بكين تخفف من انكماش أسعار المنتجين وسط جهود لكبح المنافسة الصناعية

ارتفاع أسهم هونغ كونغ والصين وتراجع حاد لسندات الخزانة

متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

بكين تخفف من انكماش أسعار المنتجين وسط جهود لكبح المنافسة الصناعية

متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون خارج أحد المتاجر بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

تراجع انكماش أسعار المنتجين بالصين في أغسطس (آب) الماضي، ما يشير إلى أن جهود بكين للحد من المنافسة المفرطة وخفض الأسعار في القطاعات الصناعية الرئيسية بدأت تؤتي ثمارها، على الرغم من أن المحللين يقولون إن المصنِّعين ما زالوا بعيدين بعض الشيء عن دورة إنعاش اقتصادي.

وأظهرت البيانات الصادرة من المكتب الوطني للإحصاء، يوم الأربعاء، أيضاً، انخفاض أسعار المستهلك بأسرع وتيرة في 6 أشهر، ما يعكس تقلبات أسعار المواد الغذائية، ولكن المؤشر الأساسي ارتفع إلى أعلى مستوى له في عامين ونصف عام.

وانخفض مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي في أغسطس، متراجعاً عن انخفاض بنسبة 3.6 في المائة في الشهر السابق. وكان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا انخفاضاً بنسبة 2.9 في المائة.

وقال شو تيانشن، كبير الاقتصاديين في وحدة «إيكونوميست إنتليجينس»: «بدأت آثار (التراجع الاقتصادي) الذي بدأ في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) تظهر». وأضاف شو: «لكن استمرار دورة النمو لا يزال بعيداً بعض الشيء بالنسبة للصين»؛ مشيراً إلى القيود المؤلمة المفروضة على الطاقة الإنتاجية، والتي لم تطبقها الشركات كاملة بعد، وإلى التباطؤ الاقتصادي العالمي.

ويأتي تخفيف انكماش أسعار المصانع بعد أن كثَّفت السلطات مؤخراً دعواتها للقطاعات الرئيسية للحد من المنافسة الشرسة. على سبيل المثال، أثَّرت حرب الأسعار المطولة في قطاع السيارات على المؤشرات المالية لشركات صناعة السيارات الكبرى.

واستمر انخفاض أسعار المنتجين في الصين لما يقرب من 3 سنوات، ما أضرَّ بأرباح الشركات المصنِّعة التي تواجه أيضاً ضعف ثقة المستهلك، وعدم اليقين الناجم عن السياسات التجارية الأميركية. وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة في وقت سابق من هذا الأسبوع تباطؤ نمو الصادرات الصينية إلى أدنى مستوى له في 6 أشهر في أغسطس، مع تلاشي الدعم القصير الذي أعقب هدنة التعريفات الجمركية مع الولايات المتحدة.

• تحسن في القراءات

وقال محللو «مورغان ستانلي» في مذكرة: «شهدت قراءة التضخم لشهر أغسطس تحسناً طفيفاً، مدفوعاً بانخفاض أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع أسعار النفط. ولا تزال الأسعار خارج نطاق الدعم السياسي منخفضة». وانخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.4 في المائة الشهر الماضي مقارنة بالعام السابق، وفقاً لبيانات المكتب الوطني للإحصاء، وهو انخفاض أسوأ من توقعات استطلاع «رويترز» بانخفاض بنسبة 0.2 في المائة.

وقال زيتشون هوانغ، الخبير الاقتصادي الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»، إن العودة إلى المنطقة السلبية «تعكس تقلُّب أسعار المواد الغذائية». وانخفضت أسعار المواد الغذائية بنسبة 4.3 في المائة، مقارنة بانخفاض بنسبة 1.6 في المائة في الشهر السابق. وأثَّر ضَعف الطلب الاستهلاكي على النمو الاقتصادي الصيني، مع استمرار تباطؤ سوق العقارات وضغط الرسوم الجمركية الأميركية على الصادرات.

وعلى أساس شهري، استقر مؤشر أسعار المستهلك مقابل زيادة بنسبة 0.4 في المائة في يوليو، وهو معدل أبطأ من توقعات الاقتصاديين بارتفاع بنسبة 0.1 في المائة. وارتفع التضخم الأساسي الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والوقود المتقلبة، بنسبة 0.9 في المائة في أغسطس مقارنة بالعام السابق، متسارعاً من ارتفاعه بنسبة 0.8 في المائة في يوليو، مسجلاً أعلى معدل له منذ فبراير (شباط) 2023. وقال شو: «يبدو أن تحفيز الطلب لعب دوراً في دعم الأسعار، حتى لو كان لا يزال بعيداً عن هدف التضخم الذي وضعته الصين».

وتعهد صانعو السياسات مراراً وتكراراً بتعزيز الاستهلاك، وفي أغسطس، أطلقوا برامج لدعم الفائدة للمقترضين الأفراد من قروض المستهلكين، بالإضافة إلى الشركات في 8 قطاعات لخدمات المستهلكين، بما في ذلك المطاعم والسياحة، في محاولة لتحفيز الاقتراض والإنفاق.

• ارتفاع الأسهم

وفي الأسواق، واصلت أسهم هونغ كونغ مكاسبها يوم الأربعاء، بينما ارتفعت الأسهم الصينية بشكل طفيف، مدعومة بمؤشرات مشجعة من بيانات التضخم وقوة أسهم التكنولوجيا. ومع استراحة منتصف النهار، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» القياسي في هونغ كونغ بنسبة 1.19 في المائة ليصل إلى 26.246.13 نقطة، متجهاً نحو أعلى مستوى إغلاق له منذ سبتمبر (أيلول) 2021.

وقفزت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة المدرجة في هونغ كونغ بنسبة 1.8 في المائة، كما ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.22 في المائة، بينما ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.17 في المائة.

وقادت أسهم التكنولوجيا المكاسب بفضل تفاؤل المستثمرين بشأن عائدات الذكاء الاصطناعي المستقبلية؛ حيث ارتفعت أسهم «أوراكل» في الولايات المتحدة بعد الإغلاق، بفضل قوة طلبات الحوسبة السحابية. وفي هونغ كونغ، قفزت أسهم «جيه دي كوم»، ذات الثقل في المؤشر، بأكثر من 4 في المائة، و«بايدو» بنسبة 3.8 في المائة، بينما تقدمت أسهم «علي بابا» بنسبة 2.1 في المائة.

وعلى صعيد الأسهم الصينية من «الفئة أ»، تفوقت أسهم أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية على غيرها من الأسهم، بعد أن أعلنت «سيتي غروب» عن توقعات إيجابية لشركات الإرسال والاستقبال الرائدة في الصين. وقفزت أسهم «زونغجي إنولايت» بنسبة 7.8 في المائة. وارتفع مؤشرا خدمات الاتصالات الأوسع نطاقاً بأكثر من 3 في المائة.

• تراجع حاد لسندات الخزانة

ومن جانبها، انخفضت سندات الخزانة الصينية بشكل حاد يوم الأربعاء؛ حيث حفَّز انحسار انكماش أسعار المنتجين وانتعاش سوق الأسهم عمليات بيع. كما عزا المتداولون عمليات البيع إلى قواعد جديدة للصناديق، من شأنها أن تدفع المستثمرين إلى شراء صناديق الأسهم بدلاً من أدوات الدخل الثابت.

وانخفضت السندات بشكل عام؛ حيث عانت الديون طويلة الأجل من عمليات بيع مكثفة. وانخفضت العقود الآجلة لسندات الخزانة الصينية لأجل 30 عاماً بنسبة 0.9 في المائة، لتصل إلى أدنى مستوياتها في 4 أشهر، مواصلة أسابيع من الضعف مع انتهاء موجة ارتفاع أسعار السندات الصينية التي استمرت عامين.

كما شهدت أسواق السندات العالمية الرئيسية عمليات بيع مؤخراً، مدفوعة بمخاوف بشأن السلامة المالية للاقتصادات الكبرى، مثل اليابان والولايات المتحدة. ولكن المتداولين يقولون إن المنطق وراء إغراق السوق الصينية يختلف.

وقال هوانغ شيويفنغ، مدير بحوث الائتمان في شركة «شنغهاي أنفانغ برايفت فاند»: «تتدفق الأموال في الصين تدريجياً إلى الأسهم، من الودائع ومنتجات إدارة الثروات». وأضاف: «هناك إقبال ضعيف على الشراء في سوق السندات. لا نشهد سوى عمليات بيع واستنزاف للمال... هناك دلائل على تعافي الاقتصاد الصيني، ما يُغذي بهدوء توقعات إنعاش الاقتصاد، وهذا أمر سيئ للسندات».


مقالات ذات صلة

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)

ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

بلغت التكلفة الاقتصادية لسلسلة الأزمات التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية قرابة تريليون يورو (1.18 تريليون دولار)، حسب تقديرات معهد الاقتصاد الألماني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيك توك» يظهر على هاتف ذكي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يطالب «تيك توك» بتغيير «تصميمه الإدماني»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الجمعة، أنه أبلغ «تيك توك» بضرورة تغيير تصميمه «الإدماني» وإلا فسيواجه غرامات باهظة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
TT

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)

ارتفع سهم شركة «ناس» السعودية للطيران بنسبة ​5.7 في المائة ليسجل 64.45 ريال للسهم بعد أن أعلنت الشركة عن مشروع مشترك مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري لإنشاء ‌شركة طيران ‌جديدة باسم «ناس ⁠سوريا».

وقالت ​الشركة ‌إن الجانب السوري سيمتلك 51 في المائة من المشروع المشترك وستمتلك «طيران ناس» 49 في المائة، ومن المقرر أن تبدأ العمليات في ⁠الربع الرابع من 2026.

وأعلنت السعودية السبت حزمة استثمار ضخمة في سوريا في قطاعات الطاقة والطيران والعقارات والاتصالات، وذلك في ظل تحرك المملكة لتكون داعماً رئيسياً للقيادة ​السورية الجديدة.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن توصية ⁠محللين في المتوسط للسهم هي «شراء» مع متوسط سعر مستهدف للسهم يبلغ 79 ريالاً.

وحقق السهم بذلك أكبر نسبة صعود بين الأسهم المدرجة على المؤشر السعودي الذي ارتفع 0.8 في المائة ‌اليوم الأحد.


محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأوضح خلال كلمته في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، الأحد، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في العديد من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية، لافتاً إلى أن تقييمات أسهم قطاع التكنولوجيا، ولا سيما المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لعبت دوراً مهماً في ذلك.

وأشار إلى أن ظروف الأسواق كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير، معتبراً أن عدم حدوث ذلك يعكس عدة عوامل من بينها أن الأسواق أصبحت أكثر حذراً في ردود فعلها وأن بعض إعلانات التحولات في السياسات لم تنفذ بالكامل، كما أُعلن عنها، فضلاً عن تردد الأسواق في تسعير المخاطر الجيوسياسية عندما تكون بعض أصول الملاذ الآمن التقليدية قريبة من بؤر هذه المخاطر نفسها.

وأضاف أن هناك أيضاً ميلاً لدى الأسواق للاعتقاد بأن «هذه المرة مختلفة»، مدفوعاً بتوقعات فوائد الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، حذَّر من مخاطر الاطمئنان المفرط، مشيراً إلى أن أحدث تقييم للمخاطر في الاقتصاد العالمي يظهر أنها تميل إلى الجانب السلبي، معدداً أربعة مصادر رئيسية لهذه المخاطر: احتمال تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتعطل التوازن الهش في سياسات التجارة، وظهور هشاشة مالية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب احتمال خيبة الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتطرق بيلي إلى الخلفية الهيكلية للاقتصاد العالمي، موضحاً أن الصدمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة كانت أكبر بكثير من تلك التي أعقبت الأزمة المالية العالمية وأن معظمها جاء من جانب العرض، وهو ما يصعب على الأطر الاقتصادية التقليدية التعامل معه.

ولفت إلى تراجع معدلات النمو المحتمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية نتيجة ضعف نمو الإنتاجية.

وأضاف أن شيخوخة السكان وتراجع معدلات الإحلال في العديد من الدول يضغطان على النمو الاقتصادي والأوضاع المالية العامة، محذراً من أن هذه القضية رغم تداولها منذ سنوات لم تحظَ بعد بالاهتمام الكافي في النقاشات العامة.

كما نبَّه إلى أن تراجع الانفتاح التجاري ستكون له آثار سلبية على النمو، لا سيما في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، أبان أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

وتطرق إلى التحولات الكبيرة في أسواق السندات الحكومية وصعود أسواق الأصول الخاصة وابتكارات تهدف إلى توسيع نطاق النقود في القطاع الخاص.

وعن الإنتاجية، رجح بيلي أن يكون الذكاء الاصطناعي والروبوتات «التكنولوجيا العامة التالية» القادرة على دفع النمو، معرباً عن تفاؤله الواقعي بإمكاناتهما، لكنه شدَّد على أن أثر هذه الابتكارات يحتاج وقتاً للظهور كما حدث سابقاً مع الكهرباء وتقنيات المعلومات.

وأضاف أن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل قد يأتي عبر أربعة مسارات: تعزيز الإنتاجية، وإحلال بعض الوظائف، وخلق مهام جديدة، وإعادة توزيع الوظائف بين القطاعات، مؤكداً أن النتيجة النهائية لا تزال غير مؤكدة.

وأكد أهمية التعليم والتدريب على المهارات، داعياً إلى تجنب الاستنتاجات المبسطة بشأن آثار الذكاء الاصطناعي على التوظيف.


الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، والتي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

وأوضح الجدعان، خلال كلمته الافتتاحية في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» بنسخة الثانية الذي عُقد في العلا، الأحد، أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في مجموعة العشرين تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

وأشار الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

وفي ختام كلمته، حثَّ المشاركين في المؤتمر على الصراحة والتركيز على الحلول العملية والخبرات الميدانية بدلاً من الأطر النظرية؛ بهدف صياغة خريطة طريق تساعد الأسواق الناشئة على التكيُّف مع المشهد العالمي المتغير بسرعة، بما يخدم الصالح العام.

وتحتضن محافظة العلا السعودية، النسخة الثانية من «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026»، بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي وبمشاركة رفيعة المستوى من صناع القرار الاقتصادي، ووزارة المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

جانب من المعرض المصاحب للمؤتمر (الشرق الأوسط)

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظلِّ مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وازدياد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزِّز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويهدف المؤتمر إلى الإسهام في تشكيل أجندة السياسات الاقتصادية لاقتصادات الأسواق الناشئة بما يدعم تحقيق النمو والازدهار، ويعزِّز في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي العالمي، من خلال توفير منصة دولية رفيعة المستوى لتبادل الرؤى، ومناقشة السياسات، واستعراض التجارب والخبرات ذات الصلة.

ويُعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان «السياسات في ظل إعادة ضبط أنظمة التجارة والمالية الدولية»، إذ يسلّط الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من تحديات وفرص أمام اقتصادات الأسواق الناشئة، خصوصاً في مجالات التجارة الدولية، والأنظمة النقدية والمالية، والسياسات الاقتصادية الكلية.

ويركّز برنامج المؤتمر على عدد من القضايا والسياسات ذات الأولوية، من أبرزها إعادة تشكيل التجارة العالمية في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، وديناميكيات النظام النقدي والمالي الدولي، إضافة إلى التحديات التي تواجه السياسة النقدية في بيئة تتسم بعدم اليقين والتحولات الهيكلية.

كما يناقش المؤتمر مرونة السياسات المالية وأطرها في عالم يتسم بتكرار الصدمات الاقتصادية، ودور السياسات العامة في تعزيز القدرة على الصمود، إلى جانب بحث سبل تحفيز النمو بقيادة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتحقيق التوازن بين دور الدولة وتمكين القطاع الخاص في اقتصادات الأسواق الناشئة.

ويُختتم المؤتمر بنقاشات تركز على تعزيز صمود اقتصادات الأسواق الناشئة والتحول الاقتصادي، واستعراض أبرز الدروس المستفادة، والخطوات المستقبلية لدعم التعاون الدولي، وتنسيق السياسات، وبناء حلول عملية تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

ويُتوقع أن يسهم مؤتمر العلا في رفع مستوى الوعي الدولي بقضايا اقتصادات الأسواق الناشئة، وتسليط الضوء على دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، وتعزيز حضور هذه القضايا في الأجندة الاقتصادية والإعلامية الدولية، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولية واستدامة على المدى الطويل.