ بيروت بعد الانفجار الهائل في أغسطس 2020 (أ.ف.ب)

ومع تأكيد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تأمين القمح أولوية للأمن الغذائي لا تحتمل التأجيل، يؤكد أن العمل على خطة بناء الإهراءات سيكون في موازاة العمل على خطة تحويل الإهراءات القديمة إلى مَعلم سياحي بعدما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5 أغسطس 2025 التراجع عن قرار هدم ما تبقّى من صوامع القمح في إهراءات مرفأ بيروت، الذي اتخذته الحكومة السابقة، والذي سمح بهدمها.

وكان قد سبق قرار الحكومة إعلان وزير الثقافة غسان سلامة عن قرار إدراج الإهراءات على «لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية»، استجابة لطلب أهالي ضحايا تفجير المرفأ، مما يؤدّي إلى إيقاف أي قرار بهدمها، وحمايتها باعتبارها جزءاً من التراث العمراني للعاصمة بيروت.

خطة متكاملة

ويلفت وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إلى أن قرار الحكومة إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأمين مخزون القمح والحبوب على المديين المتوسط والطويل، جاء بعدما نتج عن انفجار بيروت فراغ استراتيجي في قدرة الدولة على تخزين القمح.

ويقول البساط لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الإهراءات بعد انفجار المرفأ أدّى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظّمة، ما يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال حصول أي طارئ أمني أو لوجستي، ويجبر الدولة على استيراد القمح بشكل عاجل وبتكلفة مرتفعة، فضلاً عما يرافق ذلك من صعوبات في التوزيع.

ويلفت إلى أنّ لبنان يستهلك سنوياً أكثر من 600 ألف طن من القمح، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، ما يجعل البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة على الاستيراد.

لقطة عامة لمرفأ بيروت... ويظهر في وسطها مبنى الإهراءات المعرّض لتدمير جزئي نتيجة الانفجار عام 2020 (رويترز)

ثلاثية المواقع وسعة تخزين لستة أشهر

ويوضح البساط أنه «سيتم بناء الإهراءات الجديدة في مكان منفصل عن القديمة التي سبق أن اتُّخذ قرار بعدم هدمها، ويتم العمل على خطة بشأنها لتحويل المكان إلى مَعلم سياحي»، مضيفاً أن «الإهراءات الجديدة سيتم بناؤها داخل المرفأ، ولكن في موقع مختلف، ضمن رؤية وطنية شاملة، تشمل أيضاً البقاع وطرابلس في الشمال».

وكشف البساط أنّ الحكومة أعدّت دراسة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن، منها 235 ألف طن في بيروت والبقية ستتوزع بين طرابلس والبقاع.

وذكّر البساط بأنّ الإهراءات القديمة كانت تستوعب نحو 150 ألف طن فقط، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى منشآت حديثة تتلاءم مع حجم الاستهلاك والمخاطر القائمة.

التمويل والتنفيذ

وعلى صعيد التنفيذ، أوضح وزير الاقتصاد أنّ العمل سيبدأ بالمرحلة الأولى في بيروت، حيث يُتوقّع وضع حجر الأساس خلال أشهر، في حال سارت الأمور وفق المخطط. وستكون الخطوة الأولى تقنية وهندسية، تتضمن إعداد دراسة تفصيلية بتمويل من الصندوق الكويتي عبر منحة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وتحتاج إلى عدة أشهر لإنجازها.

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتمويل الإهراءات؛ إذ تُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 250 مليون دولار، منها نحو 125 مليون دولار لإهراءات بيروت. وأشار البساط إلى وجود وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، إضافة إلى العمل مع دول عربية صديقة لاستكمال تأمين التمويل، بالتوازي مع إعداد الخطة التنفيذية.

الإهراءات القديمة: بين الذاكرة والمخاطر

في ما يتعلّق بإهراءات مرفأ بيروت القديمة، شدّد البساط على أنّ التعامل معها لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يشمل أبعاداً اجتماعية ومعنوية وأخلاقية، نظراً لارتباطها بذاكرة انفجار المرفأ. ولفت إلى وجود توجّه لتحويلها إلى مَعلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية مثل «جدار برلين»، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.

غير أنّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة، والمشكلة البيئية الناتجة عن وجود نحو 40 ألف طن من القمح المتضرر داخل الإهراءات، فضلاً عن المخاوف من سلامة المبنى وإمكانية انهياره، رغم وجود تطمينات هندسية أولية حول متانته.

ويشير هنا إلى تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المَعلم السياحي في المكان.

ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

وختم البساط مؤكداً أنّ الحكومة حريصة على إشراك أهالي ضحايا انفجار المرفأ في مسار النقاش، بانتظار استكمال المسار القضائي للقضية، معتبراً أنّ الحفاظ على الذاكرة لا يتعارض مع ضرورة تأمين الأمن الغذائي للبنانيين، بل يشكّل جزءاً من مسؤولية الدولة.


«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
TT

«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الخميس، اتهامات وزارة الدفاع السورية لها بمنع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر، شرق حلب.

وقالت «قسد»، في بيان: «نؤكد أن تعطل حركة المدنيين في المنطقة ناتج عن التصعيد العسكري، والتحشيد، والقصف المستمر الذي تنفذه فصائل دمشق».

وحذرت من أن «أي تهجير للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوّة من طرف دمشق يُعد جريمة حرب»، ودعت المجتمع الدولي إلى «إدانة هذه الأساليب الخطيرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تهجير أكثر من 170 ألف مدني، في ظل الظروف الجوية السيئة».

كان الجيش السوري قد أعلن، في وقت سابق، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لـ«وكالة الأنباء السورية» إن مجموعات من ميليشيات «حزب العمال الكردستاني» المتحالفة مع «قسد» تمنع المدنيين من المرور عبر الممر الإنساني قرب دير حافر.

وهدد الجيش السوري باستهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين «بالطريقة المناسبة»، مشيراً إلى الانتهاء من كل التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية بشمال وشرق سوريا، اليوم، إغلاق معابر الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر في ظل «التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المعابر».