«الخلع» يتصدر قضايا الطلاق في مصر لهذه الأسباب

وصلت نسبتها إلى 80 % في عام واحد

محكمة الأسرة تتلقى آلاف الدعاوى سنوياً (فيسبوك)
محكمة الأسرة تتلقى آلاف الدعاوى سنوياً (فيسبوك)
TT

«الخلع» يتصدر قضايا الطلاق في مصر لهذه الأسباب

محكمة الأسرة تتلقى آلاف الدعاوى سنوياً (فيسبوك)
محكمة الأسرة تتلقى آلاف الدعاوى سنوياً (فيسبوك)

طلبت الثلاثينية «نسمة محمد» (اسم مستعار) من محاميها رفع دعوى خلع على زوجها، بعد زواج دام 8 أعوام، نتج عنه طفلان، وكثير من «الإهانات والضرب المبرح والابتزاز»، وفقما تقول لـ«الشرق الأوسط»، مضيفة: «فكرت في الخلع لأنتهي من هذه الزيجة في أسرع وقت، حتى لو كلفني ذلك الاستغناء عن حقوقي، لكن المحامي نصحني برفع قضية طلاق للضرر».

«نسمة» ليست الوحيدة التي تفضل اللجوء للخلع لإنهاء زواج غير موفق، خصوصاً إذا فشلت المساعي الودية في حل الأمر، واضطرت السيدة للجوء للقضاء، ما جعل قضايا الخلع تتصدر قضايا الطلاق في مصر.

وصدر القانون رقم 1 لعام 2000 الذي يمنح المرأة حق فسخ عقد الزواج (الخلع) بعد حالة كبيرة من الجدل في المجتمع. ووفق المادة 20 من القانون، فإن «للزوجين أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع، فإن لم يتراضيا عليه، وأقامت الزوجة دعواها بطلبه وافتدت نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية، وردت عليه الصداق الذي أعطاه لها، حكمت المحكمة بتطليقها عليه».

بوستر توعوي بحقوق النساء بعد الخلع (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وبلغت القضايا التي طُلقت فيها النساء بموجب حكم بالخلع في عام 2023، 81.3 في المائة من مجمل القضايا التي تم رفعها للطلاق، وعددها 8684 قضية. وبلغت عدد حالات الطلاق في مصر، بشكل عام، في السنة نفسها أكثر من 265 ألف حالة طلاق.

ويفسر المحامي في «مؤسسة قضايا المرأة المصرية»، أحمد مختار، أسباب ذلك إلى «الإجراءات السهلة والفترة القصيرة التي تستغرقها قضايا الخلع في مصر مقارنة بقضايا الطلاق، فالأولى لا يوجد بها استئناف، وتنتهي عادة في فترة بين 3 إلى 6 شهور، على عكس قضايا الطلاق الأخرى التي قد تستمر لسنوات».

ويضيف مختار لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخلع لا يحتاج إلى أسباب واضحة، فيكفي أن تطلب المرأة الخلع لمجرد أنها غير مرتاحة في هذه الزيجة، وبعدها تعرض على لجنة نفسية واجتماعية وأخرى تابعة للأزهر تحاول الإصلاح بين الزوجين، وحال تمسكت الزوجة بموقفها يحكم القاضي بالخلع، فقضايا الخلع لا ترفض».

المحامي في «مؤسسة قضايا المرأة المصرية» أحمد مختار (صفحة المؤسسة عبر «فيسبوك»)

وتتناول وسائل إعلام محلية الكثير من أخبار قضايا الخلع في مصر، التي تقدم فيها الزوجة أسباباً تبدو من وجهة نظر المجتمع واهية، مثل خبر ذكر أن زوجة طلبت الخلع لأن زوجها يطعمها 3 أقراص من الطعمية «الفلافل» يومياً، أو أنه «لا يقول لها أحبك»، وهي أخبار لقيت استهجاناً وسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن مختار يرى أن «مثل هذه الأخبار لا تعبر عن حقيقة ما يحدث في قضايا الخلع، التي تخسر بها كثير من النساء حقوقهن لكنهن يعتبرن ذلك أقل الضررين». وشكك المحامي في أن تكون هذه الأخبار حقيقية، مرجحاً أن تكون مختلقة وزائفة، إذ إن «المرأة غير مضطرة لتبرير طلبها بأسباب واهية، يكفي أن تقول إنها غير مرتاحة»، على حد تعبيره.

وخلال سنوات من الاحتكاك بالعديد من حالات النساء اللاتي ترفع لهن «مؤسسة قضايا المرأة المصرية» قضايا خلع، يكن في الحقيقة «معنفات»، لكن «قد يصعب إثبات هذا التعنيف، لذا تفضل كثيرات منهن الخلع، خصوصاً مع انتظارهن لمعاش بعد حدوثه»، وفق مختار.

وأوضح المحامي أن «إثبات الطلاق للضرر يتطلب شهوداً. قد تتعرض المرأة للعنف من غير وجود شهود، أو أمام أهل زوجها، ممن لن يشهدوا معها، وهنا قد ترفض المحكمة القضية لعدم إثبات وقوع الضرر».

بوستر يعود لعام 2018 يوضح أن أسباب لجوء النساء للخلع ليست واهية (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وفي حالة «نسمة»، نصحها محاميها برفع دعوى طلاق للضرر وليس خلعاً، لأنها أثبتت التعدي عليها بالضرب وسرقة مصوغاتها في محضر رسمي، ثم أثبتت التعدي عليها هي وأهلها في محضر ثانٍ، وخضعا للكشف الطبي، كما وثقت كاميرات التعدي عليهم.

أما «سمر محمود» (اسم مستعار) فقد حاولت في البداية أن تسلك طريق «نسمة» نفسه برفع دعوى «طلاق للضرر»، بعدما انتقلت للعيش في منزل أهل زوجها عقب فترة قصيرة من زواجها، ولقيت تعنيفاً جعلها تلجأ لمنزل أهلها، ثم سافر زوجها في محافظة أخرى داخل مصر، وهجرها منذ 5 سنوات، ما اضطرها للعمل بائعة متجولة في مترو الأنفاق للإنفاق على طفلين منه.

تقول «سمر» لـ«الشرق الأوسط»: «منذ شهور رفعت دعوى خلع، بعدما خسرت دعوى أولى للطلاق»، مشيرةً إلى أنها تأمل في صدور حكم لصالحها حتى يتسنى لها الحصول على معاش تكافلي.

وتقول محامية «سمر»، هدير عامر لـ«الشرق الأوسط»، إن «قضايا الخلع منتشرة أيضاً في الأرياف، مع سفر الكثير من الأزواج للعمل في الخارج، ومعاناة الزوجة من سوء معاملة الأهل»، موضحةً أن «القانون يتيح للمرأة في هذه الحالة الطلاق للضرر والحصول على كل حقوقها المالية، لكن ذلك يعرض النساء لوصمة في الأرياف، حين يفسر الضرر بأسباب جنسية، فيفضلن اللجوء للخلع».

نوع آخر من النساء «يضطررن» لرفع قضايا خلع، وفق المحامية في الاستئناف العالي ومجلس الدولة والباحثة في القانون الخاص، آية الغرباوي، وهن النساء اللاتي «يطلقهن أزواجهن طلاقاً شفهياً».

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»، أن الطلاق الشفهي لا يعتد به قانوناً إلا في حالات معينة تستطيع المرأة فيها إثبات وقوعه، كأن يحدث أمام شهود أو عبر إحدى الوسائل الإلكترونية التي تحفظ المحادثات، وفيما عدا ذلك فإن هذا الطلاق يقع شرعاً، لكن لا يعتد به قانوناً».

وتابعت: «بعض الأزواج يرفضون توثيقه كنوع من العقاب للزوجة لتظل معلقة، وهنا تضطر كثيرات منهن إلى رفع دعوى خلع».

ويرى المحامي في «مؤسسة قضايا المرأة المصرية» أن قضايا الطلاق وفي القلب منها الخلع في ازدياد، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، وكثرة المشكلات الأسرية، وانتشار الوعي بين النساء بحقوقهن، ورفضهن التعنيف، فضلاً عن وجود مؤسسات مجتمع مدني تتولى الكثير من هذه القضايا، وتقدم الدعم القانوني للمعنفات بالمجان حتى الحصول على حريتهن.


مقالات ذات صلة

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

شمال افريقيا المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية كافة، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل.

شمال افريقيا وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عودة «المستريح»... تجدّد جرائم النصب بحق مصريين

أحكام قاسية بحقّ «مستريح السيارات» في مصر تُعيد تسليط الضوء على تصاعد جرائم النصب واستغلال المواطنين عبر وعود استثمار وهمية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

عادت مهنة (البواب - السمسار) إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدد طبيبة بالخطف لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة».

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق «إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، إلى كابوس.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عمرو سعد (حسابه على موقع «فيسبوك»)

تصاعد الخلافات بين أسرة نجيب محفوظ وعمرو سعد بسبب «أولاد حارتنا»

قالت أم كلثوم ابنة «أديب نوبل» المصري نجيب محفوظ، إنها لن تتعامل مع الفنان عمرو سعد مجدداً، وذلك عقب نشره مستندات وإيصالات «شراء حقوق».

داليا ماهر (القاهرة )

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
TT

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري علي الطيب إن مشاركته ضيف شرف في فيلم «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي لم تكن وليدة سبب واحد، بل جاءت نتيجة حالة فنية متكاملة لمسها منذ اللحظة الأولى، موضحاً أن وجود اسم كبير بحجم محمود حميدة ضمن فريق العمل شكّل دافعاً قوياً بالنسبة له، لما يمثله من خبرة وقيمة فنية، تمنح أي ممثل فرصة حقيقية للتعلم والتطور.

وأضاف علي الطيب لـ«الشرق الأوسط» أن «تعاونه المتكرر مع شركة (ريد ستار) المنتجة للعمل، الذي يعد الرابع بينهما، جعله يثق في المشروع منذ بدايته، خصوصاً لما لمسه من احترافية ورؤية واضحة في اختيارات الشركة»، مؤكداً أن هذه الثقة تُبنى عبر تجارب متراكمة.

وأوضح أن علاقته بالمخرج ياسر شفيعي تعود إلى فيلمه القصير «تدريبات قاسية لتحسين الأداء»، الذي حقق نجاحاً لافتاً وحصد جوائز عدة، وهو ما جعله متحمساً لرؤية تجربته الأولى في الفيلم الطويل من خلال «شكوى رقم 713317»، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في مسيرة أي مخرج.

علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

وأوضح أن عرض الفيلم بعدة مهرجانات بعد عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي» بنسخته الماضية، يعكس قدرة العمل على الوصول إلى جمهور متنوع، مشيراً إلى أن «تفاعل الجمهور، سواء العربي أو الأجنبي، مع تفاصيل الفيلم ومواقفه الإنسانية، هو ما يمنح صناع العمل إحساساً حقيقياً بقيمة ما يقدمونه».

وأكد علي الطيب أن السينما تظل قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وهو ما لمسه بنفسه خلال العروض الدولية، بعدما وجد أن الجمهور غير العربي يتفاعل مع القصة ويفهم أبعادها الإنسانية، معتبراً أن هذا النوع من التواصل يمثل جوهر الفن الحقيقي؛ لكون هذه المشاركات الدولية تفتح آفاقاً جديدة أمام الممثل، وتجعله أكثر وعياً بطبيعة الجمهور وتنوعه.

وحول مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «فرصة أخيرة»، وصف علي الطيب تعاونه مع المخرج أحمد عادل سلامة بالتجربة المختلفة والمليئة بالتحديات، واصفاً العمل بأنه «ورشة تمثيل كبيرة»، في ظل وجود مجموعة من الممثلين الذين يسعون جميعاً لتقديم أفضل ما لديهم.

وأضاف الطيب أن ضغط الوقت قبيل شهر رمضان، يظل من أبرز الصعوبات التي تواجه الفنانين؛ لكون التصوير يتطلب جهداً مضاعفاً لإنجاز العمل في وقت محدود، مما يضع الجميع تحت ضغط كبير.

وأوضح علي الطيب أنه يسعى دائماً إلى كسر نمطية الأدوار التي يقدمها، بعد تقديمه شخصية الضابط أكثر من مرة، مما دفعه للبحث عن تفاصيل مختلفة داخل كل دور، حتى لا يقع في فخ التكرار، معتبراً أن التحدي الحقيقي بالنسبة له هو إيجاد زاوية جديدة لكل شخصية، حتى لو بدت تقليدية في ظاهرها.

علي الملصق الترويجي لمسلسل «فرصة أخيرة» (حسابه على فيسبوك)

وأكد أن اختياراته الفنية لا تقوم على فكرة البطولة المطلقة أو الجماعية، بل على جودة المشروع نفسه، موضحاً أن السيناريو يظل العنصر الأهم بالنسبة له، إلى جانب المخرج وشركة الإنتاج، لذا قد ينجذب أحياناً للعمل مع مخرج شاب أو في بداياته، إذا لمس لديه الشغف والرؤية؛ لأن هذه العناصر تصنع الفارق الحقيقي في أي عمل فني.

وتحدث عن مشاركته في مسلسل «شاهد قبل الحذف» مع المخرج محمد أسامة، موضحاً أنه يجسد خلاله شخصية «حسن»، الشاب البسيط القادم من حي «شبرا»، الذي يعمل في «كول سنتر»، قبل أن تقوده الظروف إلى مسار مختلف تماماً، عقب تعرضه لأزمة تدفعه لتحمل مسؤوليات لم يكن مستعداً لها، وهو ما يضعه في صراعات نفسية وإنسانية معقدة.

وأضاف أن هذه النوعية من الأدوار تستهويه؛ لأنها تتيح له الغوص في تفاصيل إنسانية عميقة، بعيداً عن القوالب الجاهزة، مؤكداً أن الجمهور أصبح أكثر وعياً، ولم يعد ينجذب بسهولة إلى الشخصيات النمطية، بل يبحث عن الصدق والتفاصيل الحقيقية.

وفي سياق آخر، كشف عن خوضه تجربة الكتابة للمرة الأولى، مؤكداً أن هذه الخطوة جاءت بشكل طبيعي، بعد سنوات من التفكير وتدوين الأفكار، دون نية واضحة في البداية لتحويلها إلى أعمال فنية، لافتاً إلى أنه «بدأ يشعر برغبة حقيقية في تطوير هذه الأفكار، وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مما دفعه للتعاون مع السيناريست أحمد السجيني في مشروع فيلم جديد».

مع مخرج الفيلم وبطليه محمود حميدة وشيرين (حسابه على فيسبوك)

واعتبر أن هذه التجربة تمثل تحدياً جديداً بالنسبة له، لأنها تضعه في موقع مختلف تماماً عن التمثيل، حيث يتعامل مع البناء الدرامي من زاوية أوسع، تشمل الفكرة والشخصيات والتفاصيل، مؤكداً أن الكتابة تحتاج إلى صبر ورؤية عميقة، وهو ما يسعى لتطويره خلال هذه المرحلة.

وأوضح أن دخوله مجال الكتابة لا يعني الابتعاد عن التمثيل، بل يضيف إلى أدواته كونه فناناً، ويمنحه فهماً أعمق للشخصيات التي يجسدها، مؤكداً أن هذه التجربة ستنعكس بشكل إيجابي على اختياراته المستقبلية.


غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
TT

غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)

«نحتاج إلى الابتسامة والضحكة في لبنان أكثر من أي وقت مضى»، بهذه العبارة يستهلّ الممثل الكوميدي غابي حويك حديثه لـ«الشرق الأوسط»، معلناً عن مسرحيته الجديدة «غابي حويك كوميدي شو 2026».

ومن خلال هذا العمل، يعود إلى خشبة الشانسونييه الهزلي الساخر، بعد غياب امتد لأكثر من 5 سنوات. ففي عام 2020، تعرَّض لوعكة بعدما أُصيب بورم حميد في الرأس؛ ممّا تسبَّب في مضاعفات أجبرته على التوقّف عن العمل مدةً طويلة.

غابي حويك يعود بعد غياب إلى خشبة الشانسونييه (صور الممثل)

واليوم، يعود بزخم كبير بعد استعادة صحته بالكامل، ليقدّم عرضه الجديد على خشبة مسرح «فيللا في» في برمانا، مساء كلّ جمعة، على أن ينتقل لاحقاً إلى عدد من المهرجانات والحفلات الموسمية خلال الصيف.

ويوضح أن إضافة «عام 2026» إلى عنوان المسرحية جاءت لتأكيد انطلاقته الجديدة بعد الغياب. ويقول: «استعنت بفريق من المواهب الكوميدية الشابة واللافتة؛ لأنّ غالبية أعضاء فريقي السابق مرتبطون بأعمال أخرى تحول دون مشاركتهم معي. ومع ريتا غصن وأنطوني فاخوري نشكّل فريقاً منسجماً وخفيف الظلّ».

وعن الصفات التي يبحث عنها في الممثل الذي يشاركه الخشبة، يوضح: «خفّة الظلّ عنصر أساسي في الممثل الكوميدي؛ لأنها تساعده على كسر الحواجز سريعاً مع الجمهور. هذه الموهبة (لا تُكتسب بسهولة)، بل هي جزء من شخصية الإنسان. يجب أن يشعر الجمهور بألفة فورية مع الممثل، فتولد بينهما كيمياء خاصة تختصر الوقت والمسافات». ويشير إلى أنّ العثور على هذه المواهب يتطلَّب منه بحثاً طويلاً ودقيقاً، لكنه نجح في تسليط الضوء على أسماء جديدة تستحقّ الفرصة.

ويمتدّ العرض نحو ساعتين، ويتناول موضوعات مستوحاة من الواقع اللبناني الراهن. ويشير حويك إلى أنّ اختيار موضوعات مناسبة في ظلّ تراجع عروض الشانسونييه لم يكن مهمّة سهلة، مضيفاً: «غالبية الأفكار تنبع من يومياتنا، ومن المشهدين الفنّي والسياسي اللذين يطبعان حياتنا. كما أن وجود ريتا وأنطوني أتاح توسيع مساحة التقليد والمشاهد الكوميدية».

مشهد من مسرحية «غابي حويك كوميدي شو 2026» (صور الممثل)

ويكشف عن أنّ ريتا غصن ستقدّم فقرة تُقلّد فيها الفنانة هيفاء وهبي، فيما يؤدّي أنطوني فاخوري شخصيات فنّية أخرى. وتتحوّل ريتا في أحد المَشاهد إلى نجل الفنان فضل شاكر، ضمن اسكتش كوميدي يدور في أجواء مخيم عين الحلوة، حيث عاش الأخير مدّة طويلة.

وعن التحدّيات التي رافقت عودته بعد انقطاع طويل، يقول: «لم يكن من السهل العودة إلى أجواء الشانسونييه بعد كلّ هذه السنوات. صحيح أنني شاركت ضيفَ شرف في بعض العروض، لكن ذلك لم يكن كافياً. كما أن ابتعادي عن شاشات التلفزيون والإطلالات الإذاعية طيلة هذه المدّة ترك أثره عليّ، وجعل أي ظهور إعلامي جديد تحدّياً بالنسبة إليّ».

ويؤكد حويك أنه خلال أزمته الصحية لم يفقد الأمل يوماً، مضيفاً: «في الأزمات علينا التمسُّك بالأمل والإيمان كي نتجاوزها بعيداً عن السلبية».

وعن المقارنة بين مسرح الشانسونييه الذي تراجع حضوره أخيراً، و«ستاند أب كوميدي» الذي يشهد انتشاراً واسعاً، يقول: «لا أعتقد أنّ أي نوع كوميدي يمكن أن يحلّ مكان الشانسونييه. لقد جرّبتُ النوعين، ووجدتُ أنّ للشانسونييه نكهته الخاصة. ومع تراجع هذا النوع من العروض، شعرتُ بأنّ هناك مساحة كبيرة لأفكار جديدة في عملي الحالي».

ومن بين الفقرات التي يتضمّنها العرض، يُخصّص حويك اسكتشاً تكريمياً للفنان الراحل ملحم بركات، ويقول: «أستحضره على المسرح وكأنه يأخذ استراحة قصيرة؛ لأنه كان يحب هذا النوع من المسرح».

كما تتناول المسرحية موضوعات مرتبطة بظواهر مُعاصرة، مثل تطبيق «تيك توك»، وظاهرة «اللايف كوتش» المُنتشرة أخيراً، إلى جانب ملفات سياسية واجتماعية وفنّية راهنة. كذلك تتضمَّن مَشاهد ساخرة تجمع بين مايك فغالي والوزير اللبناني السابق جبران باسيل ضمن حوار كوميدي ساخر.

استعان بمواهب جديدة من بينها ريتا غصن (صور غابي حويك)

أما غابي حويك، فيطلّ خلال العرض عبر تقليد مجموعة من الشخصيات المعروفة، من بينها جبران باسيل ومورغان أورتيغاس. ويوضح في هذا السياق: «أقدّم مورغان أورتيغاس عروساً تسأل عن عريسها أنطوان الصحناوي، وما إذا كان ابن بيت ويملك منزلاً، وغيرها من المواصفات التقليدية التي تُطلب في العريس اللبناني. وفي النهاية نحتفل لها بزفّة لبنانية بمناسبة زواجها المرتقب منه».

ويشير إلى أنه خلال ابتعاده القسري عن الساحة الفنّية، حرص على متابعة العروض المسرحية، مضيفاً: «كنتُ أظنُ أنّ موجة الـ(ستاند أب كوميدي) ستقضي تدريجياً على مسرح الشانسونييه، لكنني اكتشفت أن الواقع مختلف تماماً».


فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
TT

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

800 عام على ولادة القديس الإيطالي فرنسيس الأسيزي تبدو كأنها زمنٌ يكفي كي يتحوّل إنسان إلى أسطورة أو صورة دينية مُعلّقة على جدار كنيسة. وإنما العودة إلى فيلم «فرانشيسكو، ملاك الله» للمخرج روبرتو روسيليني ضمن أسبوع احتفالي نظّمته سينما «متروبوليس» في بيروت، تُعيد النظر في الطريقة التي يمكن للسينما أن تقترب فيها من القداسة من دون أن تغرق في التبجيل أو تُحوّل الشخصية إلى رمز جامد خارج الحياة.

فيلم هادئ عن عالم فَقَد هدوءه (IMDb)

كان روسيليني (1906 - 1977) من أبرز الأصوات التي صنعت الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت السينما من الاستوديوهات إلى الشوارع والوجوه المُتعَبة ويوميات الناس البسطاء. اهتمّت هذه السينما بالفقر والانكسار والجروح الإنسانية، مُستخدمةً مواقع تصوير غير مُصطَنعة وممثلين خارج نجومية الشاشة أحياناً، في محاولة لالتقاط الحقيقة كما هي. بين أبناء هذه الحركة، بدا روسيليني الأكثر ميلاً إلى تحويل الواقعية من موقف اجتماعي فقط إلى بحث أخلاقي وروحي في معنى الإنسان بعد الخراب.

الفيلم الذي أُنجز عام 1950، وعُرض ضمن مجموعة أفلام تناولت القديس فرنسيس، لا يُشبه الأعمال الدينية المألوفة التي اعتادت صناعة البطولات الروحية عبر الموسيقى المُتصاعدة والانفعالات الثقيلة والوعظ المباشر. روسيليني اقترب من الشخصية بطريقة تكاد تكون مُعاكسة تماماً لفكرة السيرة السينمائية. التقط شذرات من حياة جماعة صغيرة تمشي في الحقول وتضحك أحياناً وتجوع أحياناً أخرى، وتحاول أن تعيش الفقر على أنه خيار روحي وليس عقاباً. لم يصنع دراما عن رجل غيَّر العالم.

8 قرون مرَّت ولا يزال العالم يبحث عن السلام نفسه (IMDb)

يبدو الفيلم كأنه يرفض الإغواء منذ مَشاهده الأولى. الحبكة لا تجعل المُشاهد أسير الانفعال العاطفي. فالإيقاع بطيء إلى حدّ يكاد يستنزف صبر المُتفرّج المُعاصر. جمالها في أنها لا تُظهر فرنسيس بطلاً مركزياً يبتلع الشاشة. يذوب وسط الرهبان الآخرين، كأنّ روسيليني أراد إسقاط فكرة البطل لمصلحة روح جماعية تقوم على البساطة والطاعة والفرح الداخلي.

الفيلم مختلف وقاسٍ. اختلافه في محاولته تحرير السينما الروحية من المَسْرحة الدينية الرائجة. وقسوته أنّ هذا التحرير يجعل الفيلم اليوم يبدو خارج الزمن، أو على الأقلّ خارج الحساسية البصرية والنفسية للمُشاهد المُعاصر.

المتفرّج الحالي ابن عالم مختلف تماماً. عالم قائم على السرعة والتحليل النفسي والتناقضات الحادّة داخل الشخصيات. اعتادت السينما الحديثة الحَفْر في العنف الداخلي والرغبات المكبوتة والتمزُّق الإنساني. أمّا روسيليني، فيتعمَّد الابتعاد عن هذه المناطق. شخصياته شفَّافة إلى حدّ كبير، تكاد تتحرَّك بخفّة روحية منفصلة عن ثقل الجسد وأسئلته. لهذا يشعر كثيرون اليوم بأنّ الفيلم جميل بصرياً لكنه بعيد عاطفياً. كأنّ المتفرّج يكتفي بمشاهدة حياة لا يستطيع لمسها.

القداسة عند روسيليني تتحرَّك في مساحة البراءة أكثر مما تتحرَّك في مساحات الصراع. الرهبان يضحكون كثيراً ويتقبّلون الإهانة من دون غضب، ويتعاملون مع العالم بخفّة طفولية. هذه النظرة كانت تحمل بعد الحرب العالمية الثانية معنى أخلاقياً عميقاً. أوروبا المُثقَلة بالجراح كانت تبحث عن نقاء ما وطريقة للتخفُّف من العنف الذي التهم القارة. لذلك بدا فرنسيس في سينما روسيليني أشبه باقتراح أخلاقي لاستعادة الإنسان.

القداسة عند روسيليني تُشبه البساطة أكثر من المعجزة (IMDb)

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة. المُشاهد الحالي يريد رؤية الجرح وليس صورته المُصفَّاة فقط. يريد الاقتراب من تناقضات الإنسان وانكساراته، وليس من روحه بعدما بلغت السلام. بذلك تتشكَّل المسافة التي يخلقها الفيلم مع جزء من جمهوره المُعاصر. إنه عمل يُحتَرم أكثر مما يمكن الشعور به عاطفياً.

ومع ذلك، يبقى له أثر خاص يتجاوز بروده الظاهري، خصوصاً حين يُعرض في بيروت الآن. فاختيار إعادة هذه الأعمال إلى الشاشة في لحظة لم يتعافَ فيها لبنان من الحرب، يحمل معنى يتعدَّى الاحتفاء السينمائي.

في كلمتها الافتتاحية، تحدَّثت مديرة «متروبوليس»، هانيا مروّة، عن الرغبة في استعادة فكرة السلام في أيام لا تزال مشبَّعة بالخوف والمجهول. بدا كأنّ المدينة المُتعَبة من صُور الموت والقلق تحاول أن تسترجع قدرتها على التأمُّل ولو عبر فيلم أبيض وأسود عن رجل اختار الفقر والسكينة قبل 8 قرون.

قد لا يندمج المُشاهد المُعاصر بالكامل مع عالم روسيليني الزاهد والمُتحرّر من الإبهار. وقد يشعر بأنّ العمل ينتمي إلى زمن آخر. وإنما إعادة عرضه اليوم تستدعي التمهُّل أمام علاقتنا نحن بفكرة السلام. كأنّ الفيلم يكشف من دون أن يقصد عن حجم التحوّل الذي أصاب الإنسان الحديث. لم نعد نعرف كيف ننظر طويلاً إلى البساطة ولا كيف نمنح البطء وقته، ولا كيف نُصدّق أنّ الخفّة قد تكون موقفاً أخلاقياً في وجه عالم يزداد عنفاً يوماً بعد يوم.