سيلين حيدر... أيقونة لبنان التي هزمت الموت والحرب

تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن تفاصيل محنتها بعد غارة إسرائيلية أدخلتها غيبوبة وألقت بها على السرير الأبيض

TT

سيلين حيدر... أيقونة لبنان التي هزمت الموت والحرب

قالت سيلين إن معاناتها لا تمثل شيئاً أمام ما حدث لوالدها من تجربة قاسية في حياته (الشرق الأوسط)
قالت سيلين إن معاناتها لا تمثل شيئاً أمام ما حدث لوالدها من تجربة قاسية في حياته (الشرق الأوسط)

«أنا حاربت الموت وانتصرت عليه»... بهذه العبارة تبدأ لاعبة منتخب لبنان لكرة القدم سيلين حيدر حكايتها، تختصر رحلة مواجهة بين الحياة والموت، رحلة لم تكن على المستطيل الأخضر بل في أروقة المستشفى وتحت أنقاض الحرب، لم تكن إصابة عادية ولا حادثاً يمكن تجاوزه، بل كانت مواجهة مباشرة مع الموت الذي فرضته غارة إسرائيلية على لبنان، تركتها أسيرة الغيبوبة، ثم أعادتها إلى الحياة وهي أكثر قوة وإصراراً.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، تروي سيلين تفاصيل محنتها، كاشفة عن أوجاعها، ودموعها، وأيضاً عن انتصاراتها الصغيرة التي صنعت المعجزة.

تقول سيلين: «في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عشت يوماً مشؤوماً لم أجرب مثله في حياتي. لم أتذكر شيئاً مما حدث. فعلاً يقولون إن النسيان نعمة، وأنا تأكدت من ذلك. كل ما أعرفه أنني كنت هناك، ثم وجدت نفسي هنا في المستشفى بعد أيام طويلة من الغيبوبة».

سيلين حيدر تتحدث إلى الزميلة فاتن أبي فرج (الشرق الأوسط)

وتستعيد اللحظة الأولى بعد الإفاقة: «حين فتحت عيني لأول مرة لم أعرف أين أنا، ولا لماذا أنا هنا. كانت الصور في رأسي مشوشة. سألتني شقيقتي كارول: هل تعرفين لماذا أنت هنا؟ قلت لها: لا. لم يخبرني أحد في البداية. وبعد فترة عرفت الحقيقة: لقد أصبت في رأسي نتيجة غارة إسرائيلية».

تصف سيلين المشهد قائلةً: «لم أستطع تحريك يدي ولا رجلي اليسرى. لم أكن قادرة على الكلام. الشيء الوحيد الذي تمكنت من فعله أني أمسكت بلوح صغير وكتبت عليه: احترقت أحلامي. شعرت أن كل ما بنيته في مخيلتي، كل الخطط التي رسمتها لمستقبلي، انهارت فجأة. أحلامي كلها احترقت».

لكن وسط الألم كانت هناك شعلة صغيرة قادتها إلى الحياة. «شيئاً فشيئاً، ومع سلسلة من العمليات الدقيقة وجلسات العلاج الفيزيائي اليومية، بدأت أستعيد قدرتي على الحركة. اكتشفت أن شيئاً لم يحترق. بالعكس، كنت أعود إلى الحياة. عدت أستطيع المشي من جديد وأحرك يدي ورجلي. خطوات صغيرة، لكنها كانت بالنسبة لي انتصاراً عظيماً».

أدركت اللاعبة اللبنانية أنها أمام طريقين لا ثالث لهما... فاختارت العودة (الشرق الأوسط)

وتروي بابتسامة باهتة: «كانوا يتوقعون أن أبكي أو أن أنهار من الحزن، لكنني فرحت. قلت لهم: حقاً؟ لأنني أدركت أنني ما زلت هنا. نعم، شعرت بالحزن للحظة، إذ خشيت ألا أتمكن من المشي مجدداً، لكنني سرعان ما تذكرت أنني لست الوحيدة. هناك آلاف الأطفال والنساء الذين عاشوا المجازر، وأنا مجرد واحدة من بينهم».

وتضيف: «ما حدث كان امتحاناً عسيراً. كان أكبر مني، لكنني كنت أكبر منه. كنت أمام خيارين: أن أستسلم وأبقى ضحية، أو أن أتحدى وأربح. وأنا اخترت التحدي».

تشرح أن قوتها لم تولد فجأة، بل صقلتها بيئة عائلية متماسكة. «شقيقتي كارول لم تتركني يوماً. كانت داعمي الأساسي. كلما شعرت بالضعف أو الإحباط كانت تهمس لي: سيلين، لا بد أن تعودي. أهلي لم يتركوني لحظة واحدة في المستشفى. كانوا دائماً بجانبي. أما الناس الذين كانوا يزورونني فقد اختف معظمهم بعد فترة، لكن أهلي بقوا».

وتتذكر لحظة أول لقاء مع والديها بعد الغيبوبة: «كان الحزن مرسوماً على وجهيهما. اعتذرت منهما فوراً. قلت: سامحاني لأنني سببت لكما هذا الألم. لكنني أدركت أن ما حدث قدري ولم يكن بيدي».

سيلين حيدر تتحدث عن تفاصيل معاناتها (الشرق الأوسط)

وتشير إلى أن والدها كان مصدر قوة لها. «والدي عاش تجارب أقسى. كان أسيراً في فلسطين لمدة عام كامل، وعاد ليبني عائلة ويواجه الدنيا من جديد. ما جرى لي صغير مقارنةً بما مرّ به».

وسط هذه التجربة ظل حبها لكرة القدم هو خيط النجاة. «بعد إصابتي كان خوفي الأكبر أن يتراجع مستواي أو ألا أتمكن من العودة. سألت طبيبتي، فقالت لي: أنتِ تقودين السيارة منذ عشر سنوات، لو توقفت لعام كامل هل ستنسين القيادة؟ فأجبتها: لا. فقالت لي: وكذلك كرة القدم».

ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع عن اللعبة. تابعت مباريات فريقها «أكاديمية بيروت» من المدرجات، وتشبثت بالكرة حتى في أقسى الظروف. وتوجه رسالة إلى الشباب والبنات في لبنان خصوصاً الذين يلعبون في الجنوب اللبناني الذي لا يزال تحت القصف: «حافظوا على إيمانكم بالله. لا تفقدوا الأمل. نعم يقصفوننا، لكننا أقوى من صواريخهم. ولمن أُصيبوا مثلي، أقول: استمروا. واصلوا حياتكم. عودوا أقوى مما كنتم. لا تتوقفوا عن الحلم بعزيمة وإصرار».

وتروي تفاصيل العمليات الجراحية التي خضعت لها: «أزيلَ جزء من جمجمتي ثم أُعيد ترميمه. آثار الجراحة ما زالت واضحة في رأسي. لكن رغم ذلك عدت إلى المشي بعد رحلة طويلة. وما زلت أتابع جلسات العلاج الفيزيائي يومياً».

سيلين حيدر قالت إن التجربة علمتها من هم الأصدقاء الحقيقيون (الشرق الأوسط)

وعندما تصل إلى اللحظة الأشد تقول: «لقد حاربت الموت. لولا العزيمة لما كنت اليوم بينكم، بل فوق. رأيت الموت بعيني. قال لي الجميع: لقد كنت ميتة وعدت من الموت. وأنا أعد هذا انتصاراً. لم يعد هناك ما يخيفني، لأنني واجهت أصعب ما يمكن أن يمر به إنسان وربحت».

وتتحدث سيلين عن عودتها للملعب، وعن أول هدف ستسجله عند عودتها: «سأهديه لأهلي أولاً لأنهم تعبوا معي وعانوا، وثانياً لكل من وقف إلى جانبي ودعا لي. الله استجاب لدعواتهم».

وتوضح أن التجربة علمتها من هم الأصدقاء الحقيقيون. «الإنسان لا يعرف أصدقاءه إلا في الشدة. صديقتي نور الجردي لم تتركني أبداً. أثبتت أنها صديقة حقيقية. أما كثيرون غيرها فجاءوا فقط لأن قصتي أصبحت حديث الناس».

ولا تنسى فضل ناديها ومعهدها: «أكاديمية بيروت كانت عائلتي الثانية، المدرب سامر بربري لم يتركني للحظة، ورئيس النادي زياد سعادة وقف إلى جانبي. وكذلك معهدي حيث أكمل دراستي في التربية البدنية، تابعني في كل مرحلة وساندني حتى أعود إلى دراستي وأكمل طريقي».

أما عن المستقبل فتقول: «طموحي لم يتغير بل تضاعف. أريد أن أستعيد كل ما فقدته: مستواي ودراستي. أريد أن أصبح مدربة لكرة القدم. أحلامي لم تتغير لكنها صارت أكبر. الفرق أنني اليوم أقوى ولدي عزيمة أكبر من أي وقت مضى».

وتوجه كلمة مؤثرة إلى عائلتها: «أعتذر من والدي وأمي وشقيقتي كارول على ما عانوه بسببي. لم يكن الأمر بيدي. لكنني ممتنة لهم لأنهم لم يتركوني يوماً. والدي يشجعني دائماً لأحقق حلمي وأنال الشهادات التي تؤهلني لأكون مدربة محترفة».

وفي ختام حديثها، وجّهت سيلين حيدر رسالة تحمل كثيراً من الإصرار والأمل، مؤكدةً أنْ لا مجال لليأس أمام عزيمة الإنسان، وأن الإرادة قادرة على تحويل المستحيل إلى حقيقة. وشدّدت على أنها لم تعرف الضعف يوماً، وأنها خاضت معركتها مع الموت فعادت أقوى، معتبرة أنه ما دام المرء متمسكاً بإرادته فإنه قادر على المضي قدماً، مشيرةً إلى أنها عادت من الموت لتكمل حياتها وتحقق أحلامها.


مقالات ذات صلة

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية، عصر اليوم الثلاثاء، أطراف بلدة عيتا الجبل في جنوب لبنان، كما طال القصف أطراف بلدتيْ ميفدون وزوطر الشرقية بجنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه من يحكم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

يعيد خبر أمني أو تهديد محتمل اللبنانيين، خلال دقائق، إلى نقطة الصفر؛ ترتفع وتيرة الاتصالات، وتُفتح مجموعات العائلة على تطبيقات المراسلة.

صبحي أمهز (بيروت)

عزت الله: افتقدنا التركيز... وأبارك للهلال وجماهيره الرائعة

الإيراني سعيد عزت الله المحترف في صفوف شباب أهلي دبي الإماراتي (الشرق الأوسط)
الإيراني سعيد عزت الله المحترف في صفوف شباب أهلي دبي الإماراتي (الشرق الأوسط)
TT

عزت الله: افتقدنا التركيز... وأبارك للهلال وجماهيره الرائعة

الإيراني سعيد عزت الله المحترف في صفوف شباب أهلي دبي الإماراتي (الشرق الأوسط)
الإيراني سعيد عزت الله المحترف في صفوف شباب أهلي دبي الإماراتي (الشرق الأوسط)

قدم الإيراني سعيد عزت الله المحترف في صفوف شباب أهلي دبي الإماراتي تهنئته لفريق الهلال بعد الفوز على فريقه في الجولة الرابعة من دوري أبطال آسيا للنخبة.

وتوقفت سلسلة انتصارات الفريق الإماراتي أمام الهلال بعد خسارته بثنائية نظيفة، بعد أن حقق شباب الأهلي ثلاث انتصارات متتالية قبل تعثره.

وقال عزت الله في حديث مقتضب لوسائل الإعلام بعد المباراة «أهنئ الهلال وجماهيره الرائعة على الفوز. كانت مباراة صعبة، وكنا قريبين من الخروج بنتيجة أفضل، لكننا افتقدنا التركيز في كرتين. في المجمل، قدمنا مباراة جيدة، وأبارك للهلال انتصاره».


4 وجوه جديدة في قائمة العراق استعدادا لبطولة البصرة الدولية

4 وجوه جديدة في قائمة العراق استعدادا لبطولة البصرة الدولية
TT

4 وجوه جديدة في قائمة العراق استعدادا لبطولة البصرة الدولية

4 وجوه جديدة في قائمة العراق استعدادا لبطولة البصرة الدولية

استدعى الأسترالي غراهام أرنولد، مدرب منتخب العراق لكرة القدم، 29 لاعباً إلى قائمة «أسود الرافدين»، للمشاركة في بطولة البصرة الدولية الرباعية المقامة خلال الفترة الممتدة من 9 ولغاية 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بمشاركة منتخبات إيران ولبنان وفلسطين والعراق.

وضمّت القائمة 10 محترفين خارج البلاد، إلى جانب 4 لاعبين جدد يتم استدعاؤهم للمرة الأولى إلى صفوف المنتخب العراقي، وهم لاعبا دهوك سيابند عكيد ويونس حمود، ولاعب الكرمة أموري فيصل، ومهاجم الكهرباء حيدر عايد.

ويستهل المنتخب العراقي مشواره بمواجهة لبنان، بينما يلتقي منتخبا إيران وفلسطين، على أن تُختتم المنافسات بمواجهة العراق أمام إيران، بينما يلتقي منتخبا فلسطين ولبنان.

واللاعبون الذين تمت دعوتهم هم: في حراسة المرمى: أحمد باسل، محمد صالح، كميل سعدي، حسين حسن.

أما في خط الدفاع فسيحضر اللاعبون: آدم طالب، كرار عامر، أكم هاشم، يوسف الإمام، ميرخاس دوسكي، أحمد يحيى، إبراهيم بايش، سيابند عكيد.

وفي خط الوسط: زيد إسماعيل، زيدان إقبال، إيمار شير، حيدر عبد الكريم، يوسف نصراوي، محمد قاسم، أموري فيصل، بيتر كوركيس، منتظر الماجد، ماركو فرج، هيران أحمد. أما في الهجوم فيتواجد كل من: حسين علي، أيمن حسين، سيف رشيد، يونس حمود، أحمد عايد.


الفوز الـ14 توالياً... بيراميدز يواصل انطلاقته التاريخية ويهزم سموحة

أحمد عاطف «قُطة» يحتفل مع زملائه بهدف فوز بيراميدز على سموحة (نادي بيراميدز)
أحمد عاطف «قُطة» يحتفل مع زملائه بهدف فوز بيراميدز على سموحة (نادي بيراميدز)
TT

الفوز الـ14 توالياً... بيراميدز يواصل انطلاقته التاريخية ويهزم سموحة

أحمد عاطف «قُطة» يحتفل مع زملائه بهدف فوز بيراميدز على سموحة (نادي بيراميدز)
أحمد عاطف «قُطة» يحتفل مع زملائه بهدف فوز بيراميدز على سموحة (نادي بيراميدز)

تغلب فريق بيراميدز على مضيفه سموحة بنتيجة 1 - صفر، الثلاثاء، ضمن منافسات الجولة الثانية من بطولة كأس الرابطة المصرية لكرة القدم.

هذا هو الفوز الـ14 توالياً لبيراميدز في كل المسابقات منذ بداية الموسم، بواقع 8 انتصارات متتالية يحتل بها قمة الدوري المصري، وأربعة انتصارات في الدورين التمهيديين لدوري أبطال أفريقيا، بالإضافة لفوزين في مستهل حملته بكأس الرابطة المصرية، مواصلاً انطلاقته التاريخية بالموسم الحالي.

وسجل أحمد عاطف «قُطة» هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 63، ليمنح بيراميدز 3 نقاط أخرى تعزز موقفه في صدارة الترتيب بالمجموعة الثانية.

ووصل بيراميدز إلى 6 نقاط في المركز الأول بعد جولتين، أما سموحة الذي خاض مباراته الأولى فيظل بلا نقاط في المركز الرابع.

ويلعب بيراميدز الجولة المُقبلة، في يناير (كانون الثاني) المُقبل، ضد مودرن سبورت، أما سموحة فيتقابل مع البنك الأهلي.