ماذا نعرف عن حصار «الدعم السريع» لمدينة الفاشر في السودان؟

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

ماذا نعرف عن حصار «الدعم السريع» لمدينة الفاشر في السودان؟

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

تفرض «قوات الدعم السريع» حصاراً على مدينة الفاشر في غرب السودان منذ أكثر من عام، في مسعى للسيطرة عليها في ظل الحرب مع الجيش التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023.

وباتت المدينة التي تشهد أعمال عنف وحشية آخر جبهة استراتيجية في النزاع، في وقت تحاول «قوات الدعم السريع» السيطرة عليها باعتبارها آخر مدينة في منطقة دارفور ما زالت في قبضة الجيش، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتحاول «قوات الدعم السريع» التي خسرت معظم أجزاء وسط السودان بما في ذلك الخرطوم في وقت سابق هذا العام، تعزيز سلطتها في الغرب وتأسيس حكومة منافسة.

فيما يأتي لمحة عن أبرز ما نعرفه عن الوضع داخل الفاشر:

من يقاتل في الفاشر؟

يقاتل الجيش السوداني إلى جانب «القوة المشتركة»، وهي تحالف مجموعات متمرّدة سابقة يتزعمها قادة ميليشيات هم جزء من الحكومة المتحالفة مع الجيش.

وتخلّت هذه المجموعات عن الحياد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بعد مجازر عرقية قادتها «قوات الدعم السريع» ضد قبيلة المساليت في منطقة الجنينة في ولاية غرب دارفور، وبعد سيطرة «الدعم السريع» على أربع عواصم ولايات في دارفور.

انبثقت «قوات الدعم السريع» من ميليشيات الجنجويد العربية التي استعانت بها الحكومة مطلع الألفية في عهد الرئيس عمر البشير للتغلّب على تمرّد لمجموعات عرقية غير عربية في دارفور، ما أدى إلى مقتل 300 ألف شخص تقريباً في ظل اتهامات بالإبادة.

واندلعت الحرب الحالية بعد صراع بين الحليفين السابقين، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، بشأن مسألة دمج «الدعم السريع» في الجيش النظامي.

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في مدينة الفاشر بمنطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ما الذي يحدث على الأرض؟

يسيطر الجيش وحلفاؤه حالياً على أقل من 13 كيلومتراً مربعاً من إجمالي مساحة المدينة البالغة 80 كيلومتراً مربعاً، خصوصاً المنطقة المحيطة بالمطار في غرب المدينة، بحسب صور للأقمار الصناعية من «مختبر الأبحاث الإنسانية» التابع لجامعة ييل.

وتمتد باقي المناطق الخاضعة لسيطرته من مخيم أبو شوك للنازحين في الشمال، الذي يعاني قاطنوه من المجاعة إلى سجن شالا في الجنوب وحتى السوق الكبير شرقاً.

وقال ناثانيل رايموند الذي يجري تحقيقات مرتبطة بالحروب، وهو المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في ييل، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش هي حالياً «الأصغر منذ بدأ الحصار».

سيطرت «قوات الدعم السريع» على معظم أجزاء مخيم أبو شوك الذي تعرّض لهجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية؛ إذ استولت على مقر الجيش وسط المدينة واستهدفت مستشفيات ومناطق ذات كثافة سكانية عالية قرب المطار.

وتظهر صور الأقمار الصناعية من مختبر ييل أضراراً كبيرة لحقت بهيئة المياه التابعة للمدينة، ما يعرقل إمكان الوصول إلى مياه الشرب النظيفة.

وأقامت «قوات الدعم السريع» سواتر ترابية على امتداد أكثر من 31 كيلومتراً تحيط بالفاشر لمحاصرة سكانها؛ «ما يخلق منطقة قتل حرفياً»، بحسب تقرير ييل الأخير.

وبدأ الجيش إقامة هذه السواتر، لكن «قوات الدعم السريع» أكملتها وعززتها، بحسب رايموند.

وأفاد الباحث بأن السواتر تشكّل «هلالاً» على الجانب الشمالي، بينما يخضع الجزء الجنوبي لسيطرة «قوات الدعم السريع» بالكامل بعدما استولت في أبريل على مخيم زمزم الذي يعاني أيضاً من المجاعة.

وقال رايموند: «لا يوجد مخرج»؛ إذ يواجه الأشخاص الذين يحاولون عبور الحواجز الموت على الأرجح لأن مقاتلي «قوات الدعم السريع» يطلبون رشاوى مقابل السماح بمرورهم، ويعدمون من يشتبهون بأنهم على ارتباط بالجيش.

وأضاف: «نرى من الفضاء نقاط الاختناق التي تستخدمها (قوات الدعم السريع) للسيطرة على وصول المدنيين».

متطوعون سودانيون يعدّون وجبات مجانية لبعض سكان مدينة الفاشر المحاصرة في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ما هو الوضع الإنساني؟

ما زال نحو 300 ألف مدني عالقين داخل الفاشر ومحرومين من الغذاء والمياه والدواء والمساعدات الإنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

وأُعلنت المجاعة العام الماضي في زمزم وأبو شوك ومخيم ثالث قريب.

وفي الفاشر، يعاني نحو 40 في المائة من الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بحسب بيانات الأمم المتحدة. يأكل المدنيون علف الحيوانات بينما يموت كثيرون ممن يهربون إلى الصحراء جوعاً أو جراء العنف.

وتظهر صور الأقمار الصناعية توسّع المقابر. ويتحدّث المدنيون الذين يعانون الجوع عن اضطرارهم للاختباء داخل ملاجئ مؤقتة لحماية أنفسهم من القصف المتواصل.

ماذا إذا سقطت الفاشر؟

دفع هجوم «قوات الدعم السريع» على زمزم مئات آلاف الأشخاص إلى النزوح. وتخشى هيئات إغاثية من موجة هروب جماعي أخرى إذا سقطت الفاشر.

ومن شأن السيطرة على الفاشر أن تتيح لـ«قوات الدعم السريع» السيطرة على جميع عواصم ولايات دارفور الخمس، ما يعزز فعلياً موقعها لإقامة إدارة موازية في غرب السودان.

ويحذّر خبراء من فظائع تستهدف قبيلة زغاوة المهيمنة في الفاشر، تشبه مجازر 2023 في الجنينة، التي قُتل فيها ما يصل إلى 15 ألف شخص، معظمهم من قبيلة المساليت.

ووصفت المحللة السياسية خلود خير المعركة بأنها «وجودية» بالنسبة للجانبين؛ إذ تسعى «قوات الدعم السريع» لنيل الشرعية وتأمين خطوط إمداد، في حين تعتبر «القوة المشتركة» المشكّلة بمعظمها من مقاتلين من الزغاوة أن المدينة آخر خط دفاع لها.

وقالت خلود خير لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الفاشر باتت تعيش حصار استنزاف يذكّر بستالينغراد... ويرجّح ألا يجلب سوى مزيد من الموت والدمار قبل انتهائه».


مقالات ذات صلة

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

شمال افريقيا البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:34

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

تحليل إخباري شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

وقعت 5 فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي مؤثر على ميثاق تحالف «شرق السودان» في محاولة لتشكيل قوة جديدة واستراتيجية تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية يخوض المنتخب السوداني أحد أعرق المنتخبات الأفريقية هذه البطولة بينما تتواصل الحرب (أ.ب)

أمم أفريقيا: منتخب السودان يسعى لمواساة شعب غارق في حرب مروعة

جاء محمد النور إلى المغرب لحراسة مرمى منتخب بلاده، السودان، في كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، عازماً على مواساة شعبه الجريح الذي يعاني «رعب» حرب أهلية مروعة.

«الشرق الأوسط» (الدار البيضاء)
شمال افريقيا  مجلس الوزراء السوداني عقد أمس جلسته برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس (سونا)

مجلس الوزراء السوداني يجيز «موازنة 2026 الطارئة» ويصفها بـ«المعجزة»

وصف رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، التي أقراها مجلس الوزراء يوم أمس (الثلاثاء)، بـ«المعجزة» مشيداً بضبط…

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أ.ب)

«اليونيسف» تحذر من مستوى غير مسبوق من سوء التغذية بين الأطفال في شمال دارفور بالسودان

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الثلاثاء، من وجود «مستويات غير مسبوقة وخطيرة» من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

«الشرق الأوسط» (دارفور)

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
TT

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

حضّ رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأجهزة المختلفة في العاصمة طرابلس على العمل لمواجهة غلاء أسعار السلع الغذائية، من بينها مراقبة السوق، ودعم المواطنين لا سيما مع اقتراب شهر رمضان.

وكان الدبيبة قد عقد اجتماعاً موسعاً بحضور وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج، مساء الخميس، لمتابعة المستوى العام للأسعار في السوق الليبية، وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، في ظل شكاوى متواصلة من شحّ السيولة في البنوك وضعف الرواتب. كما أعلنت الحكومة اتخاذ إجراءات عدة لمواجهة موجة الغلاء، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، من بينها إعداد «قائمة سوداء» للتجار المتورطين بالمضاربة في الأسعار.

جانب من اجتماع موسع لحكومة الدبيبة لمتابعة السوق المحلية (حكومة «الوحدة»)

وتشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية، بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، وتغوّل السوق الموازية للدولار، وتراجع سعر صرف الدينار أمام العملة الصعبة، مما يعمّق معاناة الليبيين، ويحدّ من قدراتهم الشرائية.

ووجّه الدبيبة بتكثيف الجولات الميدانية داخل الأسواق، وتعزيز التنسيق بين وزارة الاقتصاد وجهاز الحرس البلدي والجهات ذات العلاقة، لمتابعة مسار السلع من المنافذ وحتى نقاط البيع، وضمان التزام التجار بالأسعار المعتمدة.

وتطرق الاجتماع إلى بحث «قيمة الاعتمادات البنكية المفتوحة» لتوريد السلع الأساسية، ومدى انعكاسها على توافر السلع في الأسواق وضمان استقرار أسعارها، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد والتوزيع، وسبل معالجتها بما يحافظ على التوازن في السوق المحلية.

وخلال اللقاء شدّد الدبيبة على اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن، أو تمس استقرار السوق، مؤكداً أن ضبط الأسعار وحماية المستهلك تمثّل أولوية قصوى للحكومة.

مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (تصوير: جمال جوهر)

وجاء الاجتماع الموسع، الذي ضم عدداً من المسؤولين من الحكومة، بعد شكاوى عديدة من ارتفاع أسعار الدواجن والبيض والتونة، بالإضافة إلى الحليب، الذي ارتفع سعر اللتر منه من 6 دنانير إلى 7.5 دينار.

وللغرض ذاته، عقد الحويج اجتماعاً موسعاً، بحضور رئيس جهاز الحرس البلدي، ووكيل وزارة العمل والتأهيل، ومديري غرف التجارة والصناعة والزراعة، لمناقشة تنظيم السوق المحلية، وضبط الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين. وناقش الاجتماع أوضاع العمالة الوافدة وتأثيرها على أنشطة الجُملة والتجزئة. كما شدد على قرار الوزارة بشأن حظر مزاولة الأنشطة التجارية على غير الليبيين، والتنسيق مع وزارة العمل وجهاز الحرس البلدي لمتابعة الأسعار وسلوكيات التجار.

وبشأن «القائمة السوداء» للتجار المتورطين في المضاربة، وجّه الحويج باتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم بالتنسيق مع الجهات المختصة ومصرف ليبيا المركزي، وأكد ضرورة المتابعة اليومية لضبط الأسعار، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، «مع التركيز على دعم المواطن، وتخفيف الأعباء المعيشية في ظل تدهور قيمة الدينار وارتفاع الأسعار في السوق الموازية»، داعياً إلى عقد اجتماع مع التجار لاستعراض المخزونات، وتقديرات الإنتاج والموازنة الاستيرادية للسلع الأساسية.

من جانبه، شدد جهاز الحرس البلدي على تقديم تقارير أسبوعية حول العمالة والأسعار، فيما أكد وكيل وزارة العمل والتأهيل تقديم جميع التسهيلات لتنظيم سوق العمل، مشيراً إلى استمرار آلية تسجيل العمالة الأجنبية عبر منظومة «وافد»، وهو ما يُسهم في تنظيم السوق المحلية وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وأعلن الحويج عقد اجتماع خلال هذا الأسبوع مع التجار لاستعراض تقديرات الإنتاج والمتوفرات والمخزونات من مختلف السلع، والعمل على إحالة الموازنة الاستيرادية الاسترشادية الخاصة بتوريد السلع الأساسية.

وفي بعض المناطق الليبية، اشتكى مواطنون من ارتفاع في أسعار طبق البيض إلى 17 و18 ديناراً، كما ارتفع سعر كيلو الدجاج إلى قرابة 18 ديناراً.

الدبيبة وجّه حكومته «بعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن أو تمس استقرار السوق» (أ.ف.ب)

وتحدثت شبكة «ليبيا للتجارة»، التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، عن «اتساع واضح في الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية للعملات الأجنبية بين شهري أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) 2025، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الدولار واليورو وبقية العملات الرئيسية في السوق الموازية». وقالت إن هذا التطور «يعكس زيادة الضغوط على الدينار الليبي نتيجة شح النقد الأجنبي، وتأخر الاعتمادات وتوسّع التعامل في سوق الشيكات، بالإضافة إلى عوامل موسمية ومالية، ما يحدّ من فعالية أدوات السياسة النقدية الحالية».


احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
TT

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

لا يزال توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي بين تونس والجزائر يثير جدالاً كبيراً غير مسبوق في تونس؛ حيث تصاعدت الدعوات إلى نشر مضمونها، خصوصاً إثر ظهور تسريبات لبعض بنودها، وهي بنود أثارت مخاوف الشارع التونسي، رغم أن وزير الدفاع الوطني التونسي، خالد السهيلي، أكّد في تصريحات صحافية أن هذه الاتفاقية ليست جديدة، بل جرى توقيعها منذ عام 2001، وأن مراجعتها جاءت لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود المشتركة.

لكن هذا التبرير لم يكن مقنعاً لكثير من التونسيين، خصوصاً بعد أن انتشرت في الأيام الماضية تسريبات ووثائق مثيرة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الاتفاقية، تؤكد أنها «غير متوازنة»، وأنها «قد تمس السيادة الوطنية للبلاد».

لكن الرئيس قيس سعيد نفى على هامش لقائه رئيسة الوزراء سارة الزعفراني الزنزري، صحة الوثائق المتداولة، وقال إن «الوثائق مفتعلة، ولا وجود لها إلا في الخيال المريض»، مشيراً إلى أن مَن قاموا بفبركتها «ما زالوا يتخبطون في غيّهم». كما أعاد تأكيد أن «الدولة لا تُدار بالتدوينات، وهؤلاء مكشوفون ومفضوحون».

بدوره، أظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استياءً من الجدل حول الاتفاق الأمني-العسكري مع تونس، الذي عدَّته المعارضة التونسية «مسعى جزائرياً للهيمنة على القرار السياسي والسيادة الوطنية التونسيين»؛ حيث أكّد تبون، في خطابه السنوي التقليدي أمام البرلمان المنعقد بغرفتيه في جلسة مشتركة، أن «الذين يعتقدون أنهم عندما يقطعون صلة تونس بالجزائر ستصبح فريسة سهلة، واهمون... إنهم لا يعرفون التونسيين جيداً». مندداً بـ«محاولة زعزعة استقرار تونس، والإضرار بالأخوّة والصداقة الجزائرية-التونسية... إنهم يحاولون تقسيمنا وبثّ الفتنة بيننا»، مؤكداً أن أمن الجزائر وتونس «مرتبط بعضه ببعض».

كما شدد تبون على أن الجيش الجزائري «لم يسبق أن دخل إلى التراب التونسي، ولن يدخله مطلقاً... لم نتدخل يوماً في شؤون تونس الداخلية، والجزائر تحترم القيادة التونسية».

غير أن تصريحات الرئيسين لم تنهيا الجدل الدائر حتى الآن؛ حيث لا تزال القيادات السياسية وبعض الشخصيات المعارضة تُطالب بنشر مضمون هذه الاتفاقية علناً لمعرفة ما تتضمنه.

في حين رأى آخرون أن عدم نشر النص الكامل للاتفاقية للرأي العام، وعدم عرضه لنقاش مؤسساتي واسع، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاوف مشروعة تتعلق بحدود السيادة الوطنية لتونس.

وبخصوص هذا الجدل علَّق النائب بالبرلمان التونسي، بدر الدين قمودي، في معرض حديثه عن الاتفاقية بين تونس والجزائر، وكتب في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»: «نعم، هناك اتفاقية بين تونس والجزائر، كُتبت بدماء الأحرار الشرفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954».

وتابع النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي»: «عاشت تونس وعاشت الجزائر، وكل أمتنا العربية... وحتى نفهم طبيعة الحملة التي تستهدف العلاقات التونسية-الجزائرية، نحن شعب واحد بدولتين... أمّا عن دعاة الوثيقة المزيفة فالمنطق يقول البيّنة على من ادعى».


الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
TT

الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

تترقّب الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر انطلاق الحوار الوطني مطلع هذا العام الجديد، بالتزامن مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، وتناقلته وكالات إعلام وصحف محلية.

ويُعد الحوار، منذ أكثر من سنة، أحد التزامات تبون بعد إعادة انتخابه سنة 2024، في وقت تترقب فيه الأحزاب ملامح المرحلة المقبلة.

وفي خطابه الأخير أمام البرلمان، جدد تبون، التزامه الصريح بإجراء الحوار، وقال بهذا الخصوص: «التزمت من هذا المنبر بحوار سياسي مع الأحزاب، وما زلت ملتزماً به، مثلما صرحت وشرحت لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلتهم».

وأوضح الرئيس الجزائري أن الانطلاق الفعلي في هذا الحوار سيكون «ريثما يصادق البرلمان على قانون الأحزاب»، عادّاً أن هذا الشرط يُشكل الإطار القانوني الضروري لفتح النقاش السياسي مع التشكيلات الحزبية.

وشدد الرئيس الجزائري على أن الحوار الوطني «سيكون بنّاءً»، مؤكداً التزامه بـ«تطبيق كل ما يجري الاتفاق عليه مع الأحزاب».

وربط الرئيس تبون الحوار السياسي بمسار الإصلاحات، التي أكد استمرارها، رغم ما وصفه بـ«محاولات التشويش من الداخل والخارج».

وأشار الرئيس إلى أن الإصلاحات الجارية تشمل مختلف القطاعات المعنية بتجسيد برامج التنمية الاجتماعية، والتكفل بالحاجيات الأساسية للمواطن، مبرزاً أن الهدف منها هو «ضمان النجاعة والشفافية وتكريس قواعد الحوكمة بالشعب ومن أجل الشعب، مع محاربة الفساد».

وفي هذا الإطار، جدد تبون تأكيد أن «العدالة ستكون بالمرصاد لكل مظاهر الفساد وأنواع الإخلال بالواجب المهني، وتأدية المسؤوليات، مع توفير الحماية لإطارات الدولة ومستخدميها النزهاء». كما ذكّر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، عادّاً أن ذلك يأتي «تجسيداً لالتزاماتنا تجاه رجال ونساء القطاع».

وكان تبون قد عرض رؤيته للحوار الوطني في حوار تلفزيوني في وقت سابق، مبرزاً أنه سيتناول قضايا تتعلق ببناء الديمقراطية، ومراجعة القوانين التي تؤطر عمل مؤسسات الدولة العصرية، على أن تتم هذه المراجعات بإشراك الأحزاب من أجل تعميق الطابع التشاركي للعمل السياسي.

وعلى أثر ذلك، طرحت قوى ونخب سياسية فاعلة في الجزائر مقترحاً لإنشاء هيئة للحوار الوطني، تتولى إدارة مسارات الحوار حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، تضم ممثلين عن الدولة والقوى السياسية والاجتماعية، لتكون إطاراً جامعاً لمناقشة التحديات الوطنية وتنسيق الجهود لمواجهتها»، وكذا «الدعوة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية بين الدولة والمجتمع، قواها السياسية والاجتماعية والمدنية تقوم على الحوار والتوافق والعمل المشترك، للتصدي لأي تهديد يستهدف كيان الدولة الوطنية، وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وترسيخ قيم المشاركة والتضامن، بما يضمن وحدة الجبهة الداخلية والأمن القومي للأوطان، ويحمي الاستقرار الوطني».