اختراق الطائرات الروسية لأجواء بولندا يختبر عزم الناتو

وغموض ترمب يثير القلق في العواصم الغربية

دونالد توسك يعقد اجتماعاً حكومياً مع مسؤولين عسكريين وخدمات الطوارئ في أعقاب انتهاكات المجال الجوي البولندي في وارسو (رويترز)
دونالد توسك يعقد اجتماعاً حكومياً مع مسؤولين عسكريين وخدمات الطوارئ في أعقاب انتهاكات المجال الجوي البولندي في وارسو (رويترز)
TT

اختراق الطائرات الروسية لأجواء بولندا يختبر عزم الناتو

دونالد توسك يعقد اجتماعاً حكومياً مع مسؤولين عسكريين وخدمات الطوارئ في أعقاب انتهاكات المجال الجوي البولندي في وارسو (رويترز)
دونالد توسك يعقد اجتماعاً حكومياً مع مسؤولين عسكريين وخدمات الطوارئ في أعقاب انتهاكات المجال الجوي البولندي في وارسو (رويترز)

حث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حلفاء كييف، الخميس، على إعادة النظر في قدراتهم الدفاعية الجوية بعد أن اخترقت طائرات مسيرة المجال الجوي لبولندا التي تقول إنها تابعة لروسيا.

وقال زيلينسكي، في كلمة ألقاها في كييف بجانب الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، إن أوكرانيا «منفتحة ومستعدة» لتقديم الدعم للجهود التي يبذلها الحلفاء.

ولا تزال ردود الفعل تتوالى على التطور الخطير وغير المسبوق منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حين وجد نفسه للمرة الأولى يشتبك مباشرة مع معدات عسكرية روسية داخل أراضيه، بعدما اخترقت 19 طائرة روسية دون طيار المجال الجوي البولندي، ما أدى إلى إسقاط بعضها من قِبل مقاتلات بولندية وهولندية.

رجال الإطفاء وضباط الدفاع الإقليمي والشرطة يعملون بجوار موقع دمر فيه سقف منزل بعد سقوط مسيّرة في ويريكي في محافظة لوبلين في بولندا 10 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأفادت وزارة الخارجية البولندية في منشور على «إكس»، بأنه «بناء على طلب بولندا، سيعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بشأن خرق روسيا المجال الجوي البولندي».

وقال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي لإذاعة «آر إم إف إف إم» إن بولندا تريد بذلك «لفت انتباه العالم بأسره إلى هذا الهجوم غير المسبوق الذي شن بمسيّرات روسية على بلد عضو ليس فقط في الأمم المتحدة بل كذلك في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي». وأضاف أن الانتهاك «ليس اختباراً لبولندا فقط بل أيضاً لحلف شمال الأطلسي برمته، وليس على الصعيد العسكري فقط بل السياسي أيضاً».

وأعلنت الحكومة السويدية، الخميس، عن مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة إجمالية تبلغ 80 مليار كرونة (7.3 مليار يورو) لعامي 2026 و2027. وقال وزير الدفاع بال جونسون: «نؤكد بذلك على الطابع المستدام في مجال الدعم الذي نقدمه لكييف». وأضاف: «أود أيضاً أن أوضح أنه حتى لو تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو حتى اتفاق سلام، فإن الدعم العسكري السويدي لأوكرانيا سيظل مهماً، وسيستمر حتى بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام».

وعبّر الكرملين، الخميس، عن رفضه لتصريحات وارسو ودول أوروبية أخرى، ووصفها بأنها ليست جديدة، وقال إن موسكو لن تدلي بأي تعليق آخر على الوضع.

وبينما سارع قادة أوروبا إلى التنديد بهذا التوغل بوصفه تصعيداً مباشراً من موسكو، جاء تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مفاجئاً في غموضه وصمته المقلق، ما أثار جدلاً داخلياً وخارجياً حول التزام واشنطن بأمن الحلف.

وأفاد مسؤول في البيت الأبيض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن «الرئيس ترمب والبيت الأبيض يتبعان التقارير الواردة من بولندا، وهناك خطط للرئيس ترمب للتحدث إلى الرئيس البولندي اليوم».

قادة فرنسا وأوكرانيا وبريطانيا وبولندا وألمانيا خلال الاتصال الهاتفي بالرئيس الأميركي في 10 مايو (أ.ف.ب)

ورغم التحليلات والتصريحات التي حفلت بها وسائل الإعلام الأميركية التي عدت الاختراق الروسي اختباراً لرد فعل واشنطن والناتو على حد سواء، جاء رد ترمب، عبر منشور على منصته «تروث سوشيال»، تعليقاً مقتضباً على «حادثة» التوغل قائلاً: «ما شأن روسيا بانتهاك المجال الجوي البولندي بطائرات دون طيار؟».

لم يتضمن التصريح أي إدانة، ولم يُشر إلى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن أراضي الناتو، ما أثار قلقاً واسعاً بين المسؤولين الأوروبيين، خصوصاً في ظل تصاعد حدة الهجمات الروسية على أوكرانيا وتواتر تجاوز الخطوط الحمراء.

اختبار للناتو أم حادث عرضي؟

وبينما تحاول موسكو ووكالاتها الإعلامية الترويج بأن الطائرات المسيّرة انحرفت «عن طريق الخطأ»، شدد مسؤولون بولنديون وأوروبيون على أن العملية كانت مقصودة تماماً، وتهدف إلى اختبار قدرات الحلف على الرد والردع.

وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، كان حاسماً بقوله: «لا يوجد أي مؤشر على خطأ في المسار أو خلل تقني... هذا كان اختباراً متعمداً». في الوقت نفسه، أعلن حلف الناتو أنه فتح تحقيقاً في الحادث، لكن أمينه العام، مارك روته، قال إن «النية الروسية ليست مهمة... ما حدث خطير ومتهور».

عقب الحادث، تحدث الرئيس ترمب هاتفياً مع الرئيس البولندي كارول ناوروكي الذي كان التقاه قبل أسابيع في البيت الأبيض. وبحسب بيان عن المحادثة، لم يُقدّم ترمب أي التزامات أمنية جديدة، واكتفى بإشارات فضفاضة إلى «تقدير بلاده للدور الدفاعي لبولندا»، وهي الدولة التي تستضيف نحو 10 آلاف جندي أميركي.

عضو في الجيش البولندي يتفقد منزلاً متضرراً من جراء سقوط طائرة مسيّرة في ويريكي بمحافظة لوبلين - بولندا 10 سبتمبر 2025 (رويترز)

غير أن العديد من المسؤولين الأوروبيين، الذين تحدثوا إلى وكالات إعلامية وصحف أميركية، عبّروا عن خيبة أملهم من موقف ترمب، وعدّوه امتداداً لسياساته الغامضة تجاه أوروبا وأوكرانيا. وقالت ألينا بولياكوفا، رئيسة مركز تحليل السياسات الأوروبية: «يتزايد الإحباط من عدم وجود موقف حازم من واشنطن... بوتين يراقب».

وسط هذا الغموض، بدا أن الكرة قد تكون في ملعب الكونغرس، حيث يمكن للمشرعين أخذ زمام المبادرة، كما فعلوا في عام 2017، عندما أقر الكونغرس حزمة عقوبات على روسيا بأغلبية ساحقة، مما أجبر ترمب المتردد على توقيعها. وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور جون ثون إن المشرعين كانوا يناقشون الأمر، الأربعاء.

وهناك مشروع قانون جاهز كان قد قدمه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مع الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، لمعاقبة الدول التي تشتري النفط والغاز الروسي. كما صوّتت لجنة في مجلس النواب لصالح قانون يُحوّل 50 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة لأوكرانيا. وفي هذا السياق، قالت كاتارينا ماثرنوفا، سفيرة الاتحاد الأوروبي في كييف: «غياب العواقب هو ما يشجع بوتين... هذه الطائرات فوق بولندا لم تكن صدفة».

تصعيد روسي بطيء

وترى عواصم الناتو أن روسيا تتبنى استراتيجية «تصعيد بطيء» لاختبار الحدود الغربية دون إشعال حرب مباشرة، من خلال توغلات بالطائرات دون طيار، وضرب أهداف حساسة في أوكرانيا قريبة من حدود الناتو، مثل مجمعات الغاز ومحطات التصنيع.

ويقول محللون إن روسيا تقاتل عند حدود قدراتها العسكرية التقليدية أو تقترب منها في أوكرانيا، مما يمنحها قدرة محدودة على التصعيد عسكرياً. ومع ذلك يقولون إن التحركات الرمزية، مثل قصف مصنع أميركي في غرب أوكرانيا، وقصف مجمعين دبلوماسيين أوروبيين ومبنى حكومي أوكراني رئيسي في كييف، والتشويش على طائرة مسؤولة أوروبية كبيرة، والآن اختراق بولندا، هو اختبار للدفاعات العسكرية وبعث رسالة قوة.

مع تصعيدها لاستفزازاتها شيئاً فشيئاً، سعت روسيا إلى إفساح المجال للشك في ضرباتها. ويُرجّح محللون أن روسيا أرادت من توغل بولندا الأخير جمع معلومات استخباراتية عن دفاعات الحلف، وبعث رسالة واضحة حول ما يمكن أن يحدث إذا قررت دول أوروبية إرسال قوات إلى أوكرانيا مستقبلاً.

وفي ظل حديث ترمب عن تقليص التزامات أميركا العسكرية في الخارج، وخاصة في أوروبا، واستعداده لإعادة تمركز القوات في آسيا، تزداد الشكوك حول مدى جدية المادة الخامسة من ميثاق الناتو في حال وقعت مواجهة فعلية مع روسيا. يقول بيوتر كراوزيك، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البولندي: «موسكو اختبرت الناتو، لكنها كانت تستهدف واشنطن فعلياً»، مضيفاً أن «الرسالة كانت: هل ستدافع أميركا فعلاً عن أوروبا؟».

غموض ترمب يضعف الردع؟

ورغم تصريحات ترمب الإيجابية السابقة عن التزامه تجاه بولندا «أكثر من أي بلد آخر»، فإن تردده الحالي في إدانة روسيا يُضعف موقف الناتو في لحظة حرجة. وبينما يشيد ترمب ببولندا على إنفاقها الدفاعي المرتفع (4.7 في المائة من ناتجها المحلي)، يبدو غير مستعد لاتخاذ إجراءات قوية ضد الكرملين، خاصة بعد قمته الأخيرة مع بوتين في ألاسكا، والتي لم تسفر عن وقف إطلاق النار أو لقاء بين بوتين وزيلينسكي.

وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، أمام البرلمان: «نحن أقرب من أي وقت مضى إلى صراع مفتوح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية». كما حذّر مسؤولون في ليتوانيا وإستونيا من أن روسيا ستُصعّد الاستفزازات إذا لم تواجه رداً حاسماً من الناتو، مطالبين بنشر دفاعات جوية متقدمة على الحدود الشرقية، ليس فقط لحماية أوكرانيا، بل لضمان أمن أراضي الحلف.

ويقارن البعض ما قام به ترمب ضد إيران في الحرب الأخيرة، حين نفذ تهديداته واتخذ إجراءات ضد برنامجها النووي، لكنه لم يُظهر نفس الحزم ضد بوتين. ومع تصاعد الضغط الداخلي والخارجي، يجد ترمب نفسه أمام خيارات واضحة؛ إما توجيه رسالة قوة واضحة لروسيا من خلال عقوبات أو تحركات عسكرية رمزية (كزيادة تمركز القوات)، أو ترك الكونغرس ليتدخل بفرض عقوبات على روسيا.

ومع ذلك، ورغم وجود العديد من الإجراءات التي يمكنه اتخاذها دون الحرب، لكن من غير المتوقع أن يقوم بنشر المزيد من القوات في أوروبا، لكنه قد ينقل كتائب ومعدات إضافية موجودة بالفعل في القارة إلى بولندا كإظهار للدعم. وقد يُعلن الناتو استعداده لإسقاط الطائرات المسيرة فوق المجال الجوي الأوكراني إذا بدا أنها متجهة إلى أراضي أي دولة عضو. أما الاستمرار في سياسة الغموض، فقد يُفسّرها الكرملين على أنها دعوة مفتوحة لمزيد من التصعيد.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

أوروبا جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لتزويد أوكرانيا بأسلحة أميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز) p-circle

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

جنّد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وأجهزة استخبارات روسية أخرى آلاف الأوكرانيين للتجسس على بلادهم... 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

موسكو مستعدة لتقديم تنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا... والبرلمان الأوروبي يوافق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لمساعدة أوكرانيا

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة جوية لناقلة نفط تنتمي لأسطول الظل الروسي قبالة سواحل ميناء سان نازير غرب فرنسا 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الدنمارك تعلن عن عبور يومي ﻟ«أسطول الظل الروسي» في مياهها الإقليمية

قالت الدنمارك إن ناقلات تابعة لـ«أسطول الظل الروسي»، الذي يتحايل على العقوبات الأوروبية، عبرت المياه الدنماركية بمعدل ناقلة واحدة تقريباً يومياً خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا صورة ملتقطة في 5 فبراير 2026 في العاصمة الأوكرانية كييف تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

زيلينسكي: لا انتخابات قبل الضمانات الأمنية ووقف النار

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، أن أوكرانيا لن تجري انتخابات إلا بعد ضمانات أمنية ووقف إطلاق نار مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لمبادرة «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» لتزويد كييف بأسلحة أميركية.

وتأسست المبادرة في الصيف الماضي لضمان تدفق الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا في وقت توقفت فيه المساعدات العسكرية الأميركية الجديدة.

وقال هيلي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «يسعدني أن أؤكد أن المملكة المتحدة تلتزم بتقديم 150 مليون جنيه إسترليني لمبادرة قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية».

وأضاف: «يجب أن نوفر معاً لأوكرانيا الدفاع الجوي الضروري الذي تحتاجه رداً على هجوم بوتين الوحشي»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتسمح المبادرة للحلفاء بتمويل شراء أنظمة الدفاع الجوي الأميركية وغيرها من المعدات الحيوية لكييف.

وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر، الثلاثاء، إن الحلفاء قدّموا بالفعل أكثر من 4.5 مليار دولار من خلال البرنامج.


لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
TT

لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)

بعد ظهر يوم 19 يوليو (تموز) 2024 بقليل، وصلت هريستينا غاركافينكو، وهي ابنة قس تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى كنيسة في مدينة بوكروفسك بشرق أوكرانيا. ورغم تدينها، فإنها لم تكن هناك من أجل الصلاة.

وبحكم معرفتها بالمبنى بحكم عمل والدها فيه، صعدت الشابة إلى الطابق الثاني ودخلت إحدى الغرف. هناك، وفي نافذة محجوبة بستائر، وضعت هاتفها المحمول ككاميرا للبث المباشر، موجهة إياه نحو طريق تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة من وإلى خطوط المواجهة في الشرق. وأُرسل البث مباشرة إلى المخابرات الروسية، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ولم تكن هذه هي المهمة الوحيدة التي نفذتها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية، وفقاً لما ذكره المدعون الأوكرانيون. فقد تواصلت طوال ذلك العام مع أحد العملاء الروس، ناقلة له معلومات حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، وهي مدينة استراتيجية مهمة.

واحدة من آلاف

وتُعدّ غاركافينكو، التي تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فقد فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ أن شنّت روسيا غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022، وأُدين أكثر من 1200 شخص بالخيانة وصدرت بحقهم أحكام.

وفي المتوسط، يواجه المدانون عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد.

وقد تواصلت شبكة «سي إن إن» مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي رفض التعليق.

وصرّح أندري ياكوفليف، المحامي الأوكراني والخبير في القانون الدولي الإنساني، لشبكة «سي إن إن» بأن كييف «تضمن تهيئة الظروف اللازمة لمحاكمة عادلة»، وأن محاكم البلاد، بشكل عام، تحترم الإجراءات القانونية الواجبة. وأضاف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا إذا توفرت لديها أدلة كافية، ولا تلجأ إلى أي ذريعة للحصول على إدانة.

أكثر أنواع الخيانة شيوعاً

ووفق جهاز الأمن الأوكراني، يعد تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو «أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب».

وجاء في بيان لجهاز الأمن الأوكراني أنه «في مناطق خطوط القتال الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية».

لماذا يوافق الأوكرانيون على التجسس؟

وفق «سي إن إن»، تتنوع فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا. وبينما ينطلق بعضهم من دوافع آيديولوجية، فإن هذه الفئة آخذة في التضاؤل، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للأغلبية، فالمال هو الدافع الرئيسي.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن عملاء الاستخبارات الروسية يجندون في المقام الأول الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من إدمانات مختلفة، كالمخدرات أو الكحول أو القمار.

وقال ضابط مكافحة تجسس في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة «سي إن إن» إن قنوات منصة «تلغرام» تُعدّ حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً. وأوضح أن الروس «ينشرون إعلاناتٍ تُقدّم ربحاً سريعاً وسهلاً. ثم يُسنِدون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية، كشراء القهوة، وتصوير إيصال في مقهى.

مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. ولاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية، كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك».

وأشار الضابط الأوكراني إلى أنه إذا رفض الشخص التعاون في مرحلة معينة، يلجأ العملاء الروس إلى الابتزاز، مهددين بتسليم المراسلات السابقة إلى جهاز الأمن الأوكراني. وأكد: «عندها، لا سبيل للتراجع».


نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
TT

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

أظهرت نتائج تشريح اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء أن معظم المهاجرين الأفغان البالغ عددهم 15، الذين لقوا حتفهم قبالة جزيرة خيوس اليونانية الأسبوع الماضي عندما اصطدم قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل، ماتوا متأثرين بجروح في الرأس، وليس نتيجة الغرق.

وفتح تحقيق جنائي في حادث التصادم الذي وقع في الثالث من فبراير (شباط)، وهو أحد أكثر حوادث المهاجرين دموية في اليونان منذ سنوات، حيث اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل بزورق مطاطي كان يحمل نحو 39 شخصاً، ما تسبب في انقلابه.

وقال خفر السواحل إن زورق المهاجرين كان يسير دون أضواء ملاحة وتجاهل تحذيرات التوقف. وأضاف أن القارب المطاطي غيّر مساره فجأة واصطدم بسفينة الدورية، ما أدى إلى سقوط الركاب في البحر.

لكن شهادات خمسة ناجين، اطلعت عليها «رويترز»، تتعارض مع الرواية الرسمية. وقالوا إن خفر السواحل لم يصدر أي تحذير مسبق، وإن الزورق المطاطي لم يغيّر مساره. وفي وقت لاحق، عثر غواصون على جثث داخل القارب.

ومن المرجح أن تتيح نتائج التشريح نظرة أكثر حدة لدى المحققين فيما يتعلق بقوة الاصطدام وطبيعته.

ونصت إحدى الوثائق القضائية التي اطلعت عليها «رويترز»، الأربعاء، على أن «سبب الوفاة إصابات خطيرة في الجمجمة والدماغ»، بينما أشارت وثائق أخرى إلى إصابات مصاحبة في الصدر.

وقالت وثيقة أخرى: «إصابات في الجمجمة والدماغ ثم الغرق».

وأظهرت صور خفر السواحل التي التقطت بعد الاصطدام خدوشاً طفيفة على سفينتها. وأصيب في الحادث ثلاثة من أفراد طاقم خفر السواحل و24 مهاجراً.