شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ارتفاع عوائد السندات الطويلة الأجل يثير مخاوف المستثمرين بشأن التضخم

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
TT

شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)

مع ازدياد الدين الأميركي وضغط البيت الأبيض على «بنك الاحتياطي الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة، يقيّم المستثمرون خطر «السيطرة المالية»، وهو سيناريو تصبح فيه ضرورة تمويل الحكومة بأسعار منخفضة أكبر أهمية من مكافحة التضخم. ومن المتوقع أن يزيد مشروع قانون الموازنة الذي أقره الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، الشهر الماضي الالتزامات على الدين الأميركي بمليارات الدولارات؛ مما يرفع تكلفة خدمة هذا الدين.

وفي الوقت نفسه، دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صراحةً «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض أسعار الفائدة جزئياً لتخفيف تكاليف الفائدة على الحكومة الأميركية. وقد أثارت حملة الضغط هذه مخاوف من أن الإدارة تسعى لإعادة «الاحتياطي الفيدرالي» إلى فترة سابقة، حين أبقى أسعار الفائدة منخفضة لتسهيل الاقتراض بتكلفة منخفضة، وفق «رويترز».

سيارة تمر بجانب لوحة تعرض الدين الأميركي بعد وصوله إلى 31.4 تريليون دولار (رويترز)

وقال نيت ثوف، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في إدارة حلول الأسهم والأصول المتعددة لدى «مانولايف»: «السيطرة المالية مصدر قلق... هناك مخاطر في الأفق، سواء من زيادة مستويات الدين، ومن احتمال ارتفاع التضخم الهيكلي، أو على الأقل، زيادة تقلبات الأسعار». وأضاف: «السبب الذي يجعل إدارة ترمب والسياسيين عموماً يرغبون في رؤية أسعار فائدة منخفضة هو أنها ضرورية لتحمل مستويات الدين الحالية».

«السيطرة المالية» في التجربة الأميركية

وشهدت الولايات المتحدة «السيطرة المالية» خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عندما كان على «الاحتياطي الفيدرالي» إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لتمويل جهود الحرب؛ مما أدى لاحقاً إلى ارتفاع التضخم الذي تسبّب في اتفاقية وزارة الخزانة و«الاحتياطي الفيدرالي» عام 1951 لإعادة استقلال «البنك المركزي».

ويشير بعض المحللين إلى أن ارتفاع العوائد على سندات الخزانة طويلة الأجل، وضعف الدولار، يعكسان بالفعل هذا الوضع الاقتصادي، حيث يطالب المستثمرون بتعويض أعلى للاحتفاظ بالأصول الأميركية التي قد تفقد قيمتها إذا ارتفع التضخم. وقالت كيلي كوالسكي، رئيسة استراتيجيات الاستثمار في «ماسميتشوال»: «الإدارة تريد التغلب على الدين... والطريقة الأخرى للتعامل معه هي التضخم».

شخص يتسوق في مانهاتن بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

ويعني ارتفاع التضخم انخفاض القيمة الحقيقية للدين الحكومي. وقال ترمب الشهر الماضي إن معدل الفائدة القياسي لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يجب أن يكون أقل بـ3 نقاط مئوية من النطاق الحالي البالغ ما بين 4.25 و4.50 في المائة، مؤكداً أن هذا التخفيض سيوفر تريليون دولار سنوياً. وأضاف أن «البنك المركزي» قد يرفع الفائدة مرة أخرى إذا ارتفع التضخم. وخلال الأشهر الـ12 المنتهية في يونيو (حزيران)، سجل التضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، 2.6 في المائة، وهو لا يزال أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ اثنين في المائة.

ومع ذلك، أكد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، أن «البنك المركزي الأميركي» لا يأخذ إدارة الدين الحكومي في الحسبان عند وضع السياسة النقدية.

ويشير بعض المستثمرين إلى أن «السيطرة المالية» لا تزال على أفق غير مؤكد؛ إذ لم تؤدِ زيادة الدين بعد إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكل غير مستدام، في حين يرى آخرون أنها بدأت تؤثر على الأسواق بالفعل؛ إذ تظل العوائد طويلة الأجل مرتفعة حتى مع توقعات خفض الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي». وقال كوش ديزاي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن إدارة ترمب تحترم استقلالية «الفيدرالي»، لكن مع انخفاض التضخم بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، يعتقد ترمب أن الوقت مناسب لتخفيض الفائدة.

وحتى الآن، قاوم «البنك المركزي» هذه المطالب، لكن من المتوقع أن يخفض تكاليف الاقتراض في اجتماعه المقرر يومي 16 و17 سبتمبر (أيلول) المقبل.

تفويض «الاحتياطي الفيدرالي»

انخفض الدولار هذا العام بنحو 10 في المائة مقابل سلة من العملات الرئيسية، بينما تظل العلاوات على السندات طويلة الأجل مرتفعة، حتى مع تراجع العوائد مؤخراً بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي. وقال أوليفر شيل، مختص الاستثمار في «روفّر»: «من الصعب التفاؤل بالسندات طويلة الأجل في هذا المناخ»، مشيراً إلى الإنفاق الحكومي الذي قد يبقي التضخم مرتفعاً ويقلل من قيمة السندات. وأضاف: «إذا كان الاقتصاد يعمل فوق طاقته الطبيعية، فهذا سيؤدي إلى التضخم أو له آثار مهمة على أسعار الفائدة والعملات».

ورأى ثوف أنه متشائم بشأن سندات الخزانة طويلة الأجل؛ لأن ارتفاع التضخم سيستدعي علاوات أكبر على المدى الطويل. وعلى الرغم من سنوات النمو الاقتصادي، فإن العجز الأميركي استمر في التوسع، ليصبح الدين أكثر من 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بأعلى من مستواه بعد الحرب العالمية الثانية.

وعادةً ما يدير «الاحتياطي الفيدرالي» التضخم بينما يلتزم الكونغرس بالانضباط المالي، لكن هذا التوازن ينقلب في سيناريو «السيطرة المالية»؛ إذ يصبح التضخم مدفوعاً بالسياسات المالية ويحاول «الاحتياطي الفيدرالي» إدارة عبء الدين، كما قال إريك ليبر، أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا: «لا يمكن لـ(الاحتياطي الفيدرالي) التحكم في التضخم والحفاظ على دفعات الفائدة منخفضة في الوقت نفسه. هذان الأمران متعارضان».

أحد المؤشرات السلبية للمستثمرين هو تقلص الفجوة بين أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي. فقد تراوحت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حول 4.3 في المائة خلال الأسابيع الأخيرة، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل سنوي بلغ 5.02 في المائة خلال الربع الثاني. وعندما تتجاوز أسعار الفائدة معدل النمو، يرتفع الدين بوصفه نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي حتى دون اقتراض جديد؛ مما يجعل الدين أكبر صعوبة في التحمل.

وقالت تحليلات «بنك دويتشه»: «المخاطر على استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)، الناجمة عن السيطرة المالية، مرتفعة»، مشيرة إلى العجز المرتفع والعوائد طويلة الأجل القريبة من نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تحذيرات تاريخية

التاريخ يقدم دروساً تحذيرية؛ فقد أدت السيطرة المالية القصوى إلى التضخم المفرط في ألمانيا في عشرينات القرن الماضي، وفي الأرجنتين في أواخر الثمانينات وأوائل الألفية. ومؤخراً في تركيا، أدى الضغط على «البنك المركزي»؛ للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، إلى تقويض مصداقية السياسة النقدية، وأثار أزمة عملة.

وأعرب غالبية الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع «رويترز» الشهر الماضي عن قلقهم بشأن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي».

وعلى الرغم من انتقادات ترمب ومسؤوليه، فإن باول أكد عزمه على البقاء رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» حتى انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2026. وقال أمار ريغانتي، استراتيجي الدخل الثابت في «هارتفورد فاندز» والمسؤول السابق في وزارة الخزانة: «يبدو واضحاً أن أي مرشح للمقعد، بغض النظر عن آرائه السابقة، من المحتمل أن يتبنى توجهاً متساهلاً ليجري ترشيحه».

لكن أسعار الفائدة المنخفضة قد تكون حلاً مؤقتاً فقط. فالإدارة قد تأمل «زيادة النمو الاسمي» رغم خطر ارتفاع التضخم، للوصول إلى مستوى يجعل النمو الحقيقي دافعاً لجعل مسار الدين مستداماً، كما قال بريج خورانا، مدير محفظة الدخل الثابت في «ويلينغتون»... «المشكلة هي... أن البنك المركزي يقول: (لا أريد أن أخوض هذه المخاطرة معكم)».


مقالات ذات صلة

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

الاقتصاد المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

وجّهت وزارة العدل الأميركية مذكرات استدعاء واسعة النطاق لعدد من أكبر المصارف طلباً لمعلومات تفصيلية حول ما إذا كانت مارست عمداً سياسة «إلغاء الحسابات» لعملائها.

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتماسك رغم مخاوف الحرب الإيرانية وتشديد السياسة النقدية

ارتفعت الأسهم الأميركية واستقرت أسعار النفط الخميس بوقت طغت فيه المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران وازدياد الضغوط التضخمية على الأسواق

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عرض أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

إيلون ماسك يقرع جرس «ناسداك» الجمعة إيذاناً بانطلاق أسهم «سبايس إكس»

من المرتقب أن يقوم الملياردير إيلون ماسك بقرع جرس افتتاح بورصة «ناسداك» بنفسه الجمعة، احتفالاً بالبدء الرسمي لتداول أسهم شركته للصواريخ والفضاء «سبايس إكس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد انطلاق صاروخ «فالكون 9» الثقيل التابع لشركة «سبيس إكس» من منصة الإطلاق 39A بمركز كيندي للفضاء (أرشيفية-أ.ب)

اكتتاب «سبيس إكس» يجذب طلبات قياسية من أفراد التجزئة تتجاوز 70 مليار دولار

جذب الاكتتاب العام الأولي المرتقب لشركة «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، طلبات قياسية من مستثمري التجزئة والأفراد تجاوزت قيمتها 70 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عمال يجهزون الطلبات خلال «سايبر مانداي» في مركز أمازون بولاية نيوجيرسي (رويترز)

أسعار المنتجين الأميركيين تسجل أكبر قفزة سنوية منذ 3 سنوات ونصف السنة

ارتفعت أسعار المنتجين بالولايات المتحدة خلال مايو بأكثر من التوقعات مسجلة أكبر زيادة سنوية في نحو ثلاث سنوات ونصف السنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الهند تقنّن مبيعات الديزل التجاري لمواجهة أزمة الإمدادات الناجمة عن الحرب

ينتظر الباعة الزبائن أمام متاجرهم في إحدى أسواق التجزئة بمدينة كولكاتا (رويترز)
ينتظر الباعة الزبائن أمام متاجرهم في إحدى أسواق التجزئة بمدينة كولكاتا (رويترز)
TT

الهند تقنّن مبيعات الديزل التجاري لمواجهة أزمة الإمدادات الناجمة عن الحرب

ينتظر الباعة الزبائن أمام متاجرهم في إحدى أسواق التجزئة بمدينة كولكاتا (رويترز)
ينتظر الباعة الزبائن أمام متاجرهم في إحدى أسواق التجزئة بمدينة كولكاتا (رويترز)

فرضت الهند قيوداً على مشتريات الوقود التجارية من محطات التجزئة، وحددت سقفاً يومياً لمبيعات الديزل، في خطوة تستهدف تجنب حدوث نقص محلي في الإمدادات وسط اضطرابات سلاسل التوريد العالمية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وبموجب أمر حكومي صدر في وقت متأخر من الخميس، طُلب من مشغلي محطات الوقود عدم بيع أكثر من 200 لتر من الديزل يومياً لأي عميل أو مركبة، كما حظر القرار إعادة المشترين بيع الوقود.

ويعمد الكثير من المستخدمين التجاريين، مثل شركات النقل بالشاحنات، إلى شراء الديزل من محطات التجزئة التابعة للشركات الحكومية بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بمنافذ البيع بالجملة؛ ما أدى إلى ضغوط على الإمدادات وظهور نقص في بعض المناطق.

وقالت الحكومة إن هذه القيود تهدف إلى ضمان التوزيع العادل للبنزين والديزل، ومنع الاحتكار والتهريب، والحفاظ على تدفق الإمدادات بأسعار مناسبة للمستهلكين.

فروق الأسعار تدفع الطلب نحو محطات التجزئة

وأوضحت الحكومة أن الديزل، الذي يمثل نحو 40 في المائة من إجمالي استهلاك الوقود في الهند، يُباع للمستخدمين الصناعيين وفق أسعار السوق، بزيادة تقارب 40 روبية للتر الواحد مقارنة بأسعار التجزئة.

وأظهرت البيانات الحكومية أن مبيعات الديزل لدى شركات التجزئة الخاصة، التي تبيع الوقود بأسعار أقرب إلى السوق، تراجعت بنسبة 58 في المائة خلال الشهر الماضي، في حين شهدت الشركات الحكومية ارتفاعاً ملحوظاً في المبيعات، تجاوز 30 في المائة في بعض المناطق.

وجاء في بيان الحكومة، أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى منع كبار المستهلكين من الاستفادة من فروق الأسعار عبر شراء الوقود من محطات التجزئة المخصصة أساساً للاستهلاك العام.

تداعيات الحرب على الإمدادات

ورغم أن الهند تُعدّ مصدّراً صافياً للوقود المكرر، فإن ارتفاع المبيعات المحلية بأسعار مدعومة يضغط على هوامش أرباح شركات التسويق الحكومية، وهي شركة «النفط الهندية»، وشركة «بهارات بتروليوم»، وشركة «هندوستان بتروليوم».

وتسيطر هذه الشركات الثلاث على نحو 90 في المائة من أكثر من 100 ألف محطة وقود منتشرة في أنحاء البلاد.

وأشار البيان الحكومي إلى أن التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب مع إيران أثرت في سلاسل إمداد النفط العالمية، وعمليات الشحن، وتوافر المنتجات النفطية؛ ما يجعل إدارة الطلب وترشيد الاستهلاك أمراً ضرورياً في المرحلة الحالية.

وأضاف أن هذه التدابير ستظل سارية لمدة أولية تصل إلى 90 يوماً، ما لم تقرر السلطات إلغاءها قبل ذلك.

ينتظر الباعة الزبائن أمام متاجرهم في إحدى أسواق التجزئة بمدينة كولكاتا (رويترز)

تسارع التضخم في أسعار التجزئة

أظهرت بيانات حكومية صدرت الجمعة أن معدل التضخم في أسعار التجزئة بالهند ارتفع إلى 3.93 في المائة في مايو (أيار)، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والوقود، في وقت لا تزال فيه آفاق الأسعار غير واضحة بفعل الضغوط التضخمية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.

وجاءت قراءة مايو أقل بقليل من توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والبالغة 4 في المائة، كما ظلت قريبة من المستوى المستهدف للتضخم على المدى المتوسط لدى بنك الاحتياطي الهندي.

وتُعدّ هذه القراءة الأعلى منذ اعتماد السلسلة الجديدة لمؤشر أسعار المستهلك، التي أُطلقت في يناير (كانون الثاني) الماضي استناداً إلى سلة استهلاكية وقاعدة بيانات محدثتين.

وجاء ارتفاع التضخم بعد أن رفعت شركات توزيع الوقود الحكومية أسعار البنزين والديزل أربع مرات خلال شهر مايو وحده؛ ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل في مختلف أنحاء البلاد.

وفي الوقت نفسه، واصل تضخم أسعار الغذاء تسارعه من المستويات المنخفضة التي سجلها العام الماضي، ليرتفع إلى 4.78 في المائة في مايو مقارنة مع 4.20 في المائة في أبريل (نيسان).

كما قفز تضخم قطاع النقل إلى 1.75 في المائة خلال مايو، بعدما سجل انكماشاً طفيفاً بنسبة 0.01 في المائة في أبريل، في انعكاس مباشر لارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين.

وأدى استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية، إلى جانب المخاوف من ضعف موسم الأمطار، إلى دفع بنك الاحتياطي الهندي لرفع توقعاته لمعدل التضخم خلال السنة المالية الحالية إلى 5.1 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 4.6 في المائة.

ويرى محللون أن هذه التطورات تزيد من المخاطر التي تواجه الروبية الهندية وعجز الحساب الجاري، في ظل اعتماد البلاد الكبير على واردات الطاقة.


اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)
صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)
TT

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)
صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا. فالشركة التي بناها إيلون ماسك حول الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ثم وسّعت حضورها إلى الإنترنت الفضائي والدفاع والذكاء الاصطناعي، تطرح أسهماً بقيمة تقارب 75 مليار دولار، في ما يوصف بأنه أكبر اكتتاب عام في التاريخ. لكن أهمية الحدث لا تكمن في حجمه فقط، بل في ما يكشفه عن تحولات أعمق: صعود ماسك إلى مستوى غير مسبوق من الثروة والنفوذ، وتداخل القطاع الخاص مع الأمن القومي الأميركي، وبدء مرحلة جديدة من فصل رأس المال الصيني عن أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الأميركي.

الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

وبحسب تقارير إعلامية، فقد باعت «سبايس إكس» 555.5 مليون سهم بسعر 135 دولاراً للسهم، ما يمنحها تقييماً يقارب 1.77 تريليون دولار. وهذا الرقم يضع الشركة، قبل اختبار السوق المفتوحة، في مصاف عمالقة الاقتصاد العالمي. كما أن حصة ماسك في الشركة، إذا أضيفت إلى حصته في «تسلا»، تجعله نظرياً أول تريليونير في العالم، وإن كان ذلك «على الورق»، وبشروط مرتبطة بتقييمات السوق وطموحات مستقبلية شديدة الجرأة.

محور في الاقتصاد الجديد

بدأت «سبايس إكس» بوصفها رهاناً على خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء. لكنها اليوم تقدّم نفسها بوصفها منصة مركزية لعصر جديد يجمع بين الفضاء والاتصال والذكاء الاصطناعي. فالشركة لا تكتفي بإطلاق الصواريخ أو تشغيل شبكة «ستارلينك»، بل تتحدث عن مراكز بيانات فضائية، وأقمار اصطناعية بالملايين، وشبكات آمنة للحكومات والدفاع، وقدرات قد تجعلها بنية تحتية أساسية للذكاء الاصطناعي. لكن المفارقة الكبرى بحسب محللين، تكمن في أن التقييم الضخم لا يستند فقط إلى أعمال قائمة ومربحة، بل إلى وعود مستقبلية. فالتقارير تشير إلى أن الشركة تكبدت خسائر بمليارات الدولارات منذ عام 2023، وأن جزءاً كبيراً من قيمتها المفترضة قائم على وحدة ذكاء اصطناعي ناشئة، وعلى خطط لا تزال تبدو لكثيرين أقرب إلى الخيال الصناعي منها إلى نموذج أعمال مستقر. ومع ذلك، فإن المستثمرين يتعاملون مع «سبايس إكس» كما تعاملوا سابقاً مع «تسلا»: ليس كشركة تقليدية، بل كرهان على قدرة ماسك على تحويل الأفكار المستحيلة إلى أسواق ضخمة.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مؤتمر صحافي سابق (رويترز)

هذا ما يفسر الطلب الكثيف على الأسهم، سواء من مؤسسات كبرى مثل «بلاك روك»، أو من مستثمرين أفراد سعوا للحصول على حصة في «المغامرة المقبلة» لماسك. ولأن ماسك لا يبيع هنا مجرد شركة، بل سردية كاملة عن المستقبل؛ يصبح التقييم المالي جزءاً من إيمان أوسع بأن الفضاء والذكاء الاصطناعي سيعيدان رسم الاقتصاد العالمي.

نفوذ ماسك يتصاعد

ويرى المحللون أن الاكتتاب يرفع ثروة ماسك، لكنه يرفع أيضاً مستوى الأسئلة حول حجم نفوذه. فـ«سبايس إكس» ليست شركة سيارات أو تطبيقاً رقمياً يمكن الاستغناء عنه بسهولة؛ إنها لاعب رئيسي في برنامج الفضاء الأميركي، وشبكاتها الفضائية أصبحت ذات قيمة دفاعية واستراتيجية، كما أن الحكومة الأميركية من أكبر زبائنها. هذا التشابك يمنح الشركة قوة تفاوضية هائلة. فحين تصبح قدرة الدولة على إطلاق الأقمار الاصطناعية، وتأمين الاتصالات، ودعم عمليات دفاعية معينة، مرتبطة بشركة واحدة إلى هذا الحد؛ يصبح السؤال مشروعاً: هل تخدم «سبايس إكس» السياسة الأميركية، أو أن السياسة الأميركية باتت مضطرة لمراعاة موقع «سبايس إكس»؟

مقر شركة «سبايس إكس» في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)

النقاد لا ينكرون إنجازات ماسك؛ فقد خفّض تكلفة الإطلاقات، وأعاد الحيوية إلى قطاع كان حكومياً وبطيئاً، ومدّ الإنترنت إلى مناطق نائية. لكنهم يخشون أن يؤدي الاكتتاب إلى تضخيم سلطة شخصية واحدة على قطاعات حساسة: الفضاء، والدفاع، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وربما البيانات العالمية. ومع دخول المساهمين الجدد، ستواجه الشركة ضغطاً متزايداً لتبرير تقييمها عبر توسع سريع، ما قد يدفعها إلى مزيد من التشابك مع الحكومة والأسواق والمجتمعات. هنا يصبح ماسك أكثر من رجل أعمال ثري، إنه يتحول إلى مركز ثقل اقتصادي واستراتيجي. وإذا كان نفوذه السياسي والإعلامي مثيراً للجدل أصلاً، فإن «سبايس إكس» تضيف إليه أداة مادية: شبكة صواريخ وأقمار واتصالات وبنى مستقبلية قد يصعب على الحكومات نفسها مجاراتها.

استبعاد الصين... رسالة جيوسياسية

الجانب الأكثر دلالة في الاكتتاب هو استبعاد المستثمرين من الصين وهونغ كونغ. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فهذا القرار لا يبدو إجراءً تقنياً عابراً، بل مؤشراً إلى مرحلة جديدة من فك الارتباط بين الولايات المتحدة والصين، لا في التجارة فقط، بل في التكنولوجيا ورأس المال أيضاً.

مشاة يمرون أمام مقر تابع لمؤشر «ناسداك» بولاية نيويورك الأميركية في يوم طرح شركة «سبايس إكس» (رويترز)

وعلى مدى سنوات، ركزت واشنطن على منع انتقال التقنيات الحساسة إلى الصين: أشباه الموصّلات، والحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات المرتبطة بها. الجديد هنا أن الفصل ينتقل إلى مستوى الاكتتابات العامة الكبرى. فإذا كان المستثمر الصيني مستبعداً من تمويل شركة مثل «سبايس إكس»، وإذا كانت «أوبن إيه آي» قد تسلك الطريق نفسه عند طرحها العام؛ فهذا يعني أن المال نفسه بات يُعامل كقناة نفوذ محتملة، لا كأداة مالية محايدة. الأسباب غير المعلنة واضحة بما يكفي: «سبايس إكس» و«أوبن إيه آي» تعملان في مجالات تمس الأمن القومي الأميركي، ولديهما علاقات حكومية ودفاعية. قبول رأسمال صيني، حتى لو كان محدود التأثير في الإدارة، قد يثير تساؤلات عن البيانات والملكية الفكرية والامتثال السياسي... وفي المقابل، ترى الصين في هذه القيود دليلاً إضافياً على أن واشنطن لا تريد منافسة عادلة، بل احتواءً تكنولوجياً. الأهم أن خطوة «سبايس إكس» قد تتحول إلى نموذج. فإذا تبعتها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» وشركات أخرى، فسنكون أمام معيار جديد: الشركات الأميركية العاملة في الذكاء الاصطناعي والدفاع والفضاء ستغلق أبوابها تدريجياً أمام رأس المال الصيني، حتى من دون قرار حكومي صريح. وهذا يعني أن الأسواق العامة، التي كانت رمزاً للعولمة المالية، تدخل بدورها منطق الأمن القومي. لذلك يرى المحللون أن اكتتاب «سبايس إكس» لا يمثل مجرد انتصار شخصي لماسك، ولا مجرد رقم قياسي في «وول ستريت»؛ إنه إعلان عن اقتصاد عالمي يتشكل حول ثلاثة خطوط فاصلة: من يملك التكنولوجيا، ومن يمولها، ومن يُسمح له بالمشاركة في أرباحها. وفي هذه اللحظة، يبدو أن الصين تُدفع إلى خارج الدائرة، في حين يزداد ماسك قرباً من مركزها.


قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)
سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)
TT

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)
سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق، حيث استمر تراجع سوق العقارات لفترة طويلة في التأثير سلباً على اقتراض الأسر.

وارتفعت قروض اليوان الجديدة في الصين إلى 520 مليار يوان (77 مليار دولار) في مايو، متعافيةً من انكماش قدره 10 مليارات يوان في أبريل (نيسان)، لكنها جاءت دون توقعات المحللين، وفقاً لحسابات «رويترز» استناداً إلى بيانات من بنك الشعب الصيني.

وكان المحللون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا أن يبلغ إجمالي قروض اليوان الجديدة 550 مليار يوان في مايو، مقارنةً بـ620 مليار يوان في العام السابق.

ولا يُقدم بنك الشعب الصيني تفاصيل شهرية. وقد حسبت «رويترز» رقم مايو استناداً إلى بيانات البنك للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مايو الصادرة الجمعة، مقارنةً برقم الفترة من يناير إلى أبريل.

وقدمت البنوك قروضاً جديدة بقيمة 9.11 تريليون يوان خلال الفترة من يناير إلى مايو، بانخفاض عن 10.68 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام الماضي؛ ما يُبرز ضعف الطلب على الاقتراض نتيجة لضعف بيئة الأعمال، وتراجع الطلب الاستهلاكي، وانخفاض سوق العقارات.

وأشارت مبيعات المنازل الجديدة في الصين خلال شهر مايو إلى استمرار اتساع الفجوة بين المدن، و«من المرجح أن يؤدي استمرار دورة خفض المديونية في القطاع العائلي إلى زيادة الاعتماد على السياسة المالية كأداة رئيسية لتحقيق الاستقرار»، وفقاً لما ذكره قسم الأبحاث في بنك «إيه إن زد» في مذكرة صدرت الأسبوع الماضي.

وبلغت قيمة قروض اليوان القائمة 281.02 تريليون يوان، بزيادة قدرها 5.5 في المائة في مايو مقارنةً بالعام السابق، وهي نسبة أقل من 5.6 في المائة المسجلة في أبريل، ولكنها تتوافق مع توقعات المحللين.

وذكرت وكالة «رويترز» أن بنك الشعب الصيني أصدر توجيهات غير رسمية لبعض البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز الإقراض في مايو، وذلك عقب توجيهات مماثلة صدرت في أبريل. وسجلت الصين أول انخفاض شهري في القروض الجديدة هذا العام في أبريل، حيث أرجع المحللون السبب الرئيسي إلى ضعف طلب الأسر على القروض.

وعلى الرغم من تأثير عطلة عيد العمال الشهر الماضي، أضافت مذكرة بحثية صادرة عن بنك «إيه إن زد» أن «زخم الاستهلاك الأساسي لا يزال ضعيفاً، كما يتضح من الانكماش الحاد بنسبة 20 في المائة في مبيعات السيارات في مايو».

وفقد النمو الصيني زخمه في أبريل، مع تباطؤ الإنتاج الصناعي وتراجع مبيعات التجزئة إلى أدنى مستوياتها في أكثر من ثلاث سنوات، حيث واجه الاقتصاد الصيني البالغ 20 تريليون دولار تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب الإيرانية وضعف الطلب المحلي المستمر.

وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن المعروض النقدي الواسع (M2) نما بنسبة 8.6 في المائة في مايو مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً متوسط توقعات المحللين البالغ 8.5 في المائة في استطلاع «رويترز». وفي أبريل، نما المعروض النقدي الواسع (M2) بنسبة 8.6 في المائة.

بينما نما المعروض النقدي الأضيق (M1) بنسبة 5.5 في المائة في مايو مقارنة بالعام السابق، مقابل 5 في المائة في أبريل. وارتفع إجمالي التمويل الاجتماعي القائم -وهو مقياس واسع للائتمان والسيولة- بنسبة 7.7 في المائة في مايو مقارنةً بالعام الماضي، وهو معدل أقل من نسبة 7.8 في المائة المسجلة في أبريل؛ علماً أنه من شأن أي تسارع في إصدار السندات الحكومية أن يعزز هذا التمويل.