كيف تؤدي المحادثات عبر الإنترنت في باكستان إلى السجن بتهمة التجديف؟

وسيلة بأيدي جماعات إسلاموية لحشد الدعم الشعبي

أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
TT

كيف تؤدي المحادثات عبر الإنترنت في باكستان إلى السجن بتهمة التجديف؟

أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)

إنها جريمة نكراء في عيون كثير من الباكستانيين، إلى حدّ أن أدلة الإثبات لا تكون مطلوبة دائماً لإدانة المتهم. وبمجرد انتشار شائعاتٍ عن وقوع هذه الجريمة، تشتعل مظاهرات عنيفة، ويلاحق بعض الأفراد المتهمين، ويُشاد بهم على أنهم أبطال، لما فعلوه.

جماعة إسلامية تحتجّ على اعتقال امرأة بتهمة التجديف عام 2023 في لاهور بباكستان (أ.ب)

والجريمة المشار إليها هنا هي التجديف على الإسلام. وفي باكستان، يُمكن أن تصل العقوبة إلى الإعدام، مع أن البلاد لم يسبق أن أعدمت شخصاً بسببها.

مهمة أقرب إلى المستحيل

ورغم ذلك، فإن تحديد ماهية جريمة التجديف يبدو مهمة أقرب إلى المستحيل، داخل مجتمعٍ يكبت النقاش حول هذا الأمر، باستثناء الإدانة الصريحة. وقد تسببت اتهامات التجديف، في بعض الأحيان، في تحريض وتأليب حشود قاتلة. وبالفعل، سقط سياسيون ومحامون تحدوا قوانين التجديف، قتلى، حسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الأحد.

عام 2023، شددت باكستان العقوبات على انتهاكات قوانين مكافحة التجديف، التي يعود تاريخ النسخ المبكرة منها إلى حقبة الحكم البريطاني. ومنذ ذلك الحين، ازدادت معدلات الاعتقالات بشكل حاد -من بضع عشرات سنوياً إلى مئات- لا سيما بتهمة التجديف على الإسلام عبر شبكة الإنترنت.

مشتبه به بالتجديف في كراتشي أكتوبر (إ.ب.أ)

من جهتهم، اشتكى كثير من المتهمين من أنهم وقعوا في فخ عناصر رديئة على الإنترنت، سعت لابتزازهم أو تضخيم عدد الاعتقالات بتهمة التجديف. في السياق ذاته، أعرب خبراء معنيون بحقوق الإنسان عن اعتقادهم بأن موجة اتهامات التجديف المتصاعدة -سواء أكانت مصطنعة أم لا- تعد وسيلة أكيدة في أيدي جماعات إسلاموية، لحشد الدعم الشعبي وجذب التمويل بذريعة الدفاع عن الحرمات الدينية.

وكشفت مقابلات أُجريت مع عائلات المتهمين وخبراء قانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وبعض المسؤولين، بالإضافة إلى مراجعات التقارير الحكومية، عن وجود نمط من الانتهاكات. وأشار هؤلاء إلى إن قوانين التجديف الصارمة تتعرض لإساءة الاستغلال، بغية استهداف الفئات الضعيفة.

من جهتها، كانت شهيدة بيبي، التي تعيش في العاصمة إسلام آباد، تستعد لإنهاء صلاتها في إحدى ليالي عام 2023 عندما طرق أربعة رجال بابها. في البداية، زعموا أنهم أصدقاء ابنها، لكن الأسئلة التي ألقوها عليها جعلها تشعر بالتوتر.

بعد بعض الجدل، قالت السيدة بيبي: «اعترف أحدهم أخيراً بالحقيقة: كانوا ضباطاً من وكالة التحقيقات الفيدرالية، التي كانت آنذاك السلطة الرئيسية في باكستان للتحقيق في الجرائم الإلكترونية»، وكان ابنها قد أُلقي القبض عليه للتوِّ بتهمة التجديف على الإنترنت.

وقالت بيبي في مقابلة حديثة بصوت مرتجف: «شعرتُ كأن الأرض انزلقت من تحت قدميّ».

جاءت الرواية التي سردها ابنها، في وقت لاحق من خلف القضبان، مع نمط يقول خبراء في مجال حقوق الإنسان إنه أصبح شائعاً.

في العادة، تبدأ القصة بمحادثة عبر الإنترنت تبدو بريئة.

في حالة ابن بيبي، كان الأمر في إحدى مجموعات «واتساب» الكثيرة للباحثين عن عمل، التي انضم إليها. وقالت بيبي إن امرأة راسلته بشكل خاص، وعرضت عليه ما بدت أنها فرصة واعدة.

وقالت بيبي إن ابنها أخبرها: «كانت لطيفة وتتحدث معي بانتظام».

وبعد فترة، حدث أمر غريب. خلال محادثتهما التي كانت تبدو مهنية، أرسلت إليه المرأة صورة جنسية فاضحة مُرفقة بآيات قرآنية. انزعج ابنها، وسألها. تجاهلت المرأة الأمر وعدّته خطأً، وادّعت أنها غير متأكدة مما أرسلته. أصرت على إرسال نسخة من الرسالة لتتمكن من التحقق منها.

كان ابن بيبي متشككاً في الأمر، كما أخبر والدته في وقت لاحق، لكنه كان بحاجة ماسة إلى وظيفة. ولذلك، وافق على طلب المرأة بعد تردد.

بعد بضعة أيام، دعته المرأة لمقابلتها قرب محطة حافلات، ووعدته بأخذه إلى مكتب صاحب العمل، على حد قول بيبي. إلا أنه بدلاً من ذلك، فوجئ بأربعة رجال في انتظاره. واعتدوا عليه بالضرب، واستولوا على هاتفه، واحتجزوه.

وأضافت بيبي أن تلك الصورة الوحيدة التي أُرسلت إلى هاتف ابنها، أصبحت أساساً لتهمة التجديف.

مركز شرطة باكستاني تعرض لأضرار بعد احتجاجات ضد شخص متهم بإهانة القرآن الكريم خلال نوفمبر في بيشاور (إ.ب.أ)

ولم يتسنَّ التحقق من رواية السيدة بيبي بشكل مستقل، إذ لم تُنشر الأدلة في قضية ابنها، علاوة على أن النظام القضائي في باكستان لا يتسم بالشفافية. من جهتهم، رفض مسؤولون حكوميون التعليق على القضية، مشيرين إلى حساسية النقاش حول التجديف.

من ناحيتها، اطلعت صحيفة «نيويورك تايمز» على وثائق محكمة تتضمن نصوصاً لعدة محادثات عبر «واتساب» بين أشخاص متهمين بالتجديف، وأولئك الذين يبدو أنهم أوقعوا بهم في الفخ. وتضمنت النصوص الحوار بين ابن بيبي والمرأة.

اليوم، يقبع ابن بيبي، البالغ 26 عاماً، في السجن منذ أكثر من عامين في انتظار الحكم في قضيته. ويعد واحداً من مئات الأشخاص، الذين احتُجزوا بتهمة التجديف الإلكتروني خلال تلك الفترة. (نظراً لخطر تعرضهم إلى عنف، حرصت الصحيفة على عدم ذكر اسم ابن بيبي أو غيره من المسجونين بتهم التجديف).

اعتقالات بتهمة التجديف

ووثَّق تقريرٌ نشرته هيئةٌ حكوميةٌ لحقوق الإنسان في أكتوبر (تشرين الأول)، الارتفاعَ الحادَّ في الاعتقالات بتهمة التجديف الإلكتروني، وحدّد 11 حالة عام 2020، و9 عام 2021، و64 حالة عام 2022. بعد ذلك، جرى تعديل العقوبات على التجديف، لأسباب منها الغضب الشعبيّ إزاء أمثلة مُتصوَّرة على هذه الجريمة. وعليه، ارتفعت الاعتقالات بشكل حاد، لتصل إلى 213 حالةً عام 2023، ثم وصلت حداً هائلاً بلغ 767 حالةً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024.

في الغالب، يقضي المحتجزون بتهمة التجديف في السجن أشهراً، قبل أن تصل قضاياهم إلى المحاكمة. داخل قاعات المحاكم، لا تقوم الدولة بمتابعة معظم قضايا التجديف، بل مجموعات خاصة، يقودها عادةً محامون وتدعمها شبكات من المتطوعين، الذين يراقبون وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن المخالفين المحتملين.

من جهته، قال بيتر جاكوب، المدير التنفيذي لمركز العدالة الاجتماعية في باكستان، منظمة حقوقية، إن الجهود الحثيثة لرصد القضايا وإدانتها، تعكس «تسييساً متزايداً لقوانين التجديف».

وأضاف: «لقد جعلوا من معاقبة أي فعل إهانة محتمل لما يقدسونه، قضيتهم الأولى».

في المقابل، نفت جماعات مثل اللجنة القانونية المعنية بمحاربة التجديف في باكستان، التي تابعت عشرات قضايا التجديف على الإنترنت، أن تكون التهم مُلفّقة في بعض الأحيان. وأكدت أن هناك زيادة غير مسبوقة في قضايا التجديف الحقيقية على الإنترنت.

في هذا السياق، قال راو عبد الرحيم، المحامي الذي يمثل الجماعة، في خطاب ألقاه حديثاً: «لم نشهد من قبل مثل هذه الإهانة الدنيئة للإسلام والقرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وشخصيات أخرى مُبجّلة».

يذكر أنه في مارس (آذار)، قضت محكمة محلية في روالبندي، مدينة في إقليم البنجاب، على خمسة رجال بالإعدام بتهمة التجديف على الإنترنت. ورغم عدم تنفيذ الأحكام، فإنه حتى مجرد الاتهامات بالتورط في هذه الجريمة قد أدت أحياناً إلى عنف مميت.

وحسب مركز العدالة الاجتماعية الباكستاني، قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص متهمين بالتجديف العام الماضي، في أعمال عنف جماعية أو عنف من قِبل لجان أهلية.

علاوة على ذلك، فإنه يمكن أن تُشكل اتهامات التجديف وسيلة ضغط قوية في مخططات الابتزاز. وكشف تقرير للشرطة صدر العام الماضي، بعنوان «مجموعة أعمال التجديف»، عن شبكة إجرامية حصلت على رشى من خلال تهديد الناس بتهم تجديف ملفقة، غالباً بتواطؤ من مسؤولين في وكالة التحقيقات الفيدرالية.

ورداً على ذلك، أعادت الحكومة قريباً هيكلة جناح الجرائم الإلكترونية التابع لوكالة التحقيقات الفيدرالية، وأنشأت قسماً منفصلاً -الوكالة الوطنية للتحقيق في الجرائم الإلكترونية- يركز حصرياً على التحقيق في الجرائم الرقمية، بما في ذلك التجديف عبر الإنترنت.

في يوليو (تموز)، منح تعديلٌ آخَر بيبي الأمل في أن تنتهي مشكلات ابنها القانونية قريباً، بعد أن دعت محكمة باكستانية، رداً على التماس قدمته عائلات عدة أشخاص اعتُقلوا بتهم التجديف، إلى تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في احتمال إساءة استخدام قانون التجديف. ولوهلة، شعرت بيبي بالأمل يراودها.

إلا أنه بعد أسبوع فقط، علّقت محكمة أعلى الأمر. ومن جديد، شعرت بيبي كأن الأرض قد انزلقت تحتها. وقالت: «لا أطمح سوى لعودة ابني البريء إلى المنزل».


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج التعاون مستمر بين الجانبين لمكافحة التطرف الرقمي والحد من انتشاره (الشرق الأوسط)

«اعتدال» و«تلغرام» يكافحان التطرف الرقمي بإزالة 97 مليون مادة خلال 2025

أسفرت الجهود المشتركة بين المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) ومنصة «تلغرام»، في مجال مكافحة التطرف الرقمي، عن إزالة 97.611.787 مادة متطرفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر من الأمن الداخلي السوري (صفحة الداخلية السورية على إكس)

الداخلية السورية تلقي القبض على خلية ﻟ«داعش» في ريف دمشق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، القبض على أفراد خلية تتبع لتنظيم «داعش» في ريف دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة...

الشيخ محمد (نواكشوط)

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».