هجوم واسع بالطائرات المسيّرة على أوكرانيا... وكييف ترد باستهداف مصفاة نفط روسية

أوروبا تندد وروسيا تقول إنها استهدفت مصانع عسكرية وقواعد جوية

TT

هجوم واسع بالطائرات المسيّرة على أوكرانيا... وكييف ترد باستهداف مصفاة نفط روسية

رجال إنقاذ يُجرون عملية بحث داخل وحول مبنى سكني تضرر بشدة خلال هجوم روسي واسع النطاق بطائرات مُسيّرة وصواريخ على كييف (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يُجرون عملية بحث داخل وحول مبنى سكني تضرر بشدة خلال هجوم روسي واسع النطاق بطائرات مُسيّرة وصواريخ على كييف (أ.ف.ب)

شنت روسيا هجوماً واسعاً بالطائرات المسيّرة على أوكرانيا طال كييف وسومي وزابوريجيا، وأسفر عن مقتل 14 شخصاً وألحق أضراراً بمقر بعثة الاتحاد الأوروبي في العاصمة الأوكرانية، ولاقى تنديداً واسعاً من قبل قادة القارة.

ويعد هذا أول هجوم روسي كبير مشترك بالطائرات المسيّرة والصواريخ على كييف منذ أسابيع، في الوقت الذي تواجه فيه جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات صعوبات في تحقيق تقدم.

وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا شنت هجمات في أنحاء البلاد، خلال الليل، باستخدام 598 طائرة مسيّرة هجومية وخداعية و31 صاروخاً من طرازات مختلفة، مما يجعلها واحدة من أكبر الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب.

يحمل رجال الإنقاذ الأوكرانيون جثة ضحية انتشلت خلال عملية بحث في موقع مبنى سكني تضرر بشدة من جراء هجوم صاروخي روسي بكييف (أ.ف.ب)

واتهم وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، روسيا، عبر منصة «إكس»، الخميس، باستهداف الدبلوماسيين عمداً. وقال سيبيها إن هذا انتهاك لاتفاقية فيينا، ودعا إلى إدانة دولية للهجوم. وأضاف سيبيها، الذي نشر أيضاً صوراً للأضرار التي لحقت بالمكاتب: «نعرب عن تضامننا مع زملائنا في الاتحاد الأوروبي، ونحن على استعداد لتقديم المساعدة».

من جانبها، قالت المفوضة الأوروبية لشؤون التوسع، مارتا كوس، عبر منصة «إكس»: «أدين بشدة هذه الهجمات الوحشية، التي تعد دليلاً واضحاً على أن روسيا ترفض السلام وتختار الإرهاب».

وسمع دوي انفجارات في كييف، حيث قال رئيس بلدية المدينة فيتالي كليتشكو إنه تم تفعيل الدفاعات الجوية. وأضاف أن طائرة مسيّرة روسية سقطت في فناء مبنى سكني مكون من تسعة طوابق لكنها لم تنفجر. كما تم الإبلاغ عن انفجارات في مدينة سومي شمالاً ومدينة زابوريجيا جنوباً.

فيما نفى الكرملين استهداف المدنيين وقال إن المنشآت التي ضربت في هجومها الكبير خلال الليل هي قواعد جوية لها صلة بالجيش الأوكراني. وذكرت وزارة الدفاع الروسية في بيان أنها شنت «ضربة مكثفة» على أوكرانيا باستخدام صواريخ «كينجال» فرط صوتية وطائرات مسيّرة وصواريخ عالية الدقة تطلق من الجو. وقالت إنها أصابت كل أهدافها المحددة. وأضافت وزارة الدفاع أن قواتها سيطرت على منطقة نيليبيفكا السكنية في شرق أوكرانيا وقصفت سفينة استطلاع أوكرانية.

رجال الإطفاء يحملون جثة ضحية من مبنى متضرر بعد هجوم روسي في كييف بأوكرانيا (أ.ب)

وندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس بـ«الترهيب والهمجية» اللذين تمارسهما روسيا في أوكرانيا. وكتب ماكرون على منصة «إكس»: «629 صاروخاً وطائرة مسيّرة في ليلة واحدة على أوكرانيا: هذه هي إرادة السلام الروسية. ترهيب وهمجية»، مندداً بـ«أشد العبارات بهجمات لا معنى لها ووحشية بشكل بالغ».

اتهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ«تخريب الآمال بتحقيق السلام» في أوكرانيا، بعد الهجوم الصاروخي الدامي على كييف ليل الأربعاء - الخميس. وقال ستارمر إن «بوتين يقتل الأطفال والمدنيين ويخرّب الآمال بتحقيق السلام. يجب أن يتوقف حمام الدم هذا»، مؤكداً أن الضربات التي أسفرت عن مقتل 14 شخصاً على الأقل وفق السلطات الأوكرانية، أدت كذلك إلى «تضرر» مبنى المجلس الثقافي البريطاني في العاصمة.

عدّت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الضربات الروسية على كييف التي ألحقت أضراراً بمقر بعثة التكتل، تظهر أن موسكو لن يثنيها شيء عن «ترهيب» أوكرانيا. وقالت فون دير لاين للصحافيين إن الهجوم «كان الأكثر حصداً للأرواح في العاصمة منذ يوليو (تموز)... وهو أيضاً اعتداء على بعثتنا»، مضيفة أنه «يظهر أن الكرملين لن يثنيه شيء عن ترهيب أوكرانيا والقتل الأعمى للمدنيين، الرجال، والنساء، والأطفال، وحتى استهداف الاتحاد الأوروبي».

أعلنت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، الخميس، استدعاء مبعوث موسكو. وأفادت كالاس على منصة «إكس» بأنها تحدثت الى أفراد البعثة، وأكدت أن «عزمهم على مواصلة دعم أوكرانيا يمنحنا القوة. يجب ألا تكون أي بعثة دبلوماسية هدفاً». وأضافت: «رداً على ذلك، سنستدعي المبعوث الروسي في بروكسل».

وقال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس» بعد الهجوم، إن «روسيا تختار الصواريخ الباليستية بدلاً من طاولة المفاوضات. نتوقع رداً من جميع من دعوا إلى السلام في العالم، لكنهم الآن يلتزمون الصمت بدلاً من اتخاذ مواقف مبدئية».

مبنى سكني تضرر من جراء هجوم صاروخي روسي على كييف

وأضاف زيلينسكي: «يجب فرض عقوبات صارمة جديدة على روسيا بسبب رفضها وقف إطلاق النار ومحاولاتها المستمرة للتهرب من المفاوضات. هذا هو الإجراء الوحيد الكفيل بتحقيق النجاح».

«الروس لا يفهمون إلا القوة والضغط. يجب أن تشعر موسكو بوطأة عواقب أي ضربة تنفذها».

وفي المقابل، أفادت «وكالة الأنباء الروسية الرسمية» (تاس) بأنه تم إصدار إنذارات جوية لفترة وجيزة في إقليم ليبيتسك الروسي بسبب طائرات مسيّرة أوكرانية قادمة، فيما قيد مطار فولغوجراد عملياته كإجراء احترازي.

كما أعلنت روسيا، الخميس، إخماد حريق اندلع في مصفاة نفط بمنطقة كراسنودار في جنوب البلاد، وذلك عقب هجوم أوكراني بطائرات مسيّرة في إطار الحملة المتواصلة التي تشنها كييف لاستهداف أحد أهم القطاعات في الاقتصاد الروسي.

صعّدت كييف هذا الشهر هجماتها بالمسيّرات على مصافي النفط الروسية والبنى التحتية المرتبطة بالتصدير لإظهار قدرتها على الرد. وتشير حسابات أجرتها «رويترز» هذا الأسبوع إلى أن الهجمات الأوكرانية على عشر منشآت نفطية تسببت في تعطيل ما لا يقل عن 17 في المائة من طاقة مصافي التكرير في روسيا، أي ما يعادل نحو 1.1 مليون برميل يومياً.

وقالت القوات المسلحة الأوكرانية إن طائراتها المسيّرة استهدفت مصفاة أفيبسكي في منطقة كراسنودار، التي قالت إنها كانت تسهم في تزويد الجيش الروسي بالوقود. وأضافت أن طائراتها المسيّرة استهدفت أيضاً منشأة أخرى، هي مصفاة كويبيشيف في منطقة سامارا الروسية التي قالت إنها شهدت اندلاع حريق.

ولم يصدر أي تأكيد رسمي من الجانب الروسي بشأن الضربة على سامارا، غير أن وزارة الدفاع الروسية قالت في بيان إنها أسقطت 102 مسيّرة أوكرانية خلال الليل في سبع مناطق من بينها سامارا.

وقال حاكم سامارا فياتشيسلاف فيدوريشيف إن 21 طائرة مسيّرة أوكرانية تم تدميرها، وإنه تم إخماد الحريق الذي اندلع نتيجة الهجوم بسرعة.

واشتكى فيدوريشيف في بيان مما قال إنها «محاولات لتدمير عناصر البنية التحتية لدينا»، دون أن يحدد الأجزاء التي اندلعت فيها النيران، داعياً السكان إلى عدم مشاركة مقاطع الفيديو أو الصور التي توثق تبعات الهجوم.

فولوديمير زيلينسكي ودونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

ولم يتضح بعد حجم الأضرار التي لحقت بمنشأة كراسنودار. وقالت مصادر في القطاع إن المنشأة عالجت 7.2 مليون طن من النفط الخام في 2024 وثلاثة ملايين طن خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2025. وأعلنت عدة مناطق في روسيا، إلى جانب أجزاء من أوكرانيا خاضعة لسيطرة موسكو، نقص البنزين هذا الشهر، وذلك في أعقاب تصعيد أوكرانيا لهجماتها، وسط زيادة موسمية في الطلب على الوقود.

وفرضت روسيا في 28 يوليو (تموز) حظر تصدير البنزين على منتجي النفط، في محاولة لمنع حدوث عجز خلال ذروة الطلب الناتج عن السفر في الصيف وموسم حصاد الحبوب. وكانت ضربات روسية على كييف في أواخر يوليو أسفرت عن سقوط أكثر من 30 قتيلاً، في هجوم هو من الأكثر حصداً للأرواح في العاصمة منذ بدء الحرب. ودفعت الهجمات الروسية في حينه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى زيادة الضغط على موسكو للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب، ولوّح بفرض عقوبات إضافية عليها في حال لم تقبل بذلك. والتقى ترمب وبوتين في ألاسكا 15 أغسطس (آب). واستقبل الرئيس الأميركي بعد ذلك زيلينسكي وقادة أوروبيين في البيت الأبيض، مؤكداً عزمه على السعي لجمع الرئيسين الروسي والأوكراني وجهاً لوجه للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، سعياً للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. إلا أن أي تقدم على هذا الصعيد لم يحقق منذ ذلك الحين. وتبادلت موسكو وكييف الاتهام بالمسؤولية عن ذلك.

وتؤكد كييف أهمية الحصول على ضمانات أمنية من الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، في إطار أي اتفاق سلام، بشكل يحول دون تعرضها لهجوم روسي جديد. في المقابل، تتمسك روسيا بمطالب، منها تخلي أوكرانيا عن مناطق تحتل موسكو أجزاء واسعة منها، والتخلي عن مسعاها للانضمام مستقبلاً إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وهو ما ترفضه كييف. وفي الأشهر الأخيرة تمكّن الجيش الروسي الذي يحتلّ نحو 20 في المائة من أوكرانيا في الشرق والجنوب، من تسريع وتيرة تقدّمه الميداني في مواجهة وحدات أوكرانية أقل عدداً وأسوأ تجهيزاً.

أعلن الرئيس الأوكراني أن كبار مفاوضيه سيتوجهون إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا في ظل استمرار الحرب الروسية. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي، الأربعاء، إن رئيس مكتبه الرئاسي أندريه يرماك ووزير الدفاع السابق رستم عمروف من المقرر أن يلتقيا مسؤولين أمريكيين في نيويورك، الجمعة. وأكد المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف عقد اللقاء.

وأضاف زيلينسكي: «كل من يعمل على مضمون الضمانات الأمنية سيشارك في الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية»، مشيراً إلى أن «المهمة هي التحرك بأسرع ما يمكن، حتى تصبح هذه أيضاً أداة ضغط. يجب أن يرى الروس جدية موقف العالم وحجم العواقب إذا استمرت الحرب».

لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ في موسكو خلال شهر مايو الماضي (رويترز)

واتهم زيلينسكي موسكو برفض التفاوض ونقض وعد كانت قد قطعته للرئيس الأمريكي. وتهدف الضمانات الأمنية إلى حماية أوكرانيا من أي عدوان روسي متجدد بعد انتهاء الحرب. وفي حين تعتزم الولايات المتحدة المشاركة، يتوقع أن يأتي الجزء الأكبر من الدعم العسكري من الدول الأوروبية. ورفضت روسيا بشكل قاطع نشر قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية.

أعلنت روسيا، الخميس، أنها لا تزال «مهتمة» بمباحثات السلام لكنها ستواصل شنّ ضربات على أوكرانيا. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين رداً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «القوات المسلحة الروسية تؤدي مهماتها... تواصل ضرب الأهداف العسكرية والمنشآت المرتبطة بها». وأضاف: «في الوقت عينه، تبقى روسيا مهتمة بمواصلة عملية التفاوض. الهدف هو تحقيق أهدافنا بالوسائل السياسية والدبلوماسية».


مقالات ذات صلة

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 18 مارس 2026 (أ.ب) p-circle

مشرّعون روس يزورون أميركا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات

مشرعون روس يزورون أمريكا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات الكرملين يأمل في عقد جولة جديدة من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»