«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

عُرض ضمن فعاليات الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفنون

المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»، الذي عرض للمرة الأولي في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، بداية هذا العام، بعد فوز تحالف مكون من «استوديو إيست للهندسة المعمارية»، وشركة الهندسة الدولية (AKT II)، والفنان ريان تابت.

عُرض تصميم «المصلى» خارج المسجد الكبير في بخارى، حيث مثّلت القباب الزرقاء للمسجد الكبير خلفية بصرية رائعة للتصميم القادم من قلب المملكة العربية السعودية.

ويجب القول إن الجوار المدهش بين تصميم المسجد الأثري وباحاته القادمة من القرن السادس عشر، وتصميم حديث مصنوع من بقايا النخيل، بفكرة مستوحاة من تقاليد حياكة النسيج، خلق حواراً بصريّاً فائقاً، وفتح أبواباً للحديث والتأمل والمقارنة، وأيضاً للسباحة في ذلك الفضاء المشترك بينها.

فن استخدام المساحات المفتوحة

في داخل المصلى التقينا نقولا فياض، المؤسس الشريك في «استوديو إيست للهندسة المعمارية»، وكريستوفر بلاست، مدير التصميم في «AKT II»، ودار الحديث حول تصميم «المصلى»، وفن التعامل مع الفضاءات المفتوحة واستغلالها لتكوين مساحات للعبادة واللقاء والتأمل.

في بداية الحديث، يقول فياض إن بناء «المصلى» يتأمل في مسألة استغلال الفضاءات المفتوحة، «ننظر إلى مساحة المسجد الكبير في بخارى، ونجد أنفسنا أمام تساؤل عن كيفية تفعيل المساحات المفتوحة في المدينة، ويأتي وضع (المصلى) بالقرب من المسجد الكبير، مثل نوع من تأطير الفكرة والتأمل في استخدام المساحات المتمثلة في الفناء الضخم داخل حدود المسجد العتيق والمساحات الأصغر حوله، نراها هنا أكثر من مجرد مساحة للصلاة، فالساحات تسمح بالتجمع واللقاء والتأمل».

المصلى في بخارى (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

فكرة المساحات المفتوحة المستخدمة للتجمع واللقاءات الاجتماعية تتجسد أيضاً في التصميم المعاصر لـ«المصلى»، وهو ما يشير إليه فياض بالقول: «كان الأمر دائماً يتعلق بفكرة الاجتماع، وتقريب الناس بعضهم من بعض، وخلق مساحات للعبادة والتأمل».

ومن موقع (المصلى)، خارج المسجد الكبير، لا يمكن لنا إغفال الحضور المهيب لذلك الصرح التاريخي وعمارته المتميزة وقبابه الزرقاء، كيف يرى المصممون ذلك التجاور بين مبنيين، تفصل بينهم قرون من التاريخ وأساليب التصميم والعمارة؟

يعلق بلاست قائلاً: «بما أن المبنيين يتوجهان إلى مكة، فذلك الجوار لم يأتِ مصادفة، فقد خلق اتجاه القبلة ذلك المنظر. أرى أن ذلك التقارب خلق منظراً مدهشاً».

حوار البناء والتصميم

يلتقط فياض الخيط قائلاً: «هناك أيضاً ذلك الحوار الذي يظهر بين الاثنين، لعل أول ما يخطر ببالي هو التكامل بين مبنيين يأتيان من خلفيتين مختلفتين، رغم ذلك عندما نمعن في النظر نشعر بأن المبنيين ليسا غريبين أحدهما عن الآخر. بشكل ما يتجانسان».

أسأله: «من وجهة نظر مصمم معماري؛ ما هي النقاط التي تجمع بين بناء من القرن الواحد والعشرين وبناء من القرن السادس عشر؟» يجيب فياض: «أعتقد أن هذه نقطة مهمة، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية البحث التي قمنا بها، والتي كان أساسها استغلال مساحة الفناء الداخلي في أماكن العبادة، التي أراها بمكانة العنصر الذي يجمع بين التصميمين، هناك تشابه نمطي وحوار قائم بينهما. فالفناء في المجتمعات الإسلامية كان يُستخدم للتجمعات، وأحياناً كقاعات دراسية، وتدور حوله مساحات أخرى، سواء أكانت ردهات أم قاعات للصلاة».

يضيف بلاست أنه استوحى تصميم «المصلى» أيضاً من طريقة البناء في جدة القديمة، «يجب أن نتذكر أن المواد المستخدمة في بناء (المصلى) هنا مستوحاة من تقنيات البناء الأصلية من جدة قبل 200 أو 300 عام، والمواد التي كانت تستخدم وقتها مثل الطين والحجر والخشب هي موجودة في هذا المبنى أيضاً».

استخدام المساحات المفتوحة والفناء من أهم مميزات المصلى (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

ويقول إن «أكثر الجوانب إثارة خلال العمل لتنفيذ (المصلى) كانت الرغبة في استخدام مادة لم تُستخدم من قبل في أي بناء. لذا، إن استخدام هذه المادة كمادة هيكلية هي سابقة عالمية تتجاوز حدودها. كان علينا القيام بشيء جريء، وأردنا ترك انطباع إيجابي، ونريد توعية الناس بهذا الأمر».

من جدة إلى بخارى

«المصلى» يحمل بصمة المكان القادم منه، ومع ذلك يخلق صلات مع المكان الذي يسافر إليه، كيف يرى المصممان ذلك؟

يرى فياض الصلات بين «المصلى» والجامع الكبير في بخارى، من الناحية الجغرافية أولاً، ثم من التاريخ الذي يجمع بينهما. ففي بخارى، تحتضن «المصلى» بيئةٌ جديدة وثيقة الصلة ببيئته الأصلية في جدة، حيث يجمعهما تاريخ عريق من الانفتاح على الأفكار والثقافات القريبة والبعيدة.

فقد جعل موقع جدة على البحر الأحمر من هذه المدينة الساحلية نقطة عبور للحجاج في طريقهم للمدينتين المقدستين؛ مكة المكرمة والمدينة المنورة، لأداء مناسك الحج والعمرة، ووجهةً للمسلمين من مختلف أنحاء العالم، ما أسهم في تشكيل وجهها الثقافي الفريد.

من جهة أخرى، شكّلت بخارى مركزاً للتعلّم واكتساب الخبرات على طول طريق الحرير، حيث كانت حاضنة للمعارف الدينية، والعلوم، والفنون، والعمارة، والتجارة لآلاف السنين.

المصلى في بخارى (واس)

يشير إلى عرض جزء من تصميم «المصلى» في فينيسيا، داخل مبنى أثري لدير سان غريغوريو في معرض بعنوان «عابر متجذّر»، أقيم بالتزامن مع الدورة التاسعة عشرة من المعرض الدولي للعمارة «بينالي البندقية»، وهو ما أبرز مرونة التصميم، وقابليته للتفكيك وإعادة التركيب والاستخدام المتكرر.

يرى فياض أن العرض في فينيسيا كان مثل «محادثة جميلة بين مبنى يعود لعصر النهضة أو بعد ذلك، استضاف في فنائه قطعة من المملكة العربية السعودية. كان الحوار شيقاً للغاية بين هذين العنصرين».

ما يلفت النظر ويأسر الزائر لـ«المصلى» هو رؤية تفاعل خيوط الضوء المتسللة من الخارج عبر الفراغات في البناء، ما يأخذنا لتوظيف الضوء ضمن عناصر تصميم «المصلى».

يقول فياض إن طريقة ترشيح الجناح للضوء كانت بالغة الأهمية، ويضيف: «يمكننا ملاحظة وجود مستوى من التعتيم والشفافية، يتجلى من الأسفل إلى الأعلى، لذا هناك هذا التدرج اللوني المتعمد، ففي أسفل التصميم يعمل التعتيم على خلق حالة من الخصوصية، وهو أمر مهم في المسجد، حيث يتمتع الزائر والمتعبد بقدر من الخصوصية، بسبب الضوء الخافت، ولكن بالصعود لأعلى المبنى يعم الضوء على نحو أكبر، ويمنح الزائر شعوراً بالانفتاح.

كان الأمر في الواقع تفاعلاً بين درجات الضوء، ولكن الشعور عندما تسطع الشمس على الفناء الداخلي يشعر الزائر بأنه يقف في ظل نخلة باسقة».

المحطة المقبلة لـ«المصلى»

بعد فينيسيا وبخارى، ما هي المحطة المقبلة لـ«المصلى»؟ يجيب فياض: «لا نعرف حتى الآن، ولكن هناك خطة لنقل الجناح، ولتوسيع إرثه وقصته، ولإتاحة الفرصة لمجتمعات مختلفة لتجربته؛ كيف سيكون ردّ فعل الجناح؟ كيف يتفاعل الجناح، ليس مع السياقات المختلفة فقط، بل مع الممارسات المختلفة أيضاً؟ هو أمر مثير للاهتمام برأيي».


مقالات ذات صلة

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

يوميات الشرق جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

في معرضه الأحدث «ألعاب الحظ» يستدعي الفنان التشكيلي المصري وليد قانوش حكايات وأساطير ومشاهد مستدعاة من الخيال.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «صهر الذاكرة» (نور الرياض)

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم؟

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».


حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
TT

حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)

بوابة مغلقة، عبارة ناقصة، وفأر صغير يحاول فتح قفل بحرف من كلمة مفقودة... بهذه التفاصيل البسيطة، التي تحمل أكثر مما تبدو عليه، يعود الفنان البريطاني بانكسي إلى واحدة من أكثر القضايا التي قسمت البريطانيين: «بريكست».

ويستعد عمله «Keep Ou T»، الذي أنجزه عام 2019، لدخول المزاد في لندن الشهر المقبل، ضمن مزاد «فيليبس» للفن الحديث والمعاصر، وسط تقديرات بأن يتراوح سعره بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني.

يُعرض عمل الفنان بانكسي الفني بعنوان«Keep Out» -والذي يُقدَّر أن يُباع بسعر يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.6 إلى 2.4 مليون دولار أميركي) (أ.ب)

ويبدو أن بانكسي لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. فقد كتب على بوابة معدنية قديمة عبارة «KEEP OUT»، أي «ابقوا خارجاً»، لكنه تعمّد ترك حرف T منفصلاً عن بقية الكلمة. أما الحرف نفسه، فإنه يظهر في يد أحد فئران بانكسي الشهيرة، الذي يحاول استخدامه لكسر القفل أسفل البوابة.

وليس اختيار البوابة اعتباطياً. فقد كانت في الأصل جزءاً من بوابة وصول المسافرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي في مطار هيثرو. وبعد أن أصبحت جزءاً من الماضي، أعاد بانكسي تقديمها في عمل فني يحوّلها من مجرد بوابة عبور إلى رمز لحدود أُغلقت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقاً لموقع «يورونيوز».

وربما تكمن الطرافة في أن الفأر، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في عالم بانكسي، لا يقف هذه المرة متفرجاً أمام الحاجز. إنه يحاول فتحه. أما الأداة التي يستخدمها فهي الحرف الذي ينقص كلمة «خارجاً»، في لعبة بصرية بسيطة تختصر كثيراً من الجدل الذي رافق «بريكست».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها بانكسي موقفه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل عمل فني. ففي مايو (أيار) 2017، رسم في مدينة دوفر الساحلية جدارية ضخمة تظهر عاملاً يقف على سلم، مستخدماً مطرقة وإزميلاً لإزالة إحدى النجوم الذهبية من علم الاتحاد الأوروبي.

وفي عمل آخر بعنوان «Vote To Love» عام 2018، استخدم الفنان بالوناً على شكل قلب فوق لافتة لحملة «Vote Leave»، في معالجة ساخرة أخرى لقضية الانفصال عن أوروبا.

حتى سعر ذلك العمل حمل رسالة ساخرة. فقد وضع بانكسي رقماً افتراضياً بلغ 350 مليون جنيه إسترليني، في إشارة إلى الرقم الذي اشتهرت به حافلة حملة «مغادرة الاتحاد الأوروبي» خلال الاستفتاء البريطاني، والتي روجت لفكرة استخدام 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً لتمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد الخروج من الاتحاد.

وكان الرقم موضع انتقادات وتشكيك واسع، بما في ذلك من هيئة الإحصاءات البريطانية، ومعهد الدراسات المالية.

أما «Keep Ou T»، فيبدو أكثر هدوءاً في رسالته، لكنه لا يقل وضوحاً. فبدلاً من خطاب سياسي طويل، هناك بوابة كانت مخصصة لاستقبال القادمين من أوروبا، وعبارة تقول لهم: «ابقوا خارجاً»، وفأر صغير لا يبدو مستعداً للاستسلام بسهولة أمام القفل.


«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
TT

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة وشاقة؛ إذ تصنع من تجربة فردية مساحة تتسع لأصوات كثيرة، من دون أن تفقد الحكاية خصوصيتها.

وعلى مدار ساعة تقريباً، تبدو تهاني سليم وكأنها تجمع شظايا تجربة أكبر منها، فتتنقل بين السرد والأداء والحركة والتفاعل مع الصورة، بينما تتشكل أمامها حكاية امرأة فلسطينية تعيش الحرب؛ ليست باعتبارها حدثاً بعيداً، ولكن بوصفها واقعاً يعيد ترتيب كل التفاصيل اليومية.

العمل ينطلق من تجربة فرح الغول، وهي فتاة فلسطينية من غزة، عثرت تهاني سليم عن طريق الصدفة على جزء من مذكراتها عن النزوح، ومن هذه الصفحات القليلة بدأت رحلة بحث وتوثيق توسعت إلى شهادات نساء وأطفال، وتتبع مسارات النزوح داخل غزة ومناطقها المختلفة، ليصبح النص النهائي أوسع من التجربة الأصلية، وما بين الخوف والفقد والانتقال المستمر، يرصد العرض كيف أعادت الحرب تشكيل الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات، محولاً تجربة امرأة واحدة إلى حكاية عن غزة وذاكرة أهلها.

وتكمن قوة عرض المونودراما الذي قُدم بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في طريقة تعامله مع الزمن؛ فالحكاية لا تسير كخط مستقيم يشرح ما حدث ثم ينتقل إلى ما بعده، وإنما تتقدم عبر استدعاءات وتقاطعات بين لحظة وأخرى، الماضي يعود في أثناء الحاضر، والصورة المسجلة تقاطع الأداء الحي، والصوت القادم من خارج الخشبة يغير معنى ما نراه عليها.

واعتمدت تهاني سليم على أدوات قليلة لكنها تحتاج إلى سيطرة كبيرة: الصوت، والجسد، والإيقاع، والنظرة، فلا يوجد أمامها مجموعة ممثلين تتبادل معهم الفعل، لذلك يصبح الانتقال بين الحالات مسؤوليتها وحدها، بعض التحولات تتم بالكلمة، وبعضها بالحركة أو الصمت، وأحياناً يكفي تغير بسيط في النبرة حتى يتغير موقع الشخصية داخل المشهد.

شهد العرض حضوراً جماهيرياً لافت بالقاهرة (إدارة المهرجان)

في المقابل، لا تترك المخرجة سوسن دروزة الممثلة وحدها في مواجهة هذا العبء، بل تبني حولها فضاء يتغير باستمرار، العناصر البصرية والإضاءة والفيديو تدخل في صلب الفعل المسرحي، وتخلق أحياناً شخصيات غائبة أو أماكن لا يمكن وجودها فعلياً على الخشبة، فالصورة جاءت طرفاً في المشهد من جانب توثيقي يضفي خصوصية على العمل.

ويشارك في صناعة «أصوات عميقة» فريق فلسطيني وأردني وسويسري، تتصدره تهاني سليم مؤلفة العرض وبطلته ومنتجته، فيما تتولى سوسن دروزة الإخراج، وهالة شهاب تصميم السينوغرافيا، وتولى تصميم الإضاءة والإشراف التقني فراس أبو صباح، بينما شاركت الفنانة السويسرية نيكول بيرمان في تنفيذ الفيديو والمؤثرات الرقمية، ويجمع العرض بين التمثيل الحي والصورة والإضاءة والصوت والحركة.

وقالت تهاني سليم لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح طال أعداداً هائلة من الفلسطينيين، لكنها اختارت أن تجعل التجارب النسائية محور العمل، انطلاقاً من اهتمامها المستمر بقضايا المرأة في مشاريعها الفنية، لذلك أجرت مقابلات مع فرح ونساء أخريات، وجمعت شهادات متعددة، بالتوازي مع متابعة مسار النزوح زمنياً ومكانياً، من مناطق داخل غزة إلى الشاطئ وخان يونس ورفح.

وأوضحت أن النص المسرحي في صورته النهائية لا يمثل نقلاً حرفياً لمذكرات فرح، لكنه كان توثيقاً مسرحياً، لافتة إلى أن «هذا المسار جعل العمل أقرب إلى الدراما الوثائقية التي تتداخل فيها الشهادة الشخصية مع المادة الإعلامية، بحيث تصبح الوثيقة أساساً للبناء المسرحي، وليست مجرد خلفية للأحداث».

قدم العرض المسرحي جانباً من معاناة النزوح الفلسطيني بسبب الحرب (الشركة المنتجة)

وتابعت أن العرض يقوم على مستويات متوازية؛ أولها تجربة الفتاة التي تعيش النزوح والألم، وثانيها المستوى البصري الذي عملت عليه مع الفنانة السويسرية نيكول بيرمان من خلال الفيديو والوسائط الرقمية، وثالثها المستوى السياسي والتوثيقي الذي استعانت فيه بتصريحات صحافيين ونشطاء وسياسيين. ومن خلال هذه الطبقات، حاولت أن تمنح الحكاية الفردية سياقها الأوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

وأشارت تهاني إلى أن «وجودها في أوروبا جعل تقديم هذا العمل بالنسبة إليها مسؤولية فنية وإنسانية في الوقت نفسه»، مؤكدة أن «الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تجري حوله، وأن انتماءها الفلسطيني دفعها إلى التمسك بهذه الحكايات، بينما جعلها موقعها بوصفها فنانة تفكر في الطريقة التي يمكن بها للمسرح أن يتفاعل مع مأساة إنسانية بهذا الحجم دون أن يتحول إلى خطاب مباشر».

وفي الختام، أرجعت اختيارها تقديم العمل في صورة مونودراما لرغبتها في تحمل المسؤولية الكاملة عن الفكرة التي تريد إيصالها، موضحة أنها شاركت في كتابة النص والتمثيل والدراماتورج والإنتاج، ورغم أن العمل بهذه الصورة كان مرهقاً، فإنه منحها في المقابل قدرة أكبر على التحكم في جميع عناصر التجربة، وعلى الحفاظ على وحدة الرؤية منذ البحث الأول وحتى لحظة وقوفها منفردة أمام الجمهور.