احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

فنٌ يتجدَّد مع كلّ جيل بالوفاء للإرث وجرأة الابتكار

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
TT

احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)

في قاعة «الأسمبلي هول» العريقة بالجامعة الأميركية في بيروت، اجتمع عشّاق الموسيقى الكلاسيكية. المقاعد ازدحمت بالطلاب والمهتمّين والمُحبّين، فبدا المكان فضاء يتّسع لكلّ مَن يودّ أن يجد في الموسيقى ملاذاً من فوضى الأيام. كان الحفل دعوة إلى الإصغاء بوعي مختلف، حيث كلّ مقطوعة نافذة على عالم خاص، وكلّ لحن يفتح باباً على سؤال أو ذكرى.

الموسيقى حضور يتجدّد كلما أصغينا بقلوبنا (الشرق الأوسط)

أول الأصوات التي انبعثت في القاعة كانت للسوبرانو جندة علي منصور، مع ميشال أبو جودة على البيانو. أدّت آريا من أوبرا لموتسارت، فجاءت مَرِحة وساخرة في آن، إذ سخرت شخصية «ديسبينا» من إخلاص الرجال، فجمعت بين الدعابة الاجتماعية وخفّة النغم، لتكشف عن روح موتسارت التي تُوازن بين السخرية والمرح المُتقن. ومع سرعة الإيقاع وبريق الجُمل القصيرة، بدا الحضور كأنهم أمام حوار كوميدي تقوده الموسيقى بدهاء. لكن جندة منصور سرعان ما بدَّلت الجوّ وانتقلت مع شوبرت إلى أغنيته الشهيرة «أنت السلام». هناك انكشف بُعد آخر لصوتها. فالأغنية، التي كتبها شوبرت على نصّ لروكرت، تحوّلت إلى أنشودة هدوء أتاحت للحضور اختبار إحساس داخلي عميق.

أبو جودة نفسه عاد منفرداً ليُقدّم لمندلسون «ورقة الألبوم»؛ مقطوعة قصيرة وبسيطة، لكنها مُكثّفة بالعاطفة. تراءت مثل رسالة شخصية، تُذكّر بأنّ الجمال قد يختبئ في أبسط الأشكال وأكثرها شفافية. هنا، بدا الحفل كأنه يتوقّف ليلتقط أنفاسه قبل إكمال الرحلة.

ما بين النغمة والأخرى فراغٌ يمتلئ بما نشعر نحن به (الشرق الأوسط)

ثم جاء عزف ثيودور الحاج على إحدى مقطوعات شوبرت للبيانو. الموسيقى تماوجت بين الرقّة والانفعال، وبين الوضوح واشتعال العاطفة. لُمحت اليدان تعملان في مسارَيْن مختلفَيْن، لكنهما اجتمعتا في أثر واحد يصل إلى النفس.

وفي الغناء مجدّداً، أطلّ التينور غارين كازانجيان برفقة كيفن يوسف. أدّيا معاً أغنية بوتشيني «الأرض والبحر»؛ مقطوعة مبكرة تُشبه تمهيداً للأوبرا التي سيصنع بها مجده لاحقاً. الأغنية بدت مثل ميزان حسّاس بين حنين اليابسة وإغواء البحر. ثم ارتفع كازانجيان إلى قمة درامية في آريا «سلام عليك يا عايدة» لفيردي، حيث لقاء القوة العسكرية بالشجن الإنساني، لتتجلّى في لحن واسع يُكثّف عبقرية الأوبرا الإيطالية التي تجمع بين البطولة والوجدان.

كيفن يوسف، الذي رافقه، جلس منفرداً إلى البيانو ليُقدّم إحدى أكثر مقطوعات رحمانينوف شهرةً. بدأ بضربات افتتاحية حادّة، ثم اندفع إلى قسم وسطيّ عاصف، قبل أن يُعيد السامعين إلى الهدوء الأول. كان المشهد أشبه بمسير تحت رياح هوجاء، تُذكّر بأنّ رحمانينوف كان يكتب بذاكرة مُثقلة وبروح روسية مشبَّعة بالنوستالجيا والأسى.

البيانو يبوح بما تعجز عنه الحروف (الشرق الأوسط)

ومن روسيا إلى فرنسا، انتقل مارك إميل بستاني بالمستمعين إلى فضاء انطباعي مع موريس رافيل وقطعة «قارب على المحيط». هنا، بدا الحضور كأنهم يُبحرون فعلاً في بحر بلا شطآن، يترقّبون تبدُّل الأفق عند كلّ موجة.

ثم جاء دور الأرغن، حين جلس خليل شاهين ليعزف مقطوعة سيزار فرنك؛ «الصلاة». بدأت الألحان متأمِّلة وبطيئة، كأنها ترسم مساراً روحياً صاعداً، ثم راحت تبني نفسها تدريجياً حتى بلغت الذروة، قبل أن تخبو بسكينة. مقطوعة أشبه بتضرُّع موسيقي يترك في النفوس أثراً يُشبه الخشوع.

وأخيراً، كان لا بدّ من الإصغاء إلى صوت معاصر، فظهر المؤلِّف والعازف اللبناني الشاب، وئام حداد، ليُقدّم عمله «البريلود والنوكتورن». البريلود جاء مشدود الإيقاع في بنيته، فراحت الجُمل القصيرة تتّسع وتتصاعد مُمهِّدةً لاستعادة هدوئها. أما النوكتورن، فأتاح التأمُّل والغرق في الغنائية الحالمة، بفيضه بخطوط لحنيّة ممتدّة كأنها مرثية لليل. في هذه اللحظة، اكتمل الحفل بإدراك الجمهور أنّ الكلاسيكية حاضرٌ يتجدّد بأقلام وأصابع شباب يكتبون سطورهم الخاصة في ذاكرة الموسيقى.

اللحن يترك أثره كما يترك الموج شكلاً على الرمل (الشرق الأوسط)

كان الحفل شهادة على أنّ الموسيقى الكلاسيكية أبعد من أن تكون رمزاً للأناقة أو تقليداً متجمّداً. إنها فعل تمرُّد وثورة على الصمت، وأثر لا ينقطع بين جيل وآخر. فمِن بيتهوفن الذي كتب ليهزّ صالونات فيينا، إلى إيغور سترافينسكي الذي أشعل صخباً في أوبرا «طقس الربيع»، ومن كلارا شومان التي كسرت جدار الصمت المفروض على النساء، إلى باخ الذي جعل النظام نفسه مغامرة، يؤكد هذا الفنّ أنه لا يعيش إلا بجرأة كسر القاعدة.

والأمسية لم تكن فعلاً فردياً معزولاً، فهي جزء من مشروع ثقافي متواصل يقوده «نادي الموسيقى الكلاسيكية» في الجامعة الأميركية. هذا النادي، الذي جمع منذ تأسيسه بين الهواة والموسيقيين الشباب، جعل من بيروت مركزاً يتّسع للتراث والحداثة معاً. فهو يُنظّم الحفلات، ويقيم ندوات ومحاضرات، ويعمل على إحياء شغف الموسيقى الكلاسيكية في مجتمع يتعطَّش للجمال وسط الصخب.

وئام حداد، الذي قدَّم مقطوعته في الحفل، هو رئيس النادي وأحد مؤسّسَيْه مع مهدي عناني، مما يجعل حضوره الفنّي والإداري دليلاً على رؤية واضحة: أنّ الموسيقى الكلاسيكية، رغم جذورها الأوروبية، يمكن أن تزدهر في لبنان، وأن تُعاد كتابتها بأصوات معاصرة. فالعازفون والمغنّون من جيل شاب لا يدّعي الاحتراف ولا يُقدّم نفسه صوتاً مُكتمل التجربة. يطلّون على الخشبة بخطوات قد تتعثَّر أحياناً، لكنّها تحمل حرارة البحث عن معنى. وهم على الأرجح لا ينظرون إلى الكلاسيكيات على أنها تدريب أكاديمي أو مهارة تقنية، وإنما نافذة على عالم يُضيء دواخلهم. يجدون في موسيقى عريقة نشأت في قاعات بعيدة وأزمنة أخرى لغة شخصية قادرة على منحهم سبباً للاستمرار. وهنا تكمن القيمة الحقيقية.


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

قُبيل حفله الغنائي في القاهرة، تغزّل الفنان العراقي كاظم الساهر في مصر، واصفاً إياها بأنها تمثل بالنسبة إليه «البساطة وعدم التكلف»

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

حصد المخرج سمير سرياني جائزة «موركس دور» لأفضل كليب لبناني عن أغنية «يا قلبو» لنانسي عجرم، ليكون بذلك قد نال حتى اليوم ثلاثة جوائز

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.