احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

فنٌ يتجدَّد مع كلّ جيل بالوفاء للإرث وجرأة الابتكار

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
TT

احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)

في قاعة «الأسمبلي هول» العريقة بالجامعة الأميركية في بيروت، اجتمع عشّاق الموسيقى الكلاسيكية. المقاعد ازدحمت بالطلاب والمهتمّين والمُحبّين، فبدا المكان فضاء يتّسع لكلّ مَن يودّ أن يجد في الموسيقى ملاذاً من فوضى الأيام. كان الحفل دعوة إلى الإصغاء بوعي مختلف، حيث كلّ مقطوعة نافذة على عالم خاص، وكلّ لحن يفتح باباً على سؤال أو ذكرى.

الموسيقى حضور يتجدّد كلما أصغينا بقلوبنا (الشرق الأوسط)

أول الأصوات التي انبعثت في القاعة كانت للسوبرانو جندة علي منصور، مع ميشال أبو جودة على البيانو. أدّت آريا من أوبرا لموتسارت، فجاءت مَرِحة وساخرة في آن، إذ سخرت شخصية «ديسبينا» من إخلاص الرجال، فجمعت بين الدعابة الاجتماعية وخفّة النغم، لتكشف عن روح موتسارت التي تُوازن بين السخرية والمرح المُتقن. ومع سرعة الإيقاع وبريق الجُمل القصيرة، بدا الحضور كأنهم أمام حوار كوميدي تقوده الموسيقى بدهاء. لكن جندة منصور سرعان ما بدَّلت الجوّ وانتقلت مع شوبرت إلى أغنيته الشهيرة «أنت السلام». هناك انكشف بُعد آخر لصوتها. فالأغنية، التي كتبها شوبرت على نصّ لروكرت، تحوّلت إلى أنشودة هدوء أتاحت للحضور اختبار إحساس داخلي عميق.

أبو جودة نفسه عاد منفرداً ليُقدّم لمندلسون «ورقة الألبوم»؛ مقطوعة قصيرة وبسيطة، لكنها مُكثّفة بالعاطفة. تراءت مثل رسالة شخصية، تُذكّر بأنّ الجمال قد يختبئ في أبسط الأشكال وأكثرها شفافية. هنا، بدا الحفل كأنه يتوقّف ليلتقط أنفاسه قبل إكمال الرحلة.

ما بين النغمة والأخرى فراغٌ يمتلئ بما نشعر نحن به (الشرق الأوسط)

ثم جاء عزف ثيودور الحاج على إحدى مقطوعات شوبرت للبيانو. الموسيقى تماوجت بين الرقّة والانفعال، وبين الوضوح واشتعال العاطفة. لُمحت اليدان تعملان في مسارَيْن مختلفَيْن، لكنهما اجتمعتا في أثر واحد يصل إلى النفس.

وفي الغناء مجدّداً، أطلّ التينور غارين كازانجيان برفقة كيفن يوسف. أدّيا معاً أغنية بوتشيني «الأرض والبحر»؛ مقطوعة مبكرة تُشبه تمهيداً للأوبرا التي سيصنع بها مجده لاحقاً. الأغنية بدت مثل ميزان حسّاس بين حنين اليابسة وإغواء البحر. ثم ارتفع كازانجيان إلى قمة درامية في آريا «سلام عليك يا عايدة» لفيردي، حيث لقاء القوة العسكرية بالشجن الإنساني، لتتجلّى في لحن واسع يُكثّف عبقرية الأوبرا الإيطالية التي تجمع بين البطولة والوجدان.

كيفن يوسف، الذي رافقه، جلس منفرداً إلى البيانو ليُقدّم إحدى أكثر مقطوعات رحمانينوف شهرةً. بدأ بضربات افتتاحية حادّة، ثم اندفع إلى قسم وسطيّ عاصف، قبل أن يُعيد السامعين إلى الهدوء الأول. كان المشهد أشبه بمسير تحت رياح هوجاء، تُذكّر بأنّ رحمانينوف كان يكتب بذاكرة مُثقلة وبروح روسية مشبَّعة بالنوستالجيا والأسى.

البيانو يبوح بما تعجز عنه الحروف (الشرق الأوسط)

ومن روسيا إلى فرنسا، انتقل مارك إميل بستاني بالمستمعين إلى فضاء انطباعي مع موريس رافيل وقطعة «قارب على المحيط». هنا، بدا الحضور كأنهم يُبحرون فعلاً في بحر بلا شطآن، يترقّبون تبدُّل الأفق عند كلّ موجة.

ثم جاء دور الأرغن، حين جلس خليل شاهين ليعزف مقطوعة سيزار فرنك؛ «الصلاة». بدأت الألحان متأمِّلة وبطيئة، كأنها ترسم مساراً روحياً صاعداً، ثم راحت تبني نفسها تدريجياً حتى بلغت الذروة، قبل أن تخبو بسكينة. مقطوعة أشبه بتضرُّع موسيقي يترك في النفوس أثراً يُشبه الخشوع.

وأخيراً، كان لا بدّ من الإصغاء إلى صوت معاصر، فظهر المؤلِّف والعازف اللبناني الشاب، وئام حداد، ليُقدّم عمله «البريلود والنوكتورن». البريلود جاء مشدود الإيقاع في بنيته، فراحت الجُمل القصيرة تتّسع وتتصاعد مُمهِّدةً لاستعادة هدوئها. أما النوكتورن، فأتاح التأمُّل والغرق في الغنائية الحالمة، بفيضه بخطوط لحنيّة ممتدّة كأنها مرثية لليل. في هذه اللحظة، اكتمل الحفل بإدراك الجمهور أنّ الكلاسيكية حاضرٌ يتجدّد بأقلام وأصابع شباب يكتبون سطورهم الخاصة في ذاكرة الموسيقى.

اللحن يترك أثره كما يترك الموج شكلاً على الرمل (الشرق الأوسط)

كان الحفل شهادة على أنّ الموسيقى الكلاسيكية أبعد من أن تكون رمزاً للأناقة أو تقليداً متجمّداً. إنها فعل تمرُّد وثورة على الصمت، وأثر لا ينقطع بين جيل وآخر. فمِن بيتهوفن الذي كتب ليهزّ صالونات فيينا، إلى إيغور سترافينسكي الذي أشعل صخباً في أوبرا «طقس الربيع»، ومن كلارا شومان التي كسرت جدار الصمت المفروض على النساء، إلى باخ الذي جعل النظام نفسه مغامرة، يؤكد هذا الفنّ أنه لا يعيش إلا بجرأة كسر القاعدة.

والأمسية لم تكن فعلاً فردياً معزولاً، فهي جزء من مشروع ثقافي متواصل يقوده «نادي الموسيقى الكلاسيكية» في الجامعة الأميركية. هذا النادي، الذي جمع منذ تأسيسه بين الهواة والموسيقيين الشباب، جعل من بيروت مركزاً يتّسع للتراث والحداثة معاً. فهو يُنظّم الحفلات، ويقيم ندوات ومحاضرات، ويعمل على إحياء شغف الموسيقى الكلاسيكية في مجتمع يتعطَّش للجمال وسط الصخب.

وئام حداد، الذي قدَّم مقطوعته في الحفل، هو رئيس النادي وأحد مؤسّسَيْه مع مهدي عناني، مما يجعل حضوره الفنّي والإداري دليلاً على رؤية واضحة: أنّ الموسيقى الكلاسيكية، رغم جذورها الأوروبية، يمكن أن تزدهر في لبنان، وأن تُعاد كتابتها بأصوات معاصرة. فالعازفون والمغنّون من جيل شاب لا يدّعي الاحتراف ولا يُقدّم نفسه صوتاً مُكتمل التجربة. يطلّون على الخشبة بخطوات قد تتعثَّر أحياناً، لكنّها تحمل حرارة البحث عن معنى. وهم على الأرجح لا ينظرون إلى الكلاسيكيات على أنها تدريب أكاديمي أو مهارة تقنية، وإنما نافذة على عالم يُضيء دواخلهم. يجدون في موسيقى عريقة نشأت في قاعات بعيدة وأزمنة أخرى لغة شخصية قادرة على منحهم سبباً للاستمرار. وهنا تكمن القيمة الحقيقية.


مقالات ذات صلة

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور
يوميات الشرق المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

كشفت تقارير إعلامية أن امرأتين وجّهتا اتهامات إلى النجم الإسباني خوليو إغليسياس بالاعتداء الجنسي عليهما خلال فترة عملهما موظفتين منزليتين.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

تستضيف محافظة العلا، يومي 22 و23 يناير الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق جيسي باكلي تتألق مع جائزة أفضل ممثلة في فيلم درامي عن دورها في فيلم «هامنت» خلال حفل توزيع جوائز «غولدن غلوب» السنوي الثالث والثمانين في بيفرلي هيلز (د.ب.)

القائمة الكاملة للفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

حصد فيلم الكوميديا السوداء «معركة واحدة تلو الأخرى» وفيلم «هامنت» أكبر جائزتين في حفل «غولدن غلوب» في دورتها الثالثة والثمانين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
TT

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند؛ للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

جاء توقيف الممثل الكندي البريطاني بعد تلقّي الشرطة بلاغاً في هوليوود بُعيد منتصف الليل.

وأوضحت الشرطة، في بيان، أن «التحقيق أظهر أن المشتبه به الذي تبيَّن لاحقاً أنه يُدعى كيفر ساذرلاند، دخل سيارة أجرة واعتدى جسدياً على السائق (الضحية)، ووجّه إليه تهديدات جنائية».

وأفادت مصادر الشرطة بأن الممثل البالغ 59 عاماً تُرِك بعد ساعات قليلة بكفالة قدرها 50 ألف دولار.

ولم يردّ ممثلو ساذرلاند، على الفور، على طلبات «وكالة الصحافة الفرنسية»، للتعليق. وأشارت الشرطة إلى أن السائق لم يتعرض لأي إصابات تستدعي عناية طبية.

واشتهر ساذرلاند بتجسيده شخصية العميل جاك باور في مسلسل «24» التلفزيوني، الذي حقق نجاحاً كبيراً بين عاميْ 2001 و2010. وعلى الشاشة الكبيرة، قدّم أدواراً مميزة في أفلام «ذي لوست بويز» (1987) و«ستاند باي مي» (1986)، و«ذي ثري ماسكيتيرز» (1993). وكيفر هو نجل الممثل دونالد ساذرلاند، الذي تُوفي عام 2024.


المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».