«من محاولة الاغتيال إلى الوفاة»... توثيق أصعب سنوات نجيب محفوظ

ضمن الاحتفال بالذكرى الـ19 لوفاته

طارق الطاهر وضيوف الاحتفال خلال افتتاح معرض «من الاغتيال إلى الرحيل» (صندوق التنمية الثقافية)
طارق الطاهر وضيوف الاحتفال خلال افتتاح معرض «من الاغتيال إلى الرحيل» (صندوق التنمية الثقافية)
TT

«من محاولة الاغتيال إلى الوفاة»... توثيق أصعب سنوات نجيب محفوظ

طارق الطاهر وضيوف الاحتفال خلال افتتاح معرض «من الاغتيال إلى الرحيل» (صندوق التنمية الثقافية)
طارق الطاهر وضيوف الاحتفال خلال افتتاح معرض «من الاغتيال إلى الرحيل» (صندوق التنمية الثقافية)

ما بين حادث محاولة اغتيال «أديب نوبل» المصري نجيب محفوظ، الذي وقع في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ووفاته في 30 أغسطس (آب) 2006، 12 عاماً ظل خلالها مخلصاً للأدب رغم كل شيء، اختار «متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ» هذه السنوات لتكون محوراً لمعرض توثيقي بعنوان «من محاولة الاغتيال إلى الرحيل»، في ذكرى رحيله الـ19 التي حلت أمس (السبت).

وعبر نماذج من الصحافة المصرية ومختلف إصداراتها على غرار «الأخبار»، و«الأهرام»، و«أخبار الأدب»، ومجلات «المصور»، و«آخر ساعة»، و«نصف الدنيا»، يستعرض المعرض صفحات تناولت هذين الحدثين، ويروي ما جرى لنجيب محفوظ خلال تلك الفترة.

وتتبَّع المعرض الظهور الأخير لمحفوظ قبل محاولة اغتياله بشهر ونصف الشهر، حيث حل ضيفاً على مؤسسة «أخبار اليوم» ليشارك في توزيع جوائز صحيفة «أخبار الأدب» ويؤكد دعمه للمواهب الشابة. ثم جاءت محاولة اغتياله ولقطات من محضر التحقيق الذي أجرته النيابة العامة، وما تضمنه من أسئلة حول روايته الأشهر «أولاد حارتنا»، وإجابات محفوظ عليها، وكيف تناول الأدباء واقعة محاولة اغتياله، وما ذكره كبير الجراحين الدكتور سامح همام، الذي أشرف على الجراحة، من أنه «لم يرَ مثل هذه الطعنة التي جاءت بين فقرات العنق في شريان رئيسي يتصل بالقلب، حيث قطعت الشريان وتسببت في نزيف شديد».

نجيب محفوظ في مكتبه (الشرق الأوسط)

وعند رحيله، ودعته الصحافة المصرية بأحزان كبيرة انعكست على تغطيتها، فكتبت صحيفة «أخبار الأدب»: «وداعاً يا نجيب»، ونشرت مجلة «نصف الدنيا» على غلافها 59 قصة هي آخر ما كتب نجيب محفوظ، وكتبت صحيفة «الأخبار»: «وقائع رحيل ابن حارتنا». وأوضح الكاتب الصحافي طارق الطاهر، مدير متحف نجيب محفوظ الذي أعدَّ المعرض، أن «اختيار هذه الفترة من حياة محفوظ لتسليط الضوء عليها نظراً لكونها تمثل سيرة جديدة في حياته»، مؤكداً في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن محاولة اغتياله تسببت في إعادة الضوء على أحد أهم رواياته «أولاد حارتنا»، التي كانت محل أسئلة للنيابة العامة، وأوضح خلالها محفوظ ماذا يقصد بالرواية ورمزيتها.

ويشير الطاهر إلى أن سيرة محفوظ في تلك الفترة، التي تُعد من أصعب سنوات حياته، كانت محل اهتمام نقاد كثيرين. وقد جسد الأديب الراحل خلالها أروع الأمثلة على التحدي والإصرار؛ إذ أصر على مواصلة الكتابة بيده اليمنى رغم تأثرها الشديد بعد الحادث، ولولا تمرينه المستمر في 5 كراسات، المعروضة الآن في متحفه، لكادت الكتابة تتوقف، ما يعكس قوة إرادته وعزيمته الفائقة.

ويضيف الطاهر أن من المهم لفت نظر الباحثين إلى تلك الفترة، لا سيما أن ذكرى رحيل «أديب نوبل» العشرين تحل العام المقبل، متمنياً أن تحظى الفعاليات بمستوى أكبر يستحقه إنتاجه الأدبي.

غلاف صحيفة «أخبار الأدب» عقب محاولة اغتياله (صندوق التنمية الثقافية)

طارق الطاهر، الذي كتب مؤلفات عدّة عن محفوظ، من بينها «نجيب محفوظ بختم النسر»، و«معارك خفية لنجيب محفوظ»، و«بعلم الوصول... سيرة محفوظية جديدة»، وتولى رئاسة تحرير صحيفة «أخبار الأدب» قبل ذلك، يؤكد أن سيرة نجيب محفوظ لا تزال منقوصة، وأن هناك دائماً جديداً لم يُكتشف سواء على مستوى سيرته أو إبداعاته، الأمر الذي يتطلب مزيداً من الجهد لدى الباحثين والدارسين ومحبي محفوظ.

غلاف مجلة «المصور» عقب محاولة اغتيال محفوظ (صندوق التنمية الثقافية)

وشهد الاحتفال الذي أقيم مساء السبت جولة داخل متحف نجيب محفوظ لأعضاء فريق «سيرة القاهرة»، حيث توقفوا عند قاعاته المختلفة التي تضم «قلادة النيل»، أعلى وسام حصل عليه من الدولة، وبراءة حصوله على «جائزة نوبل»، ومكتبته الخاصة، وغيرها من القاعات التي تزخر بإنتاجه الأدبي والفني عبر أفلام مأخوذة عن رواياته وأخرى كتب لها السيناريو والحوار.

مانشيت جريدة «الأهرام» يودع نجيب محفوظ (صندوق التنمية الثقافية)

وتضمنت احتفالية المتحف بذكرى رحيله ندوة تفاعلية أدارها عبد العظيم فهمي، مؤسس «سيرة القاهرة»، مع بعض قراء نجيب محفوظ ليروي كل منهم كيف أثرت رواياته في حياتهم، وأعلن ذلك عبر حسابه على «فيسبوك»، واختار 23 من الرجال والنساء من مختلف الأعمار ليقص كل منهم قصته مع نجيب محفوظ، قائلاً إن محفوظ واحد من العظماء، وهو قريب من المواطن العادي، وحتى من لم يقرأ له يشعر بهذه الهالة التي تميزه.

مكتب ومكتبة محفوظ ضمن مقتنيات متحفه (صندوق التنمية الثقافية)

وروى الدكتور محمود الشنواني، الذي أصدر كتاباً بعنوان «ثلاثون عاماً بصحبة نجيب محفوظ»، كيف وقع في غرام كتابات محفوظ حين قرأ رواية «ثرثرة فوق النيل»، وكيف التقى محفوظ مصادفة في مقهى «ريش» بوسط القاهرة عام 1976، حين كان طالباً في كلية الطب، وهُرع إليه ليصافحه ويُعبِّر عن افتتانه برواياته، فإذا بمحفوظ يدعوه لحضور لقائه اليومي. ويؤكد الشنواني أن من الصعب أن يفلت أحد من تأثير ما يقرأه من روايات محفوظ؛ لأنها تحمل دفقة تسكن القلب والروح، وتعكس ثراء عالم محفوظ والفلسفة والرؤية والحكمة التي تميزه.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.