إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط»: جهود المملكة لصون النظم البيئية البحرية «تضمن استدامة الموارد»

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
TT

إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)

شهدت البيئات البحرية والساحلية في السعودية تسجيل أعداد قياسية من الطيور والكائنات البحرية الكبيرة خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي جهود «المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية» في حماية التنوع الأحيائي وصون النظم البيئية البحرية وتعزيز استدامتها، ضمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030» ومبادرة «السعودية الخضراء» إلى جانب عدد من المنجزات التي حقّقها المركز خلال الفترة الماضية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وكشف المركز لـ«الشرق الأوسط»، جملة من التفاصيل المتعلقة بعدد من الجوانب التي أنجزها مؤخراً، وفي جانب «رحلة العقد الاستكشافية للبحر الأحمر» التي مثّلت وفقاً للمركز، نموذجاً استثنائياً لجهوده في استكشاف النظم البيئية الجديدة وتوثيق الأنواع النادرة بشكل علمي منهجي، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» وسفينة الأبحاث «أوشن إكسبلورر»، وبمشاركة 126 باحثاً، أشار المركز إلى أن هذه الرحلة وفّرت بيانات مهمة حول النظم غير المكتشفة، بما يدعم استراتيجيات المحافظة والإدارة المستدامة.

مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية

كما عزز المركز تعاونه مع «جامعة كاوست» عبر برنامج تعاوني يركز على توظيف الأبحاث الرائدة في تطوير قاعدة البيانات والأدوات العلمية لحماية البيئات البحرية والساحلية وضمان استدامتها، بما يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي والاقتصادي. ويتضمن البرنامج مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية في البحر الأحمر والخليج العربي، وجمع العينات لتحديد الأنواع الغازية وتصنيفها، إلى جانب برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الكوادر الوطنية وتعزيز قدراتها في إدارة البيئات البحرية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وحول ذلك، أكّد الدكتور محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون مع جامعة «كاوست» يوفر أدوات علمية ونماذج تقييم مخاطر وأنظمة إنذار مبكر تسهم في حماية التنوع الأحيائي البحري والتأسيس لمستقبل مستدام، مؤكداً أن «جهود المملكة الحثيثة لصون النظم البيئية البحرية تضمن استدامة مواردها»، وكشف قربان أن «الباحثين من الجانبين يعملون حالياً على دراسة التنوع الأحيائي ومدى وجود الأنواع الغازية في 34 موقعاً في البحر الأحمر والخليج العربي، حيث جُمعت أكثر من 10 آلاف عينة وحدد نحو 200 نوع بحري محتمل من هذه الأنواع».

مستهدفات «30X30» البريّة والبحرية

وأوضح المركز أن برامج «الاستكشاف والرصد الميداني» التي ينفذها، أظهرت توثيق الباحثين مشاهدات مهمة لأكثر من 84516 طائراً بحريّاً على طول الساحلين الشرقي والغربي في الخليج العربي والبحر الأحمر، مع تحديد 39 موقعاً مهماً للهجرة والتكاثر. كما رُصدت مشاهدات استثنائية لأكثر من 1219 كائناً بحرياً كبيراً على امتداد الساحلين، الأمر الذي يجسد فاعلية جهود الحماية التي ينفذها المركز للمحافظة على التنوع الأحيائي البحري وصون النظم البيئية واستعادة توازنها واستدامتها، وتحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30 في المائة من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030.

تقييم 820 موقعاً في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي

وبيّن المركز أنه يعمل ضمن الجهود الوطنية لدعم الاستدامة في النظم البيئية البحرية وتعزيز توازنها، وهي جهود تتوافق مع الالتزامات العالمية الداعمة للهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: «الحياة تحت الماء». وفي هذا السياق، أعلن المركز لـ«الشرق الأوسط» الانتهاء من دراسة وتقييم 936 موقعاً شملت 820 في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي، بينما تأتي في إطارٍ متصل عملية «تقييم حالة النظم البيئية البحرية» لتحديد التهديدات والمواقع ذات الأهمية البيئية العالية وأولويات الحماية وإعادة التأهيل.

ولفت المركز إلى أنه يعمل على تطوير خطط لحفظ الموائل البحرية وإعادة تأهيلها، وضمان استدامتها للأجيال القادمة، من خلال برامج الاستكشاف الميدانية باستخدام أحدث التقنيات، إلى جانب توفير التعليم البيئي والتدريب للكوادر الوطنية لترسيخ مفاهيم المحافظة على البيئة.

تحديد المهدّدات وتعزيز الحماية

أما حول ما تستهدفه المسوحات التي يجريها المركز، فكشف المركز أنها تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية، بما في ذلك الثدييات البحرية (الدلافين، الحيتان، الأطوم) والسلاحف البحرية وأسماك القرش والشنفين والطيور البحرية. وتمكّن هذه الأبحاث من مراقبة التغيرات في أعداد الأنواع الحية وتدهور الموائل وتحديد المهددات، بما يعزز خطط الحماية والاستدامة.

ويؤدّي المركز دوراً استباقيّاً للاستجابة لحالات الطوارئ مثل التلوث البحري وحوادث القوارب، من خلال تقييم سريع للأضرار واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من التأثيرات السلبية على الكائنات والموائل البحرية. وتشمل الجهود أيضاً المحافظة على الموائل الساحلية مثل الحشائش البحرية وأشجار المانغروف عبر مسوحات دورية لتقييم الحالة الصحية والوظيفية لهذه النظم، وفقاً لما شدّد عليه المركز خلال تفاصيل موسّعة كشفها لـ«الشرق الأوسط».

تعزيز قاعدة البيانات المعرفية

وفيما يتعلق بقواعد البيانات المرتبطة، بالتنوّع الأحيائي والمواقع ذات الأهمية البيئية في المملكة، بيّن المركز أن عدداً من التسجيلات والدراسات ساهمت في تعزيز قواعد البيانات المعرفية، بما يدعم جهود المركز في «بناء خط أساس للإدارة المتكاملة والمستدامة للموارد الطبيعية. كما تواكب التوجهات الوطنية لتعزيز السياحة البيئية ورفع الوعي البيئي المجتمعي».

مسوحات يجريها المركز تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية بما في ذلك الثدييات البحرية (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الدراسات ضمن مستهدفات المركز لاستثمار البحث والابتكار في التخطيط البيئي واتخاذ القرارات المبنية على البيانات الدقيقة، مستنداً إلى منظومة من التقنيات المتقدمة والمبتكرة التي تعزز عمليات المراقبة ورصد التغيرات البيئية وتحسين الاستجابة لحالات الطوارئ البحرية كحوادث السفن وجنوح الكائنات البحرية.

وبحسب المركز، تتناغم هذه الجهود مع «الاستراتيجية الوطنية لاستدامة البحر الأحمر»، التي تركز على الحفاظ على البيئة البحرية ودعم السياحة البيئية وتحفيز النمو الاقتصادي المسؤول، بما يوازن بين التنمية والاستدامة. ويعزز ذلك مكانة المملكة وريادتها في الاستدامة البحرية، ويسهم في دعم المجتمعات المحلية، ورفع الوعي البيئي، وتحسين جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد بما يتواكب مع طموحات «رؤية السعودية 2030».


مقالات ذات صلة

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

تبني العُلا منظومة بيئية مستدامة تجمع مراقبة التلوث واستعادة الغطاء النباتي وحماية سمائها من التلوث الضوئي.

«الشرق الأوسط» (العلا)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.