اشتباكات دامية تكشف صراع العائلة والحزب في السليمانية

اعتقال ابن شقيق رئيس العراق الراحل جلال طالباني

تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات دامية تكشف صراع العائلة والحزب في السليمانية

تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)

فوجئ سكان مدينة السليمانية (شمال العراق) باندلاع مواجهات دامية اشتركت فيها وحدات أمن حكومية وحزبية، قبل أن يكتشفوا أنها معركة بين أبناء العم داخل عائلة الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني.

ومنذ مساء الخميس وحتى فجر الجمعة، تحولت مذكرة قبض بحق لاهور شيخ جنكي، ابن عم بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، إلى مواجهات عسكرية ومحاصرة لفندق وسط المدينة، أسفرت عن قتل وإصابة مسلحين، واعتقال شيخ جنكي وأفراد من عائلته.

وشيخ جنكي هو رئيس «حزب الشعب»، الذي تأسس عام 2024 بعد معركة قانونية مع «حزب الاتحاد الوطني»، وكان الأخير حزباً يدار بالشراكة بينهما، قبل أن يقال على نطاق واسع في السليمانية إن طالباني اتهم شيخ جنكي بمحاولة تسميمه عام 2023، ليبدأ فصل مرير من صراع الأخوة الأعداء داخل عائلة حكمت السليمانية منذ عقود، والعراق لعشر سنوات عقب انهيار نظام صدام حسين.

صورة مركبة لبافل طالباني (يمين) ولاهور شيخ جنكي

أبناء العم... الأعداء

بافل جلال طالباني، المولود في بغداد عام 1973 الذي أمضى مراهقته في العاصمة البريطانية لندن، هو نجل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني حالياً.

واستحوذ بافل على الملف الأمني والاستخباري في حزب «الاتحاد». وسيطر منذ سنوات على جهاز مكافحة الإرهاب التابع للحزب، لكن ابن عمه لاهور كان أحد شركائه الأساسيين في تأسيس الوحدات العسكرية التابعة للحزب، ولمكافحة الإرهاب، وقد لعبا دوراً مشتركاً في معارك «قوات البيشمركة الكردية» ضد تنظيم «داعش» في ديالى وكركوك وسنجار.

وقد ولد لاهور شيخ جنكي في مدينة كوية غرب أربيل، عاصمة إقليم كردستان، عام 1976، وقد تولى قيادة جهاز أمني يدعى «زانياري» وتعني جهاز أمن المعلومات (أو الاستخبارات)، وكان يحظى بشهرة كبيرة في صفوف «قوات البيشمركة».

وفي عام 2020، أصبح شيخ جنكي وبافل طالباني رئيسين بالمناصفة لحزب «الاتحاد الوطني»، قبل أن يُقصى عام 2021. وبسبب ذلك؛ تفاقم الاستقطاب الاجتماعي في مدينة السليمانية بين الرجلين اللذين يحتفظ كل منهما بنفوذ اجتماعي وسياسي وأمني، إلا أن تيارات كثيرة ترجح كفة طالباني.

ماذا حدث؟

العملية بدأت بعد وضع السليمانية في حالة استنفارٍ أمني مساء الخميس، إثر صدور أمر قبض بحق رئيس «جبهة الشعب». ولأن الأخير رفض الاعتراف بالمذكرة والامتثال لها، طوق الفندق الذي كان يقيم فيه في حي سرجنار في السليمانية، وبعد ساعات من التطويق بدأت مواجهة مسلحة بين قوات أمن ومسلحين تابعين لشيخ جنكي، قبل أن يزداد الحضور المكثف لقوات الأمن التي تحاصر الفندق.

وأسفرت المواجهات عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل فيما أُصيب نحو 10 آخرين بجروح، كما انتهت بعد تمكن قوات الأمن من اعتقال لاهور شيخ جنكي وشقيقيه بولاد وآسو.

وبينما كانت الاشتباكات تتفاقم وسط المدينة، وألسنة الدخان تتصاعد من محيط الفندق، أغلقت قوات الأمن الكردية مداخل مدينة السليمانية ومخارجها من كل الجهات.

ولم يعلن الكردي المكان الذي نقل إليه لاهور شيخ جنكي وشقيقيه، إلا أن مصادر سياسية أبلغت «الشرق الأوسط»، أن المعتقلين قد يواجهون أحكاماً بالسجن لسنوات على خلفية ما قيل إنه «مخطط لزعزعة الأمن في السليمانية».

سيارة محترقة إثر الاشتباكات في محيط مقر إقامة لاهور شيخ جنكي في السليمانية (إكس)

صراع «أخوة أعداء»

قالت القيادية السابقة في «الاتحاد الوطني»، ريزان شيخ دلير، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الليلة التي تم فيها اعتقال لاهور شيخ جنكي مؤسفة بكل المعايير، بسبب تداعيات المواجهات وسقوط ضحايا بين قتيل وجريح».

وأوضحت شيخ دلير أن «مذكرة قبض بحق لاهور شيخ جنكي لا تبرر الطريقة التي تمت بها عملية الاعتقال عبر استخدام كل أنواع القوة العسكرية». وأشارت إلى أن «الاشتباكات لم تكن تحصل لو أن السلاح بيد الدولة».

وحول الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها هذه الأزمة، قالت دلير إنه «من الصعب القول الآن فيما إذا كان شيخ لاهور سوف يبقى في المعتقل أو يطلق سراحه، بانتظار التحقيقات التي سيجريها القضاء لمعرفة كل الملابسات».

ولم تستبعد مصادر مطلعة وجود «أجندة إقليمية ودولية» فاقمت من الصراع المحلي بين «الأخوة الأعداء». وقال مصدر كردي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العملية لا تبدو بعيدة عن أجواء الصراع بين إيران وقوى فاعلة منافسة في المنطقة».

وقال قيادي كردي، طلب عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، إن جذر الخلاف عائلي، ويعود إلى سنوات سابقة بين أبناء عمومة نصفهم أمضى حياته وتعليمه في واشنطن ولندن، ضد النصف الآخر من الأبناء الذين نشأوا مقاتلين في الجبل».

إلا أن مراقبين يميلون إلى الاعتقاد بأن المواجهة المسلحة جزء من تصفية حسابات سياسية قبيل موعد الانتخابات البرلمانية في عموم العراق، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

آثار دمار نتيجة الاشتباكات داخل مقر إقامة لاهور شيخ جنكي (شبكة روداو)

تدخل حكومي

وأعربت الحكومة الاتحادية عن أسفها للأحداث الدامية في السليمانية. وقال صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، إن «الحكومة الاتحادية تؤكد ضرورة التزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية وفقاً لأحكام الدستور، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون».

وأضاف النعمان: «إذ تُشدد على أهمية أن تُنفذ هذه الإجراءات بحيادية تامة وشفافية كاملة، بعيداً عن أي مظاهر مسلحة أو محاولات لترهيب المواطنين، فإنها تؤكد أن إنفاذ القانون يجب أن يتم بما يضمن صون كرامة الإنسان وحفظ حقوقه».

ولفت النعمان إلى أن «الحكومة الاتحادية، تؤكد من خلال مؤسساتها الدستورية والأمنية، أن الحفاظ على أمن المواطنين في الإقليم وفي عموم محافظات العراق هو واجب وطني وأخلاقي».

وشدد في بيانه أن الحكومة «لن تدّخر جهداً في درء الفتنة، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ الاستقرار» مؤكداً أن «مصلحة محافظة السليمانية، وأمن وسلامة أهلها، وأمن الإقليم والعراق عموماً، تبقى فوق جميع الاعتبارات».

من جهتها أكدت حكومة إقليم كردستان أهمية سيادة القانون وحماية أمن المواطنين. كما شددت رئاسة الإقليم على «سيادة القانون وحماية أمن واستقرار المدينة وصون أرواح وممتلكات المواطنين»، مشددة على أن «جميع الخلافات والمشاكل ينبغي أن تُعالج في إطار القانون وبعيداً عن العنف».

بدورها، أعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) عن قلق بالغ إزاء التطورات التي شهدتها محافظة السليمانية مؤخراً، التي أوقعت قتلى وجرحى نتيجة الاشتباكات.

ودعت البعثة في بيان صحافي جميع الأطراف إلى التزام أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب أي أعمال تهدد أرواح المدنيين، مع التأكيد على احترام حقوق الإنسان وضمان العدالة وفق الدستور.


مقالات ذات صلة

«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم رئاسة الوزراء... والمالكي الأوفر حظاً لولاية ثالثة

المشرق العربي رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم رئاسة الوزراء... والمالكي الأوفر حظاً لولاية ثالثة

توقع مصدر مسؤول في قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية نجاحها في حسم الشخصية المختارة لشغل منصب رئاسة الوزراء خلال الأسبوع المقبل.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي العراق: جدل حول «تنازل» السوداني للمالكي

العراق: جدل حول «تنازل» السوداني للمالكي

تتواصل التحليلات والتعليقات عن احتمال تنازل رئيس ائتلاف «الإعمار والتنمية» رئيس الوزراء محمد السوداني عن حقه بالترشّح لمنصب رئاسة الوزراء لصالح نوري المالكي.

فاضل النشمي (بغداد)
أوروبا وزير الخزانة السابق من حزب «المحافظين» ناظم الزهاوي يتحدث على خشبة المسرح بعد أن تم الكشف عنه بصفته عضواً جديداً في حزب «الإصلاح» البريطاني بمؤتمر صحافي بلندن 12 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أول وزير عراقي في بريطانيا ينضم إلى اليمين المتطرف

انشق وزير المالية البريطاني السابق ناظم الزهاوي عن حزب «المحافظين» يوم الاثنين وانضم إلى حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتطرف الذي يتزعمه نايجل فاراج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يستند العراق في توقعاته لأسعار النفط في موازنة 2026 إلى تحليلات منظمة «أوبك» وسياق السوق النفطية العالمية (رويترز)

العراق يتوقع متوسط سعر برميل النفط بين 55 و62 دولاراً في موازنة 2026

توقع المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، يوم الاثنين، أن يتراوح متوسط سعر برميل النفط ضمن موازنة عام 2026 بين 55 و62 دولاراً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بجانب نوري المالكي خلال مناسبة دينية في بغداد (إعلام حكومي)

تنازل مشروط من السوداني للمالكي

قرر رئيسُ الوزراء العراقي زعيمُ «ائتلاف الإعمار والتنمية»، محمد شياع السوداني، التنازلَ للفائزِ الثاني في الانتخابات البرلمانية زعيمِ «ائتلاف دولة القانون».

حمزة مصطفى (بغداد)

الجيش السوري يستهدف مواقع «قسد» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي

عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
TT

الجيش السوري يستهدف مواقع «قسد» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي

عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)

أفاد تلفزيون «الإخبارية» السورية، اليوم (الثلاثاء)، بأن الجيش استهدف بقذائف المدفعية مواقع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي شمال البلاد.

ونقلت القناة الرسمية عن مصدر عسكري لم تسمّه، القول إن القصف المدفعي جاء رداً على استهداف «قسد» محيط قرية حميمة في ريف حلب الشرقي بالطائرات المسيّرة.

كانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد قالت، أمس (الاثنين)، إنها رصدت وصول مزيد من المجموعات المسلحة إلى نقاط انتشار «قسد» في ريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر، فيما أفادت «الوكالة العربية السورية للأنباء» بوصول تعزيزات جديدة للجيش إلى تلك النقاط رداً على تحركات «قسد».

سيارات متضررة عقب اشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد وقوات الحكومة السورية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب - 11 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ونفت «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها الأكراد، وجود أي تحركات أو حشد عسكري لقواتها في مناطق مسكنة ودير حافر، وقالت إن تلك المزاعم «لا أساس لها من الصحة».

ويوم الأحد الماضي، ذكرت وسائل إعلام سورية أن آخر مقاتلي «قسد» غادروا حلب بعد اتفاق التهدئة الذي سمح بعملية الإجلاء عقب اشتباكات دامية استمرت لأيام مع القوات الحكومية.


أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

لم يتلقَ وسام (اسم مستعار) المقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت، أي إجابة على موعد صرف تعويضات بدل الإيواء للسنة الثانية من «حزب الله». أبلغه المسؤول عن التعويضات بأنه «حتى الآن لا موعد محدداً لصرف التعويضات»، وأنه «حين تجهز الدفعة، سنبلغك هاتفياً».

لم يكشف المسؤول عن الأسباب التي حالت، حتى الوقت الراهن، دون صرف تعويضات بدل الإيواء المحددة بـ4800 دولار سنوياً، كبدل إيواء عن كل وحدة سكنية دُمرت خلال الحرب، وترك هذا الغموض آلاف الأسر من سكان الضاحية في حيرة، ما يكرر الأسئلة على لسان السكان: «هل سيوقف (حزب الله) الدفعات أم أنها ستتأخر فقط؟»، و«هل التأخير ناتج عن أزمة مالية، أم عن أسباب تقنية؟».

51 ألف وحدة سكنية مدمرة تماماً

ويتخطى عدد الوحدات السكنية المدمرة بالكامل جراء الحرب، الـ51 ألف وحدة سكنية، حسب تقديرات شركة «الدولية للمعلومات» الإحصائية، بينها 9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1500 وحدة في البقاع، و22 ألفاً في منطقة الشريط الحدودي. وازداد هذا الرقم خلال العام الماضي، إثر الضربات الإسرائيلية والتفجيرات التي طالت منازل في منطقة الشريط الحدودي، فضلاً عن الاستهدافات بعد إنذارات إخلاء على دفعتين طالت الضاحية الجنوبية لبيروت.

صورة للأمينين العامّين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين على مبنى استُهدف في عملية اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - رويترز)

وبعد أقل من شهر على توقف الحرب، بدأ «حزب الله» بصرف تعويضات بدل إيواء للسكان، وخصص مبالغ 400 دولار شهرياً للمتضررين في الضاحية الجنوبية، و300 دولار للمتضررين في الجنوب والبقاع، إضافة إلى صرف بدل أثاث يتراوح بين 6 و8 آلاف دولار تُدفع مرة واحدة، بينما تُصرف تعويضات بدل الإيواء سنوياً، أو على دفعات، كما دفع الحزب مبالغ تُقدر بعشرات ملايين الدولارات، بدل ترميم المباني المتضررة وغير المهدمة كلياً.

وبعدما تلقى معظم السكان بدلات الإيواء عن السنة الماضية، لم يتلقَّ هؤلاء، حتى الآن، أي إشعار بالقبض عن السنة الثانية. يقول وسام لـ«الشرق الأوسط»: «لا يملك من نراجعهم إجابة واضحة، كما لا يجيبون عن التساؤلات التي نسمعها في الشارع عن أن الحزب سيوقف الدفع نهائياً، أو سيؤخره».

تحقيقات في دفوعات السنة الأولى

في أوسط جمهور الحزب، تتردد قصة تتحدث عن تحقيقات يجريها الحزب في دفعات العام الماضي. ويقول أحد هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات الأولى، أفضت إلى وجود «محسوبيات» في الدفعات، حيث «حصل بعض المتضررين على تعويضات تتخطى قيمة الأضرار الفعلية، نتيجة سوء تقييم، أو محاباة لبعض الناس». ويضيف: «لم تكن الدفعات متناسبة مع حجم الأضرار، فمثلاً بلغت تقديرات بعض المنازل 800 دولار، لكن حصل في النهاية على نحو 1500 دولار... وفي المقابل، صُرفت بدلات ترميم أقل من قيمتها الفعلية، فلجأ أصحاب المنازل السكنية إلى الاعتراض، وبالفعل، تم دفع مبالغ إضافية». ووضع المصدر هذا الأمر في إطار «الفوضى»، و«المحسوبيات»، لافتاً إلى أن هناك تحقيقات تتم لتسوية الأمر، وهو ما أدى إلى التأخير في الدفوعات.

أزمة مالية

لكن التحقيقات في ملفات إعادة الترميم، يُفترض ألا تعرقل دفع بدلات الإيواء، بالنظر إلى أن الحزب حدّد قيمتها الشهرية أو السنوية، كما أن المنازل المدمرة أُجريت كشوفات عليها، حسبما تقول مصادر معارضة لـ«حزب الله»، واضعة التأخير في صرف تعويضات بدل الإيواء، إلى «الأزمة المالية التي يعاني منها (حزب الله)».

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «المنطق يقول إن تحديد بدلات الإيواء لا تشوبه محسوبيات ولا محاباة ولا زبائنيّة، خلافاً لتعويضات الأضرار والترميم، ويجب أن تُصرف من دون عوائق... لكن المرجح أن الحزب يعاني من أزمة مالية، وهو ما يجعله يؤخر الدفعات».

وتضيف المصادر: «منذ العام الماضي، بدأت الضغوط على الحزب تشتد، وبدأت من إغلاق الحدود السورية، ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار بيروت، وتشديد الإجراءات في المطار والمرافئ، إضافة إلى الضغوط على (مؤسسة القرض الحسن)، كلها تدابير قلصت قدرة وصول الأموال الإيرانية إلى الحزب»، مشيرة إلى أن الأعباء المالية التي ترتبت على الحزب «تضاعفت بشكل غير مسبوق، حيث بات ملزماً بدفع رواتب عناصره الذين قُتلوا في الحروب، ودفع تقديمات اجتماعية إضافية لعائلاتهم، إضافة إلى زيادة الإنفاق على الطبابة للجرحى جراء الحرب، في وقت تعاني فيه إيران من مشكلات مالية إضافية تمنعها من زيادة مخصصات الحزب، وهو ما يفاقم الأزمة المالية عنده».

البحث عن بدائل

بمعزل عن الحالتين (الأزمة المالية أو التحقيقات الداخلية)، لم تُصرف بدلات الإيواء لهذا العام، ولم يستكمل الحزب دفع بدلات الترميم المتبقية للمتضررة منازلهم من الحرب؛ ما وضع السكان في حيرة، ودفع بعضهم للبحث عن بدائل. ويقول لبناني من البقاع لـ«الشرق الأوسط» إنه تخلى عن المنزل المُستأجر قبل 3 أشهر، وانتقل إلى بلدة ثانية في البقاع ليقيم في منزل قريب له، لعصر النفقات، وتحسباً لئلا يُدفع بدل الإيواء. ويضيف: «كانت الأمور واضحة منذ الصيف، حين توقف الحزب عن استكمال دفع بدلات الترميم؛ ما يشير إلى أزمة تعتريه، فاتخذت القرار قبل بدء الموسم الدراسي، لتجنب أي تقصير في دفع بدل إيجار منزلي».

مواطنون يتجمعون أمام مبنى مدمّر بالضاحية الجنوبية لبيروت إثر غارات إسرائيلية استهدفته قبل أشهر (أرشيفية - إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، ضغط سكان في منطقة المريجة بالضاحية، على الحزب لتدعيم أساسات مبنى تعرض لضربة عنيفة لكنه لم يسقط، كما ضغطوا على «جهاد البناء» لتركيب مصعد للبناية، لتجنب هدمه وبقائهم خارج منازلهم أوقاتاً طويلة، وتولى السكان إصلاح منازلهم على نفقتهم الخاصة، كي يتمكنوا من العودة، تحسباً لئلا يتلقوا بدلات الإيواء. وقال أحدهم إنه استدان نحو 20 ألف دولار، لإصلاح منزله، وذلك «لتخفيف الإيجارات في ظل تراجع إمكاناتي المادية».

وسدد «حزب الله» قسماً كبيراً من بدلات إعادة الترميم، في معظم المناطق، لكن الدفوعات اقتصرت على الوحدات السكنية نفسها، ولم تشمل الأقسام المشتركة، مثل إعادة طلاء المباني من الخارج، أو ترميم مداخل الأبنية، لكن الناس، لا تجد بديلاً سوى العودة إلى المنازل «لتجنب دفع الإيجارات».


برودة في علاقة عون و«حزب الله»... والتواصل عند «الحدّ الأدنى»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
TT

برودة في علاقة عون و«حزب الله»... والتواصل عند «الحدّ الأدنى»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)

تتسم علاقة الرئيس اللبناني، جوزيف عون، بـ«حزب الله» ببرودة؛ إذ يجري التواصل بين الطرفين ضمن «الحدّ الأدنى»، وفق ما قالت مصادر وزارية، في وقت عمّقت فيه تصريحات عون بشأن سلاح «الحزب» الهوة بين الطرفين، وهو ما ظهر في انتقادات سجلها «الحزب» ضد الرئيس اللبناني.

وكان عون قال في مقابلة تلفزيونية، بمناسبة الذكرى الأولى لتسلمه مهامه الرئاسية، إن «دور السلاح خارج الدولة انتفى بوجود الجيش، وبقاؤه صار عبئاً على بيئته وعلى لبنان ككل، ولم يعد له من دور رادع». وفي المقابل، أشار وزير «حزب الله» السابق، محمد فنيش، في مقابلة تلفزيونية، إلى أن «لدى (الحزب) ملاحظات على مواقف الرئيس الأخيرة»، قائلاً: «نختلف معه شكلاً ومضموناً في بعض الفقرات... فنحن لسنا طرفاً آخر؛ نحن قوة مقاومة أسهمت إسهاماً كبيراً في تحرير لبنان».

تواصل بارد

وشددت مصادر وزارية، مطلعة على موقف عون، على أن «المواقف التي أطلقها ليست جديدة، لكن الظروف الحالية قد تكون مختلفة عن تلك السابقة»، لافتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه المواقف تنطلق من قناعة لدى الرئيس بأن السلاح خارج إطار الدولة لم يعد له أي منفعة، وانتفى دوره، وبات عبئاً على الجميع، وضمناً على الطائفة الشيعية وبيئة (الحزب)، وهذا بنهاية المطاف توصيف لواقع موجود».

وعدّت المصادر أن «ردود الفعل من جمهور (الحزب) منتظرة، لكنها لا تمنع أن يبقى التواصل قائماً، فذلك بنهاية المطاف مصلحة للفريقين، خصوصاً لـ(الحزب)، بغض النظر عن الأصوات القريبة من (الحزب) التي تخرج من هنا وهناك»، كاشفة عن أنه «في الفترة الأخيرة لم يكن هناك تفعيل للتواصل أو حماوة معينة».

عون - سلام

وطوال الفترة الماضية، حرص «حزب الله» على الحفاظ على علاقة جيدة بالرئيس عون، فصوّت نواب «الحزب» لمصلحته في جلسة انتخابه بعد دعمهم أشهراً طويلة انتخاب سليمان فرنجية، حتى إن قيادة «الحزب» بدأت حواراً معه بعيداً عن الأضواء بخصوص ما عُرفت بـ«استراتيجية الأمن الوطني»، لكنه لم يصل إلى أي نتائج. ولا تزال قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين لمعالجة ملف السلاح شمال الليطاني في ظل رفض «الحزب» التعاون في هذا المجال.

وتركّز هجوم قيادة وجمهور «حزب الله»، منذ إقرار مجلس الوزراء في أغسطس (آب) الماضي حصرية السلاح بيد الدولة، على الحكومة التي يتمثل فيها، كما ساءت العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة، نواف سلام، الذي لم يصوّت «الحزب» له في الاستشارات النيابية.

رد فعل طبيعي

ويعدّ الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، أن رد فعل جمهور «الحزب» على مواقف عون الأخيرة «رد فعل طبيعي، لا سيّما بسبب عدم أخذه في الحسبان دور المقاومة في حماية لبنان، والدعوة إلى إنهاء دور السلاح من دون تقديم أي ضمانات لما بعد تسليمه وخيارات بديلة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ورأى قصير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «موقف جمهور (الحزب) لا يعني بالضرورة أنّه يمثّل موقف القيادة... فوفق المعلومات، لا تزال قنوات التواصل قائمة بين الطرفين، لكن المشكلة أن الاتصالات لم تُفضِ إلى رؤية موحدة بينهما»، مضيفاً: «هناك ملاحظات من قبل (حزب الله) بشكل رسمي على أداء الحكومة وأداء الدولة، لا سيّما على صعيد المفاوضات وتقديم تنازلات من دون أي ضمانات أو نتائج ملموسة».

ازدواجية في الخطاب

من جهته، يشير الأستاذ الجامعي والمحامي علي مراد إلى أن «بعض جمهور (حزب الله) على وسائل التواصل الاجتماعي يعتمد خطاب التخوين الأقصى مع كل من يخالفه الرأي، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك، فلدى هذا الجمهور لا وجود لألوان رمادية. لكن هذا لا يعني أن الأزمة أزمة جمهور بقدر ما أنها أزمة الخطاب السياسي والتعبئة التي اعتمدها (حزب الله) طيلة عقود، والذي رسّخ ثقافة لا تميّز بين الأسود والأبيض، وكرّس، بشكل مباشر أو غير مباشر، خطاب التخوين؛ فإمّا أنت معنا بالكامل، وإما أنت ضدنا بالكامل».

لاجئة سورية إلى مخيم للاجئين أقامه «حزب الله» في الهرمل شرق لبنان... وتظهر صور للمرشد الإيراني علي خامنئي وزعيم «الحزب» نعيم قاسم وأمينه العام الأسبق (إ.ب.أ)

ويرى مراد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية خطاب (حزب الله)، فهو يدرك تماماً أنّ الواقع بات شديد الصعوبة بعد الخسارة الكبيرة التي مُني بها والهزيمة العسكرية من جهة، وبعد تراجع المحور عموماً من جهة أخرى؛ لذلك نشهد تناقضاً واضحاً بين ما يقوله (الحزب) وما يؤمن به فعلياً». ويضيف مراد: «هذا التناقض يظهر بوضوح في خطابات الأمين العام لـ(الحزب) الشيخ نعيم قاسم، حيث نرى خطابين: الأول يعترف بالواقع نسبياً ولا يزال متمسكاً بعدم تسليم السلاح. والخطاب الآخر (تعبوي) ينتمي إلى زمن سابق؛ ما قبل عملية البيجر و(حرب الإسناد)»، لافتاً إلى أن «ما قاله رئيس الجمهورية يذهب في هذا الاتجاه، لجهة أن (الحزب) بوضعه السابق انتهى، وبات عبئاً على لبنان والشيعة وأهل الجنوب». ويضيف: «بالتالي، التمسك بالخطاب نفسه اليوم، لا يعني سوى رفض الواقع وممارسة الإنكار، وهو نوع من العنجهية السياسية التي يترجمها الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تعكس قناعات (الحزب) ودوائره الإعلامية أيضاً».

لا مصلحة في «كسر الجرّة»

ويعدّ مراد أن «ما أزعج جمهور (الحزب) في كلام الرئيس، هو الحقيقة التي لا يراد له أن يعترف بها، ألا وهي انتهاء دور (حزب الله) وخروجه من معادلة الردع، ومن قدرته على تحقيق أي من أهداف لبنان اليوم بمعزل عن كل التقييم السابق... فالرئيس قال الحقيقة، وهي حقيقة يجب أن تقال».

وعما إذا كانت العلاقة شارفت على الانكسار بين «الحزب» وعون، يقول مراد: «ليس من مصلحة (حزب الله) إطلاقاً أن يكسر الجرّة سياسياً مع رئيس الجمهورية، ولا حتى مع رئيس الحكومة، خصوصاً أنه يعي أن ما يقومان به يصبّ في مصلحة لبنان، ويخدم مصلحة الجنوب تحديداً، وفي مكان ما يجنّب (حزب الله) وبيئته مخاطر خيارات قاتلة قد تقود إلى مصير أسود إذا سلكوا طريق الإنكار أو خيار الانتحار السياسي».