مسيّرات «الدعم السريع» تهز الخرطوم بعد توقف طويل

انفجارات طالت مناطق حيوية وتثير الرعب بين السكان... والجيش قلل من آثارها

سحب الدخان في أفق الخرطوم نتيجة المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أرشيفية - متداولة)
سحب الدخان في أفق الخرطوم نتيجة المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أرشيفية - متداولة)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تهز الخرطوم بعد توقف طويل

سحب الدخان في أفق الخرطوم نتيجة المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أرشيفية - متداولة)
سحب الدخان في أفق الخرطوم نتيجة المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أرشيفية - متداولة)

هزّت العاصمة السودانية الخرطوم، صباح الثلاثاء، انفجارات عنيفة، نفذتها مسيَّرات انتحارية، استهدفت مطار وقاعدة وادي سيدنا الجوية شمال أم درمان، إضافة إلى مصفاة الجيلي للنفط، ومصنع اليرموك الحربي، ومحطة كهرباء المرخيات، ومواقع أخرى؛ ما أدى إلى انقطاع واسع للكهرباء وحالة من الهلع بين السكان.

وقال تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إن قواته وجهت ضربات جوية «دقيقة وناجحة» استهدفت أهدافاً عسكرية في الخرطوم ومدن أخرى، صباح الثلاثاء، رداً على ما وصفه بـ«الاستهداف الإجرامي للمستشفيات والمنشآت المدنية في إقليمي دارفور وكردفان، بما في ذلك مدينة نيالا»، التي يتخذ منها تحالف «تأسيس» عاصمة موازية.

ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني، بينما قالت مصادر عسكرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إن «المضادات الأرضية تصدت لهجوم بالمسيَّرات الانتحارية استهدف قاعدة وادي سيدنا الجوية، ولم تحدث خسائر بشرية أو أضرار مباشرة»؛ لأن القاعدة «مؤمَّنة بشكل كبير». وأكدت مصادر في وزارة الصحة، عدم استقبال مستشفيات الخرطوم أي إصابات جراء الهجوم، بينما أعلنت المستشفيات العسكرية التابعة للجيش عن استقبالها إصابات.

دفاعات الجيش تعترض

وروَّعت أصوات الانفجارات القوية وأصوات المضادات الأرضية، المواطنين في الخرطوم، وقال سكان إنهم استيقظوا صباح الثلاثاء على دوي انفجارات قوية أحدثت هزات عنيفة، وأن الدخان المتصاعد شوهد من مسافات بعيدة. وذكرت مصادر عسكرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أن الدفاعات الجوية اعترضت ما بين 8 و9 مسيَّرات انتحارية استهدفت مواقع مختلفة بالخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، وأن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراضها دون خسائر.

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

وأكدت قوات تحالف «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع» في بيان، أن الهجمات «جاءت رداً مباشراً على الاستهداف الإجرامي، للمستشفيات والمنشآت المدنية في دارفور وكردفان بما في ذلك مدينة نيالا». وقال الناطق الرسمي لتحالف «تأسيس» علاء الدين عوض نقد، في البيان: «عودة المسيَّرات الانتحارية تؤكد أن الخرطوم ليست آمنة كما تروّج السلطات»، وربط بين ما أسماه استمرار انتشار السلاح وعمليات القتل وسط المدنيين، وتابع: إن «جميع الخيارات ستظل مفتوحة للرد على الاعتداءات المتكررة».

ووفقاً لشهود عيان ومنصات موالية لطرفي الحرب، استهدفت المسيَّرات قاعدة وادي سيدنا الجوية بشمال مدينة أم درمان التمركز الرئيسي للجيش، ومصنع اليرموك الحربي المتوقف عن التصنيع منذ بداية الحرب، ومبنى الأمن العسكري بمنطقة كافوري، ونقلت المنصات عن مقتل ضابط كبير برتبة لواء في العملية، ولم يتم التأكيد على هذه المعلومة من قيادة الجيش، إضافة إلى مصفاة النفط في منطقة الجيلي شمالي الخرطوم بحري وهي في طور إعادة التأهيل والتشغيل، ومحطة كهرباء «المرخيات» شمال أم درمان، وعدد من المناطق الأخرى؛ ما أدى إلى انقطاع الخدمة عن عدد من المناطق.

الجيش يقلل

وقلل عسكريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من العملية، وقالوا إن الغرض من هجوم المسيَّرات التقليل من الخسائر الميدانية التي تعرضت له «قوات الدعم السريع» في جبهات كردفان، بينما عدَّها أنصار «الدعم السريع» دليلاً على «القدرة على الوصول إلى أي موقع حتى بورتسودان». ولا تعد هجمات المسيَّرات التي شهدتها الخرطوم الثلاثاء جديدة، لكنها جاءت بعد توقف طويل من استهداف «قوات الدعم السريع» أهدافاً عسكرية كبيرة في مناطق سيطرة الجيش.

وسبق أن استهدفت مسيرات «قوات الدعم السريع» القاعدة الجوية في منطقة وادي سيدنا العسكرية، ومصفاة الجيلي الأيام الأولى للحرب، واستخدمت مسيَّرات بدائية أثناء عمليات القتال مع الجيش.

عنصر من الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب في أم درمان أبريل 2024 (رويترز)

وبعد استرداد الجيش العاصمة الخرطوم ومناطق وسط البلاد، وطرد «قوات الدعم السريع» غرباً نحو إقليمي كردفان ودارفور، شنت «الدعم السريع» هجمات كثيرة بالمسيَّرات المتطورة، طالت مواقع عسكرية رئيسية تابعة للجيش ومطارات ومنشآت مدنية، وصلت حتى العاصمة المؤقتة بورتسودان التي كان ينظر إليها على أنها «بعيدة» عن مناطق القتال.

حرب المسيَّرات

ويعدّ الهجوم الذي شنته مسيَّرات الجيش على قاعدة وادي سيدنا الجوية وقيادة المنطقة العسكرية والكلية الحربية، في 26 أبريل (نيسان) 2025، هو الأكثر تأثيراً، وقالت «قوات الدعم السريع» وقتها إنها دمَّرت عدداً من الطائرات الحربية، والمسيَّرات، ومنظومة دفاع جوي جديدة، ومخازن أسلحة وذخائر ومواقع لخبراء أجانب يعملون مع الجيش.

وفي يوليو (تموز) 2025 استهدفت مسيَّرة تابعة لـ«الدعم السريع» حفلاً لتخريج ضباط جدد بمنطقة جبيت العسكرية شرق البلاد، بحضور قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، راح ضحيتها أكثر من خمسة عسكريين، ونجا البرهان بأعجوبة، وعُدَّت العملية وقتها محاولة لـ«اغتيال» قائد الجيش.

كما استهدفت مسيَّرات «الدعم السريع» في الشهر ذاته ولمرات متتالية، مواقع عسكرية عدة في وحول مدينة بورتسودان، من بينها قاعدة فلامنغو البحرية التابعة للجيش، وقاعدة عثمان دقنة الجوية ومطار المدينة، ومنشآت مدنية، وألحقت بها خسائر كبيرة، من بينها طائرات مقاتلة ومسيَّرات حديثة، وغرف تحكم، ومخازن وقود وذخائر. وكثَّفت «قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) الماضي استهداف عدد من المواقع العسكرية والمطارات في مناطق سيطرة الجيش، مثل مطارات «كسلا والقضارف بشرق البلاد، وكوستي بالنيل الأبيض، وعطبرة ومدن عدّة بشمال البلاد»، إلى جانب محطات كهرباء بما في ذلك محطة التوليد في سد مروي.

أعمدة الدخان تتصاعد بعد غارات سابقة بطائرات مسيَّرة على الميناء الشمالي في مدينة بورتسودان 6 مايو (أ.ب)

لكن مسيَّرات «الدعم السريع» «اختفت» فجأة، وتوقفت الهجمات على مناطق سيطرة الجيش لفترة طويلة، قبل أن تعود في عملية صباح الثلاثاء التي استهدفت العاصمة الخرطوم. في المقابل، واصلت مسيَّرات الجيش هجماتها على مدينة نيالا ومدينة مليط في دارفور، ومناطق أخرى في الإقليم الذي تسيطر «الدعم السريع» على معظم مناطقه. ويملك كل من الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بين بدائية ومتطور، ومجنحة وانتحارية، فبينما يستخدم الجيش مسيَّرات إيرانية من طراز «مهاجر6»، و«مهاجر2» إيرانية الصنع، و«أبابيل» المصنعة محلياً، و«بيرقدار» تركية الصنع، ومسيَّرات انتحارية من طرازات مختلفة.

وتستخدم «قوات الدعم السريع» مسيَّرات من طرز حديثة «FH-95» و«CH-95» صينية الصنع، ومسيَّرات انتحارية محلية، مسيَّرات انقضاضية كبيرة، مع منظومة (Pantsir-S1).

عسكرياً، عقَّدت المسيَّرات الحرب بين الجيش و«الدعم السريع»، وأضعفت من تأثير سلاح الجو التابع للجيش، وسمحت لـ«قوات الدعم السريع» بضرب أهداف استراتيجية. وإنسانياً، عطلت الكهرباء وخدمات المياه ومصافي ومستودعات الوقود، وأثارت هلع المواطنين، أما سياسياً فتعدّها «قوات الدعم السريع» قوات «ردع مشروعة»، بينما يعدّها الجيش مجرد دعاية إعلامية.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي

شمال افريقيا 
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قوات «تأسيس» تضيق الخناق على مدينة الكرمك السودانية

تواصل قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» تقدمها بوتيرة سريعة لتطويق مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)

عقوبات بريطانية على طرفَي حرب السودان

فرضت بريطانيا، أمس، عقوبات استهدفت قادة كباراً من الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، بالإضافة إلى 3 أفراد من كولومبيا، بينهم امرأة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

تحالف «تأسيس» السوداني يحشد قواته قرب مدينة الكرمك

ذكر مسؤول حكومي أن تحالف «تأسيس» السوداني المساند لـ«قوات الدعم السريع»، حشد أعداداً كبيرة من مقاتليه، استعداداً للهجوم على مدينة الكرمك الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)

عقوبات بريطانية على الجيش السوداني و«الدعم السريع»

فرضت بريطانيا، يوم الخميس، عقوبات استهدفت قادة كبار من الجيش السوداني وفي "قوات الدعم السريع"، بالإضافة إلى 3 أفراد من كولمبيا، بينهم أمراة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.