إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (1 من 3)

TT

إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

بشير الجميل (أ.ف.ب)
بشير الجميل (أ.ف.ب)

ترك صيف 1982 بصماته على المصيرين اللبناني والفلسطيني. فيه احتل الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخ النزاع عاصمة عربية هي بيروت. وفيه أرغم الاجتياح الإسرائيلي ياسر عرفات ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية على الإبحار إلى منفى جديد.

وفي ذلك الصيف انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية واغتيل قبل تسلمه سلطاته الدستورية. وفيه أيضاً وُلدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي سدد إليها نظام حافظ الأسد ضربات قاتلة بعدما أسهم مع طهران في وضع اللبنات الأولى لولادة «حزب الله» ومعه «المقاومة الإسلامية».

ذكرني الصيف بما سمعته قبل سنوات طويلة من محسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي» في لبنان. قال: «اعتبر حافظ الأسد أننا ارتكبنا ثلاث جرائم تستحق العقوبة القصوى. الأولى أننا اكتشفنا مع كمال جنبلاط أن نظام الأسد يبحث عن عملاء لا عن حلفاء، وكانت النتيجة المعروفة. الثانية أننا اكتشفنا مع ياسر عرفات أن الأسد يريد الاستيلاء على القرار الفلسطيني لتوظيفه في خدمة ديمومة نظامه، وكان العقاب صريحاً. الثالثة حين أطلقنا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ورفضنا لاحقاً إلحاقها بالأجهزة السورية، وكانت النتيجة حملة اغتيالات شديدة».

محسن إبراهيم (إلى اليمين) مع عرفات ووليد جنبلاط ونبيه بري في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي في 1982 (غيتي)

سألت إبراهيم عن تفاصيل «الجريمة» الثالثة، فقال إن قصتها الكاملة موجودة عند إلياس عطاالله، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني ومسؤوله العسكري السابق ومنسق عمليات «جمول».

وفي هذه الأيام التي تطرح فيها قصة سلاح حركة «حماس» في غزة وسلاح «حزب الله» في لبنان، اختارت «الشرق الأوسط» العودة إلى دروس صيف 1982 وأهواله. قصدت عطاالله وفتح الدفاتر كاشفاً عن جديد في قصة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» وسلسلة من الأحداث الأمنية والاغتيالات الكبرى، وبينها اغتيال الرئيسين بشير الجميل ورينيه معوض، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. فضلاً عن دور الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، وعملية تحرير الدبلوماسيين السوفيات بعد لقاء صعب بين أحد جنرالاتها والراحل الشيخ محمد حسين فضل الله.

الساحة تُهيّئ نفسها

في مايو (أيار) 1982 تزايد الحديث في بيروت عن احتمال قيام إسرائيل بعملية عسكرية ترمي إلى إبعاد صواريخ التنظيمات الفلسطينية عن المستوطنات الإسرائيلية. وكان الرأي الغالب أن حكومة مناحيم بيغن قد تتوغل مسافة أربعين كيلومتراً في الأراضي اللبنانية لتقترب من نهر الأولي عند مدخل جنوب لبنان.

كان عطاالله يرى أن هذا التوغل لن يحقق لإسرائيل أهدافها؛ لأن قوى المقاومة الفلسطينية والقوى الحليفة لها ستكون قادرة على الانكفاء إلى بيروت والاحتفاظ بقدراتها؛ لهذا لم يستبعد أن يصل الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت نفسها لقلب المعادلة برمتها.

كانت إسرائيل تبحث عن عذر لم يتأخر صبري البنا (أبو نضال) زعيم «حركة فتح - المجلس الثوري» في توفيره بمحاولته اغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا شلومو أرغوف. وفي اليوم التالي، وتحديداً في الرابع من يونيو (حزيران)، أغارت الطائرات الإسرائيلية على المدينة الرياضية في بيروت. وفي السادس من ذلك الشهر وتنفيذاً لأوامر وزير الدفاع الجنرال آرييل شارون بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه البري للبنان.

إلياس عطاالله خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

يروي عطاالله لـ«الشرق الأوسط» ظروف ولادة «جمول» وأبرز عملياتها وموجة الاغتيالات التي تعرض لها الحزب الشيوعي حين رفض قرار الرئيس حافظ الأسد إرغام «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» على التنسيق المسبق مع الاستخبارات السورية والاندماج مع «حزب الله». ويكشف من موقعه العسكري والأمني عن جديدٍ يتعلق بالاغتيالات المروعة التي استهدفت رؤساء وقياديين، علاوة على مسلسل الحروب بين الفصائل الذي شهدته العاصمة اللبنانية وانتهى بعودة القوات السورية إليها. كما يروي ذكريات عن الأيام الأخيرة التي أمضاها عرفات قبل مغادرته بيروت في ملجأ تحت الأرض إلى جانب عطاالله والأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي الذي ستشمله لاحقاً موجة الاغتيالات «المشتركة» التي حصدت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وآخرين.

حصار بيروت: الخريطة والقرارات

غداة بدء الاجتياح البري وفي واحدة من 14 غرفة عمليات أعدتها المقاومة الفلسطينية، وقف أربعة رجال أمام الخريطة. عرفات وصديقه العراقي اللواء حسن النقيب وحاوي وعطاالله. كان عرفات يحمل مسطرة ويكرر السؤال عن أين أصبحت القوات الإسرائيلية المهاجمة. كان يريد التأكد من معلومات تلقاها أن الجيش الإسرائيلي لن يتوغل أكثر من أربعين كيلومتراً. لم تكن معلوماته دقيقة؛ وهو ما تبين له حين اتصل عطاالله بأبناء بلدته الرميلة التي تقع شمال نهر الأولي وأكدوا له أن الجيش الإسرائيلي تجاوز البلدة وأنه يندفع على ما يبدو في اتجاه بيروت.

في هذا الوقت كانت قوات «فتح» انسحبت في اتجاه جزين والبقاع. ويقول عطاالله إن المفاجأة كانت أن رئيس أركان هذه القوات «كان عميلاً لإسرائيل». وهكذا «بدا أن المعركة ستكون في بيروت». لم تستطع قوات المقاومة الفلسطينية والقوات اللبنانية الحليفة لها تشكيل خطوط دفاع جدية أمام اندفاعة الجيش الإسرائيلي وتفوقه على مختلف المستويات. حاصر الجيش الإسرائيلي بيروت وانخرط الحزب الشيوعي في معركة الدفاع عن المدينة والتي كان واضحاً أن حركة «فتح» بزعامة عرفات تضطلع بالدور الأكبر فيها.

يقول عطاالله إن عرفات كان بحق قائد معركة الدفاع عن بيروت، لافتاً إلى أن القائد الفلسطيني «كان يتمتع بشجاعة غير عادية تصل إلى حد عدم الاكتراث لسلامته الشخصية». ويضيف أن «هاجس عرفات كان أن تربح القضية. حساباته ليست شخصية. يدير المسائل في أصعب اللحظات بأقل صعوبة ومن دون أن يرف له جفن. كلفني أن أنسق مع ضابط من عنده مسألة الدفاع عن محاور القتال. رجل آخر كان له دور كبير. إنه خليل الوزير (أبو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، وهو كان قليل الكلام وكثير الفاعلية، خصوصاً أنه أكثر تخصصاً بالشؤون العسكرية من عرفات».

يعتقد عطاالله أن قتل عرفات كان بين أهداف الحرب التي شنتها إسرائيل؛ نظراً لقيمته الرمزية والعملية، خصوصاً أنه الرجل الذي أعاد إيقاظ القضية الفلسطينية في 1965 وكأنه اخترعها مجدداً. ويضيف أن هذا الرجل المطلوب كان لا يتردد في التجوال في المدينة المحاصرة، متفقداً مواقع المقاتلين ومساهماً على طريقته المعروفة في استنهاض المعنويات وتحدي الآلة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تمطر بيروت المحاصرة بأشرس ما تمتلكه من أسلحة.

ياسر عرفات في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي (غيتي)

يتذكر عطاالله واحدة من المعارك ضد محاولات الجيش الإسرائيلي التقدم في بيروت. يقول: «معركة سباق الخيل خاضها الحزب الشيوعي وحده وأشرفت عليها بالكامل. تلقينا معلومات أن الجيش الإسرائيلي يستعد في منطقة المتحف ويمهد للمرور من منطقة سباق الخيل إلى الفاكهاني المتداخلة مع منطقة طريق الجديدة لعزل الفاكهاني قبل اجتياح بيروت. تأكدنا من المعلومات. قررت أن أقيس المسافة بين الطيونة والمحكمة العسكرية قرب المتحف لأتبين قدرة قاذفات (بي 7). تبين أن المسافة أكثر من ألف متر وأن القذيفة تنفجر تلقائياً بعد قطعها مسافة 450 متراً. لهذا وضعنا أكثر من ثلاثين شخصاً في حُفر فردية على جانب الطريق من ناحية سباق الخيل ومن ناحية الطيونة. دخل الإسرائيليون وقصفناهم بالقذائف من الناحيتين؛ فخسروا عدداً من الدبابات وقُتل جنرال كان يقود الهجوم. اللافت، أنهم لا يتركون شيئاً في أرض المعركة بعد انسحابهم».

في بيروت المحاصرة، اتخذ عطاالله من الطبقة الخامسة تحت الأرض في بناية مارينيان قرب مستشفى الجامعة الأميركية مقراً له ولجورج حاوي. كان ذات يوم عند مدخل المبنى حين لمح كوفية يعرفها. إنه ياسر عرفات. اقترب فتحي، مرافق الزعيم الفلسطيني، وقال: «الختيار سينام عندكم الليلة». وروى فتحي أن قصفاً استهدف مقراً لعرفات، وبعد القصف حاول أحد الحراس اغتيال عرفات، لكن المرافقين كانوا أسرع منه وقتلوه. وهكذا أمضى عرفات الأيام العشرة الأخيرة قبل مغادرته بيروت مع حاوي وعطاالله وكان يغادر المقر ويعود إليه.

عرفات و«مزايدات» رفاقه

وسط الحصار، كان عرفات يواصل اتصالاته. لم يتأخر في إدراك أن أحداً لن يستطيع إنقاذه. ذهب مع هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، إلى السفارة السوفياتية وكانت المفاجأة كبيرة. كان السفير ألكساندر سولداتوف شديد الوضوح. موسكو ليست في وارد توجيه إنذار إلى القوات الإسرائيلية أو إلى راعيها الأميركي. ليست أيضاً في وارد إرسال سفينة لنقل الجرحى. قال سولداتوف لعرفات: «اخرجوا من بيروت»، وحين سأله: كيف؟ أجابه: «اخرجوا ولو على ظهر المدمرات الأميركية؛ كي لا تؤخذوا في الشباك (أسرى)». رد عرفات إن قائداً في مسدسه طلقتان لا يسقط أسيراً. لكنه فهم الرسالة.

نضجت ظروف الخروج من بيروت وتبلور اتفاق مع فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان. كان على عرفات إبلاغ قادة الفصائل الفلسطينية، وكان عطاالله يعرف مقارهم السرية فأرسل من يبلغهم. ويتذكر عطاالله أن جورج حبش، الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ونايف حواتمة، الأمين العام لـ«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» حاولا «المزايدة على عرفات» خلال الحديث عن المغادرة، فرد عليهما غاضباً وترك لهما خيار البقاء، فردا بالموافقة على المغادرة.

لم يطفئ الحصار الإسرائيلي لبيروت نار العداوة بين عرفات وحافظ الأسد. كان عطاالله حاضراً حين تحدث أحد المشاركين في أحد لقاءات ملجأ مارينيان عن إمكان الانسحاب براً إلى سوريا. ويروي عطاالله أن رد عرفات كان «حاسماً وشديداً؛ إذ قال سأعدم من يتقدم باقتراح من هذا النوع. أعتبر (حافظ) الأسد عدواً مثل إسرائيل وأكثر. سأعدمكم إذا أتيتم على ذِكر حافظ الأسد مرة أخرى».

جمعت عرفات بحافظ الأسد كراهية متبادلة شديدة (أ.ف.ب)

ويرى عطاالله أن الكراهية المتبادلة بين الأسد وعرفات كانت السبب في المعركة الدامية التي شهدتها مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني، معرباً عن أسفه لأن الحزب الشيوعي انخرط في هذه المعركة التي قادها شخصياً وتسببت بسقوط مئات القتلى والجرحى.

كانت الكراهية بين عرفات والأسد بلا حدود. وهي ما دفع الزعيم الفلسطيني إلى أن يقول لمحسن إبراهيم في تونس إن «خروجي من بيروت حياً ضاعف حقد شارون والأسد عليّ».

ويقول عطاالله إن عرفات أبدى اهتماماً شديداً بالوحدات العسكرية السورية التي حوصرت في بيروت وتولى تسليحها وتوفير المؤن لها، خصوصاً أن بعض عناصرها كانوا حتى بلا أحذية. وقال إن «أفراد كتيبة سورية خاصة قاتلوا قتالاً مشرفاً وسقط منهم كثيرون واستولوا في معركة في خلدة على دبابتين إسرائيليتين، فجاءتهم الأوامر من دمشق بتسليمها لحركة (أمل) بقيادة نبيه بري».

ذات يوم، وبعد تكرار عمليات القصف الإسرائيلي لمحيط السفارة السوفياتية، أخذت الحماسة عطاالله فزارها واستقبله سولداتوف. سأل السفير الزائر عن الهدف من زيارته، فرد أنه جاء للاطمئنان عليه وعلى العاملين وللسؤال عما كانوا يحتاجون إلى الانتقال إلى مكان أكثر أمناً، فرد السفير قائلاً: «رفيق. إذا لم يستطع هذا العلم (السوفياتي) حمايتي فلن يستطيع أحد»، ولفت الزائر إلى أن القصف الإسرائيلي يستهدف الحديقة لا مبنى السفارة نفسه.

موضوع حار آخر شغل اللبنانيين في ذلك الصيف الساخن. أعلن بشير الجميل، قائد «القوات اللبنانية» ونجل بيار الجميل مؤسس حزب «الكتائب»، ترشحه لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس إلياس سركيس. قبل الغزو الإسرائيلي كان من الصعب تصور انتخاب الجميل بسبب حالة العداء التي كانت قائمة بينه وبين معظم الأطراف اليسارية والإسلامية بفعل انخراطه في الحرب. وكانت دمشق شديدة العداء ضد الجميل الذي خاض معارك ضد قواتها في بيروت وزحلة ضاعفت شعبيته في المعسكر الذي ينتمي إليه. ما كان يبدو شبه مستحيل في الأيام العادية صار ممكناً بفعل الانقلاب في الموازين الذي أحدثه الغزو.

بشير الجميل (أ.ف.ب)

كان من عادة مسؤول «كي جي بي» في السفارة السوفياتية في بيروت ولقبه «الأرنب» أن يزور عطاالله بين وقت وآخر؛ ذلك أن الأخير هو القائد العسكري لقوات الحزب الشيوعي ومسؤول الأمن فيه، فضلاً عن أنه عضو في المكتب السياسي.

نصيحة «أرنب» المخابرات السوفياتية

بعد نحو شهر من بدء الغزو الإسرائيلي، زار «الأرنب» عطاالله وفاجأه بكلام غير متوقع. قال له مباشرة: لماذا لا تؤيدون أنتم كلبنانيين بشير الجميل للرئاسة؟ لم تكن المعركة انتهت ولا قرار خروج عرفات تبلور، لكن المسؤول السوفياتي كان يتكلم كأن بيروت ستصبح بلا نفوذ فلسطينياً أو سورياً. قال له عطاالله: «نحن أرسلنا شخصاً اسمه ألبير منصور (الوزير لاحقاً) والتقاه وطرح عليه سؤالاً. قال له: كيف ستحكم إذا وصلت إلى رئاسة الجمهورية؟ أخرج بشير خريطة مرسومة مسبقاً ونظر إلى مناطق ملونة بلون معين، وقال له: هؤلاء المسيحيون في هذه المناطق وكلهم مسلحون. وهذه المناطق غير الموالية لنا منزوعة السلاح».

سأل عطاالله «الأرنب»: «هل تقول لي أن ننتخب رئيساً من هذا النوع؟»، فأجابه بأن «الأمور تتغير، الآن هو (هكذا) وبعد قليل (تسلم السلطة) يصبح شيئاً آخر».

دار نقاش وبدا واضحاً أن «الأرنب» يؤيد وصول بشير ويشجع على السير في هذا الاتجاه. قال له عطاالله: «أنا متفاجئ ومستغرب وأريد أن تقول لي بدقة: هل هذا رأيك أم أنه رأي رسمي؟» فاكتفى بالرد: «أنا أقول لك انتخب بشير. هو أفضل خيار في الظروف التي أنتم فيها».

ظهر الخلاف واضحاً وخرج الزائر مستاءً بعدما أوحى له عطاالله أن الحديث انتهى. أبلغ عطاالله حاوي أنه لن يستقبل «الأرنب» مجدداً، فرد الأخير أن ذلك لا يكفي وأن على «الأرنب» أن يعتذر. لكن حاوي لم يعد إلى هذا الموضوع لاحقاً.

في النصف الثاني من أغسطس (آب) وفي موازاة المفاوضات المتعلقة بخروج عرفات وقوات منظمة التحرير تصاعدت حرارة الانتخابات الرئاسية اللبنانية. حاول معارضو الجميل إبعاد الكأس المرة عن شفاهم. اقترح بعضهم على سركيس تمديد ولايته لسنتين، فرفض كمن ينتظر موعد الخروج من القصر وخيباته. اقترح اسم الرئيس كميل شمعون لفترة انتقالية، لكن ذلك لن يمر. وبدا واضحاً أن خيار بشير الجميل يتقدم.

دار همس في أوساط الأحزاب المعارضة له أن الحل الوحيد لوقف انتخابه قصف المقر الذي ستجرى فيه الانتخابات لمنع انعقاد الجلسة. سادت حالة من القلق بين قوى الحركة الوطنية والإسلامية. أسهم بشير الجميل ترتفع ولا حل غير تخريب جلسة انتخابه. وثمة من راهن على أن يدعم عرفات هذه المحاولة. وردد بعضهم أنه ألمح سابقاً إلى استعداد من هذا النوع.

لم تكن تلك الحسابات دقيقة. كان عرفات يستعد لمغادرة بيروت بموجب اتفاق يجري التفاوض عليه مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب. ثم إن الزعيم الفلسطيني لا تعوزه القدرة على التقاط اتجاهات الرياح. فبشير الذي كان رمزاً للميليشيات والانخراط في الحرب الأهلية نجح في الحصول على دعم دولي وقبول إقليمي، وصار من الصعب على عرفات أن يسهم في تخريب هذا التوجه.

كان عطاالله من دعاة تخريب جلسة الانتخاب. ولن يتأخر في استقبال المفاجأة. سأل عرفات، فكان الرد: «ولا طلقة». كرر السؤال فكرر عرفات جوابه بشكل قاطع. استوقفت عطاالله عبارة لعرفات جاء فيها: «لا تلعبوا في هذا الموضع فتبلوننا». ويضيف: «شدد كثيراً كثيراً كثيراً على عدم إطلاق أي رصاصة على مقر الانتخاب. وكان العميد الفلسطيني المكلف التنسيق معي حاضراً. كان عرفات صارماً جداً في هذا الموضوع. لم ألمس سابقاً منه مثل هذه الصرامة إلا في حادث سابق. كنا في اشتباك مع حركة (أمل) في الضاحية، وحاصرنا مجموعة لها وتردد أن حسن نصر الله كان من أفرادها، ولست متأكداً من ذلك. أرسل لي عرفات الصديق محسن إبراهيم طالباً وقف النار. تحايلت عليه باستخدام موجة كاذبة للتمويه. فجأة وجدت عرفات في المركز عندي. قال لي: بتهزر علي! بتهزر علي! وقف فوري لإطلاق النار. طلبت منه أن يعطيني بعض الوقت، فرد: هل تعرف من معي على الخط؟ إنه حافظ الأسد. هل تريدني أن أدخل معركة مع الجيش السوري؟ أوقف فوراً إطلاق النار».

انتُخب بشير الجميل وراح يسجل نوعاً من الاختراقات لدى الطوائف الأخرى. كان إلياس عطاالله يفكر في «الأيام السوداء المقبلة»، لكن القدر تدخل، والأصح أن أجهزة المخابرات تدخلت.

لحاف ألماني شرقي قاتل

في 14 سبتمبر (أيلول) 1982 هزت مفاجأة البلاد وقتلت رئيساً منتخباً ومشروعاً. دوى انفجار في بيت «الكتائب» في منطقة الأشرفية أثناء وجود بشير الجميل فيه. وبعد وقت قصير عرف عطاالله من مصدر شيوعي في المنطقة أن بشير قد قُتل. سألته، فأجاب: «قبل الانفجار دار همس على لسان عامل شمالي في أجهزة الأمن اللبنانية في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية - السورية أن بشير سيُقتل. لم يستوقف الكلام كثيرين. كان الانطباع أن بشير محمي جيداً، وخصوصاً من إسرائيل. الحقيقة أن منفذ عملية الاغتيال وهو حبيب الشرتوني من الحزب القومي السوري الاجتماعي كان يحركه شخص اسمه نبيل العلم، له - حسب معلوماتي - علاقة بالمخابرات في ألمانيا الشرقية».

آثار الانفجار الذي أودى ببشير الجميل في الأشرفية ببيروت (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المتفجرة التي قتلت بشير جاءت من ألمانيا الشرقية على شكل لحاف نوم عادي يمكنك أن تتغطى به وتنام. وضعت في اللحاف مادة شديدة الانفجار وذات قدرة تدميرية عالية. يكفي أن تضع الصاعق أو ربما مجرد دبوس ليحصل الانفجار. هذه عملية تتخطى قدرة الشرتوني كـفرد، وأنا أعتقد أن العملية كانت بمشاركة المخابرات السورية التي كانت لها علاقات مع أجهزة المخابرات في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وغيرها».

سألت عطاالله إن كان الجهاز العسكري الذي تولى مسؤوليته خطط لاغتيال بشير، فرد: «أبداً، فأنا كنت معارضاً لأسلوب الاغتيالات ومحاولة اغتيال العماد ميشال عون في باحة قصر بعبدا لم تمر عبر المجموعة التي كنت مسؤولاً عنها».

اغتيل بشير وحصلت مجازر صبرا وشاتيلا واجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت الغربية. هنا بدأ الفصل الأهم والأخطر في تجربة عطاالله الذي كان كُلّف الإشراف على عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي ستنجح في إرغام القوات الإسرائيلية على مغادرة بيروت، طبعاً بالإضافة إلى عوامل أخرى.

غداً الجمعة حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

تحليل إخباري طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع كلفة الخسائر المادية

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

قال «حزب الله» اإن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوب يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)

«حزب الله»: تلقينا رسالة من عراقجي تؤكد عدم توقف دعم طهران

قالت جماعة ​حزب الله اللبنانية، اليوم السبت، إنها تلقت رسالة من وزير ‌الخارجية ‌الإيراني ​عباس عراقجي ‌أكد ⁠فيها ​أن إيران ⁠لن تتخلى عن دعمها للجماعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أشخاص يصلون برفقة جثامين ضحايا الغارة الإسرائيلية على قرية دير قانون النهر الجنوبية لبدء مراسم الدفن في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: مقتل 6 مسعفين في هجومين إسرائيليين خلال 24 ساعة

‌كشفت وزارة الصحة اللبنانية أمس (الجمعة) أن 6 لبنانيين من العاملين بالمجال الطبي لقوا حتفهم في غارتين إسرائيليتين على جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان

أصدر الجيش الإسرائيلي، ليل الجمعة، انذارا بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان تمهيدا لقصفهما قائلاً إن «حزب الله» يستخدمهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.


إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

قال «حزب الله»، السبت، إن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه، وإن أحدث مقترح إيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة شدد على شمول لبنان.

وأورد «حزب الله»، المدعوم من طهران، في بيان، أن عراقجي أكد في رسالته أن «الجمهورية الإسلامية حتى اللحظة الأخيرة لن تتخلى عن دعم الحركات المطالبة بالحق والحرية، وعلى رأسها (حزب الله) المقاوم والمنتصر»، مضيفاً أن إيران طرحت منذ بدء وساطات إقليمية لخفض التوتر بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق.

طفل يتفقد آثار الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وقال في الرسالة التي نشرها الحزب: «منذ اللحظة الأولى التي تدخلت فيها بعض دول المنطقة وسيطاً بقصد خفض التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق، وهذا الموضوع المهم حتى يومنا هذا بقي بمثابة مبدأ لا ريب فيه، وهو من جملة المطالب المحقة للحكومة الإيرانية وشعبنا البطل وسيبقى كذلك».

وتابع أن آخر مقترح قدمته إيران عبر الوسيط الباكستاني بهدف «إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر»، أكد «مطلب شمول لبنان في وقف إطلاق النار».

مسار مستقل

ويسلك لبنان خطاً دبلوماسياً مستقلاً مع الولايات المتحدة بهدف خفض التصعيد وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، عبر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وتمثلت في جلستين تمهيديتين بين سفيري البلدين في واشنطن، تلتها مفاوضات على مدى يومين في مقر الخارجية الأميركية.

وقبل جلسة مفاوضات أمنية ستُعقد في 29 مايو (أيار) الحالي، يواصل لبنان اتصالاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، لكن إسرائيل تتجاهل الطلب، كما أن «حزب الله» لا يستجيب.

ويرفض «حزب الله» و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وأكد عضو كتلة «التنمية والتحرير» قبلان قبلان أن «الموقف من إسرائيل ثابت ولا يتغير»، قائلاً «إنها كانت عدواً وما زالت وستبقى عدواً»، مشدداً على أن «هذا الأمر راسخ في الوعي الوطني والسياسي والديني، ولا يمكن لأي ظرف داخلي أو خارجي أن يبدل هذه الحقيقة أو يفرض مقاربات مختلفة». كما اعتبر أن «محاولات تغيير هذه المعادلات أو الترويج لخيارات بديلة لن تنجح، في ظل ما يرتكبه الاحتلال من اعتداءات مستمرة».