تعافي العملة اليمنية يعزز الثقة بالتدابير الحكومية

تحذيرات أممية من هشاشة الاستقرار المعيشي

الإجراءات الحكومية حدَّت من المضاربة على العملات (أ.ف.ب)
الإجراءات الحكومية حدَّت من المضاربة على العملات (أ.ف.ب)
TT

تعافي العملة اليمنية يعزز الثقة بالتدابير الحكومية

الإجراءات الحكومية حدَّت من المضاربة على العملات (أ.ف.ب)
الإجراءات الحكومية حدَّت من المضاربة على العملات (أ.ف.ب)

نجحت تدابير الحكومة اليمنية في استعادة ثقة المجتمع إثر تحقيق تعافٍ كبير في العملة المحلية (الريال اليمني) ووقف التلاعب المصرفي، إلا أنها ما زالت تواجه مخاوف عدم القدرة على تحقيق الاستقرار والتدخل المنظم وضبط أسعار السلع الأساسية، في حين يحذّر تقرير أممي من عدم استدامة تلك الإجراءات بفعل التحديات الاقتصادية العميقة.

وتنفذ لجان حكومية عدّة في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية حملات ميدانية لضبط أسعار المواد الغذائية، وتقول مصادر في وزارة الصناعة والتجارة إن لجانها تمكنت من ضبط عدد من المتلاعبين بالأسعار وإغلاق محالهم، خصوصاً أسعار الخبز، في حين تتلقى بلاغات وشكاوى على مدى أوقات الدوام عن وقوع مخالفات لا تستطيع الاستجابة لها جميعاً.

وبيَّنت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن اللجان الميدانية تسعى للتركيز على مراقبة المخابز والأفران لضبط أسعار الخبز، وإلزام المطاعم بخفض أسعار وجباتها بما يتناسب مع الأسعار الجديدة للمواد الغذائية بعد مرور أكثر من شهر منذ بدء تعافي العملة، منوهة إلى إلزام جميع الباعة والتجار بالأسعار الجديدة يحتاج إلى بعض الوقت والكثير من الجهد.

في المقابل، تتواصل شكاوى السكان من عدم التزام الباعة وأصحاب المطاعم بالأسعار الجديدة، وادعائهم أن السلع والمنتجات التي بحوزتهم تم شراؤها قبل تعافي الريال، في حين يتذمر تجار الجملة والمستوردون من عدم قدرتهم على الحصول على العملات الأجنبية لتسهيل عمليات الاستيراد، رغم أن الحكومة أنشأت لجنة متخصصة لضبط وتمويل الاستيراد.

بعد تعافي الريال اليمني لا يزال السكان يطمحون إلى انخفاض أسعار المواد الأساسية (أ.ف.ب)

ودعا مازن شمسان، وهو من أهالي مديرية المقاطرة في محافظة لحج (جنوب)، السكان إلى الحذر والانتباه عند تناول الطعام في المطاعم أو شراء الأغذية من المحال التجارية؛ لكون أصحابها يعلّقون قوائم بالأسعار على الأبواب والجدران ويبيعون بأسعار أعلى، خصوصاً عند شراء مجموعة سلع، بحيث لا ينتبه الزبون إلى أنه تم خداعه بمجموع الأسعار.

وفي المديرية نفسها اشتكى عدد من الباعة والتجار من أن الأسعار الجديدة تلحق بهم الخسائر نتيجة شرائها منذ أكثر من شهر.

استحسان مجتمعي

وأنشأت الحكومة اليمنية في يوليو (تموز) الماضي «اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات»؛ بهدف ضبط حركة الاستيراد والحد من المضاربات، والتي قيدت الاستيراد بـ25 سلعة أساسية، من بينها القمح، والأرز، والزيوت النباتية، والسكر ومنتجات الألبان والأدوية.

ويبدي غالب سعيد، وهو تاجر مواد غذائية في مديرية المواسط في محافظة تعز (جنوب غرب)، عدم رضاه عن الأسعار الجديدة التي أُلزم بها وزملاؤه دون مراعاة لكونهم يشترون سلعهم بالجملة على فترات زمنية طويلة تمتد لأشهر؛ لتوفير تكاليف النقل والتخزين وأجور العمال، في حين يرفض تجار الجملة والمستوردون التعامل معهم بطريقة تسويق تحميهم من الخسائر في حال عدم بيع المنتجات.

مسؤول محلي في عدن خلال جولة ميدانية لمراقبة الالتزام بالأسعار الجديدة (إكس)

وأقرّ التاجر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بما يوجّه لهم من اتهامات بأنهم يرفعون أسعار السلع بمجرد تراجع الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، ولا يبيعون بالأسعار السابقة، إلا أنه برر ذلك بأنها مطالب وشروط المستوردين الذين يبلغونهم عن حاجتهم إلى شراء العملات بالأسعار الجديدة.

وفي حين لا يزال سكان المدن الصغيرة والأرياف والمناطق النائية يشكون من عدم حدوث تحسن كافٍ في الأسعار، أظهر سكان في العاصمة المؤقتة عدن ومدينة تعز لـ«الشرق الأوسط» استحسانهم للتغيرات في الأسعار، خصوصاً في المطاعم، والمقاهي، وأسواق المواد الغذائية والخضراوات والفواكه، بعد الإجراءات الحكومية الأخيرة.

وبادر كثير من المطاعم والمقاهي إلى إعلان الأسعار الجديدة، سواء على أبوابها أو على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأعربت لمياء محمد، وهي ناشطة مجتمعية في عدن، عن سعادتها بالأسعار الجديدة التي مكَّنتها أخيراً من الخروج للقاء أصدقائها وزملائها في المقاهي؛ لمناقشة وتنفيذ عدد من الأنشطة، بعد أن اضطروا خلال الأشهر الماضية إلى الاكتفاء بالتواصل عبر الهاتف أو الاجتماع في المنازل.

إلزام المحال التجارية في تعز بنشر الأسعار الجديدة على أبوابها (فيسبوك)

وعبَّر عدد من الناشطين في مدينة تعز عن امتنانهم للمقاهي التي سارعت إلى الإعلان عن أسعار جديدة بعد تعافي الريال، ودعتهم إلى التجمع فيها وإبداء ملاحظاتهم حول أسعار الأطعمة والمشروبات وجودتها.

تحذيرات أممية

وعدّ تقرير أممي حديث الإجراءات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن ناجحة بشكل مؤقت في تعزيز قيمة الريال اليمني وخفض أسعار المواد الغذائية، مطالباً بالحذر من عدم استمرارها؛ كونها ستظل هشة وغير مستدامة في ظل استمرار التحديات الاقتصادية العميقة التي تواجه البلاد.

وحسب التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فقد شهدت الأسواق اليمنية خلال الشهر قبل الماضي تحركات متباينة في أسعار الصرف والوقود والسلع الغذائية الأساسية، لتحقق استقراراً نسبياً خلال أغسطس (آب) الماضي، مع توقعات قاتمة للأمن الغذائي في اليمن حتى فبراير (شباط) المقبل.

تحذيرات أممية من هشاشة الإجراءات الحكومية وسط انعدام الحلول الاقتصادية (الأمم المتحدة)

وطبقاً لتوقعات المنظمة الأممية، فإن من المرجح أن يظل أكثر من 18 مليون شخص، أي قرابة نصف السكان، في معاناة بسبب انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل محدودية القدرة الشرائية للعائلات، وضعف التوقعات الزراعية لموسم 2025، إضافة إلى تأثيرات السيول والفيضانات والجفاف المتقطع.

وألمحت «الفاو» في تقريرها إلى أن استمرار عوامل الضعف المؤسسي، وانعدام الشفافية، والتشرذم التنظيمي، قد تكون سبباً في تقويض فاعلية الإجراءات الحكومية، بالتزامن مع تراجع تعليق المساعدات الإنسانية ومحدودية الواردات؛ ما يهدد بالكثير من المخاطر على معيشة ملايين اليمنيين.

وشددت على أهمية مراقبة المستجدات في ملفات أساسية مثل أسعار الغذاء، وتغير اللوائح الحكومية، وعمل المواني، وظروف المناخ، وتصاعد الصراع، إضافة إلى تداعيات الأزمة الإقليمية وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

المشرق العربي تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تستقبل مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، شهر رمضان المبارك هذا العام في أجواء مختلفة كلياً عمّا اعتاده سكانها في ظل تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات وتطبيع الأوضاع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة لإعادة الدراسة في جامعة أرخبيل سقطرى (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

مبادرة سعودية تعيد الدراسة في جامعة سقطرى

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة نوعية لتعزيز استقرار التعليم في جزيرة سقطرى، في إطار الجهود التنموية المستمرة التي تقدمها السعودية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

عدن تمضي نحو الاستقرار بشراكات دولية ودعم سعودي

كثَّفت السلطة المحلية في عدن تحركاتها في إطار رؤية شاملة تستهدف تثبيت الأمن والاستقرار، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية بدعم سعودي مباشر يشمل كل المجالات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

مع التلويح بمواجهة أميركية - إيرانية محتملة، ترفع الجماعة الحوثية جاهزيتها العسكرية وتلوّح بخيارات مفتوح، وسط تقديرات بتهديدها الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن

وضاح الجليل (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».