بوساطة قطرية... ألمانيا تُجري محادثات لإنشاء آلية منتظمة لترحيل لاجئين أفغان إلى بلادهم

لم تنفذ السلطات سوى عمليتَي ترحيل اثنتين فقط إلى كابل منذ عودة «طالبان»

أفراد أمن من «طالبان» بالقرب من خيام مؤقتة نُصبت عقب زلزال في قرية مزار دارا بمقاطعة نورغال بولاية كونار الأحد... وزار نائب رئيس الوزراء الأفغاني شرق البلاد 12 سبتمبر ليصبح أول عضو في حكومة طالبان يقوم بهذه الزيارة بعد نحو أسبوعين من زلزال قوي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص (أ.ف.ب)
أفراد أمن من «طالبان» بالقرب من خيام مؤقتة نُصبت عقب زلزال في قرية مزار دارا بمقاطعة نورغال بولاية كونار الأحد... وزار نائب رئيس الوزراء الأفغاني شرق البلاد 12 سبتمبر ليصبح أول عضو في حكومة طالبان يقوم بهذه الزيارة بعد نحو أسبوعين من زلزال قوي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص (أ.ف.ب)
TT

بوساطة قطرية... ألمانيا تُجري محادثات لإنشاء آلية منتظمة لترحيل لاجئين أفغان إلى بلادهم

أفراد أمن من «طالبان» بالقرب من خيام مؤقتة نُصبت عقب زلزال في قرية مزار دارا بمقاطعة نورغال بولاية كونار الأحد... وزار نائب رئيس الوزراء الأفغاني شرق البلاد 12 سبتمبر ليصبح أول عضو في حكومة طالبان يقوم بهذه الزيارة بعد نحو أسبوعين من زلزال قوي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص (أ.ف.ب)
أفراد أمن من «طالبان» بالقرب من خيام مؤقتة نُصبت عقب زلزال في قرية مزار دارا بمقاطعة نورغال بولاية كونار الأحد... وزار نائب رئيس الوزراء الأفغاني شرق البلاد 12 سبتمبر ليصبح أول عضو في حكومة طالبان يقوم بهذه الزيارة بعد نحو أسبوعين من زلزال قوي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص (أ.ف.ب)

تسعى وزارة الداخلية الألمانية إلى إزالة العقبات العملية حتى تتمكن من ترحيل مزيد من اللاجئين الأفغان المرفوضين إلى بلادهم.

روزا أوتونباييفا (الثالثة يسار) رئيسة بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) لدى وصولها إلى قرية مزار دارا المتضررة من الزلزال في مقاطعة نورغال بولاية كونار الاثنين (أ.ف.ب)

وفي تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت: «نريد إتاحة القيام بعمليات الترحيل إلى أفغانستان بشكل دوري ومنتظم. لهذا الغرض هناك محادثات تجري على المستوى الفني مع ممثلين أفغان». وكانت صحيفة «بيلد» الألمانية قد ذكرت في وقت سابق أن وفداً من وزارة الداخلية الألمانية التقى بداية سبتمبر (أيلول) الجاري مسؤولين أفغان في قطر للتباحث حول إنشاء آلية ترحيل منتظمة.

وأضافت الصحيفة أنه يجري حالياً تنظيم إرسال ممثلين ألمان إلى العاصمة الأفغانية كابل لمواصلة المحادثات هناك، مشيرةً إلى اضطلاع مسؤولين قطريين بدور الوساطة في هذا الشأن. ورداً على استفسار من وكالة الأنباء الألمانية، رفضت الوزارة إعطاء تفاصيل حول هذا الموضوع.

يشار إلى أنه لا توجد علاقات دبلوماسية بين الحكومة الألمانية وحركة «طالبان» التي استعادت مقاليد السلطة في أفغانستان منذ أغسطس (آب) 2021، والتي يفرض عليها الغرب عزلة بدعوى انتهاكها «حقوق الإنسان، لا سيما حقوق النساء».

ولم تنفّذ السلطات الألمانية سوى عمليتي ترحيل اثنتين فقط إلى أفغانستان منذ عودة «طالبان» إلى سدة الحكم في كابل في أغسطس 2021، الأولى في أغسطس 2024 في عهد حكومة المستشار السابق أولاف شولتس، حيث جرى ترحيل 28 مواطناً أفغانياً أدانهم القضاء الألماني بارتكاب جرائم، إلى العاصمة الأفغانية كابل.

أما العملية الثانية، فتمت في يوليو (تموز) من هذا العام، حيث تم ترحيل 81 رجلاً إلى أفغانستان، بعد أن أفادت ولايات ألمانية بأنهم ارتكبوا جرائم قتل وجرائم جنسية وأعمال عنف وجرائم مخدرات.

نساء وأطفال أفغان خارج عيادة صحية متنقلة أُقيمت عقب زلزال في قرية مزار دارا بمقاطعة نورغال بولاية كونار الاثنين... وزار نائب رئيس الوزراء الأفغاني شرق البلاد 12 سبتمبر ليصبح أول عضو في حكومة طالبان يقوم بهذه الزيارة بعد نحو أسبوعين من زلزال قوي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن عديداً من الأشخاص الذين يرحّلون إلى أفغانستان يواجهون صعوبات كبيرة في بدء حياة جديدة هناك.

روزا أوتونباييفا (في الوسط جالسة) رئيسة بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) تتحدث مع القرويين داخل خيمة مؤقتة لدى وصولها إلى قرية مزار دارا المتضررة من الزلزال في مقاطعة نورغال بولاية كونار الاثنين (أ.ف.ب)

وقالت ميهيونغ بارك، رئيس عمليات المنظمة في أفغانستان: «بعض هؤلاء لم يسبق لهم العيش هناك مطلقاً»، مشيرةً إلى أن البعض الآخر اضطر إلى بيع ممتلكاته، بما في ذلك منازل وأراضٍ، أو حتى الاستدانة، من أجل تمويل رحلة فرارهم أو هجرتهم، موضحةً أنهم يجدون أنفسهم نتيجة لذلك دون أي مورد يُذكَر عند ترحيلهم إلى موطنهم.

وأثنت بارك، التي أجرت مؤخراً مباحثات في برلين مع مسؤولين من وزارتي الداخلية والخارجية الألمانيتين، على دعم ألمانيا والاتحاد الأوروبي لجهود الأمم المتحدة في تقديم المساعدة للعائدين، لا سيما عبر توفير المستلزمات الأساسية في «مراكز الاستقبال» المنتشرة على المعابر الحدودية، بما يشمل دعماً مالياً لتغطية تكاليف السفر داخل أفغانستان.

وأشارت بارك إلى تطورين إيجابيين على الأقل، حيث صار بإمكان منظمات الإغاثة الدولية الوصول إلى جميع ولايات أفغانستان، كما بات الوضع الأمني أكثر استقراراً بوجه عام مقارنةً بما كان عليه قبل خمس سنوات. في الوقت نفسه، تستمر عمليات العودة على نطاق واسع، إذ يعود آلاف الأشخاص يومياً من الدول المجاورة إلى أفغانستان، خصوصاً من باكستان وإيران، اللتين كانتا مصدراً لمعظم عمليات الترحيل منذ مطلع عام 2023. كما تنظم رحلات جوية مستأجرة بانتظام من تركيا لإعادة أفغان إلى بلدهم.

ووفقاً للسلطات التركية، فإن المرحَّلين غادروا البلاد طوعاً بعد أن تم توقيفهم في مراكز احتجاز مغلقة بسبب عدم حيازتهم تصاريح إقامة سارية. غير أن منظمات غير حكومية، مثل المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، ترى الوضع على نحو مختلف، إذ جاء في تحليل نُشر مؤخراً أن 65 ألفاً و815 أفغانياً اعتُقلوا في تركيا خلال العام الماضي بصفتهم مهاجرين غير نظاميين، إلى جانب 16 ألفاً و268 أفغانياً جرى توقيفهم خلال العام الجاري

حتى 8 مايو (أيار) الماضي. ويعمل عدد كبير من الأفغان المقيمين في مدن تركية هناك بغرض جمع ما يكفي من الأموال لمواصلة سفرهم إلى أوروبا عبر أحد مهربي البشر. وفي هذا السياق، لا يُظهر الاتحاد الأوروبي اعتراضاً يُذكر على قيام تركيا بإعادة آلاف الأفغان إلى بلدهم سنوياً، باعتبار أن ذلك يسهم في تقليص أعداد المهاجرين غير النظاميين المتوجهين نحو أوروبا.

ومنذ استيلاء حركة «طالبان» على السلطة في أفغانستان في أغسطس 2021، نظَّمت ألمانيا -بدعم من قطر- عمليتَي ترحيل جماعي إلى أفغانستان استهدفتا مدانين بارتكاب جرائم. ويعتزم وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت، زيادة وتيرة هذه العمليات في المستقبل، إلا أن وزارته لم تحدد بعد ما إذا كانت ستواصل الاستعانة بقطر في تنفيذ هذه العمليات.


مقالات ذات صلة

ملف موقوفي «مدوني الخارج» يفجر جدلاً حقوقياً في موريتانيا

شمال افريقيا قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)

ملف موقوفي «مدوني الخارج» يفجر جدلاً حقوقياً في موريتانيا

أكدت النيابة العامة في موريتانيا أن الإجراءات ضد موقوفي «مدوني الخارج» تخضع للضمانات الدستورية، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.