فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

خبراء دوليون لـ «الشرق الأوسط»: البلد يحتاج إلى أكثر من تغيير سياسي

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»
TT

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

في الوقت الذي يرى فيه العالم الدول الكبرى المنتجة للبترول تحقق ثباتا اقتصاديا في مواجهة التحديات التي تواجهها صناعة النفط مع التراجع البالغ للأسعار، تتراجع فنزويلا اقتصاديا لتواجه تحديات اقتصادية كبيرة خلال العام الحالي ويتوقع أن تستمر المعاناة أيضا في العام القادم.
وفي الوقت الذي فاز فيه تحالف المعارضة الفنزويلية بأغلبية في الكونغرس للمرة الأولى في انتخابات جرت أول الشهر الجاري، إلا أن هناك توقعات باستمرار الركود الاقتصادي، وانهيار غير مسبوق في سعر الصرف.
ورغم فوز المعارضة في الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى بعد حقبة السياسة «التشافيزية» التي انتهجت فيها فنزويلا السياسة اليسارية خلال 17 عاما، فإن ضعف الآمال بالنمو الاقتصادي ما زال مسيطرا وفقا لاستطلاع مجلة «التايم» الأميركية الأسبوع الماضي.
فقد أبقى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على سياسة سلفه هوغو تشافيز في التشديد على الثورة الاشتراكية التي بدأها الأخير. ورغم إثارة توقعات أن الأغلبية ستتخذ خطوات للدعوة إلى استفتاء لعزل مادورو من منصبه في وقت ما خلال العام المقبل؛ فإن محللين دوليين يرون أن فنزويلا «تحتاج أكثر من مجرد تغيير للقيادة السياسية».
ورغم أن فنزويلا واحدة من أكبر منتجي ومصدري النفط الخام في العالم، وكانت أكبر مصدر للنفط الخام في الأميركتين، كعضو مؤسس في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، حيث تعتبر فنزويلا لاعبا أساسيا في سوق النفط العالمية، فلا يزال الاقتصاد الفنزويلي في تراجع مستمر، فيما انخفضت احتياطات الذهب في مايو (أيار) الماضي بعد دفع 3.5 مليار دولار قيمة ديون في صورة سندات لتمويل «الاحتياجات الأساسية للدولة»، واقترب احتياطي النقد الأجنبي من أدنى مستوى له في 12 عاما ليقترب من 15.2 مليار دولار.
وعلاوة على ذلك، أعلن صندوق الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أن فنزويلا استبدلت 460 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة بها «SDR»؛ وهو أصل احتياطي أنشأه صندوق النقد الدولي في أكتوبر 1969 نتيجة قلق الأعضاء من احتمال عدم كفاية مخزون الاحتياطي الدولي آنذاك لدعم التجارة العالمية، وذلك في سبيل تسديد ديون مستحقة بلغت 15.8 مليار دولار بين نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى نهاية العام القادم، في الوقت الذي بلغ فيه الاحتياطي 15.2 مليار دولار.
ويثير تضاؤل الاحتياطيات الدولية لدي فنزويلا تساؤل مراقبين عن كيفية قدرة البلد على تلبية التزامات الديون في السنوات التالية ومواصلة تمويل الدين الخارجي.
ووفقا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر أكتوبر الماضي، فإن اقتصاد فنزويلا سينكمش بنسبة لا تقل عن 10 في المائة بنهاية العام الحالي، متذيلة لقائمة الصندوق. ومن بين البلدان الأخرى المتوقع أن تواجه الانكماش الاقتصادي هذا العام، مع توسع الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المائة، هي اليونان (- 2.3 في المائة)، والبرازيل (- 3.0 في المائة)، وروسيا (- 3.8 في المائة)، وأوكرانيا (- 9.0 في المائة). ويتوقع الصندوق أن يبلغ الانكماش الفنزويلي 6 في المائة العام المقبل أيضا.
وتصنف 7.3 في المائة من الأسر في فنزويلا على أنها تعيش في «فقر مدقع»، وازداد معدل البطالة بما يقرب من 18.1 في المائة، والتضخم وصل إلى 159 في المائة. وتستورد فنزويلا حاليا 70 في المائة من احتياجاتها من السلع الاستهلاكية.
وقد تراجع البوليفار (العملة المحلية) في السوق السوداء ليساوي ما يوازي 11 سنتا أميركيا أول ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بعدما كان يساوي نحو 4 دولارات في أبريل (نيسان) 2013، متراجعا نحو 97 في المائة من قيمته منذ تولي الرئيس مادورو، في حين تصر الحكومة على الإبقاء على سعر صرف الدولار «الرسمي» عند 6.3 بوليفار فقط.
وانخفض صافي الدخل للأجور في البلاد إلى نحو 9649 بوليفار شهريا، نحو 48 دولارا وفقا لسعر الصرف الرسمي، أو 10 دولارات فقط وفقا لسعر الصرف في السوق الموازية.
وقال بنك أوف أميركا الشهر الماضي إن الأجور الحقيقية انخفضت 36 في المائة على مدى العامين الماضيين. كما يتوقع اقتصاديون أن يرتفع التضخم ليبلغ 152 في المائة في 2016، مقارنة مع 124.3 في المائة خلال 2015.
ويشكل النفط 96 في المائة من عائدات صادرات البلاد، و25 في المائة من ناتجها المحلي، وفي الوقت الذي انخفض فيه الإنتاج الفنزويلي وانخفضت أسعار النفط منذ يونيو (حزيران) 2014 من 111 دولارا للبرميل، لتبلغ حدها الأدنى تحت الأربعين دولارا الآن، آخذة معها الاقتصاد الفنزويلي إلى الأسفل؛ فإن كل دولار انخفاض في أسعار النفط تتكلف كاركاس أمامه ما يقرب من 700 مليون دولار في إجمالي الإيرادات النفطية سنويا.
وبلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي لفنزويلا ما يقرب من 5 في المائة.. ونظرا لكل ذلك، فإن كاركاس تحتاج لقفز أسعار النفط إلى ما يصل إلى 125 دولارا للبرميل من أجل أن تنقذ اقتصادها من الخسائر.. وهو ما لن يحدث في أي وقت قريب.
ويرى المحلل الاقتصادي جوي أمبروز، الخبير بالشؤون الاقتصادية لأميركا اللاتينية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الاقتصاد الفنزويلي يرتكز بأكمله على إنتاج النفط، كما أدت سنوات الفساد الحكومي والسياسات الاقتصادية الاشتراكية الفاشلة إلى تحويل صناعة نابضة بالحياة إلى اقتصاد مريض مهترئ».
وانخفض إنتاج النفط الخام في البلاد بشكل ملحوظ منذ عام 1999. حيث تنتج فنزويلا حاليا 2.6 مليون برميل يوميا في عام 2015، مقارنة مع 2.69 مليون برميل يوميا في عام 2014.. وهو أيضا رقم أقل كثيرا من إجمالي إنتاج بلغ 3.2 مليون برميل يوميا عام 2002. ورغم ذلك، ما زالت تحتل مكانة بين الأوائل، وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد العام الماضي، يبلغ 299.95 مليار برميل، وتقع معظم احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا في حزام أورينوكو للنفط الثقيل والتي تمتلك 220.5 مليار برميل من احتياطات النفط المؤكدة.
وقد أدى إعادة استثمار الحكومة لعائدات النفط في البرامج الاجتماعية بدلا من الاستثمار في التنقيب والإنتاج والتكرير إلى انخفاض الإنتاج.
وقامت الحكومة الفنزويلية بتأميم صناعة النفط في 1970. وأسست شركة النفط والغاز الطبيعي الوطنية PDVSA تحت إدارتها، وهي أكبر شركة من حيث عدد الوظائف في الدولة. وقد أخذت الشركة حصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات الحكومية وعائدات التصدير.
وفي عام 1990، ومنذ انتخاب تشافيز أخذت حكومته بزيادة توغل الشركة في غالبية المشروعات النفطية، وزادت الضرائب على المشروعات الجديدة والقائمة. ولكن الشركة لم تستقر بسبب الاضطرابات العمالية، وفي عام 2002 قامت الشركة بترسيخ التواجد الحكومي وإعادة الهيكلة الإدارية للسيطرة على الاضطرابات، مما تسبب في فقد الطاقات البشرية والأفراد المدربين.
وفي عام 2006، قام تشافيز بإعادة التفاوض مع 16 شركة لزيادة الحد الأدنى لحصة الشركة الوطنية إلى 60 في المائة، كان من أبرزهم شيفرون، وأكسون موبيل، ورويال داتش شل.. بينما أجبر شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية «عنوة» على قبول الاتفاق. وبعد وفاة تشافيز وانتخاب مادورو في 2013. واصل الأخير سياسات تشافيز. في وقت تحاول فيه فنزويلا مؤخرا تحفيز الاستثمارات الأجنبية في مشاريع مشتركة لتعويض انخفاض الإنتاج.
وقال دبلوماسي عربي يعيش في كاركاس لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد الإداري بالشركة الوطنية قائم بالأساس على المحسوبية.. والتعيين بها يتم على أساس حزبي»، موضحا أن الركود الاقتصادي الذي أصبح أكثر حدة في الآونة الأخيرة، يعود إلى حالة عدم الاستقرار الشديد داخل الدولة الاشتراكية.
وأوضح الدبلوماسي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه «رغم محاولة الدولة لتوفير السلع الاستهلاكية واستثمار الحكومة على البنية التحتية والاهتمام بأنظمة التأمين الصحي والتقاعد، فإن الحكومة عاجزة عن تحديد رؤية واضحة في ظل زيادة الدين الخارجي وارتفاع مستويات التضخم».
ويشير الدبلوماسي العربي إلى أن «تشافيز كان محظوظا.. فلم تظهر عيوب سياسته إلا بعد وفاته؛ فقد استثمر في مشروعات ليست ذات عائد استثماري خارج حدود الدولة بسبب اتباع سياسات القومية. غير أن سياسات التأميم التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة عجلت من انهيار القطاع الخاص وهروب رؤوس الأموال خارج البلاد»، موضحا أن انخفاض أسعار النفط قد أدى إلى تدهور الأحوال الاقتصادية بوتيرة أسرع من المتوقع. وقد شهدت الصادرات النفطية الفنزويلية ارتفاعا خلال الربع الثاني من العام الحالي إلى 727 ألف برميل يوميا، بعدما تراجعت خلال الخمس سنوات الماضية بنسبة 40 في المائة، في حين بلغ صافي الصادرات 713 ألف برميل يوميا.
ورغم اعتماد فنزويلا بشكل أساسي على عائدات النفط؛ فإنها تدعم المواد البترولية داخليا، ليقدر تمن اللتر 0.01 دولار على مدى الـ18 سنة الماضية، مما قد خلق سوقا سوداء للمنتجات البترولية في الدول المجاورة.
وقالت الشركة الوطنية في تقرير إن هناك ما يقرب من 30 ألف برميل بنزين تم تهريبهم إلى كولومبيا خلال الأشهر الأولى من عام 2015.
وحاول الرئيس الفنزويلي مادورو أن يحول اللوم إلى «انخفاض أسعار النفط» في الشهر الماضي، ودعا منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والدول غير الأعضاء في أوبك في محاولة لوقف التدهور.
وحصلت فنزويلا على 26.9 من 100 في مؤشر مخاطر الاستثمار هذا العام. وهذا يضعها في المكان رقم 27 من أصل 28 دولة في أميركا اللاتينية، متقدمة فقط على هايتي، وفقا لتقرير بنك أوف أميركا الصادر منذ أيام قليلة.
واحتلت فنزويلا هذا المركز نظرًا للتدخل الحكومي الشديد وضعف سيادة القانون والمخاطر الحالية للمستثمرين، حيث يتم تقييد التجارة الكلية والتحكم بالأسواق، التي تملكها الحكومة أيضا، الأمر الذي يشوه المشهد التنافسي. وعلاوة على ذلك تم تأميم الشركات الخاصة، وبالنظر إلى النظام القانوني الذي يخضع لنفوذ الدولة، يضطر المستثمرون للمطالبة بالتعويض من خلال المنظمات الدولية «غير القادرة على التأثير» على الحكومة الفنزويلية. وقال أمبروز لـ«الشرق الأوسط» إن «فنزويلا ستشهد ركودا خلال 2016. للعام الثالث، نظرًا لانخفاض أسعار النفط والتضخم المرتفع وفقر بيئة الأعمال.. فلا تزال بيئة التشغيل هشة للشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية».
وفي الوقت ذاته، خفض محللون توقعات النمو للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العامين القادمين 2016 و2017. ووفقا للتقرير، احتلت فنزويلا المرتبة 41 من بين 42 دولة على مؤشر بنك أوف أميركا من حيث جاذبيتها للاستثمار، فقد تعرض المستثمرون في فنزويلا إلى الكثير من المخاطر التي تعمل على جعل البلاد مقصدًا استثماريا «غير جذاب» و«غير قادر على المنافسة»، على الرغم من ثروة مواردها الطبيعية.. وذلك إضافة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، واعتماد الكثيرين على الأمن الخاص، وتفشي الفساد في كافة المستويات الحكومية وانهيار الشبكات اللوجستية لكثير من المناطق الحدودية وانهيار البنية التحتية بإجمالي نتيجة 36.9 من أصل 100 نقطة.
واحتلت فنزويلا المرتبة 142 من 201 دولة على مستوى العالم في مخاطر النقل والمرافق العامة.. فالبرعم من أن شبكة الطرق واسعة نسبيا، فإن مستويات السلامة على الطرق من بين الأسوأ في العالم وتهالك البنية التحتية يعطل كافة الإمدادات التجارية وصعوبة حركة الاستيراد والتصدير. ويتوقع أمبروز أن تتدهور بيئة التشغيل للقطاعات الصناعية والزراعية خلال العام القادم في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية. ويقول: «عندما يسقط الناس في الأوقات الصعبة، فإنهم يتجهون إلى أصدقائهم للحصول على الدعم. وينطبق الشيء نفسه بالنسبة للبلدان.. ولكنها ليست بهذه البساطة لفنزويلا. فمنذ عام 2005، تعاني فنزويلا من ضائقة مالية تتمثل في زيادة الدين، واقترضت ما يقرب من 50 مليار دولار من الصين مقابل تصدير 600 ألف برميل يوميا، وما زالت فنزويلا تسدد ديونها للعملاق الآسيوي». ويرى أمبروز أن فنزويلا تحتاج إلى بيع النفط من أجل الربح، وليس لسداد القروض القديمة، خاصة مع الاعتراف بأن العالم يواجه وفرة في المعروض من النفط، وأن استجابة الحكومة لحل المشكلات الاقتصادية لا تزال بطيئة.. والحل يحتاج أكثر من دورة انتخابية واحدة.
ويرى مراقبون أن فنزويلا أصبحت في «انعزال» داخل دول أميركا اللاتينية، خاصة مع الانفتاح الاقتصادي الذي تسعى إليه كوبا مع الولايات المتحدة، والمشكلات الاقتصادية والسياسة التي تواجهها ديلما روسيف بالبرازيل، واقتصاد الأرجنتين الذي يعاني من تضخم ومحاولات لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.