إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط»: جهود المملكة لصون النظم البيئية البحرية «تضمن استدامة الموارد»

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
TT

إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)

شهدت البيئات البحرية والساحلية في السعودية تسجيل أعداد قياسية من الطيور والكائنات البحرية الكبيرة خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي جهود «المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية» في حماية التنوع الأحيائي وصون النظم البيئية البحرية وتعزيز استدامتها، ضمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030» ومبادرة «السعودية الخضراء» إلى جانب عدد من المنجزات التي حقّقها المركز خلال الفترة الماضية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وكشف المركز لـ«الشرق الأوسط»، جملة من التفاصيل المتعلقة بعدد من الجوانب التي أنجزها مؤخراً، وفي جانب «رحلة العقد الاستكشافية للبحر الأحمر» التي مثّلت وفقاً للمركز، نموذجاً استثنائياً لجهوده في استكشاف النظم البيئية الجديدة وتوثيق الأنواع النادرة بشكل علمي منهجي، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» وسفينة الأبحاث «أوشن إكسبلورر»، وبمشاركة 126 باحثاً، أشار المركز إلى أن هذه الرحلة وفّرت بيانات مهمة حول النظم غير المكتشفة، بما يدعم استراتيجيات المحافظة والإدارة المستدامة.

مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية

كما عزز المركز تعاونه مع «جامعة كاوست» عبر برنامج تعاوني يركز على توظيف الأبحاث الرائدة في تطوير قاعدة البيانات والأدوات العلمية لحماية البيئات البحرية والساحلية وضمان استدامتها، بما يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي والاقتصادي. ويتضمن البرنامج مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية في البحر الأحمر والخليج العربي، وجمع العينات لتحديد الأنواع الغازية وتصنيفها، إلى جانب برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الكوادر الوطنية وتعزيز قدراتها في إدارة البيئات البحرية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وحول ذلك، أكّد الدكتور محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون مع جامعة «كاوست» يوفر أدوات علمية ونماذج تقييم مخاطر وأنظمة إنذار مبكر تسهم في حماية التنوع الأحيائي البحري والتأسيس لمستقبل مستدام، مؤكداً أن «جهود المملكة الحثيثة لصون النظم البيئية البحرية تضمن استدامة مواردها»، وكشف قربان أن «الباحثين من الجانبين يعملون حالياً على دراسة التنوع الأحيائي ومدى وجود الأنواع الغازية في 34 موقعاً في البحر الأحمر والخليج العربي، حيث جُمعت أكثر من 10 آلاف عينة وحدد نحو 200 نوع بحري محتمل من هذه الأنواع».

مستهدفات «30X30» البريّة والبحرية

وأوضح المركز أن برامج «الاستكشاف والرصد الميداني» التي ينفذها، أظهرت توثيق الباحثين مشاهدات مهمة لأكثر من 84516 طائراً بحريّاً على طول الساحلين الشرقي والغربي في الخليج العربي والبحر الأحمر، مع تحديد 39 موقعاً مهماً للهجرة والتكاثر. كما رُصدت مشاهدات استثنائية لأكثر من 1219 كائناً بحرياً كبيراً على امتداد الساحلين، الأمر الذي يجسد فاعلية جهود الحماية التي ينفذها المركز للمحافظة على التنوع الأحيائي البحري وصون النظم البيئية واستعادة توازنها واستدامتها، وتحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30 في المائة من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030.

تقييم 820 موقعاً في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي

وبيّن المركز أنه يعمل ضمن الجهود الوطنية لدعم الاستدامة في النظم البيئية البحرية وتعزيز توازنها، وهي جهود تتوافق مع الالتزامات العالمية الداعمة للهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: «الحياة تحت الماء». وفي هذا السياق، أعلن المركز لـ«الشرق الأوسط» الانتهاء من دراسة وتقييم 936 موقعاً شملت 820 في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي، بينما تأتي في إطارٍ متصل عملية «تقييم حالة النظم البيئية البحرية» لتحديد التهديدات والمواقع ذات الأهمية البيئية العالية وأولويات الحماية وإعادة التأهيل.

ولفت المركز إلى أنه يعمل على تطوير خطط لحفظ الموائل البحرية وإعادة تأهيلها، وضمان استدامتها للأجيال القادمة، من خلال برامج الاستكشاف الميدانية باستخدام أحدث التقنيات، إلى جانب توفير التعليم البيئي والتدريب للكوادر الوطنية لترسيخ مفاهيم المحافظة على البيئة.

تحديد المهدّدات وتعزيز الحماية

أما حول ما تستهدفه المسوحات التي يجريها المركز، فكشف المركز أنها تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية، بما في ذلك الثدييات البحرية (الدلافين، الحيتان، الأطوم) والسلاحف البحرية وأسماك القرش والشنفين والطيور البحرية. وتمكّن هذه الأبحاث من مراقبة التغيرات في أعداد الأنواع الحية وتدهور الموائل وتحديد المهددات، بما يعزز خطط الحماية والاستدامة.

ويؤدّي المركز دوراً استباقيّاً للاستجابة لحالات الطوارئ مثل التلوث البحري وحوادث القوارب، من خلال تقييم سريع للأضرار واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من التأثيرات السلبية على الكائنات والموائل البحرية. وتشمل الجهود أيضاً المحافظة على الموائل الساحلية مثل الحشائش البحرية وأشجار المانغروف عبر مسوحات دورية لتقييم الحالة الصحية والوظيفية لهذه النظم، وفقاً لما شدّد عليه المركز خلال تفاصيل موسّعة كشفها لـ«الشرق الأوسط».

تعزيز قاعدة البيانات المعرفية

وفيما يتعلق بقواعد البيانات المرتبطة، بالتنوّع الأحيائي والمواقع ذات الأهمية البيئية في المملكة، بيّن المركز أن عدداً من التسجيلات والدراسات ساهمت في تعزيز قواعد البيانات المعرفية، بما يدعم جهود المركز في «بناء خط أساس للإدارة المتكاملة والمستدامة للموارد الطبيعية. كما تواكب التوجهات الوطنية لتعزيز السياحة البيئية ورفع الوعي البيئي المجتمعي».

مسوحات يجريها المركز تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية بما في ذلك الثدييات البحرية (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الدراسات ضمن مستهدفات المركز لاستثمار البحث والابتكار في التخطيط البيئي واتخاذ القرارات المبنية على البيانات الدقيقة، مستنداً إلى منظومة من التقنيات المتقدمة والمبتكرة التي تعزز عمليات المراقبة ورصد التغيرات البيئية وتحسين الاستجابة لحالات الطوارئ البحرية كحوادث السفن وجنوح الكائنات البحرية.

وبحسب المركز، تتناغم هذه الجهود مع «الاستراتيجية الوطنية لاستدامة البحر الأحمر»، التي تركز على الحفاظ على البيئة البحرية ودعم السياحة البيئية وتحفيز النمو الاقتصادي المسؤول، بما يوازن بين التنمية والاستدامة. ويعزز ذلك مكانة المملكة وريادتها في الاستدامة البحرية، ويسهم في دعم المجتمعات المحلية، ورفع الوعي البيئي، وتحسين جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد بما يتواكب مع طموحات «رؤية السعودية 2030».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا حرائق غابات (أرشيفية - أ.ف.ب)

حرائق الغابات تنتشر في دول أوروبا وكندا

أفادت السلطات المحلية بأن حريقاً اندلع في مقاطعة هويلفا بالأندلس، جنوب غربي إسبانيا، واصل انتشاره، السبت، بعدما طال نحو 4000 هكتار

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (برشلونة)
بيئة مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت ‌الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رجال الإطفاء في أثناء حرائق الغابات في منطقة جيروند جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

حريق غابات في فرنسا يكشف عن العشرات من قذائف الحرب العالمية

اكتشف خبراء إزالة الذخائر الفرنسيون العشرات من قذائف الحرب العالمية الثانية في منطقة اجتاحها حريق غابات ضخم على الساحل الأطلسي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس )

علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
TT

علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)

حذَّر فريق من العلماء من أن الجفاف لا يعني بالضرورة انخفاض الأمراض المنقولة عن طريق الماء، مشددين على أنه في كثير من الحالات، قد نشهد تأثيراً مضاعفاً غير متوقع، حيث يؤدي شح الماء فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية.

وتساعد ورقتهم البحثية المنشورة، الأربعاء، في مجلة «تريندز إن إيكولوجي أند إيفولوشن»، على حل هذه «المفارقة بين الجفاف والأمراض». وتضع إطاراً لفهم خصائص واستراتيجيات الطفيليات التي يُرجح أن تُفضّل فترات الجفاف.

قالت تارا ستيوارت ميريل، عالمة بيئة الأمراض المائية في معهد كاري الأميركي لدراسات النظم البيئية، والمشاركة في تأليف الدراسة: «لقد وضعنا نظرية عامة لكيفية عمل الأمراض المرتبطة بالمياه خلال فترات الجفاف، من خلال تجميع الطرق التي يؤثر بها الجفاف على بقاء وتفاعلات مختلف العوائل والطفيليات».

جفاف بحيرة برينيه المتفرعة من نهر دوبس بين سويسرا وفرنسا (أ.ف.ب)

وأضافت في بيان، الأربعاء: «إن فهم هذه الآليات يمكن أن يساعدنا في تحديد الطفيليات التي يُحتمل أن تُصبح مشاكل ناشئة في عالم يزداد عرضةً للجفاف».

الأمراض في عالم جاف

قالت ستيوارت ميريل: «في بعض الأحيان، قد يكون للجفاف أثر إيجابي علينا - على سبيل المثال، في كينيا، قضى جفاف طويل الأمد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على القواقع التي تنقل داء البلهارسيا».

وأضافت: «لكن في كثير من الحالات، يؤدي الجفاف فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية». فعلى سبيل المثال، عانى القرن الأفريقي تفشي وباء الكوليرا على نطاق واسع في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عندما أجبر نقص المياه الناجم عن الجفاف السكان على الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة.

وأضاف بيتر جونسون، المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة كولورادو بولدر الأميركية: «كان هدفنا إعادة النظر في تفسير هذه الأنماط التى تبدو متناقضة ظاهرياً».

فكرة الدراسة

انبثقت فكرة الدراسة من ملاحظات جونسون أثناء دراسته للبرك المنتشرة في أنحاء كاليفورنيا خلال موجات الجفاف بين عامي 2012 و2025، حيث جفت كثير من البرك، وانخفضت بعض الأمراض، في حين ازدادت حدة أمراض أخرى.

الجفاف في بريطانيا وصل إلى مستويات قياسية (أ.ف.ب)

قال جونسون: «الجفاف يُغير أكثر بكثير من مجرد مستويات المياه، فالجفاف يُغير بشكل جذري التفاعلات البيئية التي تُحدد كيفية انتشار الأمراض».

ويُعدّ تغيير كيفية انتشار الحيوانات والطفيليات عبر الزمان والمكان إحدى الآليات التي يُمكن من خلالها أن يُساعد الجفاف الطفيليات أو يُضر بها. فقلة المياه في البيئة غالباً ما تعني تركز الحيوانات والطفيليات في المياه المتبقية وحولها.

تقول ستيوارت ميريل: «عندما تتقلص المسطحات المائية، لا تضطر الطفيليات إلى قطع مسافات طويلة للعثور على عائل في الماء».

ووفق الباحثين لا يقتصر تأثير الجفاف على كمية المياه وتوزيعها فحسب، بل يشمل أيضاً درجة حرارتها وملوحتها ومستويات الأكسجين المذاب فيها، بالإضافة إلى تركيز العناصر الغذائية والملوثات. ويمكن لهذه التغيرات في جودة المياه أن تفيد الطفيليات أو تضرها.

وبالمثل، يمكن أن يؤدي نقص المياه والإجهاد الناتج من ارتفاع درجات الحرارة والملوحة ونقص الأكسجين إلى جعل العوائل أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

انتشار البعوض

ويشير الباحثون إلى أن الجفاف قد يُفضّل بشكل انتقائي الطفيليات والعوائل المقاومة للجفاف؛ ما يُغير الشبكات الغذائية المائية بطرق تُعزز انتشار الأمراض. ومن الأمثلة على ذلك: البعوض.

وكالة البيئة البريطانية أعلنت أن أكثر من 70 % من إنجلترا تعاني الجفاف (رويترز)

وكما أوضحت ستيوارت ميريل: «سيؤدي الجفاف إلى تقلص مساحات المسطحات المائية، ونعلم أن البعوض يتكاثر بكثرة في المياه الراكدة الضحلة كالبرك والمستنقعات. وبجعل البيئات أكثر ملاءمة للبعوض، وقد يزيد الجفاف من أعداد نواقل الأمراض، وبالتالي يسمح بانتشار المزيد من الأمراض المعدية».

ويأمل الباحثون أن تُشجع هذه الورقة البحثية علماء آخرين على مواصلة العمل لفهم أيّ الطفيليات ستكون «رابحة» وأيّها «خاسرة» في ظلّ مستقبل أكثر حرارة وجفافاً.

وشددت ستيوارت ميريل على الأمر بقولها: «إنّ التنبؤ بموعد ومكان وسبب وكيفية تحوّل الطفيليات المائية إلى مشكلة أمر بالغ الأهمية لتوجيه جهود الوقاية من الأمراض وإدارتها».


المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

يرى المخرج التشادي أشيل رونايمو أن فيلمه الروائي الطويل الأول «الدية» (DIYA) يحكي رحلة داخلية يخوضها بطله بحثاً عن الخلاص بعد حادث غيّر حياته، موضحاً أن هذه الرحلة لا تنتهي بمجرد التخلص من تبعات الحادث، وإنما تقوده إلى مواجهة نفسه والتحرر تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، وهو ما يصفه بـ«الارتقاء» إلى رؤية مختلفة للحياة.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، قال رونايمو إن مفهوم «الدية» كان نقطة البداية التي انطلق منها لطرح أسئلة حول قيمة الحياة الإنسانية، مشيراً إلى أن المرء قد يجد نفسه في مرحلة ما من حياته مطالباً بسداد دين، ليس بالمعنى المادي فقط، وإنما بوصفه مسؤولية أو ثمناً يترتب عليه دفعه نتيجة أفعاله واختياراته.

قدم الفيلم جوانب متعددة لقصة إنسانية - الشركة المنتجة

وتدور أحداث «الدية» (DIYA) حول «دان»، وهو سائق يعمل لدى منظمة إنسانية في أنجامينا، ويعيش حياة هادئة مع زوجته الشابة «دلفين»، الحامل في شهرها الثامن، قبل أن يتسبب حادث عابر في تغيير حياته بالكامل، ففي لحظة غفلة، ورنين هاتف محمول في التوقيت الخطأ، وعبور طفل للطريق بسرعة، يقع الحادث المأساوي، وبعد بعض الالتباس في المستشفى، يُبلّغ دان بوفاة الطفل، فيما تطالب عائلته بالتعويض وتتمسك بـ«الدية»، أي ثمن الدم، لتنطلق رحلة دان من أجل دفع الدية إلى صحراء شمال تشاد، حيث يكتشف وسط هذا الامتداد الشاسع الحقيقة المتعلقة بالحادث الذي قلب حياته رأساً على عقب.

وشهد «الدية» (DIYA) عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي العام الماضي، قبل أن ينتقل العمل إلى مهرجانات أخرى، من بينها مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي» الذي اختتم فعالياته مؤخراً.

وأوضح رونايمو أن ما كان يشغله بالدرجة الأولى في رحلة بطله هو البحث عن الخلاص، إلا أن هذا الخلاص، في نظره، يقود إلى معنى أعمق يتمثل في الارتقاء والتحرر، مشيراً إلى أن الشخصية تخوض رحلة داخلية تتخلص خلالها تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، لتتجاوز في النهاية حدود تجربتها الإنسانية الضيقة.

وأضاف أن هشاشة الحياة تمثل أحد المحاور الأساسية للفيلم، مشبهاً الإنسان ببحّار يدرك أن البحر قد يضطرب في أي لحظة، لكنه يظل مطالباً بالتحكم في أشرعته حتى يتمكن من النجاة، لافتاً إلى أن عبور الصحراء في الفيلم لا يمثل انتقالاً جغرافياً فحسب، بل يعكس تحولاً داخلياً عميقاً.

مخرج الفيلم أشيل رونايمو - حسابه على فيسبوك

وأوضح أن عبور الصحراء بالنسبة إلى بطله هو موت داخلي يسبق الولادة من جديد، لأن دان كان عليه أن يمر بما يشبه «الثقب الأسود» في وجوده حتى يصل إلى النور، معتبراً أن كل إنسان يمر بطريقة ما عبر صحرائه الخاصة خلال حياته.

ولفت إلى أن الفيلم يتجنب تقديم شخصيات واضحة يمكن تصنيفها ببساطة على أنها مذنبة أو بريئة، موضحاً أن البشر جميعاً يخضعون لقوانين الحياة ويعانون بدرجات مختلفة.

وتحدث المخرج عن الصعوبة التي واجهها في بناء شخصيات أسرة الطفل المتوفى، مؤكداً أنه «كان حريصاً على ألا تتحول هذه الشخصيات إلى مجرد خصوم للبطل أو صورة نمطية سلبية»، لافتاً إلى أن «مشاهد التهديد والعنف النفسي واللفظي، وصولاً إلى العنف شبه الجسدي، كانت ضرورية للحفاظ على التوتر الدرامي، لكنها في الوقت نفسه هدفت إلى الكشف عن الظروف القاسية والبائسة التي يعيش فيها أفراد هذه الأسرة».

مخرج الفيلم - حسابه على فيسبوك

وأكد رونايمو أن «الدية» لا يمكنها بأي حال إصلاح فقدان حياة إنسان، موضحاً أن هذه الممارسة كانت في مرحلة معينة من التاريخ بديلاً لمنع استمرار دوائر العنف والانتقام، لأنها قد تساعد على تهدئة التوتر، لكنها لا تحقق المصالحة الحقيقية، لأن فقدان الإنسان لا يمكن تعويضه بصورة كاملة.

وعن انتقاله من الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية إلى إنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول، قال إن التجربة منحته خبرة كبيرة في مواقع التصوير، خصوصاً أن قيادة فريق كبير من التقنيين والممثلين تتطلب قدراً كبيراً من مهارات الإدارة.

وأوضح أن خبرته في السينما الوثائقية أثرت بصورة مباشرة في طريقته في اختيار الممثلين ومواقع التصوير، إذ كان حريصاً على أن يبدو كل شيء طبيعياً قدر الإمكان، لافتاً إلى أن كثيراً من المشاركين في الفيلم كانوا يخوضون تجربتهم الأولى أو الثانية أمام الكاميرا، باستثناء يوسف دجاورو، الذي يجسد شخصية والد الطفل، وهو أحد الأسماء المعروفة في السينما الأفريقية.

وقال رونايمو إن المشهد الطبيعي التشادي كان من العناصر التي أراد لها أن تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها داخل الفيلم، لكنه أشار إلى أن محدودية الميزانية حالت دون تنفيذ جزء من التصوير في صحراء تشاد كما كان مكتوباً في السيناريو.

وأضاف أن المناظر الطبيعية في تشاد نادراً ما تظهر في السينما، ولذلك كان مهماً بالنسبة إليه أن يمنحها حضوراً أساسياً، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن تشاد من دون الحديث عن طبيعتها، لأن المواقع والأزياء يمكن أن تتحدث أحياناً بقوة أكبر من الكلمات، ولذلك جرى اختيارها بعناية لخدمة هذا الهدف.

وتطرق المخرج إلى علاقته بتشاد بعد انتقاله للعيش في الخارج، موضحاً أنه غادر البلاد قبل نحو ثلاثة أعوام، عقب الانتهاء من تصوير «الدية»، لكنه لم يشعر يوماً بأنه ابتعد عنها، مؤكداً أن ولادته ونشأته هناك جعلتا بلده جزءاً أصيلاً من تكوينه، وظل حاضراً فيه أينما ذهب.

وأضاف أن أسفاره المتعددة، ورحلته الطويلة مع الكتب منذ سنوات الدراسة، منحته في الوقت نفسه مسافة كافية للنظر إلى واقع بلاده من زاوية أكثر اتساعاً، وبمنظور يتجاوز حدود التجربة المحلية، وهو ما انعكس على الطريقة التي اختار بها أن يروي حكاية الفيلم.

اعتمد الفيلم على تقديم جوانب إنسانية في قصته - الشركة المنتجة

ويرى رونايمو أن السينما قد لا تملك القدرة على تغيير العالم بصورة مباشرة، لكن تأثيرها في تشكيل الوعي الإنساني يظل مهماً، موضحاً أن مسؤولية صانع الفيلم لا تتمثل في تقديم إجابات نهائية، وإنما في طرح الأسئلة التي تدفع الجمهور إلى التفكير وإعادة النظر فيما يعتبره من المسلّمات.

وكشف المخرج التشادي أنه كان قد انتهى من كتابة سيناريو جديد لا يزال متجذراً بصورة عميقة في المجتمع التشادي، لكنه أشار إلى أن لقاءً جمعه في «شنغهاي» بامرأة وابنها البالغ 14 عاماً جعله يفكر في إمكانية خوض تجربة مختلفة.

وقال إن قصة هذه المرأة وابنها أثرت فيه بشدة، خصوصاً بسبب الروابط التي رآها بينها وبين أفريقيا، مضيفاً أن فيلمه المقبل قد يذهب إلى عالم مختلف، لكنه سيظل مرتبطاً بأفريقيا.


مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
TT

مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)

دفعت موجة الحر الشديدة التي تشهدها مصر بعض المصريين إلى إعادة ترتيب ساعات عملهم وتحركاتهم اليومية، لتجنب الوجود في الشوارع خلال ساعات الظهيرة، التي تسجل ذروة الارتفاع في درجات الحرارة، فيما لجأ آخرون إلى العمل من المنزل أو تأخير بدء أعمالهم إلى المساء.

وأوصت هيئة الأرصاد المصرية المواطنين بالاحتماء من أشعة الشمس المباشرة خلال ساعات النهار، حيث شهد الأربعاء ذروة موجة الحرارة المرتفعة التي تتضمن نسب رطوبة عالية على أغلب الأنحاء، بحسب الهيئة العامة للأرصاد الجوية، التي توقعت أن تسجل القاهرة 40 درجة مئوية للعظمى، فيما تصل درجة الحرارة المحسوسة إلى 43 درجة، وفي جنوب الصعيد تصل العظمى إلى 44 درجة في بعض المناطق.

وتقول غادة الشافعي، الموظفة في إحدى الشركات الخاصة، إنها تحاول خلال أشهر الصيف، وخصوصاً أغسطس (آب)، توزيع أيام إجازاتها والعمل من المنزل بالتناوب، لتقليل اضطرارها إلى الخروج في ساعات الحر الشديد.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «طبيعة عملي تسمح لي بمتابعة المبيعات من الخارج بفضل وسائل الاتصال»، مشيرة إلى أن «هذه الإمكانية لا تتوفر للجميع، خصوصاً العاملين في جهات أو وظائف تتطلب وجودهم في مقار العمل».

أما محمود حسن، بائع التين الشوكي المتجول، فقد دفعه ارتفاع درجات الحرارة إلى ترحيل ساعات عمله إلى المساء، ويقول: «في أيام الحر الشديد أبدأ عملي نحو السادسة مساءً حتى ساعات متأخرة من الليل، هرباً من ساعات الظهيرة التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الأربعين».

ويضيف حسن لـ«الشرق الأوسط»: «حتى لو وقفت في الظل، تظل الحرارة مرتفعة، وتأثير الحر لا يقتصر علي، وإنما يمتد إلى بضاعتي أيضاً، إذ يتأثر التين الذي أقشره وأغلفه للزبائن بارتفاع الحرارة، فيذبل ويتعرض للتلف بصورة أسرع، وهو ما يدفعني إلى تجنب عرضه خلال الساعات شديدة الحرارة».

مصر استهلكت 40 ألف ميغاوات من الكهرباء الثلاثاء (رويترز)

ويقول الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية الأسبق، إن «القانون الدولي يعتبر تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية ظرفاً يستوجب منح إجازة حفاظاً على سلامة الأفراد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أما مع وصول درجات الحرارة إلى حدود الأربعين، فننصح بألا يكون الخروج إلا للضرورة خصوصاً لمن يستطيعون العمل من البيت، وخصوصاً خلال الفترة من الواحدة ظهراً وحتى الخامسة مساءً، التي تمثل ذروة ارتفاع درجات الحرارة خلال اليوم».

ويحذر قطب من التعرض لـ«الإجهاد الحراري» خلال الموجات شديدة الحرارة، موضحاً أنه «قد يحدث نتيجة التعرض المباشر لأشعة الشمس، كما يمكن أن يحدث من دون تعرض مباشر لها، في الأماكن المغلقة سيئة التهوية»، ويشير إلى «وجود فروق فردية في القدرة على تحمل الحرارة ترتبط بالعمر والحالة الجسدية وطبيعة العمل ومكانه ومدة التعرض؛ فالعامل الذي يقضي ساعات في مكان مكشوف يختلف عن شخص يتعرض للحرارة لفترة محدودة، كما تختلف قدرة شاب في الثلاثينات عن شخص تجاوز الستين أو طفل صغير».

ويلفت خبير الأرصاد الجوية إلى أن فصل الصيف يستمر رسمياً حتى 21 سبتمبر (أيلول)، ومن ثم «تظل متابعة درجات الحرارة وموجاتها بصورة يومية مهمة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع وجودنا في ذروة أشهر الصيف وما يصاحبها من احتمالات لتكرار موجات شديدة الحرارة».

وتزامنت موجة الحر مع ارتفاع كبير في استهلاك الكهرباء في مصر، مع زيادة الاعتماد على أجهزة التكييف والتبريد، وأعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن الحمل الأقصى على الشبكة الكهربائية الموحدة سجل، الثلاثاء، نحو 40 ألف ميغاوات للمرة الأولى في تاريخ الشبكة، مرتفعاً بنحو 700 ميغاوات عن اليوم السابق، الذي بلغ فيه الحمل الأقصى 39.3 ألف ميغاوات.

مصريون يحاولون الابتعاد عن أوقات ذروة الحرارة (الشرق الأوسط)

وتجاوز الاستهلاك بذلك أعلى حمل سجل خلال العام الماضي، والبالغ 39.8 ألف ميغاوات، الذي تحقق هو الآخر بالتزامن مع موجة شديدة الحرارة.

ويربط قطب بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استهلاك الطاقة، موضحاً أن «معدلات تشغيل أجهزة التكييف ترتفع بصورة مباشرة خلال مثل هذه الموجات، خصوصاً مع امتصاص جدران المباني للحرارة واحتفاظها بها، بما يرفع درجة الحرارة داخلها ويزيد الحاجة إلى التبريد».

وكان محافظات مصرية من بينها أسوان وقنا وسوهاج وأسيوط والشرقية والسويس قد أعلنت بالآونة الأخيرة وقف الأعمال الميدانية لعمال النظافة خلال ساعات الذروة، تزامناً مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وذلك ضمن إجراءات احترازية للحد من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.