الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

بين التهديدات والفرص الجديدة: وظائف تختفي وأخرى تولد من رحم الأدوات الذكية

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم
TT

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

الذكاء الاصطناعي والمهن في 2030: حين يتعلّم الإنسان كيف يتعلّم

في لحظةٍ فارقة من التاريخ، يقف الإنسان أمام مرآة جديدة ليست من زجاجٍ ولا معدن، بل من خوارزمياتٍ باردة لا تعرف النوم. ينظر إلى انعكاسه فيها فيرى ملامح مهنته، هويته، ومستقبله... تتغيّر بسرعة تكاد تُربكه. ويسأل نفسه سؤالاً لم يعد مجرّد ترفٍ فلسفي: هل سأبقى أنا، الطبيب، أو المهندس، أو الصحافي، أو المعلّم، حاضراً في عالمٍ تُديره الآلة وتعيد صياغة قواعد اللعبة؟

لقد خرج الذكاء الاصطناعي من دائرة التكهّنات وأصبح جاراً يومياً يطرق أبوابنا بلا استئذان. فهو في هواتفنا يراقب ساعات النوم، وفي المستشفيات يقرأ صور الأشعة بدقة تفوق خبرة عقود، وفي المحاكم يراجع العقود أسرع من أي محامٍ، وفي المتاجر يُدير عمليات البيع بلا بائع.

ومع اقتراب عام 2030، تُعيد هذه الثورة ترتيب أوراق المهن: بعضها يُزهر ويُزاحم بقوة، وبعضها يتوارى بصمت، بينما تبقى مهن أخرى عصيّة على التغيير؛ لأنها مشبعة بإنسانية لا تُستنسخ بسهولة.

ماذا قال «أبو الذكاء الاصطناعي»؟

في زمنٍ تركض فيه الخوارزميات بسرعة تفوق خطوات البشر، خرج جيفري هينتون، الملقّب بـ«أب الذكاء الاصطناعي»، ليضع العالم أمام مرآة 2030. ففي مقابلة نُشرت في مجلة «فورتشن» بتاريخ 6 سبتمبر (أيلول) 2025، لم يقدّم هينتون نبوءة براقة، بل إنذاراً مدوياً: أرباحٌ هائلة ستتكدّس بين يدي قلة من الشركات العملاقة، بينما ملايين البشر يواجهون شبح البطالة الجماعية. ليست الآلة هي العدو – فهي لا تعرف الجشع ولا الاحتكار – بل النظام الاقتصادي الذي يحوّل هذه الثورة التقنية سيفاً على رقاب الناس.

بهذا التحذير، تنفتح صفحة جديدة من الصراع بين الإنسان والخوارزمية: من الصحافة التي كانت مرآة المجتمع، إلى الطب الذي أنقذ أرواحاً، وحتى المحاماة التي شكّلت حصن العدالة، جميعها تدخل مسرح اختبار عسير.

ولم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة أن تنافس الإنسان؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يقدّم ما تعجز الخوارزمية عن نسخه؟ هنا تتحدد ملامح مصير المهن في العقد المقبل، بين من يثبت تفرده الإنساني، ومن يُكتَب اسمه في سجل المهن التي اندثرت تحت عجلة الذكاء الاصطناعي.

المهن التي ستودّعنا بهدوء

ليست كل المهن ترحل بصخب، فبعضها يغادر بهدوء، وكأنها كانت تعلم أن لحظة النهاية آتية لا محالة. ومع تسارع موجة الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا نراقب مهناً مألوفة تختفي تدريجياً من المشهد:

* موظفو الاستقبال ومشغلو الهاتف: لم تعد تلك الابتسامة خلف المكتب أو الصوت الدافئ عبر السماعة ضرورة، بعدما حلت محلها أنظمة الرد الذكية وروبوتات المحادثة (Chatbots)، التي تُجيب عن أسئلتك في ثوانٍ، ليلاً ونهاراً، دون أن تُخطئ أو تتذمر.

* الصرافون والبائعون: المتاجر الذاتية الدفع، وأنظمة الشراء عبر الهاتف، جعلت «الكاشير» جزءاً من مشهد الماضي. يدخل الزبون، يختار، يدفع، ويغادر دون أن يتبادل كلمة مع أحد.

* سائقو التوصيل والشاحنات: بينما ننظر إلى الطريق، نجد سياراتٍ تسير بلا سائق، تختبرها اليوم كبرى الشركات في الولايات المتحدة والصين. ومع كل كيلومتر تقطعه هذه المركبات بأمان، تقترب مهنة السائق من أن تصبح ذكرى.

* عمال الإنتاج وخطوط التجميع: المصانع التي كانت تضج بأصوات البشر، باتت تضج اليوم بصمتٍ ميكانيكي منظم. روبوتات صناعية لا تعرف الكلل، تُنتج بدقة أعلى وسرعة أكبر، لتضع العامل البشري في موقف صعب.

* مُدخلو البيانات: وظيفة كانت يوماً العمود الفقري للمؤسسات، لكنها تذوب أمام خوارزميات تحوّل النصوص والصور إلى بيانات لحظياً. لم يعد إدخال البيانات عملاً بشرياً، بل عملية آلية لا تحتاج إلا إلى مراقبة.

* المسوّقون عبر الهاتف: من منا لا يتذكر المكالمات المزعجة التي تأتي في أوقات غير مناسبة؟ اليوم، لم تعد الشركات في حاجة إليها، بعدما صارت الإعلانات الموجهة والروبوتات الصوتية أكثر فاعلية وأقل كلفة.

مهن في مرحلة التحوّل

هناك مهن لن تُمحى بالكامل من الوجود، لكنها ستفقد جزءاً كبيراً من بريقها وحضورها. فالخوارزميات تقتطع شيئاً فشيئاً من مهامها، لتجعل الحاجة إلى أصحابها أقل عدداً مما اعتدنا. إنها مهن ستبقى، لكن بأعداد محدودة وأدوار مختلفة:

* أطباء الأشعة: في عام 2023 نشرت مجلة Lancet Digital Health دراسات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على قراءة صور الأشعة بدقة قد تفوق الطبيب. ومع ذلك، يبقى القرار النهائي والتكامل مع الحالة السريرية في يد الإنسان.

* أطباء الباثولوجي (علم الأمراض): الخوارزميات تستطيع تحليل الشرائح المجهرية في ثوانٍ معدودة، لكن ربط النتائج بالصورة الإكلينيكية للمريض لا يزال مهمة الطبيب، الذي يُفسّر ما وراء الأرقام والصور.

* المحاسبون والمراجعون الماليون: لم يعد التدقيق في الفواتير أو الحسابات عملاً بشرياً بالكامل؛ إذ تقوم البرامج الذكية بالمراجعة الروتينية بسرعة ودقة. لكن المحاسب الذي ينجو هو من يطوّر نفسه ليصبح مستشاراً استراتيجياً، لا مدققاً للأرقام فقط.

* المحررون الصحافيون: صحيح أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تستطيع توليد نصوص إخبارية آلية خلال ثوانٍ، لكنّها تظل عاجزة عن صياغة تحقيق صحافي استقصائي أو تقرير يلتقط نبض الشارع. والصحافي الذي يتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قوة، لا أقل.

* المحامون في القضايا الروتينية: العقود والنزاعات البسيطة يمكن أتمتتها، أما المعقدة فتظل بيد العقل القانون.

مهن لا يُلغيها الذكاء الاصطناعي... بل يعززها

في خضم هذا الطوفان الرقمي، تظل هناك جزر محمية، لا تصلها يد الأتمتة بسهولة. مهنٌ تقف صامدة لأن جوهرها يرتبط بالوجدان والإنسانية، لا بالحسابات الباردة:

* الأطباء والممرضون في الرعاية المباشرة: صحيح أن الذكاء الاصطناعي يقرأ الأشعة ويقترح بروتوكولات العلاج، لكن لا خوارزمية تستطيع أن تضع يدها على كتف مريضٍ خائف لتطمئنه، اذ إن اللمسة الإنسانية ليست وظيفة، بل رسالة.

* الفنانون والمصممون: قد يرسم الذكاء الاصطناعي لوحة تبهر العيون، لكنه يعجز عن أن يسكب في الألوان دمعة عاشق أو وجع وطن. فالإبداع الحقيقي يظل مُرتبطاً بالوجدان البشري، لا بالشيفرات.

* المعلمون والمربون: تستطيع الآلة أن تُلقي درساً، وتعيد شرح المعادلات بلا ملل، لكنها لا تستطيع أن تُلهم طفلاً أو تُغرس في قلبه قيمة. فالتعليم ليس معلومات فقط، بل قدوة وحضور إنساني.

* علماء الأخلاق والسياسة: الخوارزميات ذكية، لكنها بلا بوصلة. تحتاج إلى من يضع لها المعايير ويُرشدها نحو ما هو عادل وما هو إنساني. ولهذا يبقى صوت الفلاسفة والمفكرين والسياسيين حاجةً لا بديل لها.

الدبلوماسيون والعاملون في العلاقات الإنسانية: التفاوض ليس أرقاماً، بل قراءة لملامح الوجه، وفهم للثقافات، وإحساس بلحظة الصمت التي قد تُغيّر مجرى التاريخ. هذه مهارة لا تُستنسخ في مختبر برمجي

* الصحافيون المتخصصون والمشرفون على الصفحات العلمية والثقافية: قد يكتب الذكاء الاصطناعي خبراً عاجلاً في ثوانٍ، لكنه يعجز عن تبسيط دراسة علمية معقدة أو ربطها بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي يفهمه القارئ. فهذه مهمة تحتاج إلى خبرة إنسانية تراكمية، وإلى عين صحافي يعرف كيف يحوّل الأرقام الجامدة قصة نابضة بالحياة.

كيف نتهيأ لهذا المستقبل؟

التحوّل القادم ليس تهديداً داهماً، بل فرصة تاريخية لإعادة تعريف أدوارنا. فالحكومات مدعوة اليوم إلى إعادة النظر في مناهجها التعليمية، لتغرس في الأجيال القادمة مهارات المستقبل: التفكير التحليلي، البرمجة، الذكاء العاطفي، وأخلاقيات التقنية. أما الأفراد، فالمطلوب منهم عقلية جديدة، عقلية التعلّم المستمر، والاستعداد لتغيير المسار المهني أكثر من مرة خلال حياتهم العملية.

ولعلّنا هنا نستعيد مقولة سقراط الشهيرة: «أنا لا أعلم شيئاً، ولكني أعلم أنني لا أعلم».

إن الاعتراف بحدود معرفتنا ليس ضعفاً، بل هو أول خطوة في رحلة التعلّم. والوعي بالجهل هو السلاح الأقوى لمواجهة عالمٍ سريع التحوّل، حيث لا مكان فيه لمن يتوقف عن النمو.

العالم العربي: بين الفرصة والتحدي

في منطقتنا، لا يقف الذكاء الاصطناعي عند حدود الخوف من فقدان الوظائف، بل يفتح باباً واسعاً لفرص تاريخية. فمع «رؤية السعودية 2030»، والمبادرات الطموحة في الإمارات، الأردن، المغرب، قطر ومصر، يتضح أن العالم العربي قادر على أن يكون فاعلاً لا متلقياً.

إن استثمرنا بجدية في التعليم الحديث، والبحث العلمي المتقدم، ودعم ريادة الأعمال التقنية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من تهديد صامت إلى رافعة قوية للتنمية، تصنع فرص عمل جديدة وتعيد تشكيل اقتصاداتنا بما يتماشى مع طموحات شبابنا.

مهن لم تكن موجودة من قبل

الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إلغاء وظائف، بل يخلق أخرى لم نكن نتصورها قبل سنوات قليلة: مدربو الخوارزميات، مصممو التوائم الرقمية، خبراء أخلاقيات التقنية، ومهندسو البيانات الصحية. هذه المهن وليدة عصر جديد.

الشجاعة والتكيّف

الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظائفنا، بل سيعيد تعريفها. من يملك الشجاعة للتكيف سيجد نفسه في قلب المستقبل، ومن يصرّ على الجمود سيجد نفسه على الهامش. فالمستقبل لا ينتظر أحداً، لكنه يفتح ذراعيه فقط لمن يتقن فن التعلّم، ويعرف كيف يطرح السؤال قبل أن يبحث عن الجواب.


مقالات ذات صلة

بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

يوميات الشرق شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)

بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

توفي مراهق من ولاية كاليفورنيا الأميركية جرّاء جرعة مخدرات زائدة بعد أشهر من طلبه إرشادات حول تعاطي المخدرات من تطبيق «شات جي بي تي»، وفقاً لما صرّحت به والدته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

قفزة في «التفكير الكسول»... وانتشار الأدوات الذكية في محركات البحث.

كريس موريس (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض حرفي «إيه آي» خلال «يوم القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي» لشركة «ريفان» في بالو ألتو خلال ديسمبر 2025 (رويترز)

مخاوف «فقاعة الذكاء الاصطناعي» تعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي في 2026

يتوقع المحللون استمرار الزخم الصعودي في 2026، رغم أن المستثمرين قد يضطرون إلى انتقاء الأصول التي يستثمرون فيها بعناية.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيويورك)
علوم الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا الكشف عن معالج «MI455» المخصص لأحمال الذكاء الاصطناعي الضخمة في فعالية «AMD» في لاس فيغاس (أ.ف.ب)

تحالف بين «AMD» و«OpenAI» في «CES 2026» بإطلاق معالج لخدمة النماذج العملاقة

الكشف عن جيل جديد من شرائح الذكاء الاصطناعي بدعم علني من «OpenAI» يؤكد تسارع الطلب العالمي وقدرة «AMD» على منافسة «إنفيديا» عبر حلول حوسبة متقدمة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.


اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم
TT

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

في ظل استمرار المعركة العالمية ضد سرطان القولون والمستقيم، ثاني أكثر أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان حول العالم، كشفت بحوث حديثة عن مسارات جزيئية جديدة قد تُحدث نقلة نوعية في فهم تطور المرض وسبل إيقاف انتشاره. وعلى الرغم من أن فرص الشفاء تكون مرتفعة عند تشخيص المرض في مراحله المبكرة، فإنها تنخفض بشكل حاد عند حدوث «النقائل»؛ حيث تقل نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات إلى أقل من 10 في المائة.

دراستان علميتان

ويشير مصطلح «النقائل» (metastases) إلى انتشار الخلايا السرطانية من الموقع الأصلي (الأولي) إلى أجزاء بعيدة من الجسم، ما يؤدي إلى الإصابة بالسرطان النقيلي الذي غالباً ما يصنَّف على أنه سرطان المرحلة الرابعة.

وتسلط دراستان علميتان حديثتان من الولايات المتحدة الأميركية الضوء على آليات مختلفة؛ لكنها متكاملة، لاستهداف تطور السرطان من خلال تحديد بروتينات وجينات تلعب دوراً محورياً في تقوية الورم في مراحله الأولى، أو في تمكينه من الانتشار إلى أعضاء أخرى.

منع الورم من اكتساب القوة مبكراً

يركز فريق بحثي بقيادة الدكتورة نان غاو، من قسم علم الأدوية وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب، بكلية «روتجرز هيلث- نيوجيرسي» الطبية، في دراسة نُشرت نتائجها في مجلة «American Cancer Society» في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025، على بروتين يُعرف باسم «Cdc42-v2» يعمل كـ«مفتاح جزيئي» يتحكم في نمو الخلايا. وفي الظروف الطبيعية يوجد هذا البروتين بشكل رئيسي في الدماغ؛ لكن الباحثين وجدوا أنه يظهر بشكل غير طبيعي في خلايا سرطان القولون داخل الأمعاء.

وعندما يتم «تشغيل» هذا البروتين عن طريق الخطأ، فإنه يساعد الخلايا السرطانية على النمو واكتساب طفرات متعددة تجعل الورم أكثر عدوانية. وأظهرت التجارب على الفئران أن الخلايا الجذعية السرطانية في الأمعاء تعتمد على البروتين للبقاء والتكاثر. وعندما قام الباحثون بتعطيل هذا البروتين أو إزالته، توقف نمو الورم بالكامل.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تطوير علاجات تستهدف بروتين «Cdc42-v2» مباشرة، ما قد يسمح بإيقاف سرطان القولون في مراحله المبكرة، قبل أن يصبح أكثر خطورة أو يبدأ في الانتشار.

جينات تمنع الانتشار

وفي دراسة أخرى نُشرت في مجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، استخدم باحثون بقيادة كريستوفر لينغنر، وأندريس بلانكو، من قسم العلوم الطبية الحيوية في كلية الطب البيطري بجامعة بنسلفانيا، تقنيات متقدمة لتحرير الجينات باستخدام نظام «كريسبر» إلى جانب نماذج مخبرية تحاكي أورام القولون البشرية. وكان هدف الفريق تحديد الجينات التي تمنع السرطان من الانتشار، من خلال تعطيل جينات معينة، ومراقبة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى حدوث نقائل.

وأسفرت هذه الدراسة المنهجية عن تحديد جينين رئيسيين يعملان كحاجز أمام الانتشار السرطاني، هما «Ctnna1» و«Bcl2l13».

ويلعب الجين «Ctnna1» المعروف باسم «ألفا-كاتينين» دوراً في الحفاظ على تماسك الخلايا معاً، ما يمنعها من الانفصال والهجرة إلى الأنسجة المجاورة. وعندما يتعطل هذا الجين تصبح الخلايا أكثر قدرة على الحركة والغزو، وهي خطوة أساسية في عملية النقائل.

أما الجين «Bcl2l13» فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يحفِّز نوعاً خاصاً من موت الخلايا، يحدث عندما تنفصل الخلايا الظهارية عن طبقتها الطبيعية. وهذا يمنع الخلايا التي غادرت الورم الأصلي من البقاء في أماكن غير مناسبة. وتشير النتائج إلى أن الخلايا السرطانية المنتشرة قد تقوم بتثبيط هذا الجين، لتفادي الموت، واستمرار النمو في أعضاء أخرى.

آفاق علاجية واعدة

وقد اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على إنشاء أورام قولونية مصغَّرة في المختبر، ثم اختبار قدرتها على الانتشار داخل نماذج حية، ما أتاح مقارنة دقيقة مع سلوك سرطان القولون لدى البشر. وأكدت النتائج أن الفحص الجيني واسع النطاق يمكن أن يكشف عن منظِّمين أساسيين لعملية الانتشار السرطاني.

ويرى العلماء أن الخطوة التالية تتمثل في تحديد الجينات التي تعزز النقائل بشكل مباشر؛ إذ تمثل هذه الجينات أهدافاً مثالية لتطوير علاجات جديدة أكثر دقة وفعالية.

وتؤكد هذه الاكتشافات مجتمعة أن فهم المسارات الجزيئية الدقيقة للسرطان لا يفتح الباب أمام علاجات أفضل فقط؛ بل قد يغير مستقبل التعامل مع المرض، من علاج متأخر للنقائل إلى تدخل مبكر يمنع السرطان من التقدم منذ بدايته.