تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

مراجعة دور الروبوتات الجراحية ونظم التحليل العميق في عيادات المستقبل

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان
TT

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

في أغسطس (آب) 2025، أصدرت الهيئة العامة لتنظيم مهنة طب الأسنان في بريطانيا (General Dental Council – GDC) واحداً من أهم تقاريرها البحثية على الإطلاق، تحت عنوان: «تقديم خدمات طب الأسنان باستخدام الذكاء الاصطناعي: تقييم سريع للأدلة» (Artificial Intelligence in Dental Service Provision: A Rapid Evidence Assessment).

منهجية التقييم السريع للأدلة

وكان هذا التقرير ثمرة عمل علمي دقيق أنجزه فريق بحثي من كلية طب الأسنان بجامعة بليموث، بالاعتماد على منهجية التقييم السريع للأدلة (Rapid Evidence Assessment – REA)، وهي آلية علمية تجمع بين صرامة المراجعات المنهجية الكاملة وسرعة الدراسات الجزئية، لتوفر لصنّاع القرار صورة واضحة ومبنية على الدليل، في فترة زمنية وجيزة.

ويُعدّ هذا النهج أداة مثالية حين يتعلق الأمر بمجالات سريعة التغيُّر، مثل الذكاء الاصطناعي، حيث يحتاج الطبيب والباحث والمشرّع إلى رؤية متوازنة لا تغفل الصرامة العلمية، ولا تستغرق سنوات في انتظار النتائج.

3800 دراسة... لكن ماذا بقي بعد الغربلة؟

انطلق المشروع، في سبتمبر (أيلول) 2024، بخطوة غير تقليدية: مراجعة شاملة لأكثر من 3800 دراسة منشورة في مجلات طبية وعلمية تناولت استخدامات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

لكن الكثرة لا تعني بالضرورة الجودة؛ فبعد سلسلة من عمليات التمحيص الدقيقة وفق معايير الصدقية والمنهجية والارتباط بالواقع الإكلينيكي، لم يتبق في يد الباحثين سوى 45 دراسة فقط اعتُبرت جديرة بالتحليل المتعمّق.

تقدم الصين وأميركا... وتخلف أوروبا

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: 18 دراسة من الصين، و13 من الولايات المتحدة، بينما خلا السجل تماماً من أي دراسة بريطانية، على الرغم من أن التقرير بريطاني المنشأ.

ويثير هذا الغياب سؤالاً علمياً وأخلاقياً في آن واحد: هل فقدت أوروبا – التي كانت يوماً ما رائدة في تأسيس مدارس طب الأسنان الحديثة – زمام المبادرة لصالح الشرق المتسارع (الصين) والغرب البعيد (أميركا)؟ أم أن الحذر الأوروبي في اعتماد تقنيات جديدة جعلها تتأخر عن ركب التجارب الميدانية التي تجري بوتيرة متسارعة في أماكن أخرى؟

تطبيقات متسارعة: من الروبوتات إلى التحليل العميق

يكشف التقرير أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حبيس الأوراق البحثية أو مؤتمرات المستقبل، بل بدأ فعلياً يطرق أبواب عيادات الأسنان حول العالم. وما كان يُنظر إليه منذ سنوات كخيال علمي، أصبح اليوم واقعاً تجريبياً يتوسع بخطى متسارعة. ومن أبرز التطبيقات التي رصدها التقرير:

1. الروبوتات الجراحية: يأتي في المقدمة الروبوت الأميركي «Yomi»، الذي يمثل ثورة في مجال زراعة الأسنان؛ إذ يعتمد على ذراع روبوتية موجهة بالحاسوب لتثبيت الغرسات بدقة ملليمترية، مع تقليل هامش الخطأ البشري.

وأظهرت دراسات سريرية أن نسبة نجاح الزرعات باستخدام «Yomi» بلغت نحو 98 في المائة، متفوقة على الطرق الجراحية التقليدية، مع تقليص وقت العملية وتسريع فترة النقاهة.

2. خوارزميات التعلُّم العميق (Deep Learning): تُعد هذه الخوارزميات أشبه بـ«العين الثانية» للطبيب؛ إذ تقوم بتحليل صور الأشعة البانورامية والمقطعية ثلاثية الأبعاد (CBCT) لاكتشاف التسوس المبكر أو تحديد فقدان العظم السنخي المرتبط بأمراض اللثة.

وطورت بعض الشركات تطبيقات يمكن تنزيلها على الهواتف الذكية تتيح للمريض التقاط صورة داخل فمه والحصول على تقدير أولي لحالته، مما قد يفتح الباب أمام الوقاية الاستباقية قبل الحاجة إلى التدخل الإكلينيكي.

3. التعلم الآلي الخاضع للإشراف (Supervised Machine Learning): حظي مجال طب أسنان الأطفال بنصيب ملحوظ من هذه الأبحاث، حيث استُخدمت الخوارزميات للتنبؤ باحتمال حدوث التسوس استناداً إلى الأنماط الغذائية والسلوكية والعوامل الاجتماعية.

كما ساعدت هذه التقنيات في الكشف المبكر عن مشاكل الإطباق (Malocclusion)؛ ما يتيح للطبيب التدخل في سن مبكرة وتفادي مضاعفات مستقبلية معقدة.

4. طب الأسنان عن بُعد (Teledentistry): في عصر ما بعد الجائحة، اكتسب هذا المجال أهمية مضاعفة. وأصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على تحليل الصور والفيديوهات المرسلة من المرضى في المناطق النائية، ثم إصدار تقرير أولي يُعرض على الطبيب لاحقاً.

ولا تعني هذه الخدمة توفير وقت المريض والطبيب فقط، بل تُمثل أيضاً أداة للحد من التفاوت في الحصول على الرعاية الصحية، خصوصاً في المجتمعات البعيدة أو الفقيرة.

بهذه التطبيقات، يتضح أن الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس مجرد رفاهية تكنولوجية، بل توجُّه عملي يغيّر طريقة التشخيص والعلاج والمتابعة، ويعيد صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض، وبين العيادة والمجتمع.

بين التفاؤل والتحفّظ: الفجوات العلمية والعملية

رغم أن التقرير رسم صورة متفائلة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، فإنه لم يتغاضَ عن الجانب المظلم من المعادلة؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن للتقنية أن تقدمه، بل أيضاً بما قد تعجز عنه أو تُحدثه من تحديات جديدة، ومنها:

* القصور العلمي: أظهرت المراجعة أن أكثر من 70 في المائة من الدراسات كانت تجريبية أو محدودة العدد من حيث العينات؛ ما يجعل النتائج غير قابلة للتعميم على نطاق واسع. أي أن الطريق ما زال بحاجة إلى دراسات سريرية كبيرة وطويلة الأمد لإثبات الفعالية والأمان.

* المخاطر الطبية: لفت التقرير إلى أن استخدام الروبوتات الجراحية مع مرضى هشاشة العظام قد يؤدي إلى مضاعفات غير متوقَّعة، نظراً لحساسية البنية العظمية لديهم، ما يستدعي بروتوكولات أكثر دقة لاستخدام هذه التقنيات.

* البُعدان النفسي والاجتماعي: لا يزال عدد من المرضى يشعرون بالقلق أمام فكرة أن «آلة» تشارك في علاجهم؛ إذ يربطون الطب باللمسة الإنسانية للطبيب. هذا التحدي النفسي لا يقل أهمية عن التحديات التقنية، لأنه يحدد مستوى تقبّل المجتمع للابتكار.

* التكلفة العالية: الأجهزة المتقدمة والبرمجيات الذكية تبقى بعيدة عن متناول معظم العيادات الصغيرة أو المجتمعات محدودة الموارد، ما يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية.

* التدريب والاعتماد: غياب بروتوكولات موحّدة لتدريب الأطباء على استخدام هذه الأنظمة يجعل الاستفادة منها متفاوتة بين بلد وآخر، بل وأحياناً بين عيادة وأخرى داخل البلد الواحد.

ولم يتوقف التقرير عند هذه العقبات، بل سجّل كذلك نقصاً واضحاً في الأدلة التنظيمية والأخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية وحماية البيانات وضمان العدالة في إتاحة الرعاية. وهي قضايا تزداد إلحاحاً في عصر البيانات الضخمة، حيث تصبح المعلومات الطبية للمريض أثمن من الذهب إذا لم تُحسن حمايتها.

السعودية: من السبق الأخلاقي إلى الريادة العالمية

في الوقت الذي خلا فيه التقرير البريطاني من أي إشارة إلى دراسات عربية، برزت المملكة العربية السعودية كاستثناء عالمي لافت، ليس في ميدان البحث العلمي المباشر، بل في صياغة الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تُعد الأساس لأي تطبيق ناجح للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

فمنذ عام 2019، أطلقت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)» أول إطار أخلاقي عالمي للذكاء الاصطناعي، لتكون المملكة بذلك سبّاقة في استباق الأسئلة الحساسة التي يثيرها استخدام الخوارزميات في حياة البشر اليومية.

وفي عام 2023، خطت المملكة خطوة نوعية عبر اعتماد إطار وطني متكامل للذكاء الاصطناعي يتضمن 7 مبادئ أساسية: العدالة، الخصوصية، الشفافية، المساءلة، السلامة، التنوع، والاستدامة. وهذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى مرجع عالمي استشهدت به مؤسسات أكاديمية وتنظيمية في أوروبا وآسيا.

ولم يمضِ وقت طويل حتى أحرزت السعودية إنجازاً غير مسبوق؛ ففي عام 2024، أصبحت أول دولة في العالم تنال شهادة «ISO 42001» الخاصة بإدارة موارد الذكاء الاصطناعي، وهو ما وضعها في صدارة الدول التي تقود صياغة المعايير الدولية. وإلى جانب ذلك، طورت أداة تقييم ذاتي مبتكرة تساعد المؤسسات على قياس مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية في ممارساتها اليومية.

هذه النجاحات لم تأتِ بمعزل عن مشروع وطني أكبر هو «رؤية السعودية 2030»، التي وضعت الذكاء الاصطناعي في قلب عملية التحول الشامل، ليس في الصناعة والاقتصاد فقط، بل في الصحة والتعليم والبحث العلمي، لتصبح المملكة مختبراً عالمياً يُوازن بين الابتكار التكنولوجي والمسؤولية الأخلاقية.

نحو عيادة المستقبل

في عيادة الغد، لن يقف الطبيب وحيداً أمام صور الأشعة والبيانات الطبية المعقدة، بل سيكون بجواره مساعد افتراضي ذكي، يلتقط الأنماط الدقيقة التي قد تغيب عن العين البشرية، ويتنبأ بالمشكلات قبل حدوثها، ويقترح خططاً علاجية أولية يراجعها الطبيب بحكمته وخبرته.

أما المريض، فسيتحول من متلقٍ سلبي إلى طرف فاعل في رعايته، يتابع حالته عبر تطبيق على هاتفه الذكي، يتلقى تنبيهات حول صحة لثته ونظافة فمه، بل وربما توصيات مخصصة وفق نظامه الغذائي ونمط حياته اليومي.

إنها ليست مجرد صورة مستقبلية بعيدة، بل مسار يتشكل اليوم أمام أعيننا. فالذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس رفاهية تقنية، بل ضرورة طبية وإنسانية، بشرط أن يُدار بوعي أخلاقي وتنظيمي كما فعلت السعودية في تجربتها الرائدة.

وهنا يطرح المستقبل سؤاله الحاسم: هل سنبقى متفرجين على ما يكتبه الآخرون عنّا؟ أم نخطّ نحن بأيدينا وعقولنا تقريرنا المقبل... وعيادتنا المقبلة؟


مقالات ذات صلة

أشباه الموصلات تقود صادرات كوريا الجنوبية إلى رقم قياسي في 2025

الاقتصاد محطة حاويات شركة هانجين شيبنج في ميناء بوسان الجديد بمدينة بوسان (رويترز)

أشباه الموصلات تقود صادرات كوريا الجنوبية إلى رقم قياسي في 2025

أظهرت بيانات رسمية نُشرت يوم الخميس أن الطلب العالمي المتزايد على أشباه الموصلات، مدفوعاً بطفرة الذكاء الاصطناعي، دفع صادرات كوريا الجنوبية إلى أعلى مستوى لها.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق مئات الأميركيين يصطفون خارج مركز للوظائف بحثاً عن فرصة عمل (أرشيفية - رويترز)

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بمعدلات البطالة عبر منشورات «التواصل الاجتماعي»

طور فريق من الباحثين نموذجاً للذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ بمعدلات البطالة عبر منشورات منصات التواصل الاجتماعي، في مدى زمني أسرع وبدقة عالية تفوقت على نظيراتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «سوفت بنك» ماسايوشي سون في مناسبة سابقة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

مجموعة «سوفت بنك» تُكمل استثماراً بقيمة 41 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

أعلنت مجموعة سوفت بنك عن إتمامها استثماراً بقيمة 41 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي»، في واحدة من أكبر جولات التمويل الخاص على الإطلاق

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو - طوكيو)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» معروض على جوال مع صورة في شاشة حاسوب مُولّدة بالذكاء الاصطناعي (أرشيفية - أ.ب)

أحد رواد الذكاء الاصطناعي يُحذّر: التقنية تظهر بوادر حماية ذاتية

انتقد أحد رواد الذكاء الاصطناعي الدعوات لمنح هذه التقنية حقوقاً، محذراً من أنها تُظهر بوادر حماية ذاتية، وأن على البشر أن يكونوا مستعدين لإيقافها عند الضرورة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
TT

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

يُعدّ تحويل مياه البحر إلى مياه شرب عملية مُكلفة للغاية، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما يجعلها غير عملية في معظم أنحاء العالم. إلا أن شركة نرويجية تُجري تجارب على نهج جديد قد يُغيّر هذا الواقع، إذ ستُدشّن شركة «فلوشيان» أول محطة تجارية لتحلية المياه تحت سطح البحر في العالم هذا العام، وتؤكد أن نظامها سيُخفّض بشكل كبير تكلفة العملية واستهلاكها للطاقة.

محطات التحلية البرية

يزداد الطلب العالمي على المياه مدفوعاً بالنمو السكاني، وتغيّر المناخ، والاستخدامات الصناعية مثل مراكز البيانات والتصنيع. في الوقت نفسه، تتضاءل وفرة المياه العذبة بسبب الجفاف، وإزالة الغابات، والإفراط في الري.

وتُنتج محطات تحلية المياه البرية حالياً نحو 1 في المائة من إمدادات المياه العذبة في العالم، ويعتمد أكثر من 300 مليون شخص على هذا المصدر لتلبية احتياجاتهم اليومية من المياه. وتقع كبرى محطات تحلية المياه في الشرق الأوسط؛ حيث يُسهّل توفر الطاقة الرخيصة استخدامها، في حين يُزيد شحّ المياه من ضرورتها.

وتُعدّ تقنية التناضح العكسي هي الرائدة لتحلية المياه اليوم؛ حيث يُضخّ ماء البحر عبر غشاء ذي ثقوب مجهرية تسمح بمرور جزيئات الماء فقط، في حين تُصفّى الأملاح والشوائب الأخرى. ويتطلب دفع الماء عبر المرشحات ضغطاً كبيراً، وهو ما يستلزم كميات هائلة من الطاقة.

ماء عذب بطاقة أقل

وتعتمد طريقة «فلوشيان» (Flocean) على غمر وحدات ترشيح المياه في أعماق المحيط، لفصل ماء البحر عن الملح في الأعماق، ثم ضخّ المياه العذبة إلى اليابسة. وبفضل وضع وحدات التناضح العكسي في أعماق المياه، تستفيد هذه التقنية من الضغط الهيدروستاتيكي -وزن الماء المتدفق من الأعلى- لدفع ماء البحر عبر أغشية الترشيح.

ويؤدي انخفاض عمليات الضخ إلى تقليل استهلاك الطاقة، بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة مقارنةً بالمحطات التقليدية، وفقاً للشركة. إضافةً إلى ذلك، تُصبح مياه البحر أنظف بمجرد الوصول إلى ما دون منطقة ضوء الشمس (التي تمتد إلى عمق 200 متر تحت سطح الماء)، ما يعني أن الماء لا يحتاج إلى معالجة مسبقة مكثفة قبل وصوله إلى الأغشية.

ونقلت مجلة «نيو ساينتست» البريطانية عن ألكسندر فوغلسانغ، مؤسس شركة «فلوشيان» ومديرها التنفيذي، قوله: «إنها عملية بسيطة للغاية من الناحية الهندسية والعملية، فالملوحة ودرجة الحرارة والضغط هي نفسها، كما أن المياه مظلمة، ولا يوجد كثير من البكتيريا التي قد تُسبب التلوث البيولوجي». ويُساعد الضغط الهيدروستاتيكي نفسه الذي يدفع الماء عبر الأغشية على تشتيت المحلول الملحي الناتج، الذي تؤكد «فلوشيان» أنه خالٍ من المواد الكيميائية التي قد تضر بالحياة البحرية.

موقع تجريبي عميق

على مدار العام الماضي، قامت «فلوشيان» بتحلية المياه على عمق 524 متراً في موقعها التجريبي في أكبر قاعدة إمداد بحرية في النرويج، وهي مجمع «مونغستاد» الصناعي. ويجري بناء منشأة تجارية تابعة للشركة، تُسمى «فلوشيان وان»، في الموقع نفسه، وستنتج مبدئياً 1000 متر مكعب من المياه العذبة يومياً عند إطلاقها العام المقبل. ويمكن توسيع نطاق العملية تدريجياً بإضافة مزيد من الوحدات.

ويقول فوغلسانغ: «تتمثل فلسفتنا في الحفاظ على وحدات المعالجة تحت سطح البحر كما هي، والتوسع عن طريق المضاعفة بدلاً من بناء آلات أكبر حجماً».

ويقول نضال هلال من جامعة نيويورك أبوظبي: «قد يصبح هذا الحل مجدياً في مواقع مناسبة، موفراً مياهاً بأسعار معقولة إذا انخفضت التكاليف، ولكنه لم يُثبت جدواه بعد على نطاق واسع».

ويضيف أن خفض التكاليف سيكون حاسماً لتوسيع نطاق هذه التقنية، إذ لا تزال تكلفتها أعلى بكثير من الحصول على المياه العذبة بالطرق التقليدية.

ويُعدّ تنظيف الأغشية وصيانتها من أكبر تكاليف شركة «فلوشيان»، وستسهم التطورات في تكنولوجيا الأغشية على حل هذه المشكلة؛ إذ يعمل فريق هلال البحثي على أغشية موصلة للكهرباء تستخدم الكهرباء لصدّ أيونات الملح والملوثات، ما يُحافظ على نظافتها، ويزيد من إنتاجيتها.

ومن المتوقع أن تبدأ محطة «فلوشيان وان» بإنتاج المياه العذبة في الربع الثاني من العام. وإذا سارت التقنية كما هو مخطط لها، فقد تُساعد «فلوشيان» في الحصول على الدعم اللازم لبناء محطات أكبر في مواقع أخرى.

حقائق

نحو 1 %

من إمدادات المياه العذبة في العالم تنتج من محطات تحلية المياه البرية حالياً


هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة

لم يكن العقل البشري يوماً مكشوفاً بالكامل. قرأنا القلب، وفككنا الجينوم، وصوَّرنا أدقَّ تفاصيل الجسد، ولكن «الفكرة» بقيت آخر الأسرار؛ تلك اللحظة الصامتة التي تومض في الدماغ قبل أن تتحوَّل إلى كلمة أو قرار. ظلَّت الفكرة مساحة داخلية لا تُقاس ولا تُرصد، إلى أن بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من هذا الحيِّز الرمادي بحذرٍ علمي.

القرار يولد قبل أن نعيه... من الصورة إلى زمن القرار

يعتقد الإنسان أن التفكير يبدأ لحظة إدراكه للفكرة، ولكن علم الأعصاب الحديث يرسم صورة أكثر تعقيداً. فالقرار -حسب دراسات عصبية متراكمة- يتشكَّل داخل الدماغ قبل أن يصل إلى الوعي. وتسبق لحظة الإدراك سلسلة من الإشارات الكهربائية والكيميائية، تعمل في شبكات عصبية عميقة، تُعرف بمرحلة «ما قبل الوعي»؛ حيث يُحضَّر القرار قبل أن نشعر بأننا اتخذناه.

في بدايات بحوث الذكاء الاصطناعي العصبي، انصبَّ الاهتمام على تحليل صور الدماغ: خرائط النشاط، ومناطق الإضاءة، وشدَّة الإشارة، وكأن الفكرة تُختزل في لقطة ثابتة. ولكن التحوُّل الحقيقي لم يكن بصرياً؛ بل زمنياً. فالنماذج الحديثة لم تعد تسأل: ماذا يحدث في الدماغ؟ بل: متى يبدأ القرار في التشكُّل؟ وهكذا انتقل الذكاء الاصطناعي من توصيف الحالة العصبية إلى تتبُّع إيقاعها الزمني، ورصد اللحظة التي تسبق الوعي بالاختيار.

الخوارزمية تراقب الزمن: الذكاء الاصطناعي يحلل أنماط القرار العصبي

التوقيع العصبي: بصمتك غير المرئية

لكل إنسان «توقيع عصبي» خاص به؛ نمط فريد في التردَّد والانتباه، والتردُّد والحسم. لا يفهم الذكاء الاصطناعي الفكرة ذاتها، ولكنه يتعلَّم هذا التوقيع بدقَّة عالية. ومع تكرار التعلُّم، يصبح قادراً على توقُّع اتجاه القرار -حركة، أو كلمة، أو اختياراً- قبل أن يشعر الشخص نفسه بأنه حسم أمره.

بحث حديث: حين يتنبأ الذكاء بالنيَّة

في أغسطس (آب) 2025، نشر فريق بحثي من «معهد بيكمان لعلوم الدماغ» في جامعة إلينوي، في أوربانا– شامبين، بالولايات المتحدة الأميركية، دراسة بارزة في مجلة «نيتشر لعلوم الأعصاب» (Nature Neuroscience) قادها البروفسور تشانغ لي. استخدم الفريق نموذج ذكاء اصطناعي متقدِّماً يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي والتحليل الزمني العميق.

تمكَّن النظام من التنبؤ بنيَّة الاختيار الحركي لدى المشاركين قبل وعيهم بها بما يصل إلى 7 ثوانٍ. وأكَّد الباحثون بوضوح أن النموذج «لا يقرأ الأفكار»، ولا يصل إلى المعنى أو الدافع؛ بل يتعرَّف على أنماط عصبية تسبق الوعي بالقرار.

هل أصبحت أفكارنا مكشوفة؟

الجواب العلمي الدقيق: لا. فالذكاء الاصطناعي لا يطَّلع على محتوى الفكرة، ولا يقرأ القيم ولا النوايا الأخلاقية. لذا فإن ما يستطيع فعله -وفي ظروف بحثية مضبوطة- هو توقّع اتجاه القرار ضمن سياق محدَّد. أما الفكرة، بمعناها الإنساني، فتبقى أعقد من أن تُختزل في إشارة كهربائية.

إذن، الطب يستفيد... دون اقتحام العقل. ففي المجال الطبي، تحوَّل هذا الاستباق العصبي إلى أداة علاجية ذات أثر مباشر؛ من التنبؤ المبكر بنوبات الصرع، إلى رصد الاكتئاب قبل تفاقمه، وصولاً إلى مساعدة مرضى الشلل على التواصل، عبر واجهات دماغ– حاسوب. هنا، لا يبحث الذكاء الاصطناعي عن «الفكرة»؛ بل عن لحظة الخلل قبل أن تتحوَّل إلى معاناة.

أخلاقيات الاقتراب من الدماغ

كلما اقتربت الآلة من العقل، تعاظمت الأسئلة الأخلاقية: من يملك بيانات الدماغ؟ وأين ينتهي العلاج ويبدأ التلاعب؟

ولهذا، تُصنِّف الهيئات العلمية العالمية بيانات الدماغ ضمن أعلى درجات الخصوصية، ولا تُجيز استخدامها إلا بموافقة صريحة، وفي إطار طبي أو بحثي صارم، مع حظر أي توظيف تجاري أو أمني خارج هذا السياق.

الإنسان... أكثر من إشارات

ورغم كل هذا التقدُّم، تبقى حقيقة لا ينازعها علم: الإنسان أكثر من إشارات. فالفكرة ليست نبضة كهربائية فحسب؛ بل تجربة، وذاكرة، وسياق، وأخلاق.

وهنا نستعيد قول ابن رشد: «العقل لا يعمل في فراغ؛ بل في إنسان». قد تسبق الخوارزميات وعينا بلحظة، ولكنها لا تمنح الفكرة معناها.

شراكة لا صراع

المستقبل لا يبدو صراعاً بين العقل والآلة؛ بل شراكة دقيقة: آلة ترى الإشارات، وإنسان يفسِّرها. آلة تتنبأ، وإنسان يختار. أما السؤال الحقيقي اليوم، فلم يعد: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة أفكارنا؟ بل: هل سنُحسن نحن رسم حدود هذه القدرة قبل أن تتجاوزنا؟


جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
TT

جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة

على مدار عقود، ظلت هندسة المناخ - ويقصد بها التلاعب التكنولوجي المتعمد بمناخ الأرض لمواجهة الاحتباس الحراري - مفتقرة إلى مشاعر الاحترام والتقدير داخل المجتمع العلمي. وقد تعامل معها معظم الخبراء بشك عميق، الأمر الذي يرجع إلى حد كبير إلى عدم التيقن من فعاليتها، واحتمالية إطلاقها العنان لعواقب وخيمة غير مقصودة.

ومع أن مجموعة صغيرة من الباحثين طالبت بدراسة هندسة المناخ على الأقل، جاءت ردود الأفعال العامة في الجزء الأكبر منها، انتقادية.

تحذيرات ومجادلات علمية

وأخيراً، وتحديداً في سبتمبر (أيلول) الماضي، تعزز هذا الموقف لدى نشر أكثر من 40 مختصاً في علوم المناخ والأنظمة القطبية وعمليات المحيطات، ورقة بحثية رئيسة في دورية Frontiers in Science.

* مخاطر هندسة المناخ الشمسية. وكانت النتيجة التي خلص إليها العلماء واضحة دون مواربة: ثمة احتمال ضئيل للغاية أن تعمل هندسة المناخ الشمسية بأمان. وحذر القائمون على الدراسة من أن رش الهباء الجوي العاكس، في طبقة الستراتوسفير، قد يغير الدورة الجوية، مما قد يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجة حرارة فصول الشتاء في شمال أوراسيا (أوروبا-آسيا)، علاوة على اضطرابات مناخية إضافية.

الحقيقة أنه لطالما جرى تجسيد هذه المخاوف في الأفلام، مثل «مثقب الثلج» (Snowpiercer) الذي دار حول قصة حدوث انخفاض كارثي في درجة الحرارة، بعد تجربة هندسة مناخية فاشلة. كما يتخيل كيم ستانلي روبنسون في روايته «وزارة المستقبل» (The Ministry for the Future) حكوماتٍ تلجأ إلى هندسة المناخ، مدفوعة بشعورها باليأس، بعد وقوع وفيات جماعية ناجمة عن التغيرات المناخية.

واللافت أن رواية روبنسون لا تصور هندسة المناخ باعتبارها كارثية بطبيعتها، وإنما تحذر من أن استخدام تكنولوجيا غير مفهومة جيداً على نطاق واسع، قد يسفر عن نتائج كارثية يتعذر التنبؤ بطبيعتها.

* ضرورة أبحاث التدخل المناخي.ومع ذلك، فقد تدهورت توقعات المناخ على أرض الواقع بدرجة هائلة، لدرجة أن الكثير من العلماء، اليوم، بات لديهم اعتقاد بأن أبحاث هندسة المناخ أمر لا مفر منه. ورداً على الورقة البحثية المنشورة المذكورة آنفاً، أصدر أكثر من 120 عالماً بياناً مضاداً أكدوا خلاله أن البحث في مجال التدخل المناخي، أصبح «ضرورياً للغاية».

وكان فيليب دافي، كبير المستشارين العلميين السابق في إدارة بايدن، قد أوجز هذا التحول على النحو الآتي: مع تسارع وتيرة التغييرات المناخية، فإنه حتى التخفيف الصارم للانبعاثات المسببة لها، لا يمكنه الحيلولة دون الارتفاع الشديد في درجات الحرارة. وعلى نحو متزايد يتضح أمامنا أن بعض التدخلات المناخية قد تكون ضرورية باعتبارها تدابير تكميلية، وليست مجرد تكهنات نظرية.

وقد عززت سياسات المناخ العالمية هذه الحاجة الملحة. وفي الوقت الذي يُكافح العالم لإجراء تحولات منهجية سريعة في قطاعي الطاقة والزراعة، يواجه الباحثون وصانعو السياسات تساؤلاً ملحاً: إذا لم يكن في الإمكان تقليص الانبعاثات الكربونية بالسرعة الكافية لتجنب نقاط التحول الكارثية، فما البدائل المتبقية؟

التصاميم التدخلية لحماية الأرض من تغيرات المناخ... قد تصبح ضرورية

تصاميم تدخلية

* مقترحات متعددة. من جهتها، تشمل هندسة المناخ طيفاً واسعاً من التدخلات المُحتملة. وتدور بعض المقترحات حول تعزيز سطوع السحب فوق المحيطات، أو زيادة انعكاسية المناطق القطبية. كما حظيت تكنولوجيا إزالة الكربون، التي تُدرج أحياناً تحت مظلة هندسة المناخ، بقبول واسع باعتبارها عناصر ضرورية في استراتيجيات التخفيف من آثار التغييرات المناخية. ومع ذلك، تبقى الفئة الأكثر إثارة للجدل إدارة الإشعاع الشمسي - حقن جزيئات الهباء الجوي العاكسة في طبقة الستراتوسفير لحجب أشعة الشمس الواردة.

اللافت أن هذه الأفكار، التي لطالما كانت هامشية من قبل، تحظى اليوم بدعم مؤسسي وتجاري وخيري. وقد أبدى مليارديرات مثل بيتر ثيل وإيلون ماسك اهتمامهم بها. كما أطلقت شركات ناشئة، مثل «ميك صن سيتس»، تجارب صغيرة وغير مُصرح بها.

كما يعتقد بعض النشطاء الذين لطالما شككوا في هندسة المناخ، الآن أن التدخل المناخي وسيلة لمعالجة التفاوتات العالمية، الناجمة عن استخدام الوقود الأحفوري. وتعكف مختبرات وطنية أميركية على إجراء أبحاث حول آثار إطلاق ثاني أكسيد الكبريت في القطب الشمالي. وجمعت شركة «ستارداست سولوشنز»، وهو مشروع خاص يسعى إلى تسويق تعديل المناخ باستخدام الهباء الجوي، 60 مليون دولار حديثاً، بينما تؤكد قياداتها أن الحكومات بحاجة إلى بيانات دقيقة لاتخاذ قرارات مدروسة.

وفي وقت قريب، أشار بيل غيتس، الذي لطالما موّل مبادرات التكيف مع المناخ، إلى أن هندسة المناخ قد تكون أداةً قيّمةً في مستقبلٍ سيكون حتماً أشد حرارة.

* وقف انبعاثات الكربون. ومع ذلك، نجد انه حتى هذا الموقف الحذر والمركّز على البحث، يصطدم ببيئة سياسية أميركية مستقطبة. في هذا الصدد، أشار كريغ سيغال، خبير السياسات والمحامي السابق لدى «مجلس شؤون موارد الهواء، في كاليفورنيا، إلى أن ردود الفعل السياسية متباينة بشدة».

في داخل صفوف النقاد أصحاب الفكر التقدمي، تقوم المعارضة على اعتقاد مفاده أن المجتمع يجب أن يركز حصراً على وقف الانبعاثات الكربونية وتقليل استهلاك الطاقة، رافضاً الحلول التكنولوجية باعتبارها مجرد مُشتتات للانتباه.

أما على اليمين السياسي، فقد تحول الرفض إلى عداء مدفوع بنظريات المؤامرة. وجرى ربط هندسة المناخ بنظرية مؤامرة «الخطوط الكيميائية»، التي تزعم - دون دليل - أن الخطوط التي تخلفها الطائرات تحتوي على مواد كيميائية تطلقها حكومات للتحكم في العقول. والمثير أن هذه الادعاءات، التي لطالما رُفضت باعتبارها محض خرافات منشورة على الإنترنت، تتردد اليوم على ألسنة شخصيات بارزة.

وبالمثل، نجد أنه بعد أن أودت فيضانات شديدة بحياة أكثر من 130 شخصاً في تكساس، سألت قناة «فوكس نيوز» ممثلي شركةً لتلقيح السحب حول ما إذا كانت جهودها في تعديل الطقس قد تسببت في الكارثة - ادعاء قابله العلماء بالرفض على نطاق واسع.

واليوم، تتحوّل المقاومة اليمينية إلى سياسة رسمية، مع تقديم أكثر من عشرين ولاية أميركية مشروعات قوانين - أغلبها من جمهوريين - تهدف إلى حظر أبحاث هندسة المناخ أو نشرها. وبالفعل، أقرت ولايتا تينيسي وفلوريدا بالفعل تشريعات من هذا القبيل. وقد يعيق هذا التزايد في الحظر في ولايات دون أخرى، إجراء أبحاث مناخ منسقة على المستوى «الفيدرالي».

إدارة الإشعاع الشمسي في الدول النامية

* إدارة الإشعاع الشمسي. في المقابل، نجد أن البيئة السياسية، عالمياً، تبدي انفتاحاً أكبر؛ فالدول النامية، المعرضة بشكل أكبر بكثير عن غيرها للتضرر من التأثيرات المناخية، تبدي استعداداً متزايداً لاستكشاف خيارات هندسة المناخ. مثلاً، في منتدى باريس للسلام، سلَّط وزير خارجية غانا الضوء على أبحاث إدارة الإشعاع الشمسي الجارية في ماليزيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وغانا، واصفاً إياها بأنها ضرورية لضمان قدرة هذه البلاد على إدارة مستقبلها المناخي.

في الصين، لا تزال الأبحاث في مراحلها الأولى، لكن الخبراء يشيرون إلى أنه إذا أعطت بكين الأولوية للهندسة المناخية، فإنها تمتلك القدرة على متابعتها بسرعة وعلى نطاق واسع. وتعكس هذه الديناميكيات تصورات مستقبلية افتراضية، تُعيد في إطارها التدخلات الوطنية أحادية الجانب تشكيل أنماط المناخ العالمية.

وغالباً ما يجادل العلماء الرافضين للهندسة المناخية بأنها تُعطي «أملاً زائفاً»، وقد تُضعف الإرادة السياسية لخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

* السلامة والفاعلية. وهم مُحقون في القول بأنه لم تثبت أية تكنولوجيا من تكنولوجيات هندسة المناخ سلامتها أو فعاليتها على نطاق واسع، وأن المخاطر - بما في ذلك الاضطرابات الجوية، والصراعات الجيوسياسية، والتأثيرات الإقليمية غير المتكافئة - ضخمة.

وتظل المعضلة الجوهرية قائمة: فالبشرية ينفد وقتها، ومع ذلك تفتقر إلى المعرفة الكافية لتحديد ما إذا كانت هندسة المناخ جزءاً من استراتيجية مناخية مسؤولة. والمؤكد أن حظر الأبحاث يهدر الخيارات، بينما المضي قدماً دون تفكير يعرضنا لكارثة.

في هذا السياق، نرى أن السبيل العقلاني الوحيد السماح بإجراء تحقيق منهجي وشفاف في متطلبات جدوى هندسة المناخ وسلامتها وحوكمتها. من دون هذه الأبحاث، قد يقف العالم في مواجهة أزمات مناخية، مسلحاً بأدوات أقل وفهم أقل - بالضبط السيناريو الذي يأمل العلماء في تجنبه.

* «أتلانتك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».