موريتانيا تنفي عبور أسلحة أوكرانية من أراضيها نحو الساحل

روسيا تتهم كييف بالعمل سراً لزعزعة استقرار أفريقيا

العلاقات الروسية - الموريتانية تعود لعام 1965... لكن ذلك لم يمنع نواكشوط من إقامة علاقات استراتيجية بـ«حلف شمال الأطلسي»... (الخارجية الموريتانية)
العلاقات الروسية - الموريتانية تعود لعام 1965... لكن ذلك لم يمنع نواكشوط من إقامة علاقات استراتيجية بـ«حلف شمال الأطلسي»... (الخارجية الموريتانية)
TT

موريتانيا تنفي عبور أسلحة أوكرانية من أراضيها نحو الساحل

العلاقات الروسية - الموريتانية تعود لعام 1965... لكن ذلك لم يمنع نواكشوط من إقامة علاقات استراتيجية بـ«حلف شمال الأطلسي»... (الخارجية الموريتانية)
العلاقات الروسية - الموريتانية تعود لعام 1965... لكن ذلك لم يمنع نواكشوط من إقامة علاقات استراتيجية بـ«حلف شمال الأطلسي»... (الخارجية الموريتانية)

نفت موريتانيا بشدة ما قالت إنها «مزاعم» تتحدث عن عبور أسلحة أوكرانية من أراضيها نحو جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل الأفريقي، وأكدت أن هذه المزاعم المتكررة «لم تُدعَّم بأي دليل ملموس».

مدير «رابطة ضباط الأمن الدولي الروسي» ألكسندر إيفانوف (وسائل إعلام روسية)

جاء ذلك للرد على تصريحات أدلى بها مدير «رابطة ضباط الأمن الدولي الروسي»، ألكسندر إيفانوف، لوكالة الأنباء الرسمية الروسية «تاس»، يقول فيها إن «معدات ومقاتلين أوكرانيين يمرون عبر مناطق حدودية ضعيفة الحراسة مع موريتانيا، وصولاً إلى مالي».

وليست هذه أول مرة تتحدث فيها مصادر روسية عن دور «خفي» تلعبه أوكرانيا في دعم الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل، خصوصاً في دولة مالي، التي تعقد شراكة عسكرية وأمنية مع موسكو لمواجهة تمرد مسلح.

الرد الموريتاني

وزارة الخارجية الموريتانية أصدرت بياناً (الاثنين)، قالت فيه: «تداولت بعض وسائل الإعلام الأجنبية مزاعم ادّعت أن موريتانيا تشكّل معبراً لأسلحة قادمة من أوكرانيا في طريقها إلى جماعات مسلّحة تنشط في منطقة الساحل. غير أنّ هذه الادعاءات لم تُدعَّم بأي دليل ملموس، ومع ذلك، فإن تكرارها يستوجب توضيحاً لا لبس فيه».

وأكدت الحكومة الموريتانية «رفضها القاطع هذه المزاعم»، مشيرة إلى أن موريتانيا تحارب التطرف العنيف منذ أكثر من عقد، وأن لديها قناعة راسخة بأن «أمن موريتانيا الداخلي لا ينفصل عن أمن محيطها الإقليمي»، ثم أوضحت أن «هذا التصوّر يجد أساسه في واجب التضامن ومنطق الواقعية السياسية».

وقالت الوزارة إن موريتانيا «تدرك أن زعزعة استقرار أي جار لا بد من أن تنعكس سلباً عليها، وقد أثبتت التجارب أن اهتزاز أمن دولةٍ ما سرعان ما يتجاوز حدودها ليطال جيرانها. وانطلاقاً من ذلك، تَرسّخ تمسّك موريتانيا بمفهوم الأمن الجماعي في منطقة الساحل، حيث دأبت، بصمت وبعيداً عن الاستعراض الإعلامي، على مؤازرة أشقائها في فترات الهشاشة والاضطراب عبر الدعم اللوجيستي، وتبادل المعلومات الحسّاسة، والوساطات الهادئة».

وبخصوص الموقف من الصراع الروسي - الأوكراني، قالت الحكومة الموريتانية إنها تتمسك بما سمتها «التعددية والالتزام الصارم بميثاق الأمم المتحدة، وتغليب الحلول السلمية للنزاعات، ورفض الانخراط في صراعات المحاور والتجاذبات الجيوسياسية».

وزير خارجية موريتانيا يستقبل نظيره الروسي العام الماضي في نواكشوط (أرشيفية)

وأوضحت أنها «في الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوّتت لمصلحة القرار الذي يدين المساس بسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وفي الوقت ذاته عارضت تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، إيماناً منها بأن العقوبات وسياسات العزل لا تُنهي الأزمات، بل تطيل أمدها».

وأشارت إلى أن هذا الموقف لا يعني أي نوع من «الازدواجية» وإنما يمثل «الوضوح في التفكير: فالعلاقات مع موسكو تعود إلى عام 1965، بينما العلاقات مع كييف حديثة ومحدودة. ومن ثمّ، فإن خياراتها لا تمليها اعتبارات المساعدات أو الضغوط، بل عمق الروابط التاريخية واتساق المواقف المبدئية».

وخلصت الحكومة الموريتانية إلى أنها «إزاء هذه المزاعم الأخيرة، لا تكتفي برفضها الحازم فحسب، بل تجدّد تمسّكها بخطها الثابت: قلة في الكلام، كثرة في الأفعال، ووفاء دائم للمبادئ. ففي منطقة تتقاذفها الأزمات والانقلابات، اختارت بلادنا نهجاً متفرّداً: دبلوماسية قائمة على التحفّظ في الأسلوب، والصلابة في المبدأ، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الاستقرار مسؤولية جماعية مشتركة، لا تخص دولة بعينها».

دور أوكرانيا في أفريقيا

ويأتي هذا الجدل، بعد تصريحات قال فيها مدير «رابطة ضباط الأمن الدولي الروسي»، ألكسندر إيفانوف، إن أوكرانيا تنفذ أعمالاً سرية وتهرّب أسلحة وتدرّب مقاتلين في دول أفريقية من بينها موريتانيا، وأضاف أن «الأوكرانيين ينفذون أعمالهم في أفريقيا سراً، بما في ذلك عبر السفارة الأوكرانية لدى موريتانيا».

وقال الضابط الروسي إن «التدخل الأوكراني الضار يهدد بجولة أخرى من عدم الاستقرار»، وشدد على أن «موظفين دبلوماسيين أوكرانيين لدى الجزائر يشرفون على تسليم طائرات مسيّرة إلى أفريقيا».

وأوضح أن روسيا حددت وجود مدرّبين أوكرانيين على الطائرات المسيّرة في مالي والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد، مؤكدة أنهم ينسّقون هجمات إرهابية ضد القوات الحكومية.

وقال إن أوكرانيا «تزود المتمردين في الساحل بطائرات (Mavic3) مجهزة بأنظمة إسقاط مصنّعة في أوكرانيا، ويقدّمون لهم تدريبات، كما ينسّقون هجمات هؤلاء المسلحين على مواقع القوات الحكومية وحلفائها».

وكان النائب الأول للممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، ديميتري بوليانسكي، قد صرح، الأسبوع الماضي أمام مجلس الأمن الدولي، بأن «هناك معطيات دقيقة تشير بوضوح إلى أن أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، وعلى رأسها الإدارة العامة للاستخبارات بوزارة الدفاع الأوكرانية، متورطة في أنشطة تخريبية في بلدان الساحل وبمناطق أخرى من أفريقيا».

في غضون ذلك، لم يصدر عن السلطات الأوكرانية أي ردود أو توضيحات بهذا الخصوص.

من هو إيفانوف؟

ظهر اسم ألكسندر إيفانوف مطلع عام 2021 حين التقى مسؤولين في جمهورية أفريقيا الوسطى، من بينهم وزير الأمن الداخلي. وقد تناقلت الصحف المقرّبة من روسيا هذا الخبر دون إعطاء أي معلومات إضافية عن شخصيته.

وتشير التقارير إلى أنه رجل في الستينات من عمره، يرتدي نظارات مستطيلة، بلحية بيضاء، وحضوره على الإنترنت شبه معدوم، باستثناء بعض المقالات. كما يظهر في صور نادرة مع ماكسيم تشواغالي، المقرب من يفغيني بريغوجين، والمقدَّم على أنه المموّل الأساسي لشركة المرتزقة «فاغنر».

وفي تصريحاته، يقدم إيفانوف نفسه بصفة رئيس منظمة تُسمّى «مجتمع الضباط الروس»، ويزعم أنه يمثل «المدرّبين» الروس الموجودين في جمهورية أفريقيا الوسطى. وعلى حساب «تويتر» التابع للمنظمة والنشط منذ مارس (آذار) 2021 فقط، ورد أن المنظمة تعمل «بشكل علني، بموجب عقد رسمي أُبرم في إطار التعاون بين روسيا وجمهورية أفريقيا الوسطى».

ومع ذلك، لم تكن السفارة الروسية في بانغي تعترف بهذه الشخصية بوصفه ممثلاً للمدرّبين الذين أرسلتهم موسكو رسمياً.


مقالات ذات صلة

إحباط هجوم محتمل مستوحى من «داعش» عشية العام الجديد في أميركا

الولايات المتحدة​ مقر «إف بي آي» في واشنطن (أ.ف.ب)

إحباط هجوم محتمل مستوحى من «داعش» عشية العام الجديد في أميركا

قال مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) إنه أحبط ‌هجوماً محتملاً ‌مستوحى ‌من تنظيم ⁠«داعش» ‌في ولاية نورث كارولاينا عشية العام الجديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في يالوفا في أثناء نقل موقوفين من «داعش» إلى المحكمة (الداخلية التركية)

تركيا توقف عناصر من «داعش» على خلفية «اشتباك يالوفا»

أوقفت السلطات التركية العشرات من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي والمشتبه بانتمائهم إلى التنظيم على خلفية اشتباك دامٍ وقع في مدينة يالوفا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)

تركيا: لن نسمح لـ«قسد» بفرض أمر واقع في المنطقة

أكدت تركيا أنها لن تسمح لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بفرض أمر واقع في المنطقة، وطالبتها بتنفيذ اتفاق الاندماج في الجيش السوري بشكل عاجل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار مدرعات وعناصر من القوات الخاصة التركية في شوارع يالوفا خلال اشتباك مع أعضاء من «داعش» يوم 29 ديسمبر (رويترز)

تأهّب أمني في تركيا عقب حملة اعتقالات واسعة ضد «داعش»

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 125 من المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» الإرهابي في إطار حملة أمنية موسعة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية موظف يرتدي سترة منظمة «أطباء بلا حدود» (رويترز)

صحيفة: إسرائيل ستسحب تراخيص 37 منظمة إنسانية بدعوى «صلتها بالإرهاب»

نقلت صحيفة «هآرتس» عن الحكومة الإسرائيلية قولها، الثلاثاء، إنها تعتزم سحب تراخيص 37 منظمة إنسانية منها «أطباء بلا حدود» و«أكشن إيد» و«أوكسفام».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

غينيا تعلن فوز الجنرال مامادي دومبويا في الانتخابات الرئاسية

 الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
TT

غينيا تعلن فوز الجنرال مامادي دومبويا في الانتخابات الرئاسية

 الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)

أعلنت الهيئة الانتخابية في غينيا، فوز قائد المجلس العسكري الجنرال مامادي دومبويا، في الانتخابات التي أجريت يوم الأحد، وذلك بحسب نتائج أولية صدرت في وقت متأخر من مساء الثلاثاء.

مامادي دومبويا يدلي بصوته خلال الانتخابات الرئاسية في مركز اقتراع بمدينة كوناكري (رويترز)

وبحسب المديرية العامة للانتخابات، حصل دومبويا على 86.72 في المائة من الأصوات التي جرى فرزها حتى الآن.

وشكل هذا التصويت تتويجاً لمسار انتقالي بدأ قبل أربعة أعوام، بعد أن أطاح دومبويا بالرئيس ألفا كوندي.


هل تشكِّل أفريقيا «بنك أهداف إرهابية» للولايات المتحدة؟

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

هل تشكِّل أفريقيا «بنك أهداف إرهابية» للولايات المتحدة؟

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

في تطور لافت بشأن الأمن الإقليمي بغرب أفريقيا، شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في شمال غربي نيجيريا، بالتنسيق مع حكومة أبوجا، مما أثار جدلاً محلياً وتساؤلات بشأن ما إذا كانت «ضربة عيد الميلاد» تعد تغيراً في استراتيجية واشنطن تجاه القارة السمراء، وتحولها إلى «بنك أهداف إرهابية» محتمل للولايات المتحدة.

ويوم «عيد الميلاد» أعلنت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تنفيذ غارات جوية في ولاية «سوكوتو» شمال غربي نيجيريا، «بالتنسيق مع السلطات النيجيرية». وتعليقاً على الهجمات، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في منشور على موقع «تروث سوشيال»، إن التنظيم يستهدف المسيحيين في نيجيريا بشكل أساسي «بمستويات لم نشهدها منذ سنوات عديدة». فيما أكد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار، في تصريحات صحافية، أن الهجمات «تم التخطيط لها منذ فترة طويلة وليس لها أي علاقة بدين معين»، متوقعاً تنفيذ مزيد من الضربات ضد أهداف إرهابية في عملية وصفها بـ«المستمرة مع الولايات المتحدة».

الضربة الأميركية الأخيرة «توحي بإعادة ضبط محتملة أوسع لانخراط الولايات المتحدة في البيئة الأمنية لغرب أفريقيا»، في سياق «بنك أهداف إرهابية محتمل»، حسب ماكسويل نغيني، المحلل في شؤون السياسات العامة والمحاضر بجامعة ولاية إنوجو للعلوم والتكنولوجيا في نيجيريا. وأوضح نغيني لـ«الشرق الأوسط» أن «ضربات عيد الميلاد تجمع بين البعدين التكتيكي والاستراتيجي، حيث تعاملت مع تهديدات ناشئة إلى جانب كونها توحي بتغير في استراتيجية واشنطن».

التوقيت والمكان أيضاً يحملان دلالة خاصة، وفق نغيني، الذي يوضح أن «شمال غربي نيجيريا أصبح نقطة التقاء لتهديدات أمنية عدة، ومن خلال تنفيذ ضربات في هذه المنطقة، تعترف الولايات المتحدة بأن التحديات الأمنية في نيجيريا لا تقتصر على (بوكو حرام) في الشمال الشرقي، مما يشير إلى احتمال أن تكون واشنطن بصدد التمهيد لانخراط أكثر استدامة في جهود مكافحة الإرهاب في أفريقيا». وإن كانت استدامة هذا الانخراط لا تزال مثار تساؤل، على حد تعبيره.

لكن ألكسندر بالمر، زميل برنامج الحروب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أشار إلى أنه «حتى الآن لا توجد أي بيانات رسمية أميركية تشير إلى اعتماد استراتيجية جديدة تجاه غرب أفريقيا»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب كان يناقش منذ فترة خيارات عسكرية للتدخل في نيجيريا، وهذه الضربة على الأرجح هي تتويج لتلك النقاشات»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «هذه النقاشات قد تتطور لاحقاً إلى مقاربة جديدة لغرب أفريقيا».

وأضاف: «زيادة التعاون الأمني أو استمرار الضربات الأميركية قد يوفران مؤشرات على أن أمراً جديداً يجري التحضير له».

وتعد «ضربة عيد الميلاد» هي الأولى من نوعها في عهد ترمب، وتأتي بعد انتقادات وتهديدات أطلقها الرئيس الأميركي ضد نيجيريا، الدولة ذات الكثافة السكانية العالية في غرب أفريقيا، في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، بشأن ما وصفه بـ«تهديد وجودي» للمسيحيين هناك.

هذه التهديدات أشار إليها نامدي أوباسي، المستشار المتخصص في الشأن النيجيري بمجموعة الأزمات الدولية، على أنها دليل على «التخطيط المسبق للعملية». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الضربة تنسجم مع الجهود الأميركية الأوسع لاحتواء الحركات الإرهابية العابرة للحدود في غرب أفريقيا».

وتثير الضربة تساؤلات في الداخل النيجيري، وفق تصريحات الصحافي والمحامي النيجيري مالاكي أوزيندو لـ«الشرق الأوسط». وقال: «المواطنون يعيشون في خوف وترقب، حيث لم يُقدَّم لهم ما يوضح حجم الخسائر أو النتائج، أو خطط التعاون المستقبلي في هذا الإطار».

نيجيريون في قرية جابو التي طالتها الضربة الأميركية (رويترز)

ولم تعلن الولايات المتحدة أو نيجيريا الحصيلة النهائية لضربة عيد الميلاد، رغم تأكيد رسمي بأنها كبّدت «داعش» خسائر «كبيرة»، لكن هجمات منسقة شنها مسلحون يُشتبه في انتمائهم إلى التنظيم أخيراً، استهدفت عدداً من القرى في ولاية يوبي، شمال شرقي نيجيريا، أثارت تساؤلات بشأن تأثير الهجمات الأميركية.

وفي رأي أوباسي فإن «الهجمات قد تُضعف بعض الجماعات المسلحة، لكن الغارات الجوية وحدها لا تستطيع القضاء على الإرهاب، بل على العكس، فإن الضربات، التي يحرص مسؤولون أميركيون على تأطيرها بوصفها مهمة لإنقاذ المسيحيين، تنطوي على مخاطر تعميق الاستقطاب بين المسيحيين والمسلمين، ودفع مزيد من الشباب المسلمين نحو التطرف».

واتفق معه أوزيندو، مؤكداً أن «القصف الأميركي لمرة واحدة لن يحل المشكلة، بل قد يزيدها تعقيداً»، موضحاً أن «هناك اعتقاداً بأن العملية الأميركية أدت فقط إلى تشتيت الجماعات المسلحة ودفعها للانتشار في مناطق جديدة». وقال: «الأسابيع المقبلة ستبيّن حجم تأثير الضربة الأميركية».

وحسب بالمر فإنه «من الصعب التنبؤ بالآثار طويلة الأمد للضربات المضادة للإرهاب»، موكدا أن «على الولايات المتحدة ونيجيريا مراقبة ردود فعل المجتمعات المحلية والجماعات المسلحة عن كثب، وتكييف مقارباتهما تبعاً لذلك».

وهي مقاربات طالب بها نغيني أيضاً، فبينما «قد تُضعف الضربات جماعات معينة، فإن السياق النيجيري الذي يدفع نحو ازدياد الجماعات المسلحة يتطلب مقاربة شاملة». وقال: «تُخاطر الضربات العسكرية التي تكتفي بالقضاء على المقاتلين من دون معالجة هذه الجذور بالدخول في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الإرهاب تحت مسميات جديدة».

وتشهد نيجيريا، التي تنقسم بشكل متساوٍ تقريباً بين الجنوب ذي الغالبية المسيحية، والشمال ذي الغالبية المسلمة، تصاعداً في الهجمات الإرهابية التي أودت بحياة مسيحيين ومسلمين على حد سواء. ورغم رفض أبوجا الاعتراف بوجود اضطهاد ديني أعادت الولايات المتحدة، هذا العام، إدراج نيجيريا في قائمة الدول «التي تثير قلقاً خاصاً» فيما يتعلق بالحرية الدينية.

وحذرت الأمم المتحدة من «عودة ظهور عمليات الخطف الجماعي» التي تشمل بانتظام مئات من أطفال المدارس. وتحولت ظاهرة الخطف مقابل فدية، إلى تجارة مربحة درت نحو 1.66 مليون دولار أميركي بين يوليو (تموز) عام 2024 ويونيو (حزيران) 2025، وفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة الاستشارات «إس بي إم إنتليجنس» ومقرها لاغوس.

ورغم تصاعد العنف، فإن التدخل الأميركي يثير «شكوكاً» لدى النيجيريين بأنه يأتي في سياق صراع على الموارد، لا سيما أن نيجيريا دولة غنية بمواردها الطبيعية من النفط والمعادن، فهي أكبر منتج للنفط في أفريقيا وفق بيانات «أوبك» عام 2024، وخامس أكبر منتج للمعادن النادرة في العالم وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

بدوره، أكد أوباسي أنه «حال تحوّل الانخراط العسكري الأميركي في نيجيريا إلى مسعى للسيطرة على الموارد المعدنية، فإن ذلك قد يزيد من حدّة المنافسة الجيوسياسية، خصوصاً مع الصين التي رفعت مؤخراً علاقاتها الثنائية مع نيجيريا إلى مستوى (شراكة استراتيجية شاملة)».

وهنا يشير بالمر إلى «اختلاف نمط التعاون الصيني مع نيجيريا عن النهج الأميركي، فبينما تعتمد واشنطن على العمل العسكري المباشر، تركز بكين على احترام سيادة الحكومات الأفريقية، وتولي اهتماماً أكبر للتدريب التقني مقارنةً بالعمل العسكري». وقال: «من غير الواضح أي النموذجين تفضله الدول الأفريقية عموماً، غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت تصاعداً في الخطاب والنشاط الصينيين في مجال مكافحة الإرهاب بالقارة».

وأكد نغيني: «ينبغي فهم الضربة الأميركية في سياق أوسع يتمثل في تصاعد تنافس القوى الكبرى في أفريقيا، مع الحذر من اختزال الشراكات الأمنية المعقدة في حسابات قائمة على الموارد وحدها»، مشيراً إلى «توسع حضور روسيا والصين في غرب أفريقيا».

فيما توقع أوزيندو أن «تستغل روسيا والصين التطورات الأخيرة لتعميق نفوذهما في نيجيريا».


نيجيريا: إصابات وخسائر في فندق إثر الضربات الأميركية ضد «داعش»

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
TT

نيجيريا: إصابات وخسائر في فندق إثر الضربات الأميركية ضد «داعش»

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

رغم أن السلطات في نيجيريا لم تعلن رسمياً حجم الخسائر الناتجة عن الضربات الأميركية ضد مواقع تنظيم «داعش» الخميس الماضي، فإن مالك فندق قال إن 3 من موظفيه نقلوا إلى المستشفى إثر إصابة فندقه بشظايا صواريخ أميركية.

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

وكانت ضربات أميركية استهدفت مجموعة مسلّحة على صلة بتنظيم «داعش»، في ولاية سوكوتو، بشمال غربي نيجيريا، فيما أقرت الحكومة النيجيرية بتساقط حطام من الذخائر في أنحاء عدة بالبلاد، بما في ذلك مدينة أوفا التي تقع بولاية كوارا.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مالك فندق «سوليد ورث»، الذي يبعد نحو 800 كيلومتر عن أهداف الضربات الأميركية، قوله إن 3 من عمال الفندق أُدخلوا المستشفى بعدما أصيبت المنشأة بما بدا أنه صاروخ.

وقال توفيق عزيز بيلو: «فجأة في يوم عيد الميلاد، في وقت متأخر من المساء بعد الـ10 (ليلاً)، صاروخ يُعتقد أن الجيش الأميركي أطلقه، ربما انحرف وأصاب فندقي»، وتابع مالك الفندق عبر الهاتف: «سقط داخل مبنى الفندق، وتسبب في بعض الأضرار البسيطة، وأصاب 3 من العاملين».

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر الأضرار التي لحقت بالفندق، حيث يظهر ثقب كبير في واجهة الفندق، فيما قال عزيز إن «إحدى العاملات أصيبت بصدمة نفسية، وتعرّض عامل لإصابة بالغة في الرأس، وآخر لإصابة في الفخذ والساقين».

وتتناقض هذه المعلومات مع ما قاله دانيال بوالا، المتحدث باسم الرئيس النيجيري بولا تينوبو، من أن الإصابات جراء الضربات اقتصرت على «الإرهابيين».

ليلة الرعب

رغم أنها تبعد نحو 800 كيلومتر من ولاية سوكوتو، فإن مدينة أوفا عاشت ليلة من الرعب حين هزتها انفجارات عنيفة، بالتزامن مع الضربات الأميركية؛ ما أسفر عن إصابة 5 أشخاص وتضرر عدد من المباني، وفق ما أكدته السلطات.

وروى السكان لحظات عصيبة أعقبت الانفجارات، وكان بين المصابين امرأة تُدعى إيا أيو وابنتها عائشة، وقال أحد السكان: «كانتا نائمتين عندما وقع الانفجار. اخترقت مسامير صدر إيا أيو وبطنها وذراعيها».

وذكر شهود عيان أن أحد الحرفيين أُصيب أيضاً، فيما تعرضت 4 مبانٍ على الأقل متجاورة لأضرار هيكلية جسيمة. ووصفت تاجرة تُدعى مدام جوي لحظة الانفجار قائلة: «رأيتُ جسماً آتياً بأضواء ساطعة، ثم اصطدم بذلك المبنى ذي الطابق العلوي قبل أن يمر عبر 3 مبانٍ أخرى وأسقطها».

تحقيقات سرية

ورفض مفوض شرطة ولاية كوارا، أديكيمي أوجو، شائعات ربطت الانفجارات بهجوم إرهابي. وقال: «لم يكن هناك هجوم بقنبلة في أوفا، ولم يحدث تحطم طائرة. ما جرى كان ذخيرة، وقد أزال خبراؤنا في المتفجرات المخلفات. لا داعي للقلق، فالوضع تحت السيطرة».

وأضاف أن «خبراء المتفجرات في الشرطة باشروا تحقيقات سرية لتحديد مصدر الذخيرة»، فيما لم يتردد السكان في ربطها بالضربات الأميركية.

وأفادت مصادر أمنية بأن أحد الانفجارات وقع قرب ساحة صلاة العيد، والآخر بالقرب من فندق «سوليد وورث»، على بعد نحو 5 دقائق. كما عُثر، وفق التقارير، على قذيفة لم تنفجر غير بعيد من الفندق؛ مما دفع بالأجهزة الأمنية إلى تطويق المنطقة.

وفي بيان، أوضحت الحكومة المحلية أن الأجهزة الأمنية أمّنت المناطق المتضررة وبدأت التحقيقات. كما طلب رئيس المجلس التنفيذي لمنطقة حكم أوفا المحلي، سليمان أولاتونجي أوميتونتون، من السكان «التزام الهدوء واليقظة واحترام القانون، مع الاعتماد فقط على المعلومات الرسمية لتجنب إثارة الذعر».

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

ضربات متوقعة

وفي حين يتصاعد الذعر في أوساط سكان القرى والمدن شمال نيجيريا، فقد أعلن عضو الكونغرس الأميركي، رايلي مور، أن شنّ ضربات جوية أميركية جديدة ضد معسكرات إرهابية في نيجيريا أمرٌ مرجّح.

وكتب مور في منشور بحسابه على منصة «إكس»، الاثنين، أن «الرئيس ترمب لا يسعى إلى إشعال حرب في نيجيريا. إنه يعمل على إحلال السلام والأمن في نيجيريا ولدى آلاف المسيحيين الذين يواجهون عنفاً مروّعاً وموتاً وحشياً».

وخلال مقابلة على قناة «فوكس نيوز»، قال مور إن «هذه الضربة أعادت الأمل إلى مسيحيي نيجيريا وإلى عموم السكان الذين يعانون من هجمات تنظيمَي (داعش) و(بوكو حرام) والجماعات المسلحة»، وشدد على أن هذه العملية ليست سوى بداية لجهد أوسع، مضيفاً أن هناك ضربات أخرى متوقعة.

وتابع: «هذه مجرد خطوة أولى. ستتبعها خطوات أخرى، وكل ذلك يجري بالتعاون مع الحكومة النيجيرية».

تطمينات وتحذيرات

في غضون ذلك، يرتفع الجدل في نيجيريا بشأن جدوى التدخل الأميركي، فيما حذّر الباحث في شؤون الأمن القومي، كونلي فاغبِمي، بأن «الوقت لا يزال مبكراً لاستخلاص نتائج بشأن تأثير ونجاح الضربات».

وفي مقابلة مع قناة «آرايز نيوز» المحلية، شدّد فاغبِمي على أن الأسئلة المتعلقة بفاعلية الضربات الجوية «لا يمكن الإجابة عنها إلا بعد الانتهاء من تقييم رسمي للعملية»، مشيراً إلى أن «قياس نجاح الضربات الجوية الدقيقة أمر معقد».

وأضاف الباحث في شؤون الأمن القومي أنه «يجب أولاً التأكد من أن الصواريخ والذخائر المستخدمة في مثل هذه الضربات قد أصابت الإحداثيات التي جرى تحديدها»، ودعا إلى «التعامل بحذر مع المعلومات المتعلقة بالتدخلات الأمنية، وتقديمها في سياقها الصحيح، تفادياً للارتباك وسوء التأويل».

وطلب الباحث من السلطات في نيجيريا الإسراع بكشف تفاصيل ما أسفرت عنه الضربات الأميركية؛ لتفادي انتشار الشائعات.

وبشأن مشروعية التدخل الأميركي التي تثير الجدل في نيجيريا، قال الباحث في شؤون الأمن القومي إن «التدخل لم يأتِ من فراغ»، مشيراً إلى أن نيجيريا «منخرطة في عدد من الأطر والمبادرات، من بينها (التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش)، كما أنها طرف في شراكات مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، وهذا يعني أن هناك عدداً من المسارات والأدوات التي كانت قائمة ومتراكمة، وأفضت إلى شراكة استراتيجية قد تقود إلى تدخل في إطار مبدأ مسؤولية الحماية، وضمن مظلة عدد من هذه الآليات».