بكين تخفف من انكماش أسعار المنتجين وسط جهود لكبح المنافسة الصناعية

ارتفاع أسهم هونغ كونغ والصين وتراجع حاد لسندات الخزانة

متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

بكين تخفف من انكماش أسعار المنتجين وسط جهود لكبح المنافسة الصناعية

متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

تراجع انكماش أسعار المنتجين بالصين في أغسطس (آب) الماضي، ما يشير إلى أن جهود بكين للحد من المنافسة المفرطة وخفض الأسعار في القطاعات الصناعية الرئيسية بدأت تؤتي ثمارها، على الرغم من أن المحللين يقولون إن المصنِّعين ما زالوا بعيدين بعض الشيء عن دورة إنعاش اقتصادي.

وأظهرت البيانات الصادرة من المكتب الوطني للإحصاء، يوم الأربعاء، أيضاً، انخفاض أسعار المستهلك بأسرع وتيرة في 6 أشهر، ما يعكس تقلبات أسعار المواد الغذائية، ولكن المؤشر الأساسي ارتفع إلى أعلى مستوى له في عامين ونصف عام.

وانخفض مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي في أغسطس، متراجعاً عن انخفاض بنسبة 3.6 في المائة في الشهر السابق. وكان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا انخفاضاً بنسبة 2.9 في المائة.

وقال شو تيانشن، كبير الاقتصاديين في وحدة «إيكونوميست إنتليجينس»: «بدأت آثار (التراجع الاقتصادي) الذي بدأ في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) تظهر». وأضاف شو: «لكن استمرار دورة النمو لا يزال بعيداً بعض الشيء بالنسبة للصين»؛ مشيراً إلى القيود المؤلمة المفروضة على الطاقة الإنتاجية، والتي لم تطبقها الشركات كاملة بعد، وإلى التباطؤ الاقتصادي العالمي.

ويأتي تخفيف انكماش أسعار المصانع بعد أن كثَّفت السلطات مؤخراً دعواتها للقطاعات الرئيسية للحد من المنافسة الشرسة. على سبيل المثال، أثَّرت حرب الأسعار المطولة في قطاع السيارات على المؤشرات المالية لشركات صناعة السيارات الكبرى.

واستمر انخفاض أسعار المنتجين في الصين لما يقرب من 3 سنوات، ما أضرَّ بأرباح الشركات المصنِّعة التي تواجه أيضاً ضعف ثقة المستهلك، وعدم اليقين الناجم عن السياسات التجارية الأميركية. وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة في وقت سابق من هذا الأسبوع تباطؤ نمو الصادرات الصينية إلى أدنى مستوى له في 6 أشهر في أغسطس، مع تلاشي الدعم القصير الذي أعقب هدنة التعريفات الجمركية مع الولايات المتحدة.

• تحسن في القراءات

وقال محللو «مورغان ستانلي» في مذكرة: «شهدت قراءة التضخم لشهر أغسطس تحسناً طفيفاً، مدفوعاً بانخفاض أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع أسعار النفط. ولا تزال الأسعار خارج نطاق الدعم السياسي منخفضة». وانخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.4 في المائة الشهر الماضي مقارنة بالعام السابق، وفقاً لبيانات المكتب الوطني للإحصاء، وهو انخفاض أسوأ من توقعات استطلاع «رويترز» بانخفاض بنسبة 0.2 في المائة.

وقال زيتشون هوانغ، الخبير الاقتصادي الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»، إن العودة إلى المنطقة السلبية «تعكس تقلُّب أسعار المواد الغذائية». وانخفضت أسعار المواد الغذائية بنسبة 4.3 في المائة، مقارنة بانخفاض بنسبة 1.6 في المائة في الشهر السابق. وأثَّر ضَعف الطلب الاستهلاكي على النمو الاقتصادي الصيني، مع استمرار تباطؤ سوق العقارات وضغط الرسوم الجمركية الأميركية على الصادرات.

وعلى أساس شهري، استقر مؤشر أسعار المستهلك مقابل زيادة بنسبة 0.4 في المائة في يوليو، وهو معدل أبطأ من توقعات الاقتصاديين بارتفاع بنسبة 0.1 في المائة. وارتفع التضخم الأساسي الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والوقود المتقلبة، بنسبة 0.9 في المائة في أغسطس مقارنة بالعام السابق، متسارعاً من ارتفاعه بنسبة 0.8 في المائة في يوليو، مسجلاً أعلى معدل له منذ فبراير (شباط) 2023. وقال شو: «يبدو أن تحفيز الطلب لعب دوراً في دعم الأسعار، حتى لو كان لا يزال بعيداً عن هدف التضخم الذي وضعته الصين».

وتعهد صانعو السياسات مراراً وتكراراً بتعزيز الاستهلاك، وفي أغسطس، أطلقوا برامج لدعم الفائدة للمقترضين الأفراد من قروض المستهلكين، بالإضافة إلى الشركات في 8 قطاعات لخدمات المستهلكين، بما في ذلك المطاعم والسياحة، في محاولة لتحفيز الاقتراض والإنفاق.

• ارتفاع الأسهم

وفي الأسواق، واصلت أسهم هونغ كونغ مكاسبها يوم الأربعاء، بينما ارتفعت الأسهم الصينية بشكل طفيف، مدعومة بمؤشرات مشجعة من بيانات التضخم وقوة أسهم التكنولوجيا. ومع استراحة منتصف النهار، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» القياسي في هونغ كونغ بنسبة 1.19 في المائة ليصل إلى 26.246.13 نقطة، متجهاً نحو أعلى مستوى إغلاق له منذ سبتمبر (أيلول) 2021.

وقفزت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة المدرجة في هونغ كونغ بنسبة 1.8 في المائة، كما ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.22 في المائة، بينما ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.17 في المائة.

وقادت أسهم التكنولوجيا المكاسب بفضل تفاؤل المستثمرين بشأن عائدات الذكاء الاصطناعي المستقبلية؛ حيث ارتفعت أسهم «أوراكل» في الولايات المتحدة بعد الإغلاق، بفضل قوة طلبات الحوسبة السحابية. وفي هونغ كونغ، قفزت أسهم «جيه دي كوم»، ذات الثقل في المؤشر، بأكثر من 4 في المائة، و«بايدو» بنسبة 3.8 في المائة، بينما تقدمت أسهم «علي بابا» بنسبة 2.1 في المائة.

وعلى صعيد الأسهم الصينية من «الفئة أ»، تفوقت أسهم أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية على غيرها من الأسهم، بعد أن أعلنت «سيتي غروب» عن توقعات إيجابية لشركات الإرسال والاستقبال الرائدة في الصين. وقفزت أسهم «زونغجي إنولايت» بنسبة 7.8 في المائة. وارتفع مؤشرا خدمات الاتصالات الأوسع نطاقاً بأكثر من 3 في المائة.

• تراجع حاد لسندات الخزانة

ومن جانبها، انخفضت سندات الخزانة الصينية بشكل حاد يوم الأربعاء؛ حيث حفَّز انحسار انكماش أسعار المنتجين وانتعاش سوق الأسهم عمليات بيع. كما عزا المتداولون عمليات البيع إلى قواعد جديدة للصناديق، من شأنها أن تدفع المستثمرين إلى شراء صناديق الأسهم بدلاً من أدوات الدخل الثابت.

وانخفضت السندات بشكل عام؛ حيث عانت الديون طويلة الأجل من عمليات بيع مكثفة. وانخفضت العقود الآجلة لسندات الخزانة الصينية لأجل 30 عاماً بنسبة 0.9 في المائة، لتصل إلى أدنى مستوياتها في 4 أشهر، مواصلة أسابيع من الضعف مع انتهاء موجة ارتفاع أسعار السندات الصينية التي استمرت عامين.

كما شهدت أسواق السندات العالمية الرئيسية عمليات بيع مؤخراً، مدفوعة بمخاوف بشأن السلامة المالية للاقتصادات الكبرى، مثل اليابان والولايات المتحدة. ولكن المتداولين يقولون إن المنطق وراء إغراق السوق الصينية يختلف.

وقال هوانغ شيويفنغ، مدير بحوث الائتمان في شركة «شنغهاي أنفانغ برايفت فاند»: «تتدفق الأموال في الصين تدريجياً إلى الأسهم، من الودائع ومنتجات إدارة الثروات». وأضاف: «هناك إقبال ضعيف على الشراء في سوق السندات. لا نشهد سوى عمليات بيع واستنزاف للمال... هناك دلائل على تعافي الاقتصاد الصيني، ما يُغذي بهدوء توقعات إنعاش الاقتصاد، وهذا أمر سيئ للسندات».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

ذكرت الحكومة اليابانية أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد خلال الفصول القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن خلافات كبير لا تزال قائمة بين معظم الدول والولايات المتحدة والهند، فيما يخص مناقشة الإصلاحات بمنظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي (الكاميرون))
الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على أحد متاجرها في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«سوفت بنك» تحصل على قرض بـ40 مليار دولار لتعزيز استثماراتها في «أوبن إيه آي»

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» أنها حصلت على قرض مؤقت بقيمة 40 مليار دولار لدعم استثماراتها في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.