القشعمي: لم أكتب إلا لمن يستحق التبجيل

كاتب سير الرواد السعوديين يرى أن صحافة الأفراد تمثل العصر الذهبي

محمد القشعمي
محمد القشعمي
TT

القشعمي: لم أكتب إلا لمن يستحق التبجيل

محمد القشعمي
محمد القشعمي

يعرف الباحث والمؤلف السعودي محمد بن عبد الرزاق القشعمي باشتغاله على جمع ورصد عدد كبير من سير رواد وأعلام الصحافة السعودية، وتوثيق سير أكثر من 370 شخصية ضمن مشروع التاريخ الشفهي في السعودية.
وهو مؤلف أثرى المكتبة العربية بمؤلفات لامست الثلاثين، مع مؤلفات أخرى شارك بها وصلت إلى 28 مؤلفا، كما أشرف على إصدار العشرات من الكتب وقدم لها، وكتب مقالات ودراسات في الصحف والمجلات تناولت موضوعات أدبية وثقافية وسيرا لشخصيات ورصدا للتحولات في بلاده، وتاريخ الصحافة، فيما يمكن تسميته بالرصد الببليوغرافي الموثق، والتاريخ الشفهي الغائب، ليصبح القشعمي راصدا دقيقا لتاريخ أهمله التاريخ. التقينا الباحث محمد عبد الرزاق القشعمي في الرياض حيث يقيم وأجرينا معه الحوار التالي:
* كيف ترد على من يقول إن أغلب كتبك عن السير هي (سيرة تبجيلية) وأحيانا انتقائية.. فهي لا تتضمن المحطات السلبية أو الأخطاء التي وقعت فيها الشخصية.. وبالتأكيد لا تتضمن نقدا لأي محطة من مشوارها؟
- قلت في مقدمة كتابي عن أستاذنا الفاضل عابد خزندار إنني لا أكتب عن أحد إلا لمن أحب، ومن حقي أن أبجل من أحب.. ولم أكتب إلا لمن يستحق التبجيل لما قدمه لمجتمعه ولوطنه. قل لي من كتبت عنه وهو لا يستحق. لقد كتبت عن سليمان الدخيل وعبد الكريم الجهيمان وأحمد السباعي وعبد الله الوهيبي ومحمد صالح نصيف وعبد الرحمن منيف وعابد خزندار وأخيرا حمود البدر. فأنا لا أمدح لمجرد المدح بل أعرض ما تيسر لي من معلومات عن الرجل وأقدمها للقارئ، فله أن يأخذها أو يرفضها، فأنا ما زلت معجبا بمن كتبت عنه وفي النية غيرهم إذا كان في العمر بقية.
* حدثنا عن مشروع تسجيل «التاريخ الشفهي للسعودية» إذ أجريت لقاءات مع كبار الأدباء ورجال العلم والتعليم والمال والسياسة. كم بلغ حجم السير التي وثقتها؟
- التاريخ الشفهي بدأت به قبل عشرين سنة عند التحاقي بمكتبة الملك فهد الوطنية وبمجهود وتشجيع من أول أمين لها الدكتور يحيى محمود بن جنيد (الساعاتي) جرى التسجيل مع من وافق؛ إذ غيرهم وعد وأخلف أو تعذر. بدأت بأستاذنا الراحل عبد الكريم الجهيمان سجلت معه في الاستديو بالمكتبة وأكملت معه في مكتبته بالمنزل ثم دعوت معجب الزهراني وعبد الله المعيقل وعبد الله حسين آل عبد المحسن في شكل ندوة كل واحد تولى جانب من أعمال وإبداع الجهيمان، وبعد سنوات سمعت منه أشياء لم يبح بها فدعوته مرة أخرى وسجلت معه، وكنت أنوى أن يكون التعامل مع الآخرين على هذا المنوال، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، المهم سجلت مع نحو 370 شخصا من مختلف أنحاء المملكة منهم من قدم للرياض ومنهم من سافرت له في مكة وجدة وحائل والقصيم وغيرها، ثم كانت الفرص في من يحضر في المناسبات (معارض، مهرجانات، احتفالات) نستغل الفرصة ونسجل معه قدر المستطاع. نصف من سجلت معهم قد رحلوا.

* ترحال الطائر النبيل
* تتبعت سيرة الروائي الراحل عبد الرحمن منيف، وضمنت سيرته في كتابك «ترحال الطائر النبيل» حدثنا عن هذه التجربة؟
- عرفت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف في معرض دمشق الدولي للكتاب عام 1991 وكنت قد قرأت له وعنه وتوثقت العلاقة وبدأت أجمع ما كتب عنه وما كتبه في الصحافة ولم يجمع في كتاب واستفدت من كتابه «الكاتب والمنفى» ففيه لمحات من سيرته وهجرة والده من القصيم إلى الشام ثم وجدت في روايته «سيرة مدينة» ما شجعني أكثر.. والحمد لله أنجز العمل في حياته «ترحال الطائر النبيل»، وقال لي شاكرا إنني أسديت إليه خدمة، فعندما يسأله أحد عن بداياته أو سيرته يكتفي بإعطائه الكتاب. وفي هذا العام ستجد الطبعة الرابعة من الكتاب الذي يحمل عنوانا آخر هو «عبد الرحمن منيف في ذكراه العاشرة»، إذ مضى على رحيله عشر سنوات، بمقدمة وافية من شقيقته حصة التي تؤكد أن والدتهما «نورة السليمان الجمعان» فوالدها من قرية (روض العيون) بقصيبا – القصيم، وليس كما يقال إنه من أب نجدي وأم عراقية.
* كانت لديك ورقة عن عبد الرحمن منيف كنت تعتزم طرحها في ملتقى نادي القصيم الأدبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2012 عنوانها «عبد الرحمن منيف والتحولات الثقافية»، استبدلت بها ورقة أخرى بعنوان «رائد الصحافة النجدية.. سليمان الدخيل».
- هذه الورقة التي حيل بيني وبين إلقائها في ملتقى النادي الأدبي بالقصيم ألقيتها في الملتقى الثقافي الثاني عشر لـ«مجلة العربي» بالكويت في العام الماضي، وستجدها بالطبعة الجديدة.
* ما رأيك أنت باعتراض عبد الرحمن منيف على نشر هاشم الجحدلي سلسلة لقاءاته مع منيف، إذ أصدر بعد نشر الحلقة الثالثة بيانا ساخطا ينتقد ما نشر ويطالب بوقفها فورا ويهدد باللجوء إلى القضاء، في حين قال هاشم الجحدلي لـ«الشرق الأوسط» إن لقاءاته مع منيف «شهد عليها محمد القشعمي وآخرون»؟
- بالنسبة إلى اعتراض منيف على ما بدأ بنشره هاشم الجحدلي في جريدة «عكاظ» من سلسلة مقالات عن سيرته ومسيرته، ونشره خبرا يعترض فيه ويهدد برفع دعوى عليه، فهذا لم يكن من منيف نفسه بل من زوجته؛ إذ كان وقتها مريضا بالمستشفى ولم يكن فيما نشر ما يستفز، إلا أنها غير راضية من البداية، ولهذا نشرت باسمه ما فهم منه أنه شكوى واعتراض، وكنت صالح بوحنية مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام برفقة الجحدلي عند مقابلته له بمنزله بدمشق قبل وفاته بعدة أشهر.

* بدايات جيل الصحافة
* سجلت سلسلة من سيرة «البدايات»، وتتبعت أعلام الصحافة السعودية في مختلف مناطقها.. كيف تمايزت تجربة الصحافة السعودية؟
- أميل بل أكاد أتهم بأنني منحاز لفترة «صحافة الأفراد» 1343 - 1383هـ، كان ذلك هو العصر الذهبي للصحافة المبكرة؛ إذ كانت تترجم الواقع وتنشر ما يؤمن به كاتبها دون رقيب، وكان سقفها عاليا. وهدفها رفع مستوى الوعي لدى المواطن، والمطالبة له بما ينقصه من خدمات صحية وثقافية وعلمية ومواصلات وغيرها.. وأتذكر قبل ستين سنة أن أهم صفحة في جريدة «اليمامة» هي التي تحمل عنوان «مطالب المدن والأقاليم»، فكان أدباء اليوم، وقسم قد رحل، يتبارون في نشر ما ينقص مدنهم وقراهم.
* لماذا تقدمت التجربة الصحافية في أماكن كالمنطقة الغربية عن بقية المناطق؟
- سبقت المنطقة الغربية (مكة وجدة والمدينة) بقية المناطق بسنوات طويلة لأسباب أهمها: وجود الحرمين الشريفين، وقرب البحر، ووجود مقرات السلك الدبلوماسي والقنصليات الأجنبية في جدة، ودخول المطابع لمكة من عام 1300هـ وبداية صدور الصحف والمجلات في العهد التركي وعهد الأشراف، وفور دخول الملك عبد العزيز لمكة في 7-5-1343هـ صدرت جريدة «أم القرى» في 15-5-1443هـ بديلا لجريدة «القبلة» التي كانت تصدر أيام الأشراف وقبلها جريدة «حجاز» في العهد التركي.
* كيف ساهم التواصل مع الجوار العربي (العراق ومصر والشام) في إثراء النهضة الأدبية وحركة الصحافة في السعودية؟
- لا شك أن دخول صحافة الجوار (العراق، الشام، مصر وغيرها) إلى الحجاز في وقت مبكر، وسفر البعثات الدراسية الأولى لمصر وغيرها أكسبا الرعيل الأول خبرة ومعرفة بالسلطة الرابعة، ونقلوا ما شاهدوه إلى واقعهم، فعلى سبيل المثال أثر ذلك في شخصيات بينها: عبد الله عريف، وحمد الجاسر، وأحمد عبد الغفور عطار.
فقد كان العريف قد أعجب بالصحافيين المشهورين وقتها بمصر: محمد التابعي («آخر ساعة») وفكري أباظة («المصور») وبمجرد نهاية الحرب، نجده يتولى رئاسة تحرير «البلاد السعودية» التي صدرت بديلا لما كان يصدر قبل الحرب «صوت الحجاز» ويدخل مفاهيم جديدة لم تكن مألوفة ويأخذه الحماس ليحولها من أسبوعية إلى مرتين فثلاث فيومية، فهي أول جريدة تصدر يوميا قبل ستين سنة.
ومن الطريف أن أذكر أنه مر بالحرم ووجد عبد الله بن خميس وعبد العزيز المسند (الطالبين بكلية الشريعة) عام 1372هـ يذاكران في الحصوة فطلب منهما أن يزوراه في مقر الجريدة فوق باب «الزيادة» حيث طلب منهما أن يقتطعا جزءا من وقتهما ليصححها المقالات «البروفات» قبل الطبع مقابل صحن فول وخبزة تميس، ولم يكن هناك مكان سوى «كسرة الدرجة» ليعملا تحتها.
* هل كان هذا هو المدخل الذي ولج منه ابن خميس إلى صحيفة «اليمامة»؟
- نعم.. لقد كسب الشيخ ابن خميس خبرة من خلال عمله مصححا في جريدة «البلاد السعودية» أهلته للإشراف على طبع مجلة «اليمامة» عند انتقال طباعتها إلى مكة بعد أن كانت عند صدورها تطبع في القاهرة، فكان ابن خميس يشرف على طباعتها وهو في السنة الأخيرة من الكلية عام 1953، وجرى ذلك بعد أن وجد الشيخ حمد الجاسر فيه ضالته إذ قرأ له مواضيع منها كتابته في البلاد السعودية عن بلدته (الدرعية) وقصائد المناسبات؛ فكان يكتب افتتاحية «اليمامة» ويوقعها بالحرفين الأولين من اسمه (ع. خ).
* لكن مسيرة الصحافة السعودية لم تكن على وتيرة واحدة، فهناك مناطق كان لها السبق.
- طبعا المنطقة الغربية سبقت الشرقية والوسطى بسنوات طويلة إذ لم تطبع «اليمامة» في الرياض إلا في شهر رمضان 1374هـ قبل أن تتحول إلى جريدة وفي الوقت نفسه تصدر جريدة «أخبار الظهران» في 1-5-1374هـ برئاسة عبد الله الملحوق ثم عبد الكريم الجهيمان بالدمام.
وبالنسبة لأداء هذه الصحف فقد كان متفاوتا.. فلا ننسى جرأة بعض الصحف، مثل «الأضواء» بجدة و«الفجر الجديد» بالخبر وفضحهما لبعض ممارسات الشركات وبالذات «أرامكو»، وعدم إنصافها للعمال السعوديين بمساواتهم بغيرهم وبتوفير السكن والمواصلات والإعاشة المناسبة، مما سبب إيقافهما عن الصدور.
* هل هناك أسباب محددة أثرت في ظهور الصحافة هناك..؟
- بالنسبة للمنطقة الشرقية أدى وجود التجمعات العمالية والشركات الجديدة إلى ظهور صحف في وقت متقارب مثل «الفجر الجديد» و«الإشعاع» و«الخليج العربي» بالخبر، و«أخبار الظهران». ولا شك أن وجود الجاسر والجهيمان في الحجاز للدراسة وبداية نشرهما في صحفها في وقت مبكر، ثم سفر الجاسر إلى القاهرة للدراسة في كلية الآداب قبل الحرب العالمية الثانية وسفر الجهيمان برحلة طويلة إلى لبنان ومصر ثم أوروبا وبالذات باريس لأشهر تقرب من السنة قد أكسبتهما خبرة ومعرفة أهلتهما لريادة هذا المنبر الإعلامي.
صحيح أن هناك من أبناء نجد من سبق من ذُكر مثل سليمان الدخيل الذي غادر بريدة شابا يافعا إلى حيث عمه جار الله ببغداد وتعلم على يد العالم الألوسي ثم سافر إلى الهند فعمل وتعلم لدى التاجر عبد الله الفوزان، وبعد عودته إلى بغداد رغب عمه وشجعه على إصدار جريدة «الرياض» عام 1910 وتوقفت عند بداية الحرب العالمية الأولى، وغيره مثل سليمان الزهير وعبد اللطيف الثنيان.. إلخ.



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ