ليانة بدر: مشروعي هو كتابة التاريخ الفلسطيني بعيون النساء

الكاتبة الفلسطينية تقول إن الكتابة أرشيف حيّ لتجربة الحرب والمنفى

ليانة بدر
ليانة بدر
TT

ليانة بدر: مشروعي هو كتابة التاريخ الفلسطيني بعيون النساء

ليانة بدر
ليانة بدر

يتنوع النِّتاج الأدبي للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر ما بين الرواية والقصة والشِعر، علاوة على مُنجزها السينمائي، وقد حازت أخيراً على «جائزة فلسطين للأدب». ومن أبرز أعمالها: «الخيمة البيضاء»، و«نجوم أريحا»، و«شرفة على الفاكهاني»، و«ورد السياج».

هنا حوار معها حول مشروعها الأدبي، ورؤيتها للكتابة...

> في رواية «ورد السياج» نلمح تداخلاً بين الحاضر والذاكرة، وتعدداً في الأصوات السردية. كيف رسمتِ خريطتك لبناء شخصيات قادرة على التعبير عن تجربة الشتات الفلسطيني بكل تشعباتها؟

- أردت ان تكون رواية «ورد السياج» معبرة عن الحياة الفلسطينية خارج وداخل فلسطين، ووددت أن أُظهر التضحيات الجمة والأهوال التي عاشها فلسطينيّو المخيمات خارج الوطن، وهذه مسألة يتم التغافل عنها عادة، وكأن النضال مقتصر على الفلسطينيين داخل الوطن. لقد بذل الناس في الشتات تضحيات كبيرة، وعاشوا أهوالاً ومجازر، مثل تجربة الحصار في مخيم تل الزعتر ومجزرة صبرا وشاتيلا خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها.

كما وددت ان أرصد مرحلة حافلة بتضحيات النساء وصعود إمكاناتهن وقدراتهن على المساهمة في الحياة الفلسطينية بكافة تجلياتها. كانت هناك مفاهيم أخرى، تسمح للعمل التطوعي النسائي بأن يتحمل مسؤوليات جمة في ترميم المجتمع ومساعدة الناس، وهو ما قضت عليه التنظيمات غير الربحية فيما بعد.

ولتغطية مرحلة واسعة بين 1977-1982، وهي ما اختتمت بالخروج من بيروت، كان عليّ متابعة شخصيات عديدة مختلفة الطباع والمشارب، وهكذا وُجد تعدد الأصوات في الرواية.

> هل ترين أن الذاكرة يمكن أن تكون «مساحة للكتابة» تعيد صياغة الحاضر بشكل مختلف؟

- الذاكرة هي الرافعة التي تحمي وجودنا من انعدام الأمل. حينما نحافظ على ذاكرتنا، فإننا نساعد وجودنا على الاحتفاظ بالحب والحنان والتوقعات بحيث لا نقع فريسة الخيبة والنسيان.

وعلى الصعيد الجماعي لم تتح الفرصة لكتابة تاريخنا الفلسطيني روائياً، وما أشتغل عليه في معظم كتاباتي هو متابعة التاريخ العام عبر التاريخ الشخصي لبشر تعرفت عليهم، وكنت على ألفة ومعرفة عميقة بهم. هذا هو تاريخ الأدب على كل حال، نحن نسجل ما نحس به ومن نتعرف بهم، ونحاول الربط بين هذا التاريخ الروائي المنفرد وبين تاريخ المجموع.

> تمثل أعمالك مزيجاً بين التوثيق التاريخي والصوت الذاتي. إلى أي مدى ترين أن حضور التجربة الذاتية عنصر أساسي في مشروعك الأدبي عموماً، وبرز بشكل خاص في «شرفة الفاكهاني» عن تجربة بيروت؟

- نعم، إن هذا الدمج بين التاريخ الشخصي والعام هو الذي يصنع الكتابة في حالتنا. لا يمكن للإنسان الفلسطيني أن يهرب من التاريخ الاستعماري العنيف الذي صنع حاضره السياسي المكون من اللجوء والفقر. لقد أردت أن أظهر جمال الحياة الإنسانية التي يعيشها الناس بتضامنهم وارتباطهم بالحرية والتوق إلى الانتماء. وفي «شرفة على الفاكهاني» أثارت انتباهي شخصيات النساء اللاجئات في المخيمات، ووجدت أنهن ما زلن يمتلكن اللغة العفوية الأولى التي جلبنها من الجليل. وهكذا خضت مغامرة محاولة اكتشاف هذه اللهجات الطافحة بالأمثال الشعبية والسخرية والتضامن. وعندما لامني صديق ناقد على الكتابة عن الحاضر أيامها، وكنا ما زلنا في بيروت قلت له إن الحاضر سوف يتحول إلى ماضٍ وإننا سنتذكر المرحلة عبر هذه الشخصيات، وهذا ما حدث فعلاً.

> كيف تساعدك الكتابة على استعادة تجربتي الحرب والمنفى؟

- الكتابة أرشيف حي لتجربة الوطن والمنفى، فقد أتيح لي التنقل بين العديد من الأمكنة ومشاهدة التجارب والخبرات التي تحدث بها. وُلدت في مدينة القدس وطفولتي مقدسية مدينية، ثم أتيح لي الاستقرار في أريحا خلال العام الدراسي بسبب وجود عيادة أبي الطبيب بها، وكانت مدينة صغيرة في الغور محاطة بحزام كبير من المخيمات التي تحوي عشرات الآلاف من لاجئي 1948، وفي العيادة استمعت إلى عشرات القصص والحالات التي تطفح تعاسة بسبب اللجوء وفقدان الوطن.

لكن حرب 1967 حوّلتني بدوري إلى لاجئة بعد أن ذهبنا إلى عمّان ولم نستطع العودة بسبب احتلال الضفة الغربية. ثم عشت في بيروت 10 سنوات، وفي دمشق 5 بعد سقوط بيروت، ثم 7 سنوات في تونس.عايشت معارك الحرب الأهلية اللبنانية بكل رعبها ومآسيها، وكنت أكمل امتحاناتي الجامعية فيها على وقع الرعب الذي تسببه أصوات كسر جدار الصوت الذي تصنعه الطائرات الحربية. لقد رأيت ويلات الحرب والإصابات المرعبة التي تسببها القذائف. وما فعلته عبر كتاباتي هو أنني قمت بتحويل حصيلة الرعب والخوف التي لازمتني سنوات طويلة إلى حروف وكلمات وقصص تحكي عما يحدث وعن الناس الذين عرفتهم وسط هذه المصائب.

بشكل عام، لم أكتب إلا ما عشته وما عاشه من هم حولي، ولكني بحاجة إلى سنوات أخرى كي أحكي ما حدث في فلسطين التي عدت إليها عام 1994.

> اتجهتِ في روايتك «الخيمة البيضاء» إلى توظيف تفاصيل الحياة اليومية، من الأغاني إلى مشهد الحواجز، كيف تنظرين إلى التفاصيل العادية واليوميات في مشروعك الأدبي؟

- قبل عودتي إلى فلسطين كنت أشتغل على إكمال تلك المرحلة أدبياً، فقد اشتغلت في رواية «عين المرآة» على الوجود الفلسطيني في لبنان منذ عام 1948 وتتويجه بالحرب التي قادها اليمين المتطرف في لبنان لتصفية مخيم تل الزعتر بكل ما يضمه من تعدد المكونات الإثنية فيه، لم تكن العودة سهلة على الإطلاق، فقد تغيرت فلسطين بعد غيابي عنها أكثر من عقدين، وتغيرت الأشياء كلها التي كنت أعرفها، ولهذا لزمتني الكتابة عن الوضع الجديد الذي لا أعرفه. كتبت مجموعة قصصية آنذاك «سماء واحدة»، ولكنني كنت مرتبكة من تشابكات الواقع الصعب الذي جعل هناك شقّاً عموديّاً بين أهل البلد والعائدين. علماً أنني كنت أنتمي لكليهما. كانت ثرثرات عديدة تنطلق بين هؤلاء وهؤلاء، وأنا محتارة فيما يجري، وأخيراً قررت أن تكون هذه الحيرة هي موضوع روايتي «الخيمة البيضاء»، وأن أواجهها روائيّاً كي أرى إلى أين تنتهي.

> أنتِ لستِ روائية فقط، بل أيضاً شاعرة وصانعة أفلام. كيف يتسلل الشعر والسينما

إلى العمل الأدبي لديكِ؟

- أول كتاباتي كانت الشِعر كما هو تقليدي في ثقافتنا، لكني كرست عملي الروائي والقصصي أولاً حتى لا تختلط الموازين ولكي يكون هناك فصل إيجابي بينهما. كانت فكرة «المهنية» مغرية بالنسبة لي، وهكذا تأخرت حتى نشرت النصوص الشعرية، وحتى الآن ما زال لدي تراكم من عدم النشر، ربما أيضاً لأن دور النشر تبدي استعدادها للنشر الروائي أولاً، لكن الحقيقة أنه في الحياة يختلط الشعر مع السينما، وتنتج عن هذا توليفة مهمة من الأفكار والحركات المثيرة التي تبث الحيوية، سواء في الأفلام أو في المقطوعات الشعرية.

لقد تربيت على حضور الأفلام مع أطفال العائلة الممتدة في القدس وعلى التعليق والاهتمام بكل جديد في العروض، وكنت أظن في طفولتي أنني سأشتغل بطلة سينمائية مثل كثيرين غيري، وهكذا لذت بالشعر وكتابة المذكرات والانطباعات في صباي إلى أن كتبت روايتي الأولى ونشرتها وأنا في عمر مبكر نسبياً.

من ناحية أخرى، كنت حريصة على ألا تتوقف هذه العلاقة بالسينما والشِعر، لذلك قمت بكتابة وإخراج 7 أفلام وثائقية حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات الدولية، وعرضت في مهرجانات عالمية متعددة، إلا أنني أخذت قراراً بالتوقف عن متابعة القيام بالمزيد منها بسبب احتياجي للوقت كي أُكمل المشروع الأدبي الذي أشتغل عليه، وهو كتابة التاريخ الفلسطيني عبر عيون النساء.

إني بحاجة إلى سنوات أخرى كي أحكي ما حدث في فلسطين التي عدت إليها عام 1994

ليانة بدر

> كيف استقبلتِ تتويجك بجائزة فلسطين للأدب؟

- الجوائز هي محض محفزات تشير لنا إلى أننا على الطريق الصحيح، وأنه علينا أن نتابع مهما كلفنا هذا من جهد وتضحيات. في حياة الكاتب كثير من التكريس للعمل، فهناك دوماً أكداس من الكتب الجديدة التي تنتظره كي يقرأها، وعليه أن يكتب ما يخطر بباله فور أن يتبادر إليه كي لا تطير الأفكار وتكف عن التحليق، ولطالما ضاعت أفكار ثمينة لأن الوقت لم يساعد على تسجيلها.

إن الإصرار والمتابعة خصلتان فريدتان تعلمتهما من والدي الطبيب الكاتب والشاعر ورائد دراسات علم الفلك عند العرب القدامى. كان والدي يخبرني أن الخيلاء تقود أصحابها إلى السقوط، أحياناً لا أصدق أن رواية «ورد السياج» قد بدأت كتابتها في التسعينات وأنها لم تصدر إلا الآن، طبعاً لقد أضفت إليها الكثير وذهبت إلى تغطية مرحلة جديدة يعيشها الشعب الفلسطيني حالياً، لم أستطع أن أنساها. ومن فصل واحد كان مكتوباً أنتجت الرواية الحالية، فصولها التاريخية العديدة تُعبر عن مراحل جديدة، ونساء يحاولن التعبير عن أنفسهن خوفاً من محو أصواتهن، كما جرت العادة في كتابات كثيرة.

> ما الذي ما زلتِ تبحثين عنه في الكتابة والفن إلى اليوم؟

- ما زلت أبحث عن فسحة راحة تنتهي بها هذه الحرب الظالمة على شعبنا الفلسطيني في غزة، التي تسببت في قتل عشرات الآلاف من العائلات والنساء والأطفال، هل يمكننا أن نطمح في سلام ما، تتوقف فيه هذه المقتلة الجنونية؟!

> هل هناك عمل جديد تعكفين عليه حالياً؟- نعم، أقوم بالعمل على رواية تبدو صعبة ومتشعبة إلى الآن، ولكنني أعمل بطاقة الحب والمحبة التي اعتدت معالجة الروايات بها، صلّوا معي من أجل أن أتمكن من إتمامها كما أود دون استعجال أو إهمال.


مقالات ذات صلة

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي
ثقافة وفنون الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة…

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع.

ندى حطيط

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي


صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. تزين هذه الجداريات مجلس هذا القصير المكوّن من 3 إيوانات معقودة، وحمّامه الكبير مؤلف من 3 غرف، وتتكوّن من لوحات كبيرة تجمع بين مواضيع متعدّدة. يحضر اسم صاحب البناء في كتابة كوفية كشفت عنها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في مايو (أيار) 2012. تعلو هذه الكتابة لوحة كبيرة، اتّضحت معالمها بعدما نجحت هذه البعثة في إظهار تفاصيل منها، ظلّت مخفيّة منذ أن خرجت جداريات هذا الموقع من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي.

ظهر اسم صاحب القصير في كتابة كوفية خُطّت في 3 أسطر، فوق نافذة في أعلى الحائط الجنوبي من الإيوان الغربي. تآكلت هذه الكتابة مع الزمن للأسف، ولم تسلم منها إلا الكلمات الأولى: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد». تحت النافذة، يحضر صاحب القصير كما يبدو في لوحة كبيرة تحتّل القسم الأوسط من الجدار، وتمثّل مشهداً جماعياً يجمع بين 5 أشخاص. عُرفت هذه اللوحة من خلال رسم توثيقي، نُشر عام 1907 في كتاب قدّم فيه العالم التشيكي ألوييس موزيل قراءة تعريفية أولى بجداريات قصير عمرة. وظهرت صور لتفاصيل من هذه اللوحة في كتاب صدر عام 1975، بعد أن تولت بعثة إسبانية مهمّة تثبيت وتنظيف جداريات الموقع. وفي 2007، أصدر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مجلّداً حمل نتيجة الأبحاث التي أجراها في هذا الموقع، وضمّ هذا المجلد صوراً ورسوماً توثيقية لهذه اللوحة، رافقتها قراءة تفصيلية لعناصرها. قيل طويلاً إن هذه الجدارية تمثّل مشهداً جماعياً نسائياً، غير أن أعمال الترميم كشفت عن تفاصيل ظلّت مخفية من قبل، واتّضح أن الشخصية التي تحتلّ المركز الرئيسي تمثّل رجلاً ملتحياً، وهو صاحب القصير، كما تشير الكتابة التي تعلو اللوحة.

يظهر بطل الصورة في صدر التأليف تحت خيمة تزيّنها شبكة من المكعبات الحمراء، ممدّداً فوق كنبة طويلة على شكل سرير، مرتدياً عباءة طويلة زرقاء، يلفّها في الوسط رداء أحمر زُيّنت قماشته بشبكة من الوحدات الهندسية الرباعية المتساوية الأضلاع. سقط الجزء الأيمن من الرأس، ونجا الجزء الأيسر، وما بقي منه يكشف عن عمامة بيضاء تعلوه وتغطّي شعره. يظهر الوجه في وضعيّة المواجهة، محدّقاً بعين ثاقبة نحو الأمام. العين محدّدة بوضوح، وكذلك الأنف، والفم ظاهر بين الشارب العريض واللحية المتدلية، مع شق يفصل بين شفتين عريضتين.

يمدّ هذا الأمير ساقيه الملتصقتين فوق كنبة ديوانه، ويرفع صدره نحو الأعلى، متكئاً بذراعه اليسرى على أريكة كبيرة، رافعاً بيده اليمنى قضيباً نحيلاً. يحوطه من جهة اليمين فتى أمرد يرفع في اتجاهه مروحة مكوّنة من قضيب طويل تعلوه حزمة من ريش الطاووس، ومن الجهة المقابلة، رجل ملتحٍ يعتمر خوذة رمادية، يقف من خلفه في وضعيّة الحارس، قابضاً بيده اليمنى على عصاً قصيرة. في مقدّمة الصورة، عند طرف الأريكة الكبيرة، يظهر شابان أمردان معمّمان، يجلس كلّ منهما أرضاً على أريكة فضفاضة، رافعاً ذراعيه في اتجاه الأمير. يرتدي الفتى الجالس في المقدّمة عباءة حمراء، يلفّها رداء بلون أصفر فاتح، ويرتدي الشاب الجالس من خلفه عباءة مماثلة يلفّها رداء أزرق.

تتمثّل خلفيّة الصورة بفضاء أزرق مجرّد. يستقرّ السرير العريض وسط هذا الفضاء، فوق مساحة مستطيلة تمثّل أرض هذه القاعة، وتزيّن هذه المساحة شبكة من الوحدات الزخرفية، تعتمد شكل زهرة محوّرة تحدّها 4 بتلات متساوية. في المقابل، تؤلّف هذه الشبكة الزخرفية بساطاً مسّطحاً، تعلوه في الوسط طاولة صغيرة من الخشب، تزينها نقوش عاجية بيضاء. تشكّل الخيمة هرماً يرتفع في أعلى الصورة، ويظهر عند جهتي هذا الهرم طاووسان، يدير كل منهما رأسه نحو الخلف في اتجاه الآخر. يحتل كلٌّ من هذين الطاووسين زاوية في القسم الأعلى من التأليف، ويستقرّان في الفضاء فوق خلفيّة مجرّدة، حيث تعلو كلاً منهما عبارة باللغة اليونانية، ضاع جزء من أحرفها، وما بقي من هاتين العبارتين يشير على الأرجح إلى «النعمة» و«النصر». تحت هذه الصورة الجماعية، لوحة تحمل كتابة أخرى بالخط الكوفي، تمتدّ كذلك على 3 أسطر. تآكلت هذه الكتابة كحال الكتابة التي تعلو النافذة، وبقي منها مطلعها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله (...) الله».

يحضر اسم «الوليد بن يزيد» في أعلى الجدار، فوق هذه الصورة، وهو الخليفة الأموي الحادي عشر، وقد حكم فترة قصيرة من عام 743 إلى عام 744. نقع على كتابة أخرى تشير إلى صاحب القصير، وموقعها في الرواق الأوسط، وهو الرواق الذي وُصف بقاعة العرش. سطّرت هذه الكتابة على قوس قبّة هذا العرش، وما تبقّى منها لا يسمح بقراءتها كاملة بشكل جليّ، إلا أنه يشير إلى تضمّنها كما يبدو دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش: «اللهـ(م) ا(غفر) لولي (عـ)ـهد المسلمين والمـ(ـسلـ)ـمات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». من جهة أخرى، نقع في الإيوان الشمالي على كتابة أخرى، نجحت البعثة الإيطالية في فكّ بعض منها، ونصّها «اللهم بارك على الأمير كما باركت على داود وإبراهيم وآل ملته (...) أعطيه (...)».

تسمّي هذه الكتابات صاحب البناء بـ«الوليد بن يزيد»، وتصفه بـ«الأمير» وبـ«ولي عهد المسلمين والمسلمات»، وليس بالخليفة، مما يعني أنه شيّد هذا المجمع يوم كان أميراً، وخلال ولايته للعهد، في عهد خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك التي استمرت من 724 إلى 743. يحضر هذا الأمير وسط ديوانه في لوحة تزيّن الإيوان الغربي، ويحضر جالساً على عرشه في لوحة أخرى تزيّن الإيوان الأوسط، وتحتاج هذه الصورة إلى وصف متأنٍّ مستقلّ، يبرز معانيها المثيرة ودلالاتها المتعدّدة.


سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي