الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

فمك قد يصبح بوابة المستقبل الصحي والوجودي

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل
TT

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

الذكاء الاصطناعي واللعاب... طب جديد يرصد المستقبل

إنجاز يضعنا على أعتاب عصر جديد يُسمّى «الطب التنبّؤي الوقائي» في فمك اليوم ما يتجاوز حدود اللسان والأسنان... إنه خريطة بيولوجية دقيقة، أرشيف حي مكتوب بحبر البروتينات والجزيئات الدقيقة، قد لا يحمل بين طياته ماضيك الصحي فحسب، بل حتى الملامح الخفية لمستقبلك. وربما — إذا اخترت أن تُصدّق العلم لا الخرافة — توقيتاً تقريبياً لرحيلك.

لسنا أمام أسطورة من أساطير العرّافين، ولا أبراج ورقية تعدك بالحب أو الثراء، بل أمام علم صلب يتقدّم بخطوات محسوبة... علمٌ تقوده خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مدعومة بأجهزة دقيقة قادرة على تحليل قطرة واحدة من لعابك... لتكشف لك ما تعجز عن كشفه التحاليل التقليدية.

إنها ثورة جديدة في الطب: صامتة في مظهرها، لكنها صاخبة في أثرها. ثورة تجعل من لعابك صحيفة يومية تطبع كل صباح تفاصيل حالتك الصحية، وتضع بين يديك — قبل أن يخطه القدر — توقيعاً أولياً لمستقبلك.

اللعاب... من سائلٍ مُهمَل إلى مرآةٍ تكشف المصير

في موضوع سابق بعنوان «حين يتكلّم اللعاب... ويفكّ الذكاء الاصطناعي شيفرته»، توقّفنا عند ثورة هادئة تُعيد رسم ملامح التشخيص الطبي. سائلٌ اعتدناه عابراً، وعددناه طويلاً مجرد إفراز لا قيمة له، فإذا به يتحوّل اليوم بنك معلومات حيّاً، يقرأ جسدك من الداخل من دون وخز إبرة أو قطرة دم.

لكن الجديد اليوم يتجاوز حدود التشخيص. نحن أمام قفزة علمية جريئة، أشبه بفتح بابٍ لم نجرؤ من قبل على طرقه: توقّع احتمالية الوفاة المبكرة، وتحديد العمر البيولوجي الحقيقي — ذلك العمر الذي لا يُسجَّل في جواز سفرك، بل يُكتَب في شفرة خلاياك ويُترجَم في أنسجتك.

كيف يحدث هذا التحوّل المذهل؟ القصة تبدأ مع خريطة دقيقة لمكونات لعابك: من الحمض النووي الحر المتنقّل (Salivary cell-free DNA)، إلى مؤشرات الالتهاب المزمن، وصولاً إلى نسب الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress). وهذه البيانات الدقيقة، أشبه بقطع فسيفساء متناثرة، تُجمَع وتُقدَّم إلى خوارزميات التعلّم العميق، لتعيد ترتيبها في لوحة متكاملة، تُظهر ملامح صحتك ومستقبلك.

والمثير أن هذه الخوارزميات لا تعمل بعين طبيبٍ واحد، بل بعقول ملايين المرضى الذين تم تدريبها على بياناتهم، لتتعرّف على أنماط خفية يعجز حتى أمهر الأطباء عن ملاحظتها.

ما النتيجة في النهاية؟ ملفّ شخصي رقمي لا يكتفي بأن يخبرك بما تعانيه الآن، بل يهمس لك بما قد تعانيه غداً... ومتى قد يحين هذا الغد.

من جامعة هارفارد إلى اليابان... هذا ليس خيالاً

في مايو (أيار) 2025، نُشرت دراسة رائدة في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز بيولوجي» (Nature Communications Biology)، المرموقة في مجال البيولوجيا الجزيئية والطب الحيوي. وكشف باحثو معهد ويس للهندسة المستوحاة من الطبيعة (Wyss Institute for Biologically Inspired Engineering) في جامعة هارفارد، عن ابتكار قد يغيّر قواعد اللعبة في الطب: جهاز فائق الصغر يُزرع في سقف الفم (الحنك)، يراقب باستمرار مكونات اللعاب البشري، ويقيس لحظة بلحظة ما يُعرف بـ«معدل الشيخوخة البيولوجية» (Biological Aging Score).

النتائج لم تكن أقل من مدهشة؛ إذ تمكن هذا الجهاز، عبر متابعة دقيقة لمؤشرات الالتهاب، ونِسَب الأكسدة، والتغيرات الجزيئية في الحمض النووي، ومن خلال دعم خوارزميات التعلّم العميق، من توقّع احتمالية الوفاة خلال السنوات الخمس التالية بدقة تجاوزت 87 في المائة.

وهذا إنجاز يضعنا على أعتاب عصر جديد يُسمّى «الطب التنبّؤي الوقائي» (Predictive Preventive Medicine)، حيث لا يقتصر دور الطبيب على علاج المرض بعد ظهوره، بل يمتد إلى استباقه والتدخل في مساره قبل أن يتجذّر.

وليس بعيداً عن ذلك، اتخذت اليابان خطوة جريئة في الاتجاه نفسه. ففي مشروع تجريبي غير مسبوق، أطلقت جامعة كيوتو (Kyoto University) بالتعاون مع وزارة الصحة اليابانية برنامجاً اندماجياً لاختبار سنوي للعاب ضمن الفحوص الإلزامية للأسنان في المدارس والعيادات. ولا يتوقف هذا الفحص عند حدود صحة الفم والأسنان، بل يشمل تقييماً دورياً للعمر البيولوجي لكل فرد، يُرفق معه ملف صحي شخصي يحتوي على توصيات دقيقة وتحذيرات مبكرة، صُمِّمت لتناسب الحالة الجزيئية الخاصة بكل إنسان.

الذكاء الاصطناعي يتنبأ من قطرة لعاب

ما كان يتطلب سابقاً سلسلة طويلة من التحاليل المخبرية، وعيّنات دم، وانتظار أيام في المختبر... بات اليوم يُنجز خلال دقائق، باستخدام جهاز لا يتجاوز حجمه حجم شريحة ذاكرة (USB).

وقطرة واحدة من لعابك تكفي. تضعها على الجهاز، فتبدأ الخوارزميات في العمل. تُحلّل الجزيئات الحيوية الدقيقة في لعابك — من بروتينات التهابية، إلى شيفرات جينية طافية، إلى نواتج الإجهاد التأكسدي. ثم تُقارن هذه البيانات الشخصية بملايين السجلات المخزنة في قواعد بيانات ضخمة، خضعت سابقاً للتعلّم العميق (Deep Learning).

والنتيجة؟ تقرير رقمي دقيق، لا يخبرك فقط بما أنت عليه... بل بما قد تصبح عليه، ويشمل:

• عمرك البيولوجي الحقيقي (Biological Age) — ذاك الذي يعكس حالتك الصحية على مستوى الخلايا، وليس تاريخ ميلادك فقط.

• احتمالية إصابتك بأمراض مزمنة خلال السنوات العشر المقبلة، مثل السكري، وأمراض القلب، وضمور الدماغ.

• مؤشر الالتهاب الصامت — وهو أحد أخطر العوامل الصامتة لتدهور الصحة دون أعراض ظاهرة.

• تقدير متوسط العمر المتبقي — بناءً على نمط حياتك الحالي، مع إمكانية تحسينه عبر تغييرات مدروسة.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي لا يمنحك «تاريخ وفاتك» على طريقة الروايات الخيالية، لكنه يهمس إليك بلغة العلم: «إن لم تغيّر مسارك... فها هو الطريق الذي تمضي فيه».

طبيب الأسنان... أول من يُنذر

تخيّل هذا المشهد... تدخل عيادة الأسنان في زيارة روتينية، لا تشكو من ألم ولا تتوقع سوى فحص سريع وتنظيف بسيط. يبتسم الطبيب، يطلب منك أن تتمضمض بكأس صغيرة من السائل، كما اعتدت دائماً. لكن ما يحدث بعد ذلك... ليس اعتيادياً أبداً.

بدلاً من أن يخبرك بوجود تسوّس بسيط في الضرس الخلفي، يرفع رأسه من شاشة التحليل، وينظر إليك بنبرة مختلفة: «نتائج لعابك تشير إلى تسارع واضح في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية... خاصة في الجهاز القلبي والعصبي. نحن في حاجة إلى مراجعة أسلوب حياتك فوراً».

نعم، ما كان مجرّد زيارة للأسنان... تحوّل نقطة إنقاذ مبكر لحياتك.

هذا ليس خيالاً علمياً، بل سيناريو واقعي أقرب إلينا مما نعتقد، خاصةً بعد أن كشفت الدراسات الحديثة عن أن أكثر من 90 في المائة من المؤشرات الحيوية للشيخوخة — مثل الالتهاب المزمن، والإجهاد التأكسدي، وتلف الحمض النووي — تظهر في اللعاب قبل أن تُرصد في الدم أو تُلاحظ في الأعراض الإكلينيكية.

وهنا تكمن المفاجأة: عيادة الأسنان، التي لطالما حُصرت في نطاق التسوّس واللثة، تُعيد اليوم تعريف دورها... لتُصبح الخط الأمامي في الطب الوقائي الذكي (Smart Preventive Medicine)... إنها أول نقطة تماس مع أسرار جسدك، وأول من يكتشف الإنذارات الصامتة التي لا تظهر في التحاليل التقليدية.

ربما في المستقبل القريب، لن تُعرَف عيادة الأسنان فقط بأنها «مكان إصلاح الأسنان»، بل بوصفها البوابة الحيوية لصحة الإنسان الشاملة.

لكن... هل نحن مستعدون فعلاً لمعرفة الحقيقة الكاملة عن أنفسنا؟ من زاوية، قد يكون هذا أعظم هدية علمية تُمنح للإنسان: نافذة إلى المستقبل، وفرصة لتعديل المسار قبل أن يخرج عن السيطرة.

لكن من زاوية أخرى، نحن أمام مفترق فلسفي وأخلاقي عميق:

- هل من حق الطبيب أن يكشف لك عن هذا المصير البيولوجي، حتى لو لم تطلبه؟

- هل نحمّل الإنسان العادي عبء معرفة الموت الإحصائي؟

- وهل كل من يعرف أنه على حافة الخطر... يملك القدرة النفسية على التعامل مع هذا الخطر؟

ثم، ما حدود هذه المعرفة؟ هل ستُصبح «الشيخوخة البيولوجية» بنداً في ملفك الطبي يلاحقك أكثر من الأمراض نفسها؟

إن الذكاء الاصطناعي لا يكشف فقط عن أسرار اللعاب، بل يفتح صندوق «باندورا الأخلاقي للمجتمعات الحديثة. ومع كل خطوة تقنية، تظهر حاجة» ملحّة إلى قوانين تحمي الإنسان من الإفراط في المعرفة... تماماً كما نحميه من الجهل.

قد تكون قطرة لعاب... أنقذت حياة. لأول مرة في تاريخ الطب، لم يعد الفم فقط بوابة للكلام أو الطعام... بل أصبح بوابة للنجاة. ومع بزوغ هذا الجيل الجديد من الطب التنبّؤي الذكي، قد نصل إلى لحظة يصبح فيها أبسط إجراء وقائي — كالمضمضة في عيادة الأسنان — سبباً في تغيير المصير، أو إطالة العمر، أو إنقاذ قلبٍ قبل أن يتوقّف، ودماغٍ قبل أن يتدهور.

إنها ثورة صامتة... لا تحتاج إلى ضجيج الأجهزة، ولا إلى ألم الإبر، بل فقط: * ذكاء يُنصت، ووعي يُقرّر، ومستقبل لا نضيّعه.



العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».