إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (1 من 3)

TT

إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

بشير الجميل (أ.ف.ب)
بشير الجميل (أ.ف.ب)

ترك صيف 1982 بصماته على المصيرين اللبناني والفلسطيني. فيه احتل الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخ النزاع عاصمة عربية هي بيروت. وفيه أرغم الاجتياح الإسرائيلي ياسر عرفات ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية على الإبحار إلى منفى جديد.

وفي ذلك الصيف انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية واغتيل قبل تسلمه سلطاته الدستورية. وفيه أيضاً وُلدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي سدد إليها نظام حافظ الأسد ضربات قاتلة بعدما أسهم مع طهران في وضع اللبنات الأولى لولادة «حزب الله» ومعه «المقاومة الإسلامية».

ذكرني الصيف بما سمعته قبل سنوات طويلة من محسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي» في لبنان. قال: «اعتبر حافظ الأسد أننا ارتكبنا ثلاث جرائم تستحق العقوبة القصوى. الأولى أننا اكتشفنا مع كمال جنبلاط أن نظام الأسد يبحث عن عملاء لا عن حلفاء، وكانت النتيجة المعروفة. الثانية أننا اكتشفنا مع ياسر عرفات أن الأسد يريد الاستيلاء على القرار الفلسطيني لتوظيفه في خدمة ديمومة نظامه، وكان العقاب صريحاً. الثالثة حين أطلقنا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ورفضنا لاحقاً إلحاقها بالأجهزة السورية، وكانت النتيجة حملة اغتيالات شديدة».

محسن إبراهيم (إلى اليمين) مع عرفات ووليد جنبلاط ونبيه بري في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي في 1982 (غيتي)

سألت إبراهيم عن تفاصيل «الجريمة» الثالثة، فقال إن قصتها الكاملة موجودة عند إلياس عطاالله، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني ومسؤوله العسكري السابق ومنسق عمليات «جمول».

وفي هذه الأيام التي تطرح فيها قصة سلاح حركة «حماس» في غزة وسلاح «حزب الله» في لبنان، اختارت «الشرق الأوسط» العودة إلى دروس صيف 1982 وأهواله. قصدت عطاالله وفتح الدفاتر كاشفاً عن جديد في قصة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» وسلسلة من الأحداث الأمنية والاغتيالات الكبرى، وبينها اغتيال الرئيسين بشير الجميل ورينيه معوض، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. فضلاً عن دور الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، وعملية تحرير الدبلوماسيين السوفيات بعد لقاء صعب بين أحد جنرالاتها والراحل الشيخ محمد حسين فضل الله.

الساحة تُهيّئ نفسها

في مايو (أيار) 1982 تزايد الحديث في بيروت عن احتمال قيام إسرائيل بعملية عسكرية ترمي إلى إبعاد صواريخ التنظيمات الفلسطينية عن المستوطنات الإسرائيلية. وكان الرأي الغالب أن حكومة مناحيم بيغن قد تتوغل مسافة أربعين كيلومتراً في الأراضي اللبنانية لتقترب من نهر الأولي عند مدخل جنوب لبنان.

كان عطاالله يرى أن هذا التوغل لن يحقق لإسرائيل أهدافها؛ لأن قوى المقاومة الفلسطينية والقوى الحليفة لها ستكون قادرة على الانكفاء إلى بيروت والاحتفاظ بقدراتها؛ لهذا لم يستبعد أن يصل الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت نفسها لقلب المعادلة برمتها.

كانت إسرائيل تبحث عن عذر لم يتأخر صبري البنا (أبو نضال) زعيم «حركة فتح - المجلس الثوري» في توفيره بمحاولته اغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا شلومو أرغوف. وفي اليوم التالي، وتحديداً في الرابع من يونيو (حزيران)، أغارت الطائرات الإسرائيلية على المدينة الرياضية في بيروت. وفي السادس من ذلك الشهر وتنفيذاً لأوامر وزير الدفاع الجنرال آرييل شارون بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه البري للبنان.

إلياس عطاالله خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

يروي عطاالله لـ«الشرق الأوسط» ظروف ولادة «جمول» وأبرز عملياتها وموجة الاغتيالات التي تعرض لها الحزب الشيوعي حين رفض قرار الرئيس حافظ الأسد إرغام «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» على التنسيق المسبق مع الاستخبارات السورية والاندماج مع «حزب الله». ويكشف من موقعه العسكري والأمني عن جديدٍ يتعلق بالاغتيالات المروعة التي استهدفت رؤساء وقياديين، علاوة على مسلسل الحروب بين الفصائل الذي شهدته العاصمة اللبنانية وانتهى بعودة القوات السورية إليها. كما يروي ذكريات عن الأيام الأخيرة التي أمضاها عرفات قبل مغادرته بيروت في ملجأ تحت الأرض إلى جانب عطاالله والأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي الذي ستشمله لاحقاً موجة الاغتيالات «المشتركة» التي حصدت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وآخرين.

حصار بيروت: الخريطة والقرارات

غداة بدء الاجتياح البري وفي واحدة من 14 غرفة عمليات أعدتها المقاومة الفلسطينية، وقف أربعة رجال أمام الخريطة. عرفات وصديقه العراقي اللواء حسن النقيب وحاوي وعطاالله. كان عرفات يحمل مسطرة ويكرر السؤال عن أين أصبحت القوات الإسرائيلية المهاجمة. كان يريد التأكد من معلومات تلقاها أن الجيش الإسرائيلي لن يتوغل أكثر من أربعين كيلومتراً. لم تكن معلوماته دقيقة؛ وهو ما تبين له حين اتصل عطاالله بأبناء بلدته الرميلة التي تقع شمال نهر الأولي وأكدوا له أن الجيش الإسرائيلي تجاوز البلدة وأنه يندفع على ما يبدو في اتجاه بيروت.

في هذا الوقت كانت قوات «فتح» انسحبت في اتجاه جزين والبقاع. ويقول عطاالله إن المفاجأة كانت أن رئيس أركان هذه القوات «كان عميلاً لإسرائيل». وهكذا «بدا أن المعركة ستكون في بيروت». لم تستطع قوات المقاومة الفلسطينية والقوات اللبنانية الحليفة لها تشكيل خطوط دفاع جدية أمام اندفاعة الجيش الإسرائيلي وتفوقه على مختلف المستويات. حاصر الجيش الإسرائيلي بيروت وانخرط الحزب الشيوعي في معركة الدفاع عن المدينة والتي كان واضحاً أن حركة «فتح» بزعامة عرفات تضطلع بالدور الأكبر فيها.

يقول عطاالله إن عرفات كان بحق قائد معركة الدفاع عن بيروت، لافتاً إلى أن القائد الفلسطيني «كان يتمتع بشجاعة غير عادية تصل إلى حد عدم الاكتراث لسلامته الشخصية». ويضيف أن «هاجس عرفات كان أن تربح القضية. حساباته ليست شخصية. يدير المسائل في أصعب اللحظات بأقل صعوبة ومن دون أن يرف له جفن. كلفني أن أنسق مع ضابط من عنده مسألة الدفاع عن محاور القتال. رجل آخر كان له دور كبير. إنه خليل الوزير (أبو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، وهو كان قليل الكلام وكثير الفاعلية، خصوصاً أنه أكثر تخصصاً بالشؤون العسكرية من عرفات».

يعتقد عطاالله أن قتل عرفات كان بين أهداف الحرب التي شنتها إسرائيل؛ نظراً لقيمته الرمزية والعملية، خصوصاً أنه الرجل الذي أعاد إيقاظ القضية الفلسطينية في 1965 وكأنه اخترعها مجدداً. ويضيف أن هذا الرجل المطلوب كان لا يتردد في التجوال في المدينة المحاصرة، متفقداً مواقع المقاتلين ومساهماً على طريقته المعروفة في استنهاض المعنويات وتحدي الآلة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تمطر بيروت المحاصرة بأشرس ما تمتلكه من أسلحة.

ياسر عرفات في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي (غيتي)

يتذكر عطاالله واحدة من المعارك ضد محاولات الجيش الإسرائيلي التقدم في بيروت. يقول: «معركة سباق الخيل خاضها الحزب الشيوعي وحده وأشرفت عليها بالكامل. تلقينا معلومات أن الجيش الإسرائيلي يستعد في منطقة المتحف ويمهد للمرور من منطقة سباق الخيل إلى الفاكهاني المتداخلة مع منطقة طريق الجديدة لعزل الفاكهاني قبل اجتياح بيروت. تأكدنا من المعلومات. قررت أن أقيس المسافة بين الطيونة والمحكمة العسكرية قرب المتحف لأتبين قدرة قاذفات (بي 7). تبين أن المسافة أكثر من ألف متر وأن القذيفة تنفجر تلقائياً بعد قطعها مسافة 450 متراً. لهذا وضعنا أكثر من ثلاثين شخصاً في حُفر فردية على جانب الطريق من ناحية سباق الخيل ومن ناحية الطيونة. دخل الإسرائيليون وقصفناهم بالقذائف من الناحيتين؛ فخسروا عدداً من الدبابات وقُتل جنرال كان يقود الهجوم. اللافت، أنهم لا يتركون شيئاً في أرض المعركة بعد انسحابهم».

في بيروت المحاصرة، اتخذ عطاالله من الطبقة الخامسة تحت الأرض في بناية مارينيان قرب مستشفى الجامعة الأميركية مقراً له ولجورج حاوي. كان ذات يوم عند مدخل المبنى حين لمح كوفية يعرفها. إنه ياسر عرفات. اقترب فتحي، مرافق الزعيم الفلسطيني، وقال: «الختيار سينام عندكم الليلة». وروى فتحي أن قصفاً استهدف مقراً لعرفات، وبعد القصف حاول أحد الحراس اغتيال عرفات، لكن المرافقين كانوا أسرع منه وقتلوه. وهكذا أمضى عرفات الأيام العشرة الأخيرة قبل مغادرته بيروت مع حاوي وعطاالله وكان يغادر المقر ويعود إليه.

عرفات و«مزايدات» رفاقه

وسط الحصار، كان عرفات يواصل اتصالاته. لم يتأخر في إدراك أن أحداً لن يستطيع إنقاذه. ذهب مع هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، إلى السفارة السوفياتية وكانت المفاجأة كبيرة. كان السفير ألكساندر سولداتوف شديد الوضوح. موسكو ليست في وارد توجيه إنذار إلى القوات الإسرائيلية أو إلى راعيها الأميركي. ليست أيضاً في وارد إرسال سفينة لنقل الجرحى. قال سولداتوف لعرفات: «اخرجوا من بيروت»، وحين سأله: كيف؟ أجابه: «اخرجوا ولو على ظهر المدمرات الأميركية؛ كي لا تؤخذوا في الشباك (أسرى)». رد عرفات إن قائداً في مسدسه طلقتان لا يسقط أسيراً. لكنه فهم الرسالة.

نضجت ظروف الخروج من بيروت وتبلور اتفاق مع فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان. كان على عرفات إبلاغ قادة الفصائل الفلسطينية، وكان عطاالله يعرف مقارهم السرية فأرسل من يبلغهم. ويتذكر عطاالله أن جورج حبش، الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ونايف حواتمة، الأمين العام لـ«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» حاولا «المزايدة على عرفات» خلال الحديث عن المغادرة، فرد عليهما غاضباً وترك لهما خيار البقاء، فردا بالموافقة على المغادرة.

لم يطفئ الحصار الإسرائيلي لبيروت نار العداوة بين عرفات وحافظ الأسد. كان عطاالله حاضراً حين تحدث أحد المشاركين في أحد لقاءات ملجأ مارينيان عن إمكان الانسحاب براً إلى سوريا. ويروي عطاالله أن رد عرفات كان «حاسماً وشديداً؛ إذ قال سأعدم من يتقدم باقتراح من هذا النوع. أعتبر (حافظ) الأسد عدواً مثل إسرائيل وأكثر. سأعدمكم إذا أتيتم على ذِكر حافظ الأسد مرة أخرى».

جمعت عرفات بحافظ الأسد كراهية متبادلة شديدة (أ.ف.ب)

ويرى عطاالله أن الكراهية المتبادلة بين الأسد وعرفات كانت السبب في المعركة الدامية التي شهدتها مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني، معرباً عن أسفه لأن الحزب الشيوعي انخرط في هذه المعركة التي قادها شخصياً وتسببت بسقوط مئات القتلى والجرحى.

كانت الكراهية بين عرفات والأسد بلا حدود. وهي ما دفع الزعيم الفلسطيني إلى أن يقول لمحسن إبراهيم في تونس إن «خروجي من بيروت حياً ضاعف حقد شارون والأسد عليّ».

ويقول عطاالله إن عرفات أبدى اهتماماً شديداً بالوحدات العسكرية السورية التي حوصرت في بيروت وتولى تسليحها وتوفير المؤن لها، خصوصاً أن بعض عناصرها كانوا حتى بلا أحذية. وقال إن «أفراد كتيبة سورية خاصة قاتلوا قتالاً مشرفاً وسقط منهم كثيرون واستولوا في معركة في خلدة على دبابتين إسرائيليتين، فجاءتهم الأوامر من دمشق بتسليمها لحركة (أمل) بقيادة نبيه بري».

ذات يوم، وبعد تكرار عمليات القصف الإسرائيلي لمحيط السفارة السوفياتية، أخذت الحماسة عطاالله فزارها واستقبله سولداتوف. سأل السفير الزائر عن الهدف من زيارته، فرد أنه جاء للاطمئنان عليه وعلى العاملين وللسؤال عما كانوا يحتاجون إلى الانتقال إلى مكان أكثر أمناً، فرد السفير قائلاً: «رفيق. إذا لم يستطع هذا العلم (السوفياتي) حمايتي فلن يستطيع أحد»، ولفت الزائر إلى أن القصف الإسرائيلي يستهدف الحديقة لا مبنى السفارة نفسه.

موضوع حار آخر شغل اللبنانيين في ذلك الصيف الساخن. أعلن بشير الجميل، قائد «القوات اللبنانية» ونجل بيار الجميل مؤسس حزب «الكتائب»، ترشحه لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس إلياس سركيس. قبل الغزو الإسرائيلي كان من الصعب تصور انتخاب الجميل بسبب حالة العداء التي كانت قائمة بينه وبين معظم الأطراف اليسارية والإسلامية بفعل انخراطه في الحرب. وكانت دمشق شديدة العداء ضد الجميل الذي خاض معارك ضد قواتها في بيروت وزحلة ضاعفت شعبيته في المعسكر الذي ينتمي إليه. ما كان يبدو شبه مستحيل في الأيام العادية صار ممكناً بفعل الانقلاب في الموازين الذي أحدثه الغزو.

بشير الجميل (أ.ف.ب)

كان من عادة مسؤول «كي جي بي» في السفارة السوفياتية في بيروت ولقبه «الأرنب» أن يزور عطاالله بين وقت وآخر؛ ذلك أن الأخير هو القائد العسكري لقوات الحزب الشيوعي ومسؤول الأمن فيه، فضلاً عن أنه عضو في المكتب السياسي.

نصيحة «أرنب» المخابرات السوفياتية

بعد نحو شهر من بدء الغزو الإسرائيلي، زار «الأرنب» عطاالله وفاجأه بكلام غير متوقع. قال له مباشرة: لماذا لا تؤيدون أنتم كلبنانيين بشير الجميل للرئاسة؟ لم تكن المعركة انتهت ولا قرار خروج عرفات تبلور، لكن المسؤول السوفياتي كان يتكلم كأن بيروت ستصبح بلا نفوذ فلسطينياً أو سورياً. قال له عطاالله: «نحن أرسلنا شخصاً اسمه ألبير منصور (الوزير لاحقاً) والتقاه وطرح عليه سؤالاً. قال له: كيف ستحكم إذا وصلت إلى رئاسة الجمهورية؟ أخرج بشير خريطة مرسومة مسبقاً ونظر إلى مناطق ملونة بلون معين، وقال له: هؤلاء المسيحيون في هذه المناطق وكلهم مسلحون. وهذه المناطق غير الموالية لنا منزوعة السلاح».

سأل عطاالله «الأرنب»: «هل تقول لي أن ننتخب رئيساً من هذا النوع؟»، فأجابه بأن «الأمور تتغير، الآن هو (هكذا) وبعد قليل (تسلم السلطة) يصبح شيئاً آخر».

دار نقاش وبدا واضحاً أن «الأرنب» يؤيد وصول بشير ويشجع على السير في هذا الاتجاه. قال له عطاالله: «أنا متفاجئ ومستغرب وأريد أن تقول لي بدقة: هل هذا رأيك أم أنه رأي رسمي؟» فاكتفى بالرد: «أنا أقول لك انتخب بشير. هو أفضل خيار في الظروف التي أنتم فيها».

ظهر الخلاف واضحاً وخرج الزائر مستاءً بعدما أوحى له عطاالله أن الحديث انتهى. أبلغ عطاالله حاوي أنه لن يستقبل «الأرنب» مجدداً، فرد الأخير أن ذلك لا يكفي وأن على «الأرنب» أن يعتذر. لكن حاوي لم يعد إلى هذا الموضوع لاحقاً.

في النصف الثاني من أغسطس (آب) وفي موازاة المفاوضات المتعلقة بخروج عرفات وقوات منظمة التحرير تصاعدت حرارة الانتخابات الرئاسية اللبنانية. حاول معارضو الجميل إبعاد الكأس المرة عن شفاهم. اقترح بعضهم على سركيس تمديد ولايته لسنتين، فرفض كمن ينتظر موعد الخروج من القصر وخيباته. اقترح اسم الرئيس كميل شمعون لفترة انتقالية، لكن ذلك لن يمر. وبدا واضحاً أن خيار بشير الجميل يتقدم.

دار همس في أوساط الأحزاب المعارضة له أن الحل الوحيد لوقف انتخابه قصف المقر الذي ستجرى فيه الانتخابات لمنع انعقاد الجلسة. سادت حالة من القلق بين قوى الحركة الوطنية والإسلامية. أسهم بشير الجميل ترتفع ولا حل غير تخريب جلسة انتخابه. وثمة من راهن على أن يدعم عرفات هذه المحاولة. وردد بعضهم أنه ألمح سابقاً إلى استعداد من هذا النوع.

لم تكن تلك الحسابات دقيقة. كان عرفات يستعد لمغادرة بيروت بموجب اتفاق يجري التفاوض عليه مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب. ثم إن الزعيم الفلسطيني لا تعوزه القدرة على التقاط اتجاهات الرياح. فبشير الذي كان رمزاً للميليشيات والانخراط في الحرب الأهلية نجح في الحصول على دعم دولي وقبول إقليمي، وصار من الصعب على عرفات أن يسهم في تخريب هذا التوجه.

كان عطاالله من دعاة تخريب جلسة الانتخاب. ولن يتأخر في استقبال المفاجأة. سأل عرفات، فكان الرد: «ولا طلقة». كرر السؤال فكرر عرفات جوابه بشكل قاطع. استوقفت عطاالله عبارة لعرفات جاء فيها: «لا تلعبوا في هذا الموضع فتبلوننا». ويضيف: «شدد كثيراً كثيراً كثيراً على عدم إطلاق أي رصاصة على مقر الانتخاب. وكان العميد الفلسطيني المكلف التنسيق معي حاضراً. كان عرفات صارماً جداً في هذا الموضوع. لم ألمس سابقاً منه مثل هذه الصرامة إلا في حادث سابق. كنا في اشتباك مع حركة (أمل) في الضاحية، وحاصرنا مجموعة لها وتردد أن حسن نصر الله كان من أفرادها، ولست متأكداً من ذلك. أرسل لي عرفات الصديق محسن إبراهيم طالباً وقف النار. تحايلت عليه باستخدام موجة كاذبة للتمويه. فجأة وجدت عرفات في المركز عندي. قال لي: بتهزر علي! بتهزر علي! وقف فوري لإطلاق النار. طلبت منه أن يعطيني بعض الوقت، فرد: هل تعرف من معي على الخط؟ إنه حافظ الأسد. هل تريدني أن أدخل معركة مع الجيش السوري؟ أوقف فوراً إطلاق النار».

انتُخب بشير الجميل وراح يسجل نوعاً من الاختراقات لدى الطوائف الأخرى. كان إلياس عطاالله يفكر في «الأيام السوداء المقبلة»، لكن القدر تدخل، والأصح أن أجهزة المخابرات تدخلت.

لحاف ألماني شرقي قاتل

في 14 سبتمبر (أيلول) 1982 هزت مفاجأة البلاد وقتلت رئيساً منتخباً ومشروعاً. دوى انفجار في بيت «الكتائب» في منطقة الأشرفية أثناء وجود بشير الجميل فيه. وبعد وقت قصير عرف عطاالله من مصدر شيوعي في المنطقة أن بشير قد قُتل. سألته، فأجاب: «قبل الانفجار دار همس على لسان عامل شمالي في أجهزة الأمن اللبنانية في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية - السورية أن بشير سيُقتل. لم يستوقف الكلام كثيرين. كان الانطباع أن بشير محمي جيداً، وخصوصاً من إسرائيل. الحقيقة أن منفذ عملية الاغتيال وهو حبيب الشرتوني من الحزب القومي السوري الاجتماعي كان يحركه شخص اسمه نبيل العلم، له - حسب معلوماتي - علاقة بالمخابرات في ألمانيا الشرقية».

آثار الانفجار الذي أودى ببشير الجميل في الأشرفية ببيروت (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المتفجرة التي قتلت بشير جاءت من ألمانيا الشرقية على شكل لحاف نوم عادي يمكنك أن تتغطى به وتنام. وضعت في اللحاف مادة شديدة الانفجار وذات قدرة تدميرية عالية. يكفي أن تضع الصاعق أو ربما مجرد دبوس ليحصل الانفجار. هذه عملية تتخطى قدرة الشرتوني كـفرد، وأنا أعتقد أن العملية كانت بمشاركة المخابرات السورية التي كانت لها علاقات مع أجهزة المخابرات في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وغيرها».

سألت عطاالله إن كان الجهاز العسكري الذي تولى مسؤوليته خطط لاغتيال بشير، فرد: «أبداً، فأنا كنت معارضاً لأسلوب الاغتيالات ومحاولة اغتيال العماد ميشال عون في باحة قصر بعبدا لم تمر عبر المجموعة التي كنت مسؤولاً عنها».

اغتيل بشير وحصلت مجازر صبرا وشاتيلا واجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت الغربية. هنا بدأ الفصل الأهم والأخطر في تجربة عطاالله الذي كان كُلّف الإشراف على عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي ستنجح في إرغام القوات الإسرائيلية على مغادرة بيروت، طبعاً بالإضافة إلى عوامل أخرى.

غداً الجمعة حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

لبنان لخامنئي: أين الإنجازات التي حققها محور المقاومة؟

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الأربعاء (الرئاسة اللبنانية)

لبنان لخامنئي: أين الإنجازات التي حققها محور المقاومة؟

فوجئ لبنان على المستويين السياسي والشعبي بكلام المرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن وحدة الساحات، وإشادته بالإنجازات التي حققها محور «المقاومة».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي علم «حزب الله» معلَّق على مدخل بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي ضمن اتفاق الإطار في جنوب لبنان (رويترز)

القضاء العسكري اللبناني يبدأ إجراءات الملاحقة في متفجرات «حزب الله»

مثل العنصران في «حزب الله»، علي الكردي وهيثم أمهز، أمام قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، حيث استجوبتهما في قضية شاحنة المتفجرات التابعة للحزب.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

تتزايد في لبنان التحذيرات السياسية والرسمية من مغبة انخراط البلاد في أي مواجهة عسكرية مقبلة في المنطقة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (أ.ب)

رئيس الوزراء اللبناني يحذر من «مغبّة» جر البلاد إلى حرب جديدة

حذّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الأربعاء، من «مغبة» جرّ لبنان إلى حرب جديدة، في موقف موجّه إلى «حزب الله» الذي أدخل البلاد في الحرب قبل أشهر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

أدانت وزارة الخارجية اليمنية بشدة استمرار التدخلات العسكرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في الشؤون الداخلية لليمن، ودورهما في دعم الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (عدن)

رئيس لبنان: نرفض أن يشاركنا أحد في سيادتنا

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
TT

رئيس لبنان: نرفض أن يشاركنا أحد في سيادتنا

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون «أننا لن نقبل أن يشاركنا أحد في سيادتنا؛ كي لا ندفع من جديد ثمن أخطاء الماضي»، مشدداً على أن «لبنان دولة مستقلة وذات سيادة».

وتزامن موقف عون مع تجديد «أصدقاء لبنان» الدوليين دعمهم لسيادة لبنان، داعين أعضاء البرلمان والأحزاب إلى «إعلان التزامهم بأن الدولة وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم».

وتعهّد لبنان الرسمي بتنفيذ حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية، واحتكار قرار السلم والحرب، لكن «حزب الله» يرفض تلك القرارات، ويكرر تمسكه بسلاحه.

وأكد عون، الخميس، أن لبنان «دولة مستقلة وذات سيادة»، مشدداً على «أننا لن نقبل أن يشاركنا أحد في سيادتنا؛ كي لا ندفع من جديد ثمن أخطاء الماضي»، داعياً من «يستقوي بالخارج ضد أبناء وطنه، أن يستقوي بأهله ضد الخارج».

واعتبر عون أن «الحياد الإيجابي ضرورة لتحييد لبنان عن الصراعات في المنطقة؛ إذ يكفي هذا الوطن ما تحمله حتى اليوم، وهو لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الخلافات المحورية والأطماع ورغبات الهيمنة».

ودعا عون «الجيل الشاب في لبنان إلى أن يعي قيمة ما يمثله بلدهم، وذلك لن يكون إلا من خلال التربية على المواطنية والانفتاح على الحضارات والثقافات وليس التقوقع والارتهان»، لافتاً إلى أن «تحييد لبنان عن أطماع الخارج وتحصين الوحدة الوطنية يحميان الكيان اللبناني في زمن تمر فيه المنطقة بمرحلة ضياع نتيجة التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة».

دعم دولي لقرارات لبنان

وتلقَى التعهدات اللبنانية دعماً دولياً، وكان أحدثه موقف أصدره «أصدقاء لبنان» أكد دعم سيادة لبنان وحصرية السلاح بيد الدولة.

وحسب بيان وزعته السفارة الأميركية في بيروت، قالت سفارات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا واليابان لدى بيروت: «بصفتنا أصدقاء للبنان، نؤكد دعمنا القوي لحكومة لبنان في ضمان حصرية السلاح بيد الدولة، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم».

جندي في الكتيبة الإيطالية العاملة ضمن «اليونيفيل» يشرح لطلاب في مدرسة تبنين بجنوب لبنان مخاطر الألغام ومخلفات الحرب (أ.ب)

وأضافت سفارات «أصدقاء لبنان»: «نأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في قضية ضهر البيدر، ونشجّع على مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة».

وقالت السفارات في البيان: «من الضروري أيضاً بالنسبة للبنان، في ظل الظروف الراهنة، الحصول على التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب يؤكدون فيه تأييدهم لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بأن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم».

وجددت تشديدها «على رغبتنا الراسخة في أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية كاملةً على جميع أراضيها».

«حزب الله» يدافع عن المتفجرات

في المقابل، يدافع «حزب الله» عن شحنة المتفجرات التي ضبطتها القوى الأمنية في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان، الشهر الماضي، وأكدت كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) «ضرورة وقف السجال الاتهامي والإعلامي وإفساح المجال أمام المعالجات الوطنية الحكيمة».

وقالت في بيان: «تسجل الكتلة استنكارها وإدانتها لكل المواقف السياسية التي تنكرت لحق اللبنانيين المقدس في الدفاع عن وطنهم ومقاومة العدو، وتجاوزت منطق الدستور والمسلّمات القانونية الوطنيّة».

وجددت الكتلة انتقاداتها لمسار الدولة اللبنانية التفاوضي مع إسرائيل، وطالبتها بالتراجع عنه. وقالت في البيان: «إذ يستمر العدو الصهيوني في ممارسة إجرامه الموصوف تدميراً وحرقاً ونسفاً للقرى والممتلكات في جنوب لبنان، ويهدد بتوسيع عدوانه داخل الأراضي اللبنانية لضم مناطق جديدة إلى دائرة احتلاله، وترتفع حمى التهديدات بتصعيد الحرب والضربات والاغتيالات ضد المقاومة وقادتها، فإنّ كل ذلك يجري فيما تواصل السلطة أداءها اللامبالي البارد، وسلوكها الكارثي في إصرارها على مواصلة نهج التفاوض المباشر حول تفاصيل بنود الإطار المشؤوم، الذي ثبت للجميع أنه لم يجلب إلا الكوارث والمزيد من الخراب والدمار في لبنان».


الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
TT

الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الخميس، عن تعزيز الانتشار العسكري على الخط الدفاعي، غرب البلاد، في وقت شدَّد فيه رئيس الحومة على تطوير إنتاج التصنيع الحربي في البلاد.

وقال الناطق الإعلامي لوزارة الدفاع، اللواء يحيى رسول عبد الله، في بيان، أن «قطعات قيادتَي عمليات الجزيرة وغرب نينوى باشرت تعزيز انتشارها على الخط الدفاعي (راوة - الحضر) لفرض الأمن والاستقرار في مناطق الجزيرة شمال الفرات وباتجاه محافظتي نينوى وصلاح الدين».

وأوضح أن «هذا الانتشار يهدف إلى (مسك المناطق الصحراوية ومطاردة ما تبقى من العناصر الإرهابية، ومنعها من اتخاذ الصحراء ملاذاً لها، فضلاً عن تأمين طريق مختصر لتنقل المواطنين والحركة التجارية، بما يسهم في دعم الأنشطة الاستثمارية والزراعية».

وأكد رسول «مواصلة قطعات الجيش أداء واجباتها في مسك المناطق الصحراوية ضمن قواطع العمليات وتوفير الأمن والاستقرار خدمة لشعبنا وبلدنا العزيز».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يعاين أسلحة في هيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

بالتزامن، أجرى القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الخميس، زيارة إلى هيئة التصنيع الحربي، للاطلاع على نماذج من المعدات الحربية التي قالت إنها نجحت في تصنيعها أو تطويرها، وشملت أنواعاً مختلفة من الأعتدة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، ومنظومات الطائرات المسيرة، وأجهزة الرصد والمراقبة.

وأكد الزيدي، وفق بيان لمكتبه الإعلامي، دعم تطوير الصناعات العسكرية الوطنية، وتوجيهه بإشراك القطاع الخاص وتوسيع الشراكات مع الشركات المتخصصة، مشدداً على أن العراق يمتلك القدرة على تصنيع احتياجاته من الأسلحة، والمعدات بأيادٍ وخبرات وطنية.

وذكر مكتب رئيس الحكومة أن الزيدي أكد على أن بناء صناعة حربية متطورة يمثل ركناً أساسيا من أركان السيادة الوطنية، ويعزز قدرة العراق على حماية أمنه ومصالحه، مشدداً على أهمية الاهتمام بالبحث والتطوير، ومواكبة التسارع التكنولوجي في الصناعات العسكرية.

وأشاد بـ«مستوى التطور الذي حققته الهيئة، وما تمتلكه من إمكانات وخبرات تؤهلها لتكون قاعدة صناعية متقدمة، موجهاً بتوفير جميع المتطلبات والاحتياجات اللازمة لتطوير قدراتها الإنتاجية والتقنية، وصولاً إلى تلبية احتياجات قواتنا المسلحة من الأسلحة والمعدات الحربية، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني».

وتأسست هذه الهيئة التي ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، بموجب القانون رقم 25 لعام 2019، بهدف إعادة بناء قاعدة للصناعات العسكرية وتلبية احتياجات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

إلا أن النواة الأولى للتصنيع العسكري في العراق بدأت خلال سبعينات القرن العشرين، وتوسَّعت بشكل كبير خلال فترة حرب الثمانينيات مع إيران. إلا أن الترسانة والبنى التحتية تعرضت إلى الانهيار خلال حرب الخليج عام 1991 والعقوبات الدولية في التسعينات.


مسودة لقانون «الحشد الشعبي» تقترح تقليص صلاحياته

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
TT

مسودة لقانون «الحشد الشعبي» تقترح تقليص صلاحياته

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

قال خبير قانوني عراقي، الخميس، إن المسودة الجديدة لقانون «الحشد الشعبي» حذفت صلاحيات تجارية ومدنية من النص القديم الذي تطالب فصائل مسلحة بتشريعه وتهاجم حكومة الزيدي على تعديله.

وقال الخبير القانوني علي التميمي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القانون النافذ لم يحدد الهيكل، ولا القيادة، ولا شروط تولي المناصب، ولا الموازنة، ولا آلية إنهاء الخدمة، وهو وضع يتعارض مع مبدأ دستوري أساسي: القوات المسلحة تنظم بقانون، لا بالتعليمات».

وأضاف التميمي أن «المشروع الجديد يتكون من 18 مادة. ينظم الهيكل الإداري والعسكري بالتفصيل، ويحدد ارتباط الهيئة بالقائد العام حصراً، وينظم الموازنة والعقود، ويحدد شروط تولي المناصب العليا».

وكشف التميمي عن أن «النسخة الجديدة أزالت اختصاصات مدنية وقضائية واقتصادية، وهو إجراء صحيح على اعتبار أن المؤسسة العسكرية مهمتها الدفاع والأمن حصراً، وليست إدارة الكوارث ولا القضاء ولا التجارة».

وأوضح التميمي أن توسيع اختصاص «الحشد الشعبي» يخل بمبدأ تخصص المؤسسات، والأمر نفسه ينطبق على استحداث قدرة جوية مستقلة في كل تشكيل، فهو يخل بوحدة القيادة، ويخلق جيوشاً موازية داخل الجيش الواحد».

«مشروع وليس قانوناً»

مع ذلك، قال مصدر حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قانون (الحشد الشعبي) لا يزال مشروعاً ولم يرسل إلى البرلمان بعد»، دون أن يفصح عن نقاط الخلاف مع الفصائل المسلحة، ولا المدة التي يستغرقها لدى الحكومة قبل إرساله إلى التشريع.

ويشاع بين سياسيين عراقيين أن واشنطن تضغط بقوة على بغداد لمنعها من تشريع قانون لـ«الحشد الشعبي» الذي يثير جدلاً واسعاً بسبب تداخله مع فصائل ومجموعات تعمل تحت لواء «الحرس الثوري» الإيراني.

ورغم أن فصائل مثل «النجباء» و«كتائب حزب الله»، اتهمت الحكومة بإفراغ قانون «الحشد» من محتواه، فإن الجهات المعنية بتشريع القانون، الحكومة والبرلمان، لم تفصح علناً عن مضمون المسودة الجديدة.

وسبق للبرلمان أن حاول تشريع قانون «الحشد الشعبي» في مناسبات عديدة، بيد أنه لم يفلح في تمريره لأسباب مجهولة، رغم امتلاك «الإطار التنسيقي» مع حلفائه أغلبية تشريعية في البرلمان.

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

وقالت «حركة النجباء»، في بيان وزع الأربعاء، إن «أيادي مشبوهة تقف خلف التعديلات الأخيرة لقانون (الحشد)، إرضاءً للرئيس الأميركي دونالد ترمب»، مؤكدة «رفضها القاطع للتغييرات المجحفة التي تهدف إلى إضعاف (الحشد) وتشتيته وتذويبه».

وأكدت الحركة، وهي فصيل مسلح موالٍ لإيران ويرفض خطة حصر السلاح، أنها «لن تقبل إلا بقانون منصف يرعى حقوق أبناء الحشد، ويساويهم بإخوتهم في القوات الأمنية».

واتهمت «كتائب حزب الله» العراقية رئيس الوزراء ومكتبه بـ«العبث» والتلاعب بمشروع قانون «الحشد الشعبي».

وجاء موقف الفصيل الموالي لإيران في بيان نشره حساب على «إكس» يحمل اسم أبو مجاهد العساف، ويقدم نفسه مسؤولاً أمنياً في «كتائب حزب الله». وطالب بعرض النصين الأصلي والمعدل لكشف التغييرات المضافة قبل إرساله إلى البرلمان.

تنافس على المناصب

وينظر سياسيون إلى المسودة الجديدة من زاوية التنافس على مناصب قيادية في هيئة «الحشد الشعبي». وقال النائب السابق سجاد سالم لـ«الشرق الأوسط» إن «النسخة الحالية من القانون تهدف أيضاً إلى إبعاد رئيسها الحالي فالح الفياض».

كما رجح سالم أن يكون الهدف من التعديلات «التوصل إلى صيغة مناسبة بين الفصائل المسلحة التي تنوي الانخراط بالعملية السياسية من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى».

وقبل أن تعمل الحكومة الحالية على المسودة الجديدة، كانت بغداد، ومنذ أبريل (نيسان) 2025، تنظر في مشروعي قانون من شأنهما إضفاء الشرعية بشكل أكبر على «الحشد الشعبي» بوصفها مؤسسة أمنية وطنية دائمة.

وتضمن مشروعا القانون «قانون الخدمة والتقاعد» فقرات تنظيمية تتعلق بسنوات الخدمة والمخصصات والتراتبية. أما المشروع الثاني فهو «قانون هيئة الحشد الشعبي» المُعدل، والذي من شأنه أن يُضيف العديد من الأحكام إلى «قانون هيئة الحشد الشعبي» رقم 40، وهو التشريع الأساسي الذي تم إقراره لتنظيم تجنيد الفصائل في حالات الطوارئ عام 2016.