رفض شيوخ عرب شمال سوريا تناقض رسالة أوجلان مع مطلب رمي السلاح في تركيا

مؤيدون للرسالة: «قسد» هي العمود الفقري لحماية المنطقة

لجنة من الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا التقت وجهاء عرباً في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)
لجنة من الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا التقت وجهاء عرباً في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)
TT

رفض شيوخ عرب شمال سوريا تناقض رسالة أوجلان مع مطلب رمي السلاح في تركيا

لجنة من الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا التقت وجهاء عرباً في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)
لجنة من الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا التقت وجهاء عرباً في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)

لاقت دعوة عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني لشيوخ ووجهاء قبائل وعشائر مناطق شمال وشمال شرقي سوريا إلى دعم «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، رفضاً من قِبل بعض ممثلي المكون العربي، مؤكدة أنها «مع وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومحاربة الإرهاب والتطرف». لكن لم يخلُ الأمر من مؤيدين للدعوة بزعم أن «قسد» هي «العمود الفقري لحماية المنطقة».

أوجلان في رسالته التي أرسلها من سجنه بجزيرة إيمرالي التركية، ونُشرت، الأحد، قال إن «وحدة العرب والكرد على أساس الأمة الديمقراطية تمثل ركيزة لبناء سوريا ديمقراطية وآمنة»، داعياً إلى «دعم (قوات سوريا الديمقراطية) في مواجهة التحديات الراهنة».

عبد الله أوجلان من سجن إيمرالي بتركيا مطالباً حزبه برمي السلاح (إعلام تركي)

وكشفت وسائل إعلام كردية، عن مضمون الرسالة التي كُتبت بتاريخ 27 يوليو (تموز) الماضي. وهي موجّهة إلى شيوخ ووجهاء العشائر العربية في الجزيرة السورية، أي دير الزور والرقة والطبقة، وجاء فيها أن «وحدة العرب والكرد على أساس الأمة الديمقراطية تمثل ركيزة لبناء سوريا ديمقراطية وآمنة»، داعياً إلى تعزيز الأخوة التاريخية بين المكوّنات ودعم «قوات سوريا الديمقراطية» في مواجهة التحديات الراهنة.

زارت اللجنة وجهاء شيوخ قبيلة المحلمية وقبيلة بني ربيعة في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)

من جهته، قال رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية في سوريا، الشيخ مضر حماد الأسعد، في ردّه على دعوة أوجلان: «نحن وباسم المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، نؤكد لأوجلان أن أهالي منطقة الجزيرة والفرات يرفضون رفضاً قاطعاً دعواته وأعمال حزبه وأعمال (قسد)».

الشيخ مضر حماد الأسعد رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية بالجزيرة السورية (حساب فيسبوك)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شدد الأسعد: «نحن مع وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومحاربة الإرهاب والتطرف»، موضحاً أن أوجلان و«قسد» يريدون من أبناء القبائل والعشائر العربية أن يقدموا أرواحهم في سبيل تحقيق مشروع حزب العمال الكردستاني بفرعه الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، بإقامة دويلة أو كانتون في منطقة غالبية سكانها من العرب المسلمين.

وحسب الأسعد، فإن شيوخ القبائل والعشائر المؤيدين للإدارة الذاتية و«قسد»، «قلة وليس لهم تأثير على أرض الواقع سوى أنهم يحملون أسماء عوائلهم الكبيرة في عشائر الجبور وشمر وطيء والعكيدات والبكارة والبوشعبان...».

ويجري الأسعد حالياً مشاورات مع شيوخ القبائل والعشائر، لإصدار بيان جماعي يتضمن رفضاً لدعوة اوجلان، موضحاً: «وصلتني تقريباً حتى الآن موافقات من 70 في المائة من شيوخ القبائل والعشائر».

وعدّ الأسعد رسالة أوجلان: «تصبّ الزيت على النار ويدعم تقسيمها تحت مسميات الديمقراطية وغيرها»، مشدداً على أن «هذا التنظيم العابر للحدود لا يمثل الشعب السوري أو القبائل والعشائر العربية، ولا حتى العشائر والقبائل الكردية وباقي قوميات وإثنيات الشعب السوري».

توقيت لافت

يلاحظ أن رسالة أوجلان تتزامن مع جمود في المفاوضات بين دمشق والقامشلي بشأن تنفيذ اتفاق العاشر من مارس (آذار) الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» في مؤسسات الدولة السورية.

وحسب الأسعد: «لا يمكن حل ما يجري في منطقة الجزيرة والفرات إلا من خلال تنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) الماضي».

ويرى مراقبون للشأن السوري، أن رسالة اوجلان تحمل تناقضاً، يتمثل بأنه دعا أنصاره في تركيا في 27 فبراير (شباط) الماضي، إلى حل الحزب وإلقاء السلاح، على حين في سوريا يريد حالياً تثبيت «الإدارة الذاتية» و«قسد» وسلاحها.

مدينة الرقة الواقعة شمال سوريا تنتشر فيها عشائر الولدة والبوشعبان والفداعلة (الشرق الأوسط)

أما بالنسبة للشيخ فرج الحمود الفرج السلامة وهو من شيوخ قبيلة البوشعبان في محافظة الرقة، فقد شكك في صحة الرسالة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنه لا صحة لها بحكم أن أوجلان مسجون لدى تركيا، ولن يستطيع دعم (قسد) بهذه الرسالة، وسبق أن طلب منها إلقاء السلاح والعودة للحل السياسي».

ورأى، أن «(قسد) تحاول استرضاء شيوخ القبائل ببيان مزور، بعد أن همشت دورهم الاجتماعي، وهي تحاول الهروب إلى الأمام، وكسب الوقت والمؤيدين لها من مرتزقة العشائر والقبائل».

شيخ مؤيد

لكن هناك من العرب في مناطق سيطرة «قسد» لديه رأي آخر، ويؤيد ما جاء في رسالة أوجلان. ومن هؤلاء «هفل عبود الجدعان الهفل» الذي قدم نفسه على أنه أحد شيوخ قبيلة العكيدات في مدينة ذيبان بدير الزور، ورأى أن الرسالة «تحمل الكثير من المعاني المهمة، خاصة فيما يتعلق بتعزيز العلاقات بين الشعبين العربي والكردي».

الشيخ إبراهيم جدعان الهفل (متداولة على المواقع)

وأضاف هفل لـ«الشرق الأوسط» في رسالة مكتوبة: «نحن كعشائر عربية نؤكد على تلك العلاقة والتحالف بين العرب والكرد، وهي أساس تاريخي واجتماعي وسياسي هام لبناء سوريا ديمقراطية وآمنة وموحدة، وبناء نظام ديمقراطي يضمن المساواة والعدالة لجميع المكونات السورية، بما في ذلك العرب والكرد والسريان والأشوريين». وأهمية الوقوف مع (قسد) من وجهة نظر هفل تأتي من كونها «العمود الفقري لحماية المنطقة».

أحد وجهاء عشائر القامشلي بمحافظة الحسكة (هاوار)

وكانت وكالة «هاوار» الكردية، قد تحدثت، الأحد، عن لجنة مٌشكَّلة من شخصيات في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية لتسليم رسالة القائد عبد الله أوجلان إلى شيوخ ووجهاء العشائر. وأوضح عضو هيئة الأعيان همبر حسن، أنه «من المقرر أن تستمر الزيارة لمدة 3 أيام». وأكد أن «رسالة القائد عبد الله أوجلان ستصل إلى جميع الوجهاء العرب في عموم مناطق الجزيرة».

يذكر أنه لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة لحجم القبائل والعشائر في سوريا والتي تتركز في محافظات حمص، وحماة، ودير الزور، والرقة، والحسكة، والسويداء، ودرعا والقنيطرة، لكن التقديرات تشير إلى وجود ما بين 25 و30 قبيلة يتفرع منها عدد من العشائر. بينما حضر «المؤتمر التأسيسي للمجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية» الذي عُقد في إسطنبول أواخر عام 2018، ممثلون عن 92 قبيلة وعشيرة.

وانسحب جيش النظام السوري السابق من مناطق شمال وشمال شرقي سوريا، بينما أنشأ الفرع السوري حزب العمل الكردستاني وبدعم أميركي، «إدارة ذاتية» أوائل عام 2014، ضمت مؤسسات تعليمية واجتماعية وخدمية، وذراعاً عسكرية عام 2015 أطلق عليها «قوات سوريا الديمقراطية» لمحاربة تنظيم «داعش»، هيمنت عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعدّها تركيا امتداداً للحزب التركي المحظور، في حين تقول «قسد» أنها شكلت رأس حربة في قتال التنظيم الذي تم دحره من آخر معاقل سيطرته في الباغوز عام 2019.

عربات أميركية في دورية عسكرية تَعبر حقول رميلان النفطية بريف المالكية شمال شرقي سوريا (أرشيفية)

وتضم المناطق التي تسيطر عليها «قسد» أبرز حقول النفط والغاز، وتعدّ السلة الغذائية الرئيسية للبلاد. ويتهم المعارضون «قسد» بسرقة الثروات الباطنية والزراعية والمنشآت الخدمية، وإغلاق المدارس والجامعات وتدمير البنى التحتية، عدا عن تجنيدها الأطفال والقاصرات وزج أكثر من 75 ألف عربي في معتقلاتها.

يذكر أن حزب العمال الكردستاني تأسس في تركيا عام 1978، وطالب بإقامة دولة كردية مستقلة. وعلى خلفية ذلك شهدت تركيا منذ عام 1984 اندلاع مواجهات دامية مع الحزب الذي تعدُّه أنقرة وواشنطن والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. وأسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، بينما انسحب مقاتلو الحزب من تركيا بعد موجة العنف الأخيرة في 2015 - 2016، إلى شمال العراق وشمال شرقي سوريا.


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

المشرق العربي محافظ الحسكة مع المسؤول الأمني مروان العلي يتفقدون الحواجز في المدينة (مديرية إعلام الحسكة)

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

انتشرت دوريات للأمن الداخلي، فجر الأحد، في حي الصالحية بمدينة الحسكة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار وضبط أي مخالفات محتملة للحفاظ على السلامة العامة.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)

العلم السوري يرفع وسط الحسكة للمرة الأولى

شهدت ساحة الحرية وسط مدينة الحسكة، اليوم الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي نساء يسرن داخل مخيم «روج» للاحتجاز المُخصَّص لأقارب مشتبه بكونهم متطرفين في شمال شرقي سوريا يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

2200 شخص من عائلات متطرفين ما زالوا في مخيم يديره الأكراد في سوريا

يضم مخيم روج 2200 شخص من عائلات مقاتلي «داعش»، غالبيتهم أجانب، وتستمر إدارته الكردية فيما تؤكد دمشق أن نقل إدارته سيستغرق وقتاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي طفلتان تبدو عليهما بهجة العودة إلى بيتهما في رأس العين/ سري كانية (مركز رأس العين الإعلامي)

قافلة ثالثة من مخيمات الجزيرة السورية الى رأس العين

وصلت عائلات القافلة الثالثة للنازحين في الجزيرة السورية، اليوم الاثنين، إلى مناطقها الأصلية في الريف الجنوبي لرأس العين/ سري كانيه (شمال غربي محافظة الحسكة).

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)

ماذا تفعل مجندات استخبارات إسرائيليات في الأراضي السورية؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

ماذا تفعل مجندات استخبارات إسرائيليات في الأراضي السورية؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

أظهر تقرير إسرائيلي كيف يواصل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي العمل في جنوب سوريا وازدياد أنشطته فيها رغم الضغوط الأميركية المتواصلة على إسرائيل من أجل تقليص وجودها هناك، بل كيف يتعمق هذا العمل، وكيف تقود مجندات في الجيش الإسرائيلي هذه الجهود الخطرة.

ونشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» مقابلات مع مجنّدات في الاستخبارات الإسرائيلية على الحدود السورية، تحدثن عن عملهن في «مراقبة ورصد النشاط الإيراني بالمنطقة، والتعامل مع التوترات المتصاعدة مع السكان المحليين السوريين، إضافة إلى تتبع مجموعة من الأطراف (المعادية)؛ بدءاً من أفراد في حركة (حماس)؛ وصولاً إلى عناصر جهادية»؛ على حد قولها.

.

مجندتان من «كتيبة الاستخبارات السرية» الإسرائيلية في جنوب سوريا (جيروزاليم بوست)

في اللقاء الذي جرى بمبنى الاستخبارات السورية السابق، الذي استولت عليه إسرائيل خلال حرب عام 1967 بالقرب من «ميروم غولان» في هضبة الجولان، تحدثت المجندتين «ن» و«ر» من «الكتيبة 595» التابعة للجيش الإسرائيلي عن تفاصيل كثيرة بشأن عمل المجندات، الذي يتركز على مزيج من المراقبة البصرية المباشرة وجمع المعلومات الاستخباراتية الميدانية باستخدام الطائرات المسيرة.

وقالت «ن»، التي أمضت عامين و8 أشهر في الخدمة، إن مهمتها تتمثل في تأمين هذه الجبهة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية... «لدينا أدوات تكنولوجية، ولا نعمل بمفردنا. نعمل مع شركاء استخباريين آخرين، وهناك قوات أخرى من الجيش الإسرائيلي، كما نتلقى معلومات استخبارية من ضباط وقيادات أعلى رتبة».

تعمل «ن» في الميدان، وقد سجلت أطول فتراتها خلال الحرب مع إيران. وقالت «ن» إن أطول مدة قضتها في الميدان كانت أسبوعاً خلال الحرب مع إيران. وتحدثت المجندة عن عمليات عدة؛ من بينها: تحديد هوية هدف معين، والأشخاص الذين يلتقي بهم، وموعد تلك اللقاءات وكيفية إجرائها، وأوقات النهار أو الليل التي ينفذ فيها الهدف أنشطته أو يعقد لقاءاته».

ووفقها؛ فإن «كثيراً من الأنشطة تحدث ليلاً؛ حين يصعب رصد الأشخاص». وأردفت أن دورهن يتمثل في جمع المعلومات اللازمة لمساعدة القوات الأخرى على تنفيذ العمليات بأمان وفاعلية.

قوات إسرائيلية تنشط في منطقة جبل الشيخ يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

كما تحدثت «ر»، التي أمضت أكثر من عامين في الخدمة، عن تجربتها في قيادة الفرق وإدارة الجاهزية العملياتية للوحدة. وكشفت «ر» عن عمليات كثيرة قادتها للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات المحددة للغاية.

وقالت «ر» إنه كان عليهن النظر إلى ما يتجاوز الهدف المباشر خلال العملية، لفهم السياق الأوسع. وبشأن الاختيار بين المراقبة البصرية المباشرة واستخدام الطائرات المسيّرة، قالت «ر» إن القرار يعتمد على المهمة وموقع الهدف. وأضافت: «الأمر يعتمد على المهمة. أين يوجد الهدف؟ وما الذي تحتاج إلى فعله للوصول إلى مسافة قريبة بما يكفي لمراقبة الهدف».

وأضافت: «لدينا كثير من الأدوات المختلفة، ومهمتنا أن نكون ماهرات بما يكفي لاختيار الأداة المناسبة في كل مرة؛ لإنجاز المهمة بأفضل طريقة ممكنة».

وعندما سُئلت عمّا إذا كانت المراقبة المباشرة هي الخيار الأفضل، مع استخدام الطائرات المسيّرة عندما ينطوي الاقتراب من الهدف على خطر الكشف عن الجنود، قالت إن «الأولوية تتمثل في الاقتراب قدر الإمكان دون تعريض سلامتهم للخطر».

وعندما سُئلت عن المواقف التي واجهت فيها هي وزميلاتها مخاطر، قالت «ر» إنهن يستطعن «استشعار ازدياد تقلب الوضع على الجبهة؛ سواء أكان بسبب النشاط الإيراني، أم التهديدات الصادرة عن مجموعات أخرى».

وعندما سُئلت عن كيف تحدد الوحدة ما إذا كان أحد الأهداف مرتبطاً بإيران أو «حماس» أو النظام السوري أو مجموعة أخرى، قالت إن العملية تعتمد على التعاون مع قيادات الاستخبارات. وأضافت أن عمليات المراقبة تُكرَّر في كثير من الأحيان لبناء صورة استخبارية أوسع اكتمالاً عن التهديد المحتمل.

ووافقت «ر» على أن النشاط في سوريا تصاعد مؤخراً، وقالت إن المجنّدات يشعرن بهذا التغيير من خلال الاستدعاءات المفاجئة لتنفيذ المهام، ومؤشرات أخرى. لكن المجندتين وقائد السرية لم يفصحوا أكثر عن عمق العمليات بسبب الضغوط الأميركية الحالية.

جنديان ضمن مجموعة تنفذ عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان خلال يوليو 2025 (الجيش الإسرائيلي)

وكانت الصحيفة قد ذكرت أنه في أواخر عام 2025، كشفت مجموعة أخرى من المجندات عن توغلهن لمسافة تصل إلى 18 كيلومتراً داخل العمق السوري، متجاوزاتٍ المنطقة العازلة. وتضمنت تلك العملية تقديم توجيهات ميدانية لـ«الكتيبة 890» من «لواء المظليين»، ومع ذلك، وبحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، لم يعد بإمكان المجندات الكشف عن مدى توغلهن داخل الأراضي السورية.

وجاء هذا التغيير في ظل ضغوط علنية متكررة من إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي تطالب إسرائيل بتقليص أنشطتها في سوريا وبدء انسحاب جزئي من المنطقة العازلة.

وعلى الرغم من أنه لم يفصح أحدٌ من الذين تحدثوا للصحيفة عن معلومات بشأن عمق التوغل، فإنهم أكدوا أنهم يواصلون تنفيذ مهام في أنحاء جنوب سوريا، بأسلوب يتسم بالهدوء والحزم في آنٍ معاً.

وعندما سُئل قائدهم عما إذا كان قد لاحظ تجميداً للعمليات عقب المطالب الأميركية، قال «أ» إن هذه القرارات تُتخذ على مستويات أعلى، وإنه لم يلحظ بالضرورة أي تغيير في عمله اليومي.


الجيش الإسرائيلي يتأهب للانتخابات بمناورة عسكرية «متعددة الجبهات»

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يتأهب للانتخابات بمناورة عسكرية «متعددة الجبهات»

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي، الأحد، مستوى التأهب إلى أقصى درجاته قبل يومين من انتخابات الكنيست المقررة، الثلاثاء، وأطلق أكبر مناورة عسكرية يجريها منذ سنوات، ونشر عشرات آلاف الجنود على مختلف الجبهات، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وفي محيط القدس.

وقالت مصادر في الجيش لهيئة البث الإسرائيلية «كان» إن الجيش يستعد لمختلف السيناريوهات على عدة جبهات، بما في ذلك هجمات، وإطلاق صواريخ، رغم أنه لا تتوفر معلومات استخباراتية محددة حول تهديد وشيك.

وبدأ الجيش (الأحد) مناورة عسكرية كبيرة بمشاركة فرقة الضفة الغربية، والفرقة 98، والفرقة 96، والفرقة 210، وسلاح الجو، قال إنها تجري في إطار الحفاظ على مستوى التأهب والجاهزية لدى القوات، وتعزيز القدرات الدفاعية.

وبدا التمرين غير مسبوق، إذ وصفت صحيفة «معاريف» التمرين العسكري بأنه «الأكبر منذ سنوات، ويستهدف محاكاة ردّ القوات على هجوم متعدد الجبهات». وأضافت: «ستتدرب القوات، من بين أمور أخرى، على سيناريوهات الهجمات والاقتحامات للمستوطنات، كما سيُطلب من سلاح الجو الردّ على هجمات جوية مختلفة».

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)

وإضافة إلى رفع مستوى التأهب والمناورات العسكرية، قرر الجيش فرض قيود تبدأ الأحد على دخول العمال الفلسطينيين إلى المستوطنات في الضفة الغربية والأغوار، تحسباً لاحتمال وقوع هجمات.

منع دخول الفلسطينيين

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إنه أيضاً تقرر منع دخول العمال الفلسطينيين إلى أي مكان بما في ذلك إسرائيل في يوم الانتخابات؛ في خطوة تعني فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية. كما تقرر استمرار الطوق الأمني المفروض على مدينة الخليل.

وتحاصر إسرائيل الخليل منذ يوم الجمعة، بعد العملية التي نفذها فلسطينيان على حاجز إسرائيلي في منطقة «فرش الهوا»، على مشارف المدينة، قتلا جنديين وأصابا 3، قبل أن تطلق السبت عملية واسعة داخل المدينة، شملت احتلال منازل وطرد سكان من منازلهم وهدم أخرى.

وتعمل قوات إسرائيلية كبيرة في قلب الخليل في منطقة دير بحة التي خرج منها المنفذان، وفي مناطق الجلدة وخلة مناع وضاحية الزيتون، ومناطق أخرى.وأظهرت لقطات فيديو جنوداً إسرائيليين في سيارات عسكرية وهم يطلبون من السكان مغادرة منازلهم فجر السبت، ولاحقاً أظهرت لقطات أخرى فلسطينيين، رجالاً ونساء وأطفالاً، يغادرون منازلهم في جنح الظلام فعلاً إلى خارج المنطقة.

وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن 2200 فلسطيني هجروا من منازلهم «بفعل العملية الإسرائيلية المستمرة في كل الخليل». وبحسب عضو مجلس بلدي الخليل، عضو لجنة خلية الأزمة المساندة المشكلة في المحافظة سهيل عاشور، فإن 338 عائلة تضررت نتيجة العملية المستمرة.

وجاءت العملية في الضفة بتعليمات من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاع يسرائيل كاتس، اللذين قالا إنهما سينقلان نموذج المخيمات في شمال الضفة الغربية إلى الخليل.

ويحتل الجيش الإسرائيلي مخيمات في شمال الضفة منذ بداية العام الماضي، وقد أجبر عشرات آلاف السكان هناك على مغادرتها إلى الأبد بعدما تم هدم غالبية المنازل.

وليس معروفاً إذا ما كانت إسرائيل تخطط لفعل ذلك في هذه المرحلة، إذ قال الجيش إن عمليته ستستمر لأيام فقط. وتظهر المؤشرات أن الجيش لن يطبق نموذج المخيمات في الخليل في هذه المرحلة.

نهج مختلف في الخليل

وقالت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، الأحد، إن الجيش الإسرائيلي، «هدم منشآت غير قانونية في منطقة الخليل، وفتش 200 مبنى في الخليل، من دون العثور على أسلحة أو ذخيرة أو بنية تحتية إرهابية». وأضافت الصحيفة: «من الواضح أن هؤلاء السكان سيعودون إلى منازلهم قريباً».

وتابعت: «هناك حاجة إلى نهج جديد وفعال للتعامل مع البؤر المسلحة في مدينة مثل الخليل، التي تفرض تحديات مختلفة عن تلك الموجودة في مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونابلس. ولا تقتصر الحاجة إلى هذا النهج على منع هجمات مماثلة أو هجمات مستوحاة من هذه الحادثة، بل تشمل أيضاً تفكيك الشبكات الإرهابية المنظمة».

والخليل هي أكبر مدينة فلسطينية يعيش فيها قرابة المليون، وتعتبر عاصمة الاقتصاد الفلسطيني، وهي المدينة الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف البروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة والتي تشمل منطقة البلدة القديمة وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

لكن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عاد هذا العام وألغى الجزء المتعلق بالبلدة القديمة التي تضم الحرم الإبراهيمي الذي يعتبره الإسرائيليون مقدساً، وضمها أمنياً ومدنياً إلى إسرائيل.

ويعيش في الخليل نحو 500 إسرائيلي يحرسهم أكثر من ألف جندي في واقع معقد للغاية. ورغم العملية الكبيرة في الخليل، لم يصل الجيش الإسرائيلي إلى خلاصة في تحقيقه، وتبحث الأجهزة الأمنية عن أي ارتباطات للمنفذين.

وقال الجيش إنه اعتقل مع «الشاباك» عدداً من الفلسطينيين المشتبه في مساعدتهم للمسلحين، أو على الأقل في علمهم بأنهم كانوا يستعدون لتنفيذ هجوم. ونُقل المشتبه بهم إلى «الشاباك» لاستجوابهم، ومن المتوقع تنفيذ اعتقالات إضافية.


الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

شيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدفهم يوم الجمعة الماضي في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب البلاد، في ظل حضور شعبي ورسمي وتشديد على مبادئ العيش المشترك.

وجاء التشييع الحاشد بعد يومين من إطلاق مسلحين يُشتبه في أنهم «تكفيريون»، الجمعة، النار على روّاد الكنيسة؛ ما أسفر عن مقتل 9 منهم وجرح نحو 25 آخرين. وسيُدفن القتيل الـ9 يوم الاثنين في مقبرة «سحاب» جنوب عمّان، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن عائلته.

ولم تتوقف مشاهد تشييع جثامين القتلى عند حدود جريمة الكنيسة؛ إذ شهدت قرية حمود إجماعاً وطنياً شدد على التآخي المسيحي - المسلم، وعدّ الجريمة الإرهابية نقطة للتلاحم وليست للفتنة.

وطغى الحضور الرسمي على الجنازة، وتقدم رؤساء السلطات الدستورية صفوف المعزين. واصطف معظم وجهاء المحافظة؛ مسلمين ومسيحيين، إلى جانب أُسر ضحايا الكنيسة لاستقبال العزاء. وتكفّل الديوان الملكي، بأمر من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، بترتيبات وبروتوكولات العزاء الكبير الذي شارك فيه آلاف الآتين من جميع محافظات وقرى المملكة الأردنية.

ومن المفارقات التي تعزز مبادئ العيش المشترك، فقد سقط من المسيحيين في الكنيسة الطبيب محمد القسوس. والقسوس فرع من فروع عشيرة الهلسة. وقد سمّاه والداه بهذا الاسم عن اقتناع بأنه لا فرق بين سكّان القرية الواحدة. ومحمد القسوس، كما هو معروف، يوصف بـ«طبيب الفقراء». ومن بين الجرحى في الاعتداء الإرهابي 4 من المسلمين؛ منهم اثنان حضرا بهدف النجدة عندما سمعا صوت الرصاص.

تقدم التحقيقات

كاهن يؤدي مراسم جنازة قتلى الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام في الأردن)

وأكدت مصادر مطلعة أن «الساعات الماضية شهدت استمراراً لعمليات البحث على نطاق أوسع» عن منفذي الاعتداء، مشيرة إلى أن التحقيقات بشأن ارتباطات المجموعة الإرهابية التي ارتكبت مجزرة الكنيسة تقترب من ربط خطوط الاتصال وتتبعها ورصد أي تحركات للمنفذين من خلال نظام المراقبة والسيطرة.

وعزت المصادر تأخر الإعلان عن النتائج الأولية للتحقيقات إلى أن عمليات البحث والتحري تتعامل مع مناطق جبلية شرق محافظة الكرك، وأن طبوغرافية مواقع البحث تحتاج إلى الحذر، خصوصاً في ظل مخاوف من تخزين الإرهابيين أسلحة تحضيراً لاستخدامها في عمليات أخرى. وفي الوقت ذاته، تستمر عمليات مداهمة مواقع يشتبه في وجودهم فيها.

وقال رئيس الحكومة، جعفر حسان، الأحد، خلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء استُهلت بقراءة الفاتحة على أرواح قتلى الاعتداء، إن «أجهزة الدولة كافة تعمل للقبض على إرهابيي جريمة الكرك لينالوا العقوبة التي يستحقها أمثالهم». وأضاف: «هذه ليست فقط معركة أمنية؛ هذه معركة وعي وفكر. الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرف في مجتمعاتها».

رسالة سلام... ومطالبات بالانتقام

ورصدت «الشرق الأوسط»، خلال مراسم التشييع، مشاهد لافتة اختزلت مشاعر الحزن والغضب والتمسك بالوحدة الوطنية. وفي حين امتزجت عمائم رجال الدين المسلمين بملابس رجال الدين المسيحيين في محيط الكنيسة، فقد وُضعت نعوش الضحايا في بداية مراسم الوداع على قماشة بيضاء حملت رسالة سلام، وزُيّنت بالورود قبل أن تُحمل في جنازة عسكرية مهيبة على أكتاف رجال الأمن العام، ملفوفة بالأعلام الأردنية.

حشود شاركت في تشييع الضحايا الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

مشهد آخر اختصر مساحات الغضب؛ إذ ارتدى شبان أردنيون الشماغ (غطاء رأس أردني باللون الأحمر) مقلوباً، في تقليد عشائري يرمز إلى طلب الثأر، تعبيراً عن غضبهم من الجريمة.

وعقب مواراة الجثامين الثرى، انطلقت وارتفعت زغاريد أمهات الضحايا وزوجاتهم وبناتهم وشقيقاتهم، لتختلط أصوات الزغاريد بدموع الفراق، في مشهد جمع بين ألم الفقد والاعتزاز بالراحلين، وسط حضور شعبي واسع.

وفي الجهة المقابلة لـ«كنيسة القديس جاورجيوس» بقرية حمود، وُوريت جثامين الضحايا الثرى في قبور جُهزت خصيصاً قبل مراسم التشييع، لتصبح الأرض المواجهة للكنيسة مثواهم الأخير، بعدما كانت شاهدة على الفاجعة التي أودت بحياتهم.

ومن المقرر إقامة نصب تذكاري في الموقع تخليداً لذكراهم، ليبقى شاهداً على الجريمة التي هزت الأردن.

خصوصية العلاقة الإسلامية المسيحية

واستقبل بيت العزاء الكبير بالقرية المعزين في قتلى الكنيسة، وقد أصبح منبراً لخطابات النخب الأردنية وشيوخ ووجهاء العشائر، ورجالات الدين الإسلامي. ومن منصة العزاء، طالب زعماء في المحافظة بمراجعة جذرية للمناهج الدراسية، وتعليم القبول بالآخر ومعاني التآخي بين أبناء الأردن من شتى الأصول والمنابت والمذاهب والطوائف.

ويرفض الأردنيون مصطلح «الأقليات» في بلدهم. فعلى الرغم من تنوّع البيئة الأردنية طائفياً ومذهبياً ومناطقياً وحتى سياسياً، فإنه لا أحد يستخدم المفردة من منطلقات التفرقة بين السكان، أو حتى على صعيد الحريات العامة بين جميع الأردنيين. ونص الدستور الأردني، في مطلع بنوده، على أن «كل الأردنيين أمام القانون سواء». وتكاد قلة فقط تعرف النِسب المئوية لفئات الشعب الأردني.

وتعدّ العشائر المسيحية الموزعة على عدد من محافظات المملكة الأردنية، في إربد وعجلون وجرش شمالاً، ومادبا والكرك جنوباً، من العشائر الأصيلة في المملكة، وهي تحمل العادات والتقاليد الأردنية. وثمة قول شهير في محافظة الكرك يتحدث عن أن «الجنازة بالكنيسة والعزاء في المسجد»، وهو ما أقرّ به وجهاء المحافظة.

تسييس النقاش العام

وتحاول قوى سياسية تقدمية استثمار الحادثة في إطار انتقاد السياسات التعليمية بالبلاد، والمطالبة بتحديث المناهج الدراسية لتواكب طبيعة تنوع المجتمعات والأفكار في المدارس الحكومية، التي يُنظر لها على أنها موروثة من زمن تحكّم الحركة الإسلامية في وزارة التعليم وقطاع التعليم خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وتبحث قوى سياسية العمل تحت مظلة تيار اجتماعي سياسي عريض لرسم خطط من شأنها تعزيز سياسات نبذ العنف والأفكار المتطرفة، والحث عن القبول بالآخر، والمؤاخاة في الوطن.

وتُحذر قوى محسوبة على تيارات سياسية متعددة من «استمرار سياسات الاسترضاء في تجميد المناهج عند أساليب تعليم تقليدية؛ لا اتصال لها بالتربية المجتمعية وطبيعة التواصل بين فئات المجتمع».

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حذّر مبكراً، في عام 2014 خلال افتتاح واحدة من الدورات البرلمانية، بأن «واجبنا الديني والإنساني التصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين».

ولفت الملك عبد الله الثاني حينها إلى أن الحرب على «هذه التنظيمات الإرهابية وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا»، وأنه لا بد من «الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وقيم التسامح والاعتدال ومحاربة التطرف والإرهاب. وكل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره فهو عدو للإسلام وعدوٌ للوطن وكل القيم الإنسانية النبيلة»، مشيراً إلى أن «هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم».