كيف أصبحت الطبيعة البرية مصدر إلهام لمصممي المجوهرات الفاخرة؟

أشواك وورود ونحل ويعاسيب بترجمات واقعية

تتصدّر الحشرات الصغيرة والحيوانات الضخمة وكذلك الورود والبرسيم الساحة حالياً في عالم المجوهرات (بوشرون)
تتصدّر الحشرات الصغيرة والحيوانات الضخمة وكذلك الورود والبرسيم الساحة حالياً في عالم المجوهرات (بوشرون)
TT

كيف أصبحت الطبيعة البرية مصدر إلهام لمصممي المجوهرات الفاخرة؟

تتصدّر الحشرات الصغيرة والحيوانات الضخمة وكذلك الورود والبرسيم الساحة حالياً في عالم المجوهرات (بوشرون)
تتصدّر الحشرات الصغيرة والحيوانات الضخمة وكذلك الورود والبرسيم الساحة حالياً في عالم المجوهرات (بوشرون)

متابعة سريعة لما طرحته دور المجوهرات الكبيرة في الآونة الأخيرة تُشير إلى أن الغالبية اختارت العودة إلى قديمها. أسماء مهمة مثل «كارتييه» و«شوميه» و«بوشرون» و«شوبارد» و«فان كليف آند آربلز» وغيرها تعرف جيداً أن في أرشيفها تسكن حكايات مثيرة. نعم قد يتجاوز عمرها قروناً، إلا أنها لا تزال صامدة تتحدّى الزمن بجمالها وصفائها، لا سيما تلك التي تربطها بالطبيعة؛ لهذا لم تكن صدفة أن يُطلق معظمها، إن لم نقل كلها، مجموعات رفيعة تُحاكي بتفاصيلها عالم الحيوانات والبرية. الجديد أنها فضّلت صياغتها بواقعية أكبر، في حين تبنّى البعض جانبها الجامح والمتوحش.

أخذ «البانثير» أشكالاً مختلفة بفضل تنوع الأحجار وطرق رصها لكنه دائماً متميز بالحركة (كارتييه)

«كارتييه» أطلقت على مجموعتها «طبيعة متوحشة»، وكأنها تُبرِر هذه الواقعية في التصميم والصياغة. ترى أن هذا حق من حقوقها بحكم تاريخها الممتد لأكثر من 150 عاماً، وفنيتها في صياغة الأفاعي والنمور منذ زمن. كذلك دار «شوميه» التي أكّدت في مجموعتها الأخيرة «جواهر من الطبيعة»، تلك العلاقة التي تربطها بالبرية منذ نحو 250 عاماً، وبأن مؤسسها كان يُوقِع مُراسلاته في ذلك الزمن بعبارة «صائغ الطبيعة».

لم تستثنِ دار «بوشرون» نفسها من هذا الحق، وقالت إنه يمكن تتبع إرثها «الطبيعي» إلى عهد فريدريك بوشرون في 1858. والحق يقال إنه كان أول من شدّه جانبها البرّي. لم يحاول ترويضه أو صياغته بأسلوب شاعري، بل بالعكس، فضَّل محاكاته كما هو، الأمر الذي خلَّف لنا قطع مجوهرات تُجسّد أوراق اللبلاب والشوك والسراخس، بل حتى الذباب والنحل الطنّان. كان يرى الجمال حتى في الأشياء التي يراها الآخرون قبيحة.

المهم أن هذا الجانب البرِّي والجامح للطبيعة هو الذي سلّطت عليه بيوت المجوهرات الكبيرة الضوء هذا العام، وتفنن حرفيوها في إبرازه بشكل فني وواقعي بأبعاده الثلاثية:

«كارتييه» ورحلتها إلى «طبيعة متوحشة»

تتكون المجموعة من 87 قطعة تشمل قلائد وبروشات وخواتم وأقراطاً كان الفهد المرقط بطلاً من أبطالها (كارتييه)

تقول جاكلين كاراشي، المديرة الإبداعية لقسم المجوهرات الفاخرة في دار «كارتييه» إن مجموعة «الطبيعة المتوحشة» (Nature Sauvage): «تُقدم نظرة جديدة عن عالم الحيوانات». وتتابع: «أشكالها قد تفاجئ الناظر بتأرجحها بين الخيال والواقعية، وتلاعبها الفني بالأحجام المتضادة لخلق خدع بصرية، إلا أنها مثيرة وفنية بكل المقاييس». وتشرح جاكلين أيضاً أنه تم الحرص على ألا تتكرر أشكال الحيوانات لتجنب السقوط في فخ النمطية. أمر فهمه حرفيوها ونفذوه بنجاح من خلال وضع لمسات معاصرة واضحة.

تتكون المجموعة من 87 قطعة، تشمل قلائد وبروشات وخواتم وأقراطاً، كان الفهد المرقط بطلاً من أبطالها الكُثر، مثل طائر الفلامنغو، والسلاحف والثعابين وغيرها. هناك مثلاً سلحفاة تكاد تفر من قلادة متدلية لتتحول إلى بروش، وطائر نعّام وردي يطل برأسه من بين شجيرات القصب المصنوعة من الزمرد، وثعبان ينفصل ليُشكل قلادة تتحول فيها حراشفه إلى لوحة درامية معاصرة، وما شابه من القصص المصوغة بالأحجار الثمينة. حتى الحمار الوحشي اكتسب رقيّاً وجمالاً وهو يلتقط في فكّه ماسة بقطع زمردي وحجر روبيليت، وتتخلله خطوط من العقيق اليماني وأجزاء مخرمة مرصعة جوانبها بالألماس.

«البانثير» الأيقوني يبدو في هذه المجموعة أكثر مرونة وحركة (كارتييه)

أما أيقونتها «البانثير» فاكتسبت شقاوة ومرحاً في سوار وخاتم ضمن قطعة واحدة متحركة. استعرضت «كارتييه» في هذا «البانثير» مهارتها بخلق أشكال مدببة، وترصيع الفرو بالألماس والمرقط بأحجار الياقوت الأزرق والعيون بالزمرد. والنتيجة أنه يبدو مرناً كأنه يلعب ويقفز بشكل واقعي.

تُشير الدار إلى أن عملية إنتاج أي مجموعة من مجموعاتها الفاخرة تستغرق نحو 3 سنوات، من مرحلة التفكير والاستلهام إلى التنفيذ ثم التسويق. في هذه المجموعة، تطلّب تنفيذ 80 قطعة ما يقارب 70.000 ساعة، علماً بأن ما تم طرحه حتى الآن ما هو إلا فصل من فصول لا تزال الدار تنسج خيوطها لتصوغها في قصص جديدة، فهي تنوي طرح 185 قطعة أخرى في الأعوام المقبلة القليلة.

الطبيعة بعيون «بوشرون»

الطبيعة كانت ولا تزال دائماً في صلب إبداعات بيوت المجوهرات (بوشرون)

منذ خطواته الأولى في عالم المجوهرات، نسج فريدريك بوشرون علاقة عشق مع الطبيعة. كان مختلفاً عمن سبقوه ممن صاغوها بأساليب شاعرية للتمويه على جانبها المتوحش أو ترويضه. وبالنسبة له، كلما كانت هذه الطبيعة برِّية وعُذرية، زاد فضوله لاستكشاف تفاصيلها الخفية، يصوغها في قطع مقنعة تحوّلت مع الوقت إلى أيقونات تفخر بها الدار حتى الآن، مثل البرسيم، والأقحوان، والورود البرية، والشوك، فضلاً عن الفراشات والخنافس واليَعاسيب ونبتة اللبلاب. مثلاً لم ينظر إلى هذه الأخيرة بعيون باقي الصاغة، الذين يرونها مجرد نبتة طفيلية ويصفونها بـ«خنّاقة الأشجار». رأى فيها جمالاً عفوياً يرمز إلى الحب العميق والمتشابك.

عقد قديم جديد استوحته مصممة دار «بوشرون» من الطبيعة والأرشيف على حد سواء (بوشرون)

في هذا العام، التقطت كلير شوان، المديرة الإبداعية لـ«بوشرون» إرثه، ونسجت منه إبداعات برؤية وأبعاد معاصرة. أطلقت على المجموعة عنوان «طبيعة جامحة» (Untamed Nature) تشمل 28 قطعة فنية، كل واحدة منها تتمرّد على الحدود التي رسمها الإنسان لمحيطه البيئي، سواء كانت زهوراً برية أو أشواكاً أو فراشات أو نبات البرسيم أو أوراق اللبلاب. هذه الأخيرة مثلاً ظهرت في بروش ينبض بالحياة، ويسهل فصل أغصانه ليتحوّل إلى عقد أنيق، أو إلى قطعة تزين الشعر. البراعة التقنية التي يتميز بها، تجلّت في تثبيت أوراق اللبلاب بأحجام مختلفة وأشكال متباينة، من خلال آليات دقيقة تمنح القطعة حركة طبيعية تُحاكي نسمات الرياح.

ثمرات التوت البرية المستوحاة من الأرشيف بترجمة حديثة ومبتكرة (بوشرون)

هناك أيضاً عقد مستوحى من التوت البرِّي الأحمر، استغرق العمل عليه 1.060 ساعة ليأتي متعدّد الاستخدام بفضل نظام دقيق من المفاصل المتحركة، تُمكِّن من فصل بعض السيقان لتكوين بروش كبير، أو بروشات صغيرة أخرى. تشرح الدار أن التحدي الذي واجهه حرفيوها هو كيفية إعادة ابتكار الالتفاف الطبيعي لأوراق الورد، كونها غنية بالتفاصيل. في النهاية تطلَّب الأمر صياغة نحو 84 ورقة يدوياً بأشكال مختلفة لتعزيز الإحساس بالواقعية، ثم ترصيعها بالألماس على شريط معدني بالعرض نفسه، مُثبت بمخالب دقيقة للغاية.

جواهر من الطبيعة

تتغلغل الطبيعة في جذور «شوميه» منذ تأسيسها وتطورت لغتها بشكل معاصر في مجموعتها الأخيرة (شوميه)

«شوميه» أيضاً أظهرت مهارتها وفنيّتها في مجموعتها الجديدة «جواهر من الطبيعة». غنيٌّ عن القول، إن أرشيفها غنيٌّ برسمات لقطع أيقونية نظراً لتاريخها الممتد على 250 عاماً تقريباً. قسمت المجموعة المكونة من 54 قطعة، إلى 3 فصول؛ الأول يُسلط الضوء على الأنواع البريّة التي تصمد في وجه الطبيعة المتقلبة، والنباتات المزروعة، والثاني يكشف عن طبيعة زائلة تشمل الزهور والفراشات، أما الثالث فيتناول الطبيعة المتجددة بلا نهاية.

عقد يجسد أزهاراً برية (شوميه)

وبوصفه صدىً لشغف جوزفين في علم النبات، ولتجذّرها في ذخيرة «شوميه» الأسلوبيّة، يتمّ تسليط الضوء على هذا التراث بشكل مُتكرّر كما في طقم «وايلد روز» (Wild Rose) المُستوحى من تاج صممه جوزيف شوميه في عام 1922 على شكل وردة برِّية مرصعة بألماسات صفراء، وبراعم مغلقة مصنوعة من اللؤلؤ. النسخة الجديدة عبارة عن طقم مُرصّع هو الآخر بألماسات صفراء تطلّب تنفيذ قلادته وحدها نحو 1500 ساعة من العمل.

في طقم «أوت آند فيلد ستار» (Oat and Field Star) فإن النجم الأول هو الشوفان. يتمايل هنا مع الأزهار في عقد فاخر استغرق تركيبه أكثر من 1300 ساعة عمل، إلى جانب بروش قابل للتحويل يُمكن ارتداؤه مثل قطعة تُزيِن الشعر.

ولا يختلف الأمر في طقم «كلوفر آند فيرن» (Clover and Ferns) الذي يتراقص فيه البرسيم والسرخس على أحجار الزمرد الكولومبي والألماس الأبيض، في عقد قابل للتحول.

في حوار بين البرسيم والسرخس يجمع الألماس والزمرد (شوميه)

تجدر الإشارة إلى أن البرسيم مثل النحل، يحتلّ مكانة بارزة في تُراث «شوميه». في الفصل الثالث من هذه الحكاية تبرز النحلة، التي لا يُمكن لـ«شوميه» أن تتخلّى عنها، فهي تعويذتها ورمزها الأبدي منذ أن اختارها الإمبراطور نابليون الأول رمزاً لسلطته.

في 7 بروشات مصممة بنقش قرص العسل، تظهر النحلة وهي تنتقل من زهرة إلى زهرة، ومن مجموعة إلى أخرى، تبحث عن مكانها بين الأحجار الكريمة الزاهية. الجميل فيها أيضاً أنها قابلة للتحويل، لتواكب متطلبات العصر، وتُذكرنا بذلك التلاحم بين الطبيعة والإنسان، وبأهميتها في النظام البيئي.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.