الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

بين التهديدات والفرص الجديدة: وظائف تختفي وأخرى تولد من رحم الأدوات الذكية

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم
TT

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

في لحظةٍ فارقة من التاريخ، يقف الإنسان أمام مرآة جديدة ليست من زجاجٍ ولا معدن، بل من خوارزمياتٍ باردة لا تعرف النوم. ينظر إلى انعكاسه فيها فيرى ملامح مهنته، هويته، ومستقبله... تتغيّر بسرعة تكاد تُربكه. ويسأل نفسه سؤالاً لم يعد مجرّد ترفٍ فلسفي: هل سأبقى أنا، الطبيب، أو المهندس، أو الصحافي، أو المعلّم، حاضراً في عالمٍ تُديره الآلة وتعيد صياغة قواعد اللعبة؟

لقد خرج الذكاء الاصطناعي من دائرة التكهّنات وأصبح جاراً يومياً يطرق أبوابنا بلا استئذان. فهو في هواتفنا يراقب ساعات النوم، وفي المستشفيات يقرأ صور الأشعة بدقة تفوق خبرة عقود، وفي المحاكم يراجع العقود أسرع من أي محامٍ، وفي المتاجر يُدير عمليات البيع بلا بائع.

ومع اقتراب عام 2030، تُعيد هذه الثورة ترتيب أوراق المهن: بعضها يُزهر ويُزاحم بقوة، وبعضها يتوارى بصمت، بينما تبقى مهن أخرى عصيّة على التغيير؛ لأنها مشبعة بإنسانية لا تُستنسخ بسهولة.

ماذا قال «أبو الذكاء الاصطناعي»؟

في زمنٍ تركض فيه الخوارزميات بسرعة تفوق خطوات البشر، خرج جيفري هينتون، الملقّب بـ«أب الذكاء الاصطناعي»، ليضع العالم أمام مرآة 2030. ففي مقابلة نُشرت في مجلة «فورتشن» بتاريخ 6 سبتمبر (أيلول) 2025، لم يقدّم هينتون نبوءة براقة، بل إنذاراً مدوياً: أرباحٌ هائلة ستتكدّس بين يدي قلة من الشركات العملاقة، بينما ملايين البشر يواجهون شبح البطالة الجماعية. ليست الآلة هي العدو – فهي لا تعرف الجشع ولا الاحتكار – بل النظام الاقتصادي الذي يحوّل هذه الثورة التقنية سيفاً على رقاب الناس.

بهذا التحذير، تنفتح صفحة جديدة من الصراع بين الإنسان والخوارزمية: من الصحافة التي كانت مرآة المجتمع، إلى الطب الذي أنقذ أرواحاً، وحتى المحاماة التي شكّلت حصن العدالة، جميعها تدخل مسرح اختبار عسير.

ولم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة أن تنافس الإنسان؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يقدّم ما تعجز الخوارزمية عن نسخه؟ هنا تتحدد ملامح مصير المهن في العقد المقبل، بين من يثبت تفرده الإنساني، ومن يُكتَب اسمه في سجل المهن التي اندثرت تحت عجلة الذكاء الاصطناعي.

المهن التي ستودّعنا بهدوء

ليست كل المهن ترحل بصخب، فبعضها يغادر بهدوء، وكأنها كانت تعلم أن لحظة النهاية آتية لا محالة. ومع تسارع موجة الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا نراقب مهناً مألوفة تختفي تدريجياً من المشهد:

* موظفو الاستقبال ومشغلو الهاتف: لم تعد تلك الابتسامة خلف المكتب أو الصوت الدافئ عبر السماعة ضرورة، بعدما حلت محلها أنظمة الرد الذكية وروبوتات المحادثة (Chatbots)، التي تُجيب عن أسئلتك في ثوانٍ، ليلاً ونهاراً، دون أن تُخطئ أو تتذمر.

* الصرافون والبائعون: المتاجر الذاتية الدفع، وأنظمة الشراء عبر الهاتف، جعلت «الكاشير» جزءاً من مشهد الماضي. يدخل الزبون، يختار، يدفع، ويغادر دون أن يتبادل كلمة مع أحد.

* سائقو التوصيل والشاحنات: بينما ننظر إلى الطريق، نجد سياراتٍ تسير بلا سائق، تختبرها اليوم كبرى الشركات في الولايات المتحدة والصين. ومع كل كيلومتر تقطعه هذه المركبات بأمان، تقترب مهنة السائق من أن تصبح ذكرى.

* عمال الإنتاج وخطوط التجميع: المصانع التي كانت تضج بأصوات البشر، باتت تضج اليوم بصمتٍ ميكانيكي منظم. روبوتات صناعية لا تعرف الكلل، تُنتج بدقة أعلى وسرعة أكبر، لتضع العامل البشري في موقف صعب.

* مُدخلو البيانات: وظيفة كانت يوماً العمود الفقري للمؤسسات، لكنها تذوب أمام خوارزميات تحوّل النصوص والصور إلى بيانات لحظياً. لم يعد إدخال البيانات عملاً بشرياً، بل عملية آلية لا تحتاج إلا إلى مراقبة.

* المسوّقون عبر الهاتف: من منا لا يتذكر المكالمات المزعجة التي تأتي في أوقات غير مناسبة؟ اليوم، لم تعد الشركات في حاجة إليها، بعدما صارت الإعلانات الموجهة والروبوتات الصوتية أكثر فاعلية وأقل كلفة.

مهن في مرحلة التحوّل

هناك مهن لن تُمحى بالكامل من الوجود، لكنها ستفقد جزءاً كبيراً من بريقها وحضورها. فالخوارزميات تقتطع شيئاً فشيئاً من مهامها، لتجعل الحاجة إلى أصحابها أقل عدداً مما اعتدنا. إنها مهن ستبقى، لكن بأعداد محدودة وأدوار مختلفة:

* أطباء الأشعة: في عام 2023 نشرت مجلة Lancet Digital Health دراسات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على قراءة صور الأشعة بدقة قد تفوق الطبيب. ومع ذلك، يبقى القرار النهائي والتكامل مع الحالة السريرية في يد الإنسان.

* أطباء الباثولوجي (علم الأمراض): الخوارزميات تستطيع تحليل الشرائح المجهرية في ثوانٍ معدودة، لكن ربط النتائج بالصورة الإكلينيكية للمريض لا يزال مهمة الطبيب، الذي يُفسّر ما وراء الأرقام والصور.

* المحاسبون والمراجعون الماليون: لم يعد التدقيق في الفواتير أو الحسابات عملاً بشرياً بالكامل؛ إذ تقوم البرامج الذكية بالمراجعة الروتينية بسرعة ودقة. لكن المحاسب الذي ينجو هو من يطوّر نفسه ليصبح مستشاراً استراتيجياً، لا مدققاً للأرقام فقط.

* المحررون الصحافيون: صحيح أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تستطيع توليد نصوص إخبارية آلية خلال ثوانٍ، لكنّها تظل عاجزة عن صياغة تحقيق صحافي استقصائي أو تقرير يلتقط نبض الشارع. والصحافي الذي يتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قوة، لا أقل.

* المحامون في القضايا الروتينية: العقود والنزاعات البسيطة يمكن أتمتتها، أما المعقدة فتظل بيد العقل القانون.

مهن لا يُلغيها الذكاء الاصطناعي... بل يعززها

في خضم هذا الطوفان الرقمي، تظل هناك جزر محمية، لا تصلها يد الأتمتة بسهولة. مهنٌ تقف صامدة لأن جوهرها يرتبط بالوجدان والإنسانية، لا بالحسابات الباردة:

* الأطباء والممرضون في الرعاية المباشرة: صحيح أن الذكاء الاصطناعي يقرأ الأشعة ويقترح بروتوكولات العلاج، لكن لا خوارزمية تستطيع أن تضع يدها على كتف مريضٍ خائف لتطمئنه، اذ إن اللمسة الإنسانية ليست وظيفة، بل رسالة.

* الفنانون والمصممون: قد يرسم الذكاء الاصطناعي لوحة تبهر العيون، لكنه يعجز عن أن يسكب في الألوان دمعة عاشق أو وجع وطن. فالإبداع الحقيقي يظل مُرتبطاً بالوجدان البشري، لا بالشيفرات.

* المعلمون والمربون: تستطيع الآلة أن تُلقي درساً، وتعيد شرح المعادلات بلا ملل، لكنها لا تستطيع أن تُلهم طفلاً أو تُغرس في قلبه قيمة. فالتعليم ليس معلومات فقط، بل قدوة وحضور إنساني.

* علماء الأخلاق والسياسة: الخوارزميات ذكية، لكنها بلا بوصلة. تحتاج إلى من يضع لها المعايير ويُرشدها نحو ما هو عادل وما هو إنساني. ولهذا يبقى صوت الفلاسفة والمفكرين والسياسيين حاجةً لا بديل لها.

الدبلوماسيون والعاملون في العلاقات الإنسانية: التفاوض ليس أرقاماً، بل قراءة لملامح الوجه، وفهم للثقافات، وإحساس بلحظة الصمت التي قد تُغيّر مجرى التاريخ. هذه مهارة لا تُستنسخ في مختبر برمجي

* الصحافيون المتخصصون والمشرفون على الصفحات العلمية والثقافية: قد يكتب الذكاء الاصطناعي خبراً عاجلاً في ثوانٍ، لكنه يعجز عن تبسيط دراسة علمية معقدة أو ربطها بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي يفهمه القارئ. فهذه مهمة تحتاج إلى خبرة إنسانية تراكمية، وإلى عين صحافي يعرف كيف يحوّل الأرقام الجامدة قصة نابضة بالحياة.

كيف نتهيأ لهذا المستقبل؟

التحوّل القادم ليس تهديداً داهماً، بل فرصة تاريخية لإعادة تعريف أدوارنا. فالحكومات مدعوة اليوم إلى إعادة النظر في مناهجها التعليمية، لتغرس في الأجيال القادمة مهارات المستقبل: التفكير التحليلي، البرمجة، الذكاء العاطفي، وأخلاقيات التقنية. أما الأفراد، فالمطلوب منهم عقلية جديدة، عقلية التعلّم المستمر، والاستعداد لتغيير المسار المهني أكثر من مرة خلال حياتهم العملية.

ولعلّنا هنا نستعيد مقولة سقراط الشهيرة: «أنا لا أعلم شيئاً، ولكني أعلم أنني لا أعلم».

إن الاعتراف بحدود معرفتنا ليس ضعفاً، بل هو أول خطوة في رحلة التعلّم. والوعي بالجهل هو السلاح الأقوى لمواجهة عالمٍ سريع التحوّل، حيث لا مكان فيه لمن يتوقف عن النمو.

العالم العربي: بين الفرصة والتحدي

في منطقتنا، لا يقف الذكاء الاصطناعي عند حدود الخوف من فقدان الوظائف، بل يفتح باباً واسعاً لفرص تاريخية. فمع «رؤية السعودية 2030»، والمبادرات الطموحة في الإمارات، الأردن، المغرب، قطر ومصر، يتضح أن العالم العربي قادر على أن يكون فاعلاً لا متلقياً.

إن استثمرنا بجدية في التعليم الحديث، والبحث العلمي المتقدم، ودعم ريادة الأعمال التقنية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من تهديد صامت إلى رافعة قوية للتنمية، تصنع فرص عمل جديدة وتعيد تشكيل اقتصاداتنا بما يتماشى مع طموحات شبابنا.

مهن لم تكن موجودة من قبل

الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إلغاء وظائف، بل يخلق أخرى لم نكن نتصورها قبل سنوات قليلة: مدربو الخوارزميات، مصممو التوائم الرقمية، خبراء أخلاقيات التقنية، ومهندسو البيانات الصحية. هذه المهن وليدة عصر جديد.

الشجاعة والتكيّف

الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظائفنا، بل سيعيد تعريفها. من يملك الشجاعة للتكيف سيجد نفسه في قلب المستقبل، ومن يصرّ على الجمود سيجد نفسه على الهامش. فالمستقبل لا ينتظر أحداً، لكنه يفتح ذراعيه فقط لمن يتقن فن التعلّم، ويعرف كيف يطرح السؤال قبل أن يبحث عن الجواب.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.