تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

مراجعة دور الروبوتات الجراحية ونظم التحليل العميق في عيادات المستقبل

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان
TT

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

في أغسطس (آب) 2025، أصدرت الهيئة العامة لتنظيم مهنة طب الأسنان في بريطانيا (General Dental Council – GDC) واحداً من أهم تقاريرها البحثية على الإطلاق، تحت عنوان: «تقديم خدمات طب الأسنان باستخدام الذكاء الاصطناعي: تقييم سريع للأدلة» (Artificial Intelligence in Dental Service Provision: A Rapid Evidence Assessment).

منهجية التقييم السريع للأدلة

وكان هذا التقرير ثمرة عمل علمي دقيق أنجزه فريق بحثي من كلية طب الأسنان بجامعة بليموث، بالاعتماد على منهجية التقييم السريع للأدلة (Rapid Evidence Assessment – REA)، وهي آلية علمية تجمع بين صرامة المراجعات المنهجية الكاملة وسرعة الدراسات الجزئية، لتوفر لصنّاع القرار صورة واضحة ومبنية على الدليل، في فترة زمنية وجيزة.

ويُعدّ هذا النهج أداة مثالية حين يتعلق الأمر بمجالات سريعة التغيُّر، مثل الذكاء الاصطناعي، حيث يحتاج الطبيب والباحث والمشرّع إلى رؤية متوازنة لا تغفل الصرامة العلمية، ولا تستغرق سنوات في انتظار النتائج.

3800 دراسة... لكن ماذا بقي بعد الغربلة؟

انطلق المشروع، في سبتمبر (أيلول) 2024، بخطوة غير تقليدية: مراجعة شاملة لأكثر من 3800 دراسة منشورة في مجلات طبية وعلمية تناولت استخدامات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

لكن الكثرة لا تعني بالضرورة الجودة؛ فبعد سلسلة من عمليات التمحيص الدقيقة وفق معايير الصدقية والمنهجية والارتباط بالواقع الإكلينيكي، لم يتبق في يد الباحثين سوى 45 دراسة فقط اعتُبرت جديرة بالتحليل المتعمّق.

تقدم الصين وأميركا... وتخلف أوروبا

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: 18 دراسة من الصين، و13 من الولايات المتحدة، بينما خلا السجل تماماً من أي دراسة بريطانية، على الرغم من أن التقرير بريطاني المنشأ.

ويثير هذا الغياب سؤالاً علمياً وأخلاقياً في آن واحد: هل فقدت أوروبا – التي كانت يوماً ما رائدة في تأسيس مدارس طب الأسنان الحديثة – زمام المبادرة لصالح الشرق المتسارع (الصين) والغرب البعيد (أميركا)؟ أم أن الحذر الأوروبي في اعتماد تقنيات جديدة جعلها تتأخر عن ركب التجارب الميدانية التي تجري بوتيرة متسارعة في أماكن أخرى؟

تطبيقات متسارعة: من الروبوتات إلى التحليل العميق

يكشف التقرير أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حبيس الأوراق البحثية أو مؤتمرات المستقبل، بل بدأ فعلياً يطرق أبواب عيادات الأسنان حول العالم. وما كان يُنظر إليه منذ سنوات كخيال علمي، أصبح اليوم واقعاً تجريبياً يتوسع بخطى متسارعة. ومن أبرز التطبيقات التي رصدها التقرير:

1. الروبوتات الجراحية: يأتي في المقدمة الروبوت الأميركي «Yomi»، الذي يمثل ثورة في مجال زراعة الأسنان؛ إذ يعتمد على ذراع روبوتية موجهة بالحاسوب لتثبيت الغرسات بدقة ملليمترية، مع تقليل هامش الخطأ البشري.

وأظهرت دراسات سريرية أن نسبة نجاح الزرعات باستخدام «Yomi» بلغت نحو 98 في المائة، متفوقة على الطرق الجراحية التقليدية، مع تقليص وقت العملية وتسريع فترة النقاهة.

2. خوارزميات التعلُّم العميق (Deep Learning): تُعد هذه الخوارزميات أشبه بـ«العين الثانية» للطبيب؛ إذ تقوم بتحليل صور الأشعة البانورامية والمقطعية ثلاثية الأبعاد (CBCT) لاكتشاف التسوس المبكر أو تحديد فقدان العظم السنخي المرتبط بأمراض اللثة.

وطورت بعض الشركات تطبيقات يمكن تنزيلها على الهواتف الذكية تتيح للمريض التقاط صورة داخل فمه والحصول على تقدير أولي لحالته، مما قد يفتح الباب أمام الوقاية الاستباقية قبل الحاجة إلى التدخل الإكلينيكي.

3. التعلم الآلي الخاضع للإشراف (Supervised Machine Learning): حظي مجال طب أسنان الأطفال بنصيب ملحوظ من هذه الأبحاث، حيث استُخدمت الخوارزميات للتنبؤ باحتمال حدوث التسوس استناداً إلى الأنماط الغذائية والسلوكية والعوامل الاجتماعية.

كما ساعدت هذه التقنيات في الكشف المبكر عن مشاكل الإطباق (Malocclusion)؛ ما يتيح للطبيب التدخل في سن مبكرة وتفادي مضاعفات مستقبلية معقدة.

4. طب الأسنان عن بُعد (Teledentistry): في عصر ما بعد الجائحة، اكتسب هذا المجال أهمية مضاعفة. وأصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على تحليل الصور والفيديوهات المرسلة من المرضى في المناطق النائية، ثم إصدار تقرير أولي يُعرض على الطبيب لاحقاً.

ولا تعني هذه الخدمة توفير وقت المريض والطبيب فقط، بل تُمثل أيضاً أداة للحد من التفاوت في الحصول على الرعاية الصحية، خصوصاً في المجتمعات البعيدة أو الفقيرة.

بهذه التطبيقات، يتضح أن الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس مجرد رفاهية تكنولوجية، بل توجُّه عملي يغيّر طريقة التشخيص والعلاج والمتابعة، ويعيد صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض، وبين العيادة والمجتمع.

بين التفاؤل والتحفّظ: الفجوات العلمية والعملية

رغم أن التقرير رسم صورة متفائلة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، فإنه لم يتغاضَ عن الجانب المظلم من المعادلة؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن للتقنية أن تقدمه، بل أيضاً بما قد تعجز عنه أو تُحدثه من تحديات جديدة، ومنها:

* القصور العلمي: أظهرت المراجعة أن أكثر من 70 في المائة من الدراسات كانت تجريبية أو محدودة العدد من حيث العينات؛ ما يجعل النتائج غير قابلة للتعميم على نطاق واسع. أي أن الطريق ما زال بحاجة إلى دراسات سريرية كبيرة وطويلة الأمد لإثبات الفعالية والأمان.

* المخاطر الطبية: لفت التقرير إلى أن استخدام الروبوتات الجراحية مع مرضى هشاشة العظام قد يؤدي إلى مضاعفات غير متوقَّعة، نظراً لحساسية البنية العظمية لديهم، ما يستدعي بروتوكولات أكثر دقة لاستخدام هذه التقنيات.

* البُعدان النفسي والاجتماعي: لا يزال عدد من المرضى يشعرون بالقلق أمام فكرة أن «آلة» تشارك في علاجهم؛ إذ يربطون الطب باللمسة الإنسانية للطبيب. هذا التحدي النفسي لا يقل أهمية عن التحديات التقنية، لأنه يحدد مستوى تقبّل المجتمع للابتكار.

* التكلفة العالية: الأجهزة المتقدمة والبرمجيات الذكية تبقى بعيدة عن متناول معظم العيادات الصغيرة أو المجتمعات محدودة الموارد، ما يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية.

* التدريب والاعتماد: غياب بروتوكولات موحّدة لتدريب الأطباء على استخدام هذه الأنظمة يجعل الاستفادة منها متفاوتة بين بلد وآخر، بل وأحياناً بين عيادة وأخرى داخل البلد الواحد.

ولم يتوقف التقرير عند هذه العقبات، بل سجّل كذلك نقصاً واضحاً في الأدلة التنظيمية والأخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية وحماية البيانات وضمان العدالة في إتاحة الرعاية. وهي قضايا تزداد إلحاحاً في عصر البيانات الضخمة، حيث تصبح المعلومات الطبية للمريض أثمن من الذهب إذا لم تُحسن حمايتها.

السعودية: من السبق الأخلاقي إلى الريادة العالمية

في الوقت الذي خلا فيه التقرير البريطاني من أي إشارة إلى دراسات عربية، برزت المملكة العربية السعودية كاستثناء عالمي لافت، ليس في ميدان البحث العلمي المباشر، بل في صياغة الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تُعد الأساس لأي تطبيق ناجح للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

فمنذ عام 2019، أطلقت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)» أول إطار أخلاقي عالمي للذكاء الاصطناعي، لتكون المملكة بذلك سبّاقة في استباق الأسئلة الحساسة التي يثيرها استخدام الخوارزميات في حياة البشر اليومية.

وفي عام 2023، خطت المملكة خطوة نوعية عبر اعتماد إطار وطني متكامل للذكاء الاصطناعي يتضمن 7 مبادئ أساسية: العدالة، الخصوصية، الشفافية، المساءلة، السلامة، التنوع، والاستدامة. وهذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى مرجع عالمي استشهدت به مؤسسات أكاديمية وتنظيمية في أوروبا وآسيا.

ولم يمضِ وقت طويل حتى أحرزت السعودية إنجازاً غير مسبوق؛ ففي عام 2024، أصبحت أول دولة في العالم تنال شهادة «ISO 42001» الخاصة بإدارة موارد الذكاء الاصطناعي، وهو ما وضعها في صدارة الدول التي تقود صياغة المعايير الدولية. وإلى جانب ذلك، طورت أداة تقييم ذاتي مبتكرة تساعد المؤسسات على قياس مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية في ممارساتها اليومية.

هذه النجاحات لم تأتِ بمعزل عن مشروع وطني أكبر هو «رؤية السعودية 2030»، التي وضعت الذكاء الاصطناعي في قلب عملية التحول الشامل، ليس في الصناعة والاقتصاد فقط، بل في الصحة والتعليم والبحث العلمي، لتصبح المملكة مختبراً عالمياً يُوازن بين الابتكار التكنولوجي والمسؤولية الأخلاقية.

نحو عيادة المستقبل

في عيادة الغد، لن يقف الطبيب وحيداً أمام صور الأشعة والبيانات الطبية المعقدة، بل سيكون بجواره مساعد افتراضي ذكي، يلتقط الأنماط الدقيقة التي قد تغيب عن العين البشرية، ويتنبأ بالمشكلات قبل حدوثها، ويقترح خططاً علاجية أولية يراجعها الطبيب بحكمته وخبرته.

أما المريض، فسيتحول من متلقٍ سلبي إلى طرف فاعل في رعايته، يتابع حالته عبر تطبيق على هاتفه الذكي، يتلقى تنبيهات حول صحة لثته ونظافة فمه، بل وربما توصيات مخصصة وفق نظامه الغذائي ونمط حياته اليومي.

إنها ليست مجرد صورة مستقبلية بعيدة، بل مسار يتشكل اليوم أمام أعيننا. فالذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس رفاهية تقنية، بل ضرورة طبية وإنسانية، بشرط أن يُدار بوعي أخلاقي وتنظيمي كما فعلت السعودية في تجربتها الرائدة.

وهنا يطرح المستقبل سؤاله الحاسم: هل سنبقى متفرجين على ما يكتبه الآخرون عنّا؟ أم نخطّ نحن بأيدينا وعقولنا تقريرنا المقبل... وعيادتنا المقبلة؟


مقالات ذات صلة

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

تكنولوجيا رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

أزالت «غوغل» بعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق عن تعرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب معلومات خاطئة ومضللة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا شعار «غروك» (رويترز)

إندونيسيا تحجب «غروك» مؤقتاً بسبب الصور الإباحية

حجبت إندونيسيا اليوم (السبت) مؤقتاً روبوت الدردشة «غروك» التابع ​لإيلون ماسك بسبب خطر إنشاء محتوى إباحي بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد شعار شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات في مصنعها بمدينة كاوشيونغ (رويترز)

أرباح «تي إس إم سي» تقفز 20.45 % في الربع الأخير وتتجاوز التوقعات

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، أكبر شركة لتصنيع الرقائق الإلكترونية في العالم، يوم الجمعة، عن زيادة إيراداتها في الربع الرابع.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
صحتك تعليم طب الأسنان في العصر الرقمي

هل الطبيب السعودي الجديد جاهز لعصر الذكاء الاصطناعي؟

نتائج ترسم مرآة تعليمية صادقة لحالة انتقالية تعكس الفجوة بين المعرفة والجاهزية

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
TT

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة؛ إنه تحوّل عميق في الطريقة التي يتكوّن بها عقل الطبيب نفسه.

الذكاء الاصطناعي لم يدخل عالم التعليم الطبي بوصفه إضافة تقنية عابرة، بل كشريك تعلّم يراقب، ويحلّل، ويُقيّم، ثم يعيد تشكيل المسار التعليمي للطبيب منذ سنواته الأولى. لم يعد الطالب ينتظر «الحالة المناسبة» ليكتسب الخبرة، بل أصبح المريض الافتراضي حاضراً عند الطلب، بكل تعقيداته ومضاعفاته واحتمالات الخطأ فيه.

وهنا لا يعود السؤال: هل سيستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيتغيّر معنى أن تكون طبيباً؟

الإنسان أمام مرآته الرقمية

التعليم بالذكاء الاصطناعي

تقليدياً، بُني التعليم الطبي على ما يمنحه الزمن والمصادفة: مريض حضر، حالة صادفت الفريق، تجربة استقرّت في الذاكرة. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى نموذج مختلف جذرياً، تُبنى فيه الخبرة الطبية على بيانات واسعة، ومحاكاة ذكية، وتعلّم تكيفي.

تُستخدم في كليات الطب التابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) وكلية الطب بجامعة ستانفورد (Stanford University School of Medicine)، أنظمة تعليمية متقدمة تُنشئ مرضى افتراضيين يتغيّرون فسيولوجياً وسلوكياً تبعاً لقرارات الطبيب المتدرّب، فيُظهرون تحسّناً أو تدهوراً، ويكشفون أخطاءً خفية قبل أن تتحوّل إلى كوارث سريرية حقيقية... لم يعد الخطأ وصمة، بل أداة تعليمية آمنة.

* الطبيب المتدرّب تحت مجهر الخوارزمية. تشير دراسات حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة، مثل مجلة لانسيت للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health) ومجلة نيتشر للطب (Nature Medicine)، إلى تحوّل نوعي في فلسفة التعليم الطبي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقيّم ما يحفظه الطالب من معلومات، بل طريقة تفكيره السريري: كيف يصل إلى القرار، ولماذا يختار مساراً دون آخر، وكيف يتعامل مع الشك والاحتمال والخطأ. لم يعد التعليم موحّداً للجميع، بل بات يتكيّف مع عقل كل طبيب على حدة؛ يرصد نقاط الضعف، ويقترح مسارات تدريب، ويعيد التقييم حتى تستقرّ المهارة، لا المعلومة وحدها.

* الجراحة: التعلّم من الخطأ قبل أن يحدث. في الجراحة، حيث الخطأ لا يُغتفر، أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف التدريب من جذوره. لم يعد الجرّاح الشاب ينتظر «الفرصة النادرة»، بل أصبح قادراً على خوض عشرات السيناريوهات المعقّدة داخل بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة عالية.

في مؤسسات طبية أكاديمية كبرى مثل مستشفى مايو كلينك (Mayo Clinic) ومستشفى كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic)، يُستخدم التدريب الجراحي المعتمد على المحاكاة الرقمية ونماذج الواقع الافتراضي بوصفه أداة مساندة للتعليم، تتيح للطبيب المتدرّب مراجعة خطوات الإجراء الجراحي، والتدرّب على سيناريوهات محتملة للمضاعفات، ضمن بيئات تعليمية آمنة. وهذا النوع من التدريب لا يحلّ محل الخبرة السريرية المباشرة، لكنه يُسهم في صقل المهارة وتقليل هامش الخطأ قبل الانتقال إلى غرفة العمليات الحقيقية.

* الأشعة وعلم الأمراض: تعليم بلا حدود. في تخصصات تعتمد على الصورة والنمط، مثل الأشعة وعلم الأمراض، تحرّر التعليم من قيد الندرة. بات الطبيب المتدرّب يتعامل مع آلاف الحالات المتنوعة، ويقارِن تشخيصه بتجارب خبراء من مختلف أنحاء العالم؛ لا بما صادفه في مستشفاه فقط، بل بما تراكم عالمياً من خبرة ومعايير.

في بعض البرامج التدريبية المرتبطة بمستشفيات جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins Medicine)، بدأ المتدرّبون بالاستفادة من أدوات تعليمية رقمية ومحاكاة سريرية وقواعد بيانات بحثية موسّعة، تُكمّل الخبرة السريرية المباشرة ولا تستبدلها. وهذا التوجّه لا يهدف إلى تعميم تجربة عالمية واحدة، بل إلى رفع المستوى المرجعي للتدريب التشخيصي، والمساهمة في تقليص الفوارق التعليمية بين مراكز التدريب، مع الإبقاء على دور الطبيب وخبرته السريرية في صميم القرار الطبي.

حين يلتقي الطب الحديث بالجذور الحضارية

أخلاقيات التعليم الطبي

من يقود القرار في عصر الخوارزمية؟ ومع هذا التقدّم المتسارع، يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله: هل ندرّب أطباء يفكّرون... أم منفّذي قرارات آلية؟ تحذّر أدبيات أخلاقيات التعليم الطبي من خطرٍ خفيّ يتمثّل في تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مرجعية صامتة لا تُناقَش. فالطب ليس معادلة حسابية، والمريض ليس مجموعة أرقام، والرحمة لا تُبرمج. وكما قال ابن رشد: «الآلة قد تُحسن الحساب... لكنها لا تعرف الحكمة».

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي الطبيب، كما لم تُلغِ السماعة الطبية الطبيب قبل قرن، لكنه سيُعيد تعريفه. الطبيب القادم لن يكون أكثر حفظاً، بل أكثر وعياً؛ لن ينافس الآلة في السرعة، بل في الحكمة، وفي القدرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للقرار. وهنا تستعيد المهنة معناها الأسمى، كما قال ابن سينا: «غاية الطب ليست إطالة العمر، بل حفظ إنسانية الإنسان».

العالم العربي: إعادة بناء الطبيب

في العالم العربي، لا يأتي هذا التحوّل في التعليم الطبي متأخراً، بل في توقيتٍ حاسم. فالفجوة التي عانت منها المنطقة لعقود بين التعليم النظري والتدريب السريري المتقدّم، تفتح اليوم نافذة نادرة لإعادة البناء من الأساس، لا لمجرّد اللحاق بالركب، بل للمشاركة في صياغته.

وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف الرعاية الصحية والتعليم الطبي معاً. فبرامج التحول الصحي، وتوسّع كليات الطب، والاستثمار في البنية الرقمية، تهيّئ بيئة مثالية لتبنّي نماذج تعليمية حديثة تُدرّب الطبيب قبل دخوله الميدان، وتقلّص التفاوت بين المدن، وتمنحه خبرة عالمية وهو ما يزال في مقاعد الدراسة.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقدَّم بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة لرفع كفاءته، وحمايته من الخطأ المبكر، وإعادة الوقت والقرار إلى يده. ومع التنوّع السكاني والعبء المتزايد للأمراض المزمنة، تغدو هذه النماذج التعليمية الذكية ضرورة صحية، لا ترفاً تقنياً.

إنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الطبيب العربي وفق معايير المستقبل، مع الحفاظ على جوهر الطب بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون علماً دقيقاً.


أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية
TT

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين، وغياب علاجات شافية حتى اليوم. ورغم التقدم الكبير في علم الوراثة ظلّ فهم العلاقة الدقيقة بين الجينات المعطوبة وما يحدث فعلياً داخل خلايا الدماغ لغزاً علمياً معقداً.

إن الدماغ ليس نسيجاً واحداً متجانساً، بل منظومة شديدة التعقيد تضم أنواعاً متعددة من الخلايا العصبية، والمساندة تختلف في وظائفها وانتشارها. وغالباً ما تُحلل عينات الدماغ بشكل مجمّع، ما يؤدي إلى ضياع إشارات جينية دقيقة تصدر عن خلايا نادرة، لكنها قد تكون محورية في تطور المرض.

في هذا السياق كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلة «Nature Communications» خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن أدوات تحليلية جديدة تمكّن العلماء من قراءة البيانات الجينية بعمق غير مسبوق، وربطها بأنواع محددة من خلايا الدماغ.

قراءة أذكى للبيانات الجينية

• أداة تحليلية جديدة. في الدراسة الأولى المنشورة في 26 نوفمبر، طوّر باحثون من كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية أداة تحليلية جديدة تُعرف باسم BASIC، وهي تقنية تدمج بين بيانات الأنسجة الدماغية الكاملة، وبيانات الخلية المفردة بدل الاكتفاء بدراسة كل نوع من الخلايا على حدة.

وتسمح هذه المقاربة الجديدة باكتشاف التأثيرات الجينية المشتركة بين عدة أنواع من خلايا الدماغ، مع الحفاظ على الخصائص الفريدة لكل نوع. ووفقاً للدكتور بيبو جيانغ الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علوم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الطريقة تمكّن العلماء من استخراج معلومات أعمق من البيانات المتوافرة أصلاً دون الحاجة إلى توسيع حجم العينات.

وقد أظهرت النتائج أن هذه الأداة رفعت القدرة على اكتشاف الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ بنسبة تقارب 75 بالمائة مقارنة بالطرق التقليدية، كما كشفت عن جينات جديدة مرتبطة بألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري بعضها يرتبط بمسارات دوائية معروفة.

• أداة حسابية مطورة. بهدف حل لغز قديم في أبحاث ألزهايمر، سعت الدراسة الثانية المنشورة في 1 أكتوبر، والتي قادها باحثون من جامعتي رايس وبوسطن برئاسة جان بيير روساري من قسم التشريح وعلم الأحياء العصبية بكلية الطب بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، سعت إلى حل تناقض حيّر العلماء لسنوات: فالدراسات الجينية تشير إلى تورط خلايا المناعة الدماغية الميكروغليا Microglia بوصفها خلايا مناعية دماغية، بينما تُظهر فحوصات أدمغة المرضى أن الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة هي التي تتلف فعلياً.

وللإجابة عن هذا السؤال طوّر الباحثون أداة حسابية جديدة تُعرف باسم seismic قادرة على ربط الإشارات الجينية بأنواع دقيقة جداً من خلايا الدماغ، بل وحتى بمناطق محددة داخله.

وباستخدام هذه الأداة تمكّن العلماء لأول مرة من إثبات وجود ارتباط جيني مباشر بين داء ألزهايمر وخلايا الذاكرة العصبية، ما ساعد على توحيد الصورة بين الأدلة الوراثية والواقع المرضي داخل الدماغ.

أمل جديد في مواجهة الخرف

تشير الدراستان إلى تحول مهم في أبحاث الدماغ من التركيز على الجينات بمعزل عن السياق إلى فهم المرض على مستوى الخلية نفسها. وهذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لما يُعرف بـالطب الدقيق، حيث يمكن استهداف مسارات مرضية محددة داخل نوع خلوي معين.

كما أن إحدى النتائج اللافتة هي إمكانية إعادة توظيف أدوية معتمدة أصلاً لعلاج أمراض أخرى بعد أن تبيّن أنها تؤثر في الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ، وهو ما قد يختصر سنوات من البحث، والتجارب السريرية.

ومع تجاوز عدد المصابين بالخرف عالمياً 57 مليون شخص، تمثل هذه الأدوات الجينية المتقدمة خطوة واعدة نحو التشخيص المبكر، وربما التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بسنوات. والأهم أنها تمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً في أن فهم الخلل على مستوى الخلية قد يكون المفتاح لإبطاء المرض، أو إيقافه مستقبلاً.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن مستقبل أبحاث أمراض الدماغ لا يعتمد فقط على جمع المزيد من البيانات، بل على تحليلها بذكاء. ومن خلال دمج علم الوراثة، وتقنيات الخلية المفردة، وعلوم الحوسبة بدأت تتضح خريطة جديدة لأمراض الدماغ قد تغيّر أساليب تشخيصها، وعلاجها خلال السنوات المقبلة.


طرق طبيعية لتحسين إنتاجية المحاصيل وتجنب أضرار المبيدات الكيميائية

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشجع المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية (الفاو)
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشجع المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية (الفاو)
TT

طرق طبيعية لتحسين إنتاجية المحاصيل وتجنب أضرار المبيدات الكيميائية

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشجع المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية (الفاو)
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشجع المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية (الفاو)

تواجه الزراعة الحديثة تحديات متعددة من أبرزها مكافحة الأعشاب والحشائش الضارة التي تنافس المحاصيل على الموارد الأساسية مثل الضوء والماء والمغذيات، مما يؤدي إلى تراجع النمو وانخفاض الإنتاجية. وغالباً ما يُعتمد على المبيدات الكيميائية للتحكم في هذه الحشائش، إلا أن استخدامها يثير مخاوف بيئية وصحية، نتيجة تأثيراتها السلبية على الإنسان والحيوان، فضلاً عن تلوث التربة والمياه.

في ظل هذه التحديات، أصبح البحث عن بدائل طبيعية وآمنة ضرورة ملحة، تهدف إلى تقليل نمو الحشائش الضارة، وفي الوقت نفسه تعزيز نمو المحاصيل وزيادة إنتاجيتها.

مكافحة بيولوجية

وقد سلّط فريق بحثي مصري من المركز القومي للبحوث الضوء على إمكانية استخدام الزيوت الطبيعية، مثل زيت الجرجير وزيت الخردل لتحسين نمو المحاصيل وإنتاجيتها، بما تحتويه من أحماض دهنية ومركبات نشطة بيولوجياً، التي أظهرت قدرة على تثبيط نمو الأعشاب الضارة والحشائش وتحفيز نمو المحاصيل، مع إمكانية زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحصول بطريقة صديقة للبيئة.

وأُجريت التجارب داخل «صوبة» زراعية خلال موسمين متتاليين، حيث تم رش أوراق النباتات بزيت الجرجير والخردل بتركيزات متدرجة (2.5، و5، و7.5 في المائة)، مع تطبيق مقارنات على نباتات غير مصابة ومزارع غير معشوشبة، حسب الدراسة المنشورة بعدد 15 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Scientific Reports».

وأظهرت النتائج أن استخدام الزيوت الطبيعية للسيطرة على الأعشاب قللت بشكل كبير من نمو عشبتَي «الكناري» و«الجبن». وكان زيت الخردل أكثر فاعلية من زيت الجرجير في تثبيط نمو الأعشاب، وارتبطت هذه الفاعلية بزيادة التركيز عند 7.5 في المائة، وارتبط ذلك بأعلى مؤشرات للنمو وكمية صبغات التمثيل الضوئي في جميع مراحل النمو.

وبالنسبة إلى الفاصولياء العريضة، أظهر زيت الجرجير تأثيراً منشطاً على النمو وصبغات التمثيل الضوئي. كما حسّنت جميع الزيوت جودة وإنتاجية البذور مقارنة بالمزارع غير المعشوشبة.

ووفق الدراسة، تعمل الزيوت الطبيعية من خلال مركباتها الفعّالة، خصوصاً الأحماض الدهنية، التي تثبط نمو الأعشاب عبر التأثير على العمليات الفسيولوجية والكيميائية الحيوية، إذ يوفّر استخدام هذه الزيوت بدائل طبيعية وآمنة للمبيدات الكيميائية، ويقلّل الضغط الحيوي الناتج عن الأعشاب الضارة، مما يعزّز مؤشرات النمو وصبغات التمثيل الضوئي وإنتاجية البذور وجودتها.

وبرزت المبيدات البيولوجية بوصفها أداة مركزية في الزراعة المستدامة بفضل توافقها مع الكيمياء الخضراء، ومبادرات الصحة الواحدة، وأهداف التنمية المستدامة، فهي تقلل الاعتماد على المبيدات الكيميائية الضارة، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتُسهم في حماية صحة الإنسان والحيوان والبيئة.

وتستخدم هذه المبيدات مركبات طبيعية مثل البكتيريا والفطريات ومستخلصات نباتية، ومصائد الفيرومونات، وهي عبارة عن مركبات كيميائية طبيعية تستخدم لجذب الحشرات الضارة إلى المصيدة للتخلص منها، بهدف التحكم البيولوجي بالآفات بطريقة صديقة للبيئة. ويمكن دمج هذه الحلول ضمن استراتيجيات الإدارة المتكاملة للآفات (IPM) لتعزيز إنتاجية المحاصيل وتقليل المقاومة لدى الآفات، وتقليل استخدام المواد الكيميائية، مع الحفاظ على استدامة الزراعة.

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تدرب الفلاحين على مكافحة المكافحة البيولوجية للآفات في بنغلاديش (الفاو)

الزراعة المختلطة

تُعدّ الزراعة المختلطة، التي تُزرع فيها محاصيل بديلة أو نباتات غير تجارية جنباً إلى جنب مع المحاصيل الرئيسية، إحدى الاستراتيجيات الفعّالة لمواجهة تغير المناخ وتحسين صمود المحاصيل، فهي تعزز كفاءة استخدام الموارد مثل التربة والماء، وتزيد من تنوع المواطن الطبيعية للحشرات المفيدة التي تُسهم في التلقيح والسيطرة البيولوجية على الآفات. كما تقلل من ضغط الأعشاب الضارة وتحسّن إنتاجية المحاصيل مقارنة بالزراعة الأحادية التقليدية.

وتشير الدراسات إلى أن دعم المزارعين تقنياً ومالياً في أثناء اعتماد هذه الاستراتيجية يمكن أن يعزّز نجاحها، ويحقق إنتاجية أعلى، ويقلل من البصمة الكربونية للزراعة.

وفي السياق، نفّذت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مشروعاً يجمع بين الخبرة المحلية والابتكار الحديث في بنغلاديش. يشمل المشروع مدارس حقلية لتدريب المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات والزراعة المتكيفة مع المناخ، وتطبيق الحلول على قطع تجريبية قبل تعميمها. وفي فيتنام، استُخدمت المصائد الفيرمونية للتخلص من الآفات والأعشاب الضارة. كما طُبّق نموذج الري بالتناوب بين الغمر والتجفيف لتقليل المياه والانبعاثات، واستُخدمت الطائرات المسيّرة لرش المبيدات البيولوجية دون الإضرار بالحشرات النافعة، مما رفع صافي الربح بنسبة 30 في المائة لكل هكتار وخفض تكاليف البذور والأسمدة والمبيدات.

وأظهرت التجارب في بنغلاديش ونيبال وكمبوديا أن الجمع بين المكافحة البيولوجية واستخدام الفطريات المفيدة والحشرات المفترسة يقلّل الأمراض والآفات بنسبة 60-70 في المائة، ويزيد سلامة المحاصيل مع الحد من المبيدات الكيميائية. وبفضل هذه الحلول، اكتسب المزارعون معارف ومهارات قائمة على الطبيعة، تعزّز صمودهم أمام التحديات المناخية.

ويرى الباحث بقسم وقاية النبات بكلية الزراعة في جامعة جنوب الوادي المصرية، الدكتور محمود عباس علي، أن «الطرق الطبيعية تبرز بوصفها حلاً استراتيجياً لتحقيق التوازن بين الإنتاجية والاستدامة؛ فالممارسات الزراعية التقليدية القائمة على الكيماويات أثبتت محدوديتها، بل أضرارها البالغة على المدى البعيد».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المكافحة البيولوجية والمخصبات الطبيعية ليست مجرد خيارات صديقة للبيئة، بل هي استثمار ذكي يحقق عوائد متعددة المستويات، فمن جهة، تحافظ على خصوبة التربة وتعزز التنوع الحيوي، ومن جهة أخرى، تفتح أسواقاً جديدة للمنتجات العضوية ذات القيمة المضافة العالية».

ونوه إلى أن التجارب العملية في مختلف المحاصيل أظهرت نتائج واعدة، أبرزها تحسّن ملحوظ في جودة المنتج، وانخفاض تدريجي في تكاليف المدخلات، وبناء نظام زراعي مرن قادر على مواجهة التغيرات المناخية.