حواجز سفارتَي بريطانيا وأميركا في القاهرة... طبيعية أم مبالغ فيها؟

مبنى السفارة البريطانية في القاهرة (السفارة)
مبنى السفارة البريطانية في القاهرة (السفارة)
TT

حواجز سفارتَي بريطانيا وأميركا في القاهرة... طبيعية أم مبالغ فيها؟

مبنى السفارة البريطانية في القاهرة (السفارة)
مبنى السفارة البريطانية في القاهرة (السفارة)

أثار إجراء رفع الحواجز الأسمنتية الأمنية في محيط السفارة البريطانية وسط القاهرة بعد نحو 22 عاماً، تساؤلات حول مشروعية تلك الخطوة؛ كونها جاءت مع انتقادات مصرية لعدم اتخاذ لندن موقفاً تجاه «اعتداء» مناهضين على سفارة مصر في لندن.

تلك الخطوة، يرى خبراء قانون وأمن، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها «إجراء طبيعي تتخذه الدولة المصرية في ظل استقرار أمنها، وحق المواطنين في المرور في شارع حيوي وسط العاصمة»، موضحين أن «تلك الحواجز تم وضعها لظروف أمنية انتهت، ورفعها حق سيادي لمصر في أي وقت تتخذه حسب مصالحها، ولا يحق الاعتراض عليه ما دام يستمر تأمين المقر الدبلوماسي بالشكل المتعارف عليه، حتى ولو ربطه البعض بمعاملة بالمثل أو ما شابه».

وبخلاف أغلب دول العالم التي لا يشهد محيط المقار الدبلوماسية فيها حواجز، اتجهت مصر لوضع حواجز أسمنتية عند بعض سفارات الدول الكبرى، وكانت السفارتان الأميركية والبريطانية الموجودتان في حي جاردن سيتي، وسط القاهرة، محاطتين بتلك الحواجز بخلاف التأمين الأمني الكبير.

وفي تطور جديد «أزالت السلطات المصرية الحواجز الأمنية المحيطة بمبنى السفارة في القاهرة»، وفق ما أعلنت السفارة البريطانية في القاهرة، الأحد، في بيان عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، مؤكدة أنه «سيتم إغلاق المبنى الرئيسي حتى مراجعة تأثير هذه التغييرات».

إحدى الفعاليات داخل السفارة البريطانية في القاهرة (أرشيفية - السفارة)

تدبير أمني... ولكن

وقال أستاذ القانون الدولي، الدكتور أيمن سلامة، لـ«الشرق الأوسط» إنه وفقاً للمادة 22 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، يعد وضع الحواجز الأمنية هو أحد التدابير التي تهدف إلى توفير هذه الحماية للسفارات، لكن رفعها لا يعني بالضرورة انتهاكاً للقانون الدولي، إذا كانت الدولة المضيفة قادرة على توفير مستوى كافٍ من الحماية بطرق أخرى، وفق سلامة، مؤكداً أن «القرار هنا يعتمد على تقييم مدى كفاية الإجراءات الأمنية البديلة».

وكشف مساعد وزير الداخلية الأسبق، اللواء فاروق المقرحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «تلك الحواجز وُجدت منذ حرب العراق عام 2003، لحماية سفارات الدول التي كانت تقود تلك الحرب من أي ردود فعل محتملة بمصر، واستمرت تلك الحواجز، وكان يجب ألا يكون لها داعٍ في فترات الاستقرار قبل 2011 أو بعد 2015 عقب القضاء على الإرهاب بمصر، وصارت مكلفة وعبئاً مالياً»، معتبراً أن قرار سفارة لندن الغلق المؤقت «ليس له داعٍ في ظل بقاء التأمين».

بدوره، قال المحامي والحقوقي المصري طارق العوضي، لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الحواجز لا تُرى أمام السفارات المصرية في الخارج فقط، بل لا تُرى أمام باقي سفارات الدول في مصر، باستثناء الأميركية والبريطانية»، موضحاً أنها وُضعت نتيجة ظروف أمنية خاصة بالبلاد، وأنه مع استقرارها من حق الدولة أن تفتح الشوارع المغلقة بهذه الحواجز، احتراماً لحق المرور في ذلك الشارع الحيوي.

وشدد على أنه رغم تلك الحواجز لم يتأثر تأمين مصر لتلك السفارة، ولم تتخلَّ عن حمايتها، بل الحراسة موجودة وبشكل قوي، مؤكداً أن الدولة المصرية تنفذ مسؤوليتها وفق المعاهدات وتلتزم بالتأمين والحماية، وبالتالي فإن «استشعار سفارةٍ ما أن هذا حقها أو أن هذا عمل موجه ضدها حال رفع الحواجز، أمر ليس صحيحاً، وإنما هو قرار سيادي تتخذه الدولة وقتما شاءت».

وكان حزب الجبهة الوطنية المؤيد للسلطات المصرية، طالب في بيان يوم 26 أغسطس (آب) الجاري بـ«إزالة الحواجز وإلزام السفارة البريطانية بما تلتزم به السفارات الأجنبية الأخرى العاملة في مصر، على قاعدة المساواة الكاملة والمعاملة بالمثل».

وطالب الحزب بريطانيا بتقديم «اعتذار رسمي» للدولة المصرية عما حدث تجاه سفارتها في لندن، وضرورة تكثيف الحماية على السفارة المصرية هناك ومعاقبة المعتدين عليها، والإفراج الفوري عن الشاب أحمد عبد القادر الذي كان يساهم في تأمين سفارة بلاده ضد اعتداءات عليها، والذي أُفرج عنه لاحقاً في اليوم التالي، بعد اتصال بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول.

وقبل نحو شهر، بدأت حملة للتظاهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج، والدعوة لإغلاقها، بزعم أن «القاهرة تعرقل دخول المساعدات إلى غزة»، وتم إغلاق سفارة مصر في لندن بالأقفال من جانب مناهضين للدولة، وسط اتهامات لعناصر جماعة «الإخوان» الإرهابية بالوقوف وراء الحملة.

ويرى سلامة أن «مبدأ المعاملة بالمثل يعد ركيزة أساسية في العلاقات الدبلوماسية، وإذا كان قرار السلطات المصرية رفع الحواجز هو رد فعل على ما تعتبره إجراءات أمنية غير كافية للسفارة المصرية في لندن، فإن هذا الفعل يمكن أن يُفسر كنوع من المعاملة بالمثل، ومع ذلك يجب أن يكون هذا الرد متناسباً، وألا يؤدي إلى تعريض البعثة الأجنبية للخطر».

ومع رفع الحواجز من أمام السفارة البريطانية، توالت الإشادات بالموقف الحكومي، واعتبر الإعلامي المصري المقرب من السلطات أحمد موسى، الأحد، عبر منصة «إكس»، أن «رفع الحواجز وفتح الشوارع أمام السفارة البريطانية تصحيح لوضع خطأ؛ فكانت السفارة تحظى بمعاملة خاصة بوضع حواجز مبالغ فيها، مما أدى لإعاقة حركة المواطنين، والمعاملة بالمثل هو القرار الذي يجب تطبيقه».

وأشاد الحقوقي المصري نجاد البرعي عبر «فيسبوك» بتلك الخطوة، قائلاً: «أحيي الحكومة على قرارها الشجاع (...) لا توجد دولة في العالم تغلق شوارع كاملة في حي مثل جاردن سيتي في وسط عاصمتها لتأمين مباني سفارات أجنبية أياً كانت على حساب قاطني العقارات في تلك الشوارع وزائريها»، داعياً لعدم العودة عن القرار.

ويرى المقرحي أن هناك سعادة بالقرار؛ لأنه «قرار جريء وقوي» ويعيد الأمور لنصابها القانوني، وهناك تضرر من إغلاق شارع السفارة، مضيفاً: «لو أرادت سفارة لندن مزايا يجب أن تكون الحراسات بالمثل، وما دامت لن تفعل، فمصر غير مطالبة بأن تفعل ما دامت تقوم بواجبها الأمني على أكمل وجه، وبشكل أكبر مما تفعله بريطانيا هناك».

ويرى العوضي أن «البعض يعتبر ذلك من باب المكايدة وما شابه، لكن الأمر في نهايته شأن داخلي مصري وقرار سيادي، وليس موجهاً لبريطانيا ولا سفارتها، وخاصة أن التأمين موجود بشكل كامل، ولا يزال».

وبرأي سلامة، فإن «الحل الأمثل لأي نزاع دبلوماسي يتعلق بالإجراءات الأمنية هو اللجوء إلى المفاوضات المباشرة بين الدولتين المعنيتين، مصر وبريطانيا في هذه الحالة، بحسب المادة 42 من اتفاقية فيينا».


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

جددت القاهرة إدانتها للاعتداءات على الدول الخليجية الشقيقة مشددة على أهمية وقفها فوراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.