الحوثيون فتحوا «أبواب الجحيم الإسرائيلي» على المدنيين

طائرات تل أبيب تلاحق قادة الجماعة الذين يختبئون وسط السكان

 الغارات الإسرائيلية تلاحق قادة الحوثيين ومواقعهم في الأحياء السكنية (أ.ب)
الغارات الإسرائيلية تلاحق قادة الحوثيين ومواقعهم في الأحياء السكنية (أ.ب)
TT

الحوثيون فتحوا «أبواب الجحيم الإسرائيلي» على المدنيين

 الغارات الإسرائيلية تلاحق قادة الحوثيين ومواقعهم في الأحياء السكنية (أ.ب)
الغارات الإسرائيلية تلاحق قادة الحوثيين ومواقعهم في الأحياء السكنية (أ.ب)

ازدادت المخاطر المحدقة بالمدنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية؛ بسبب التصعيد بينها وإسرائيل، بعد تحول الأخيرة من استهداف البنى التحتية إلى ملاحقة قادة الجماعة الذين يتخذون من التجمعات السكانية أماكن للاختباء، أو مقرات لإدارة عملياتهم الحربية والمخابراتية والدعائية، وهو ما «فتح أبواب الجحيم على السكان»، وفق ما ذكر عدد منهم.

وكشفت الضربات الإسرائيلية الأخيرة، على قلب العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، عن حجم المخاطر التي يواجهها السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، خصوصاً أن قادة الجماعة يتخذون من التجمعات السكانية أماكن للاختباء أو إدارة شؤون تلك المناطق سياسياً وعسكرياً وأمنياً، حيث يتنقلون بين هذه التجمعات ويغيِّرون عناوين إقاماتهم خشية الاستهداف.

وتحدَّث سكان ومصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن الأهوال التي واجهت المدنيين في حي التحرير وسط المدينة، عندما تم استهداف مقر التوجيه المعنوي للقوات المسلحة - الذي حوَّلته الجماعة إلى دائرة الإعلام الحربي التابع لها - بغارات إسرائيلية عدة، ما تسبَّب في مقتل العشرات.

قلب صنعاء وقد تحوّل إلى ركام بفعل الضربات الإسرائيلية (إكس)

وظهر أن جزءاً كبيراً ممن أُعلن عنهم كانوا من المدنيين، نتيجة مصادفة وجودهم في تلك المنطقة الحيوية المزدحمة، أو من العاملين في الصحيفة الناطقة بلسان التشكيلات العسكرية للجماعة، بينما قُتل أحد الموظفين في إحدى إدارات النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» التي نُقل مقرها منذ سنوات إلى مبنى الإعلام الحربي.

وأكدت المصادر تضرر عدد من المحلات التجارية والمنازل والسيارات القريبة من الموقع المستهدف، مبينة أن الضربات الإسرائيلية تركزت على مجمع الإعلام الحربي المكون من مبانٍ عدة تمتد من جوار مبنى «البنك اليمني للإنشاء والتعمير» وحتى شارع القيادة، كما تضرر مبنى المتحف الوطني الذي يلاصق مبنى الإعلام الحربي وتساقطت نوافذه، بينما تضرَّرت بعض القطع الأثرية نتيجة الشظايا أو سقوط أجزاء من حجارة المبنى عليها.

وبحسب ما أفاد به سكان في المدينة؛ فإن الحوثيين استمروا في إغلاق المنطقة بشكل كامل لليوم الثالث على التوالي دون معرفة الأسباب، رغم إعلانهم الحصيلة النهائية للقتلى والمصابين، وهو ما يثير الشكوك بأن عملية انتشال ضحايا آخرين من تحت الأنقاض ما زالت مستمرة، وقد يكون بينهم عناصر عسكرية من الجماعة.

هكذا ظهر مبنى الإعلام الحربي للحوثيين بعد قصفه من قبل إسرائيل (إعلام محلي)

تحفظ وتعتيم

ويضاعف تلك الشكوك كون المبنى يضم مطابع صحافية حديثة، واستوديو تلفزيونياً متطوراً كان خبراء في الإعلام العسكري العراقي أشرفوا على تجهيزه إبان حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، الذي استقطب العشرات من ضباط وكوادر الجيش العراقي بعد سقوط نظام حكم الرئيس صدام حسين.

ورغم أحاديث السكان عن تدمير كامل لمنزل يقع بالقرب من المكان المستهدف، وتسكنه 4 عائلات، وقُتل فيه نحو 18 شخصاً، فإن الحوثيين يرفضون الكشف عن هوية الضحايا، ويواصلون إغلاق المنطقة ويمنعون الدخول إليها.

كما منعت الجماعة مراسلي وسائل الإعلام العاملة في مناطق سيطرتها، رغم قلتها، من الدخول أو تصوير الموقع والأضرار التي لحقت بالمنطقة، واكتفت بمنحهم مقاطع فيديو من تصوير عناصر تابعين لها.

وبينما نشر عاملون في النسخة الحوثية من جريدة «26 سبتمبر» وصحيفة «اليمن»، الناطقتين بلسان التشكيلات العسكرية للجماعة، واللتين تصدران من مبنى دائرة الإعلام الحربي، أسماء مجموعة من القتلى قالوا إنهم من طاقمَي عمل الصحيفتين، أعلنت عائلات بعض الضحايا أسماء ذويها الذين سقطوا في المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن.

وأغارت الطائرات الإسرائيلية، الأربعاء الماضي، على المجمع الحكومي في مديرية الحزم، مركز محافظة الجوف بالتزامن مع غاراتها في صنعاء.

وتجاهل عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة، في خطابه الأسبوعي، الحديث عن هذه الغارات أو ضحاياها، وركز خطابه على التطورات في قطاع غزة ولبنان وسوريا.

البحث عن بقايا حياة في أهم شوارع صنعاء وأكثرها ازدحاماً (إنستغرام)

وفي حين نسبت وسائل الإعلام الحوثية تهديدات الجمعة بالرد واستهداف مواقع إسرائيلية؛ أعرب قطاع واسع من السكان عن مخاوفهم من رد إسرائيلي مضاد يكون المدنيون أبرز ضحاياه، خصوصاً أن القادة الحوثيين يختبئون وسط التجمعات السكانية أو أسفل المباني العامة في الأحياء السكنية، بعد أن بينت الأحداث أن الدولة العبرية لا تتردد في استهدافها.

مواجهة متصاعدة

ويرى مراقبون ومسؤولون يمنيون أن إسرائيل تتجنب الرد على كل هجمات الحوثيين إذا ما تم التصدي للصواريخ أو المسيّرات دون أن تحدث أضراراً، لكن في مثل حالة وصول هذه الصواريخ أو المسيّرات إلى مواقعها وإلحاق أي أضرار بالمنشآت؛ فإنها ترد بقسوة.

ودمرّت الطائرات الإسرائيلية كثيراً من البنى التحتية والمنشآت الحيوية التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية مثل أرصفة مواني ومخازن احتياطات النفط، ومحطات توليد الكهرباء، ومصانع إنتاج الأسمنت، ومطار صنعاء، و3 طائرات مدنية تابعة للخطوط الجوية اليمنية.

ويرجح مراقبون أن تستمر تل أبيب في اتباع نهجها باستهداف القادة الحوثيين، وأن تلجأ إلى تكرار تجربة استهداف قادة «حزب الله» اللبناني، خصوصاً أن كثيراً من المتابعين والمهتمين بالشأن اليمني يؤكدون أن هذه الطريقة ستكون أكثر تأثيراً على قدرات الجماعة واستمرارها في استهداف الملاحة في البحر الأحمر واستهداف إسرائيل.

التصعيد الحوثي ضد إسرائيل ينذر المدنيين اليمنيين بفتح أبواب الجحيم (إعلام حوثي)

وذهبت الباحثة أبريل لونجلي، التي شغلت في السابق مناصب لدى مجموعة الأزمات الدولية ومكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، إلى أن مقتل قادة بارزين في الجماعة الحوثية قد يؤدّي إلى إضعاف قبضتها على شمال البلاد، وزعزعة استقرارها الداخلي، غير أنّ ذلك، طبقاً لرأيها، لا يكفي لوقف هجماتها أو إنهاء سلطتها.

وقدّرت أن يدخل الجانبان مرحلة خطيرة من التصعيد، وأن تكون النتيجة الوحيدة المضمونة لها مزيداً من المعاناة للمدنيين وزيادة المخاطر على الأمن البحري والإقليمي.

ويأتي هذا التصعيد وسط تحذيرات دولية من استمرار حاجة أكثر من 12 مليون شخص في مناطق سيطرة الحوثيين إلى المساعدات الإنسانية خلال العام الحالي، وظهور بؤر للمجاعة في 3 من المحافظات التي يديرونها، مع تراجع غير مسبوق في التمويل الدولي لخطة الاستجابة الإنسانية، وبنسبة لم تتجاوز 15 في المائة، وفق أحدث بيانات مكاتب الأمم المتحدة في اليمن.


مقالات ذات صلة

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

العالم العربي قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

الجماعة الحوثية تخصص نحو 10.2 مليون دولار لأسر قتلاها خلال أسبوع، وسط انتقادات حادة في صنعاء جراء استمرار انقطاع الرواتب وتفاقم الأزمة الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
خاص المحافظ الحسن طاهر خلال وجوده في المواجهات التي شهدتها منطقة حيس سابقاً (متداول)

خاص محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط»: معركة الساحل على أشدّها وماضون في استعادة الدولة

قال محافظ الحديدة الدكتور الحسن طاهر إن المواجهات في جبهات الساحل الغربي «على أشدّها»، متوقعاً أن تحمل الأيام المقبلة أخباراً سارّة بشأن تطورات المعركة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

أدانت وزارة الخارجية اليمنية بشدة استمرار التدخلات العسكرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في الشؤون الداخلية لليمن، ودورهما في دعم الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مستقبلاً مدير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية كليمنس هاخ (سبأ)

العليمي: إيران تعوِّض خسائر أذرعها بتكثيف الاستثمار في الحوثيين

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي أن «النظام الإيراني يسعى لتعويض تراجع نفوذ أذرعه في عدد من دول المنطقة بتكثيف استثماره في الميليشيا الحوثية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن: خبراء من «الحرس الثوري» و«حزب الله» يديرون عمليات الحوثيين

أكدت وزارة الداخلية اليمنية وجود 21 خبيراً من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني، يديرون ويدعمون عمليات الحوثيين، بقيادة عسكري يظهر بصفة «سفير لدولة».

«الشرق الأوسط» (عدن)

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية أميركية، بعد نشرها منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، ووصفته بـ«المقاومة البطولية».

مواقفه السياسية

وفي التفاصيل، أورد موقع «واشنطن فري بيكون» الأميركي، في تقرير نشره في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أن شرارة كتب في منشور يعود إلى عام 2021، في إشارة إلى ذكرى تفجير ثكنة المارينز، أن «المقاومة البطولية» أنهت «الاحتلال العسكري الأميركي» للبنان بـ«ضربة واحدة». كما نقل عنه منشوراً آخر جاء فيه: «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه»، في إشارة إلى الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة (حسابه على فيسبوك)

ولفت التقرير إلى مواقف أخرى منسوبة إلى شرارة، بينها إشادته بعملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عام 2021، فضلاً عن صورة غلاف حسابه على منصة «إكس» التي تظهر علماً إسرائيلياً يحترق، واقتباس في تعريفه الشخصي للكاتب والقيادي الفلسطيني غسان كنفاني.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه» (إكس)

غير أن توقيت القضية يرتبط بعودة هذه المنشورات إلى التداول عشية انتخابات التجديد النصفي. فقد ركز تقرير «فري بيكون» على حضور شرارة مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية في ديربورن، شارك فيها المرشح عبد الرحمن السيد قبل فوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ومرشحون ديمقراطيون آخرون. ونُشر التقرير قبل اقتراع 3 نوفمبر بيوم، فيما ظهرت أنباء الإجراء بعد الانتخابات بأيام. وعدّ هذا التسلسل السياق السياسي والإعلامي بمثابة محاولة للتأثير على ناخبي الولاية قبل التصويت، لكنه لا يثبت أن القرار عقاب على حضور المناسبة أو مرتبط بنتائج الانتخابات.

يذكر أنه من الناحية القانونية، تجيز المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للدولة المضيفة إعلان مسؤول قنصلي شخصاً غير مرغوب فيه، بما يستدعي استدعاءه أو إنهاء مهامه. وإذا لم تستجب الدولة الموفدة خلال مهلة معقولة، يمكن سحب الإذن بممارسة مهامه أو التوقف عن الاعتراف بصفته القنصلية، علماً بأن هذا الإجراء لا يعد حكماً جنائياً بحد ذاته.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه إن «المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة» (إكس)

ومع ذلك، يمكن أن يتسبب القرار بتداعيات تتمثل في المباشرة المتوقعة في اضطرار بيروت لترتيب إدارة القنصلية وضمان استمرار خدمات الجالية، فضلاً عن احتواء الحرج الدبلوماسي. ولا يعني استهداف القنصل وحده قطع العلاقات أو إغلاق البعثة، لكن مدى اتساع القضية سيبقى مرتبطاً بالتوضيحات الأميركية والرد اللبناني.


آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتجه، الأحد، إلى تكليف رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، رسمياً بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً خلال المشاورات التي أجراها في ديوان الرئاسة، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الطريق الذي قد يسلكه آيزنكوت لتشكيل حكومته لا يزال غير واضح، في ظل التعقيدات المرتبطة بتحالفه مع الأحزاب العربية من جهة، والأحزاب «الحريدية» من جهة أخرى.

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية (كان)» إن قادة كتلة التغيير يواجهون خياراً صعباً، إذ سيتعين عليهم التراجع عن وعد انتخابي واحد على الأقل من أجل تشكيل الحكومة.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأمام آيزنكوت طريقان لا ثالث لهما لتشكيل الحكومة: الأول، تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية لتكون حكومة أقلية، والثاني، التحالف مع الأحزاب الحريدية، التي طالما هاجمها، للوصول إلى 61 مقعداً. أما البديل فهو تشكيل حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويملك معسكر التغيير 48 مقعداً فقط مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، الذي يضم الأحزاب الحريدية، فيما يملك العرب 19 مقعداً.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه مع مرور الوقت، تتضح الأمور على أرض الواقع، وتتضاءل فرص آيزنكوت. وأضافت أن نصف تحالف التغيير على الأقل، بقيادة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، أبلغ آيزنكوت فعلياً بأن خطته الطارئة لتشكيل حكومة من 48 مقعداً غير مقبولة ولن تُنفذ.

وإذا كان آيزنكوت قد قرر استبعاد العرب فعلاً، فلا يكفيه تعاون حزب «يهدوت هتوراة» الحريدي، الذي يمتلك 7 مقاعد في الكنيست الجديد، بل هو بحاجة إلى المقاعد الستة للحزب الديني الآخر «شاس».

ويعمل ليبرمان، شريك آيزنكوت الرئيسي، على تشكيل حكومة مع الحريديم، ويرى أن 61 مقعداً كافية لبدء العمل.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد مراراً على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الإحاطة التي عقدها ليبرمان هذا الأسبوع ترسم اتجاهاً واضحاً: «فيتو» مطلق على تشكيل حكومة من 48 مقعداً تعتمد على امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وحصر الخيارات في إمكانية واحدة فقط، هي تشكيل حكومة من 61 مقعداً بمشاركة الأحزاب الحريدية كتلةً واحدة.

وقال ليبرمان إنه لا مفر من «المرونة وتقديم التنازلات» في سلسلة من القضايا من أجل تشكيل الحكومة، بما في ذلك قضية قانون التجنيد.

وعلى الرغم من أن ليبرمان يخلف بذلك أحد وعوده الانتخابية، فإنه قد يُهيئ الرأي العام لتقبّل هذه الخطوة، وربما ينجح حيث سيفشل آيزنكوت.

ورغم أن مسؤولين في معسكر التغيير وصفوا هذه المهمة بالصعبة والمستحيلة، فإن آخرين يشعرون بالتفاؤل إزاء حقيقة أن حزب «يهدوت هتوراة»، رغم الضغوط الشديدة التي تعرّض لها، لم يوصِ أمام رئيس الدولة بأي مرشح لتشكيل الحكومة، وهو ما يرون فيه مؤشراً مشجعاً.

وإضافة إلى ليبرمان، يقف لاعب آخر هو نفتالي بينيت، الذي لم يُعلن بعد مواقفه علناً من القضايا المطروحة. والتقديرات تشير إلى أنه، مثل ليبرمان، لن يوافق على المشاركة في حكومة تعتمد بأي شكل من الأشكال على الأحزاب العربية.

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في ظل هذا الوضع، تراجعت في الأيام الأخيرة فرص كتلة التغيير، بل تضاءلت فرص آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فأصبح الخيار إما تشكيل كتلة واحدة تضم جميع الحريديم، وإما الذهاب إلى انتخابات جديدة.

وفي محادثات مغلقة عقدها آيزنكوت مؤخراً، وعد بعدم إضاعة الوقت خلال فترة ولايته. وقال لمحاوريه: «إذا نجحنا فسننجح، وإذا لم ننجح فسنُعيد التكليف». وفي المقابل، يتربص نتنياهو وحلفاؤه بآيزنكوت، ويتمسكون بكل ورقة قد تمكنهم من عرقلته والإطاحة به.

وتثير السيناريوهات والتطورات المتعلقة بليبرمان والأحزاب الحريدية حالة من التوتر الشديد في مكتب نتنياهو. ويسود اعتقاد في محيط رئيس الحكومة بأنه، رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الأحزاب الحريدية وصلت إلى مرحلة النضج التي تسمح لها باتخاذ خطوة سياسية استثنائية.

ويرى مكتب نتنياهو أن حزب «يهدوت هتوراة» أكثر استعداداً من حزب «شاس» لاتخاذ هذه الخطوة، لكن موقف أرييه درعي لا يزال موضع تساؤل.

ونقل مكتب نتنياهو، حسب «هيئة البث الإسرائيلية»، رسائل تهديد إلى الأحزاب الحريدية، مفادها أنها لن تتمكن من العودة إلى معسكر اليمين في حال انضمامها إلى كتلة التغيير مقابل وعود تتعلق بقانون التجنيد قد لا يجري الوفاء بها. وقد يفتح هذا الوضع المعقد أمام آيزنكوت الباب في النهاية أمام نتنياهو.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن نتنياهو يُعيد طرح إمكانية تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، ومن المتوقع أن يدفع بقوة نحو هذا السيناريو في نهاية المطاف، مستنداً إلى إدراك جميع الأطراف في معسكر التغيير أن إجراء انتخابات جديدة خيار سيئ، خصوصاً بالنسبة إلى المعسكر الذي استنفد إلى حد كبير القدرة التصويتية المتاحة له.

وفي الغرف المغلقة، يُطرح أيضاً قلق حقيقي من أن محاولة حزب «الليكود» تقويض نتائج الانتخابات ليست سوى البداية، وأن إجراء انتخابات أخرى سيؤدي إلى تصعيد التشكيك في نتائج الانتخابات وزعزعة ثقة الجمهور بها، وهو سيناريو يحاول معسكر التغيير تجنبه.

وأكدت صحيفة «معاريف» أن كبار المسؤولين الأمنيين يخشون محاولة عناصر يمينية متطرفة منع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، والإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا، على غرار سيناريو «الكابيتول» عام 2021، حين خسر دونالد ترمب الانتخابات.

وقالت «يديعوت» إن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) أعدّا، بالتعاون مع حرس الكنيست، خطة استنفار خاصة لمواجهة هذا السيناريو. وفي حال تحركت الشرطة و«الشاباك» على مستوى الدولة، فمن المفترض نشر آلاف من عناصر الشرطة ومقاتلي وحدة الأمن التابعة لـ«الشاباك» في محيط الكنيست وعلى الطرق المؤدية إليه.


البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.