شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ارتفاع عوائد السندات الطويلة الأجل يثير مخاوف المستثمرين بشأن التضخم

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
TT

شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)

مع ازدياد الدين الأميركي وضغط البيت الأبيض على «بنك الاحتياطي الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة، يقيّم المستثمرون خطر «السيطرة المالية»، وهو سيناريو تصبح فيه ضرورة تمويل الحكومة بأسعار منخفضة أكبر أهمية من مكافحة التضخم. ومن المتوقع أن يزيد مشروع قانون الموازنة الذي أقره الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، الشهر الماضي الالتزامات على الدين الأميركي بمليارات الدولارات؛ مما يرفع تكلفة خدمة هذا الدين.

وفي الوقت نفسه، دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صراحةً «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض أسعار الفائدة جزئياً لتخفيف تكاليف الفائدة على الحكومة الأميركية. وقد أثارت حملة الضغط هذه مخاوف من أن الإدارة تسعى لإعادة «الاحتياطي الفيدرالي» إلى فترة سابقة، حين أبقى أسعار الفائدة منخفضة لتسهيل الاقتراض بتكلفة منخفضة، وفق «رويترز».

سيارة تمر بجانب لوحة تعرض الدين الأميركي بعد وصوله إلى 31.4 تريليون دولار (رويترز)

وقال نيت ثوف، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في إدارة حلول الأسهم والأصول المتعددة لدى «مانولايف»: «السيطرة المالية مصدر قلق... هناك مخاطر في الأفق، سواء من زيادة مستويات الدين، ومن احتمال ارتفاع التضخم الهيكلي، أو على الأقل، زيادة تقلبات الأسعار». وأضاف: «السبب الذي يجعل إدارة ترمب والسياسيين عموماً يرغبون في رؤية أسعار فائدة منخفضة هو أنها ضرورية لتحمل مستويات الدين الحالية».

«السيطرة المالية» في التجربة الأميركية

وشهدت الولايات المتحدة «السيطرة المالية» خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عندما كان على «الاحتياطي الفيدرالي» إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لتمويل جهود الحرب؛ مما أدى لاحقاً إلى ارتفاع التضخم الذي تسبّب في اتفاقية وزارة الخزانة و«الاحتياطي الفيدرالي» عام 1951 لإعادة استقلال «البنك المركزي».

ويشير بعض المحللين إلى أن ارتفاع العوائد على سندات الخزانة طويلة الأجل، وضعف الدولار، يعكسان بالفعل هذا الوضع الاقتصادي، حيث يطالب المستثمرون بتعويض أعلى للاحتفاظ بالأصول الأميركية التي قد تفقد قيمتها إذا ارتفع التضخم. وقالت كيلي كوالسكي، رئيسة استراتيجيات الاستثمار في «ماسميتشوال»: «الإدارة تريد التغلب على الدين... والطريقة الأخرى للتعامل معه هي التضخم».

شخص يتسوق في مانهاتن بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

ويعني ارتفاع التضخم انخفاض القيمة الحقيقية للدين الحكومي. وقال ترمب الشهر الماضي إن معدل الفائدة القياسي لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يجب أن يكون أقل بـ3 نقاط مئوية من النطاق الحالي البالغ ما بين 4.25 و4.50 في المائة، مؤكداً أن هذا التخفيض سيوفر تريليون دولار سنوياً. وأضاف أن «البنك المركزي» قد يرفع الفائدة مرة أخرى إذا ارتفع التضخم. وخلال الأشهر الـ12 المنتهية في يونيو (حزيران)، سجل التضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، 2.6 في المائة، وهو لا يزال أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ اثنين في المائة.

ومع ذلك، أكد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، أن «البنك المركزي الأميركي» لا يأخذ إدارة الدين الحكومي في الحسبان عند وضع السياسة النقدية.

ويشير بعض المستثمرين إلى أن «السيطرة المالية» لا تزال على أفق غير مؤكد؛ إذ لم تؤدِ زيادة الدين بعد إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكل غير مستدام، في حين يرى آخرون أنها بدأت تؤثر على الأسواق بالفعل؛ إذ تظل العوائد طويلة الأجل مرتفعة حتى مع توقعات خفض الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي». وقال كوش ديزاي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن إدارة ترمب تحترم استقلالية «الفيدرالي»، لكن مع انخفاض التضخم بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، يعتقد ترمب أن الوقت مناسب لتخفيض الفائدة.

وحتى الآن، قاوم «البنك المركزي» هذه المطالب، لكن من المتوقع أن يخفض تكاليف الاقتراض في اجتماعه المقرر يومي 16 و17 سبتمبر (أيلول) المقبل.

تفويض «الاحتياطي الفيدرالي»

انخفض الدولار هذا العام بنحو 10 في المائة مقابل سلة من العملات الرئيسية، بينما تظل العلاوات على السندات طويلة الأجل مرتفعة، حتى مع تراجع العوائد مؤخراً بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي. وقال أوليفر شيل، مختص الاستثمار في «روفّر»: «من الصعب التفاؤل بالسندات طويلة الأجل في هذا المناخ»، مشيراً إلى الإنفاق الحكومي الذي قد يبقي التضخم مرتفعاً ويقلل من قيمة السندات. وأضاف: «إذا كان الاقتصاد يعمل فوق طاقته الطبيعية، فهذا سيؤدي إلى التضخم أو له آثار مهمة على أسعار الفائدة والعملات».

ورأى ثوف أنه متشائم بشأن سندات الخزانة طويلة الأجل؛ لأن ارتفاع التضخم سيستدعي علاوات أكبر على المدى الطويل. وعلى الرغم من سنوات النمو الاقتصادي، فإن العجز الأميركي استمر في التوسع، ليصبح الدين أكثر من 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بأعلى من مستواه بعد الحرب العالمية الثانية.

وعادةً ما يدير «الاحتياطي الفيدرالي» التضخم بينما يلتزم الكونغرس بالانضباط المالي، لكن هذا التوازن ينقلب في سيناريو «السيطرة المالية»؛ إذ يصبح التضخم مدفوعاً بالسياسات المالية ويحاول «الاحتياطي الفيدرالي» إدارة عبء الدين، كما قال إريك ليبر، أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا: «لا يمكن لـ(الاحتياطي الفيدرالي) التحكم في التضخم والحفاظ على دفعات الفائدة منخفضة في الوقت نفسه. هذان الأمران متعارضان».

أحد المؤشرات السلبية للمستثمرين هو تقلص الفجوة بين أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي. فقد تراوحت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حول 4.3 في المائة خلال الأسابيع الأخيرة، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل سنوي بلغ 5.02 في المائة خلال الربع الثاني. وعندما تتجاوز أسعار الفائدة معدل النمو، يرتفع الدين بوصفه نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي حتى دون اقتراض جديد؛ مما يجعل الدين أكبر صعوبة في التحمل.

وقالت تحليلات «بنك دويتشه»: «المخاطر على استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)، الناجمة عن السيطرة المالية، مرتفعة»، مشيرة إلى العجز المرتفع والعوائد طويلة الأجل القريبة من نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تحذيرات تاريخية

التاريخ يقدم دروساً تحذيرية؛ فقد أدت السيطرة المالية القصوى إلى التضخم المفرط في ألمانيا في عشرينات القرن الماضي، وفي الأرجنتين في أواخر الثمانينات وأوائل الألفية. ومؤخراً في تركيا، أدى الضغط على «البنك المركزي»؛ للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، إلى تقويض مصداقية السياسة النقدية، وأثار أزمة عملة.

وأعرب غالبية الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع «رويترز» الشهر الماضي عن قلقهم بشأن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي».

وعلى الرغم من انتقادات ترمب ومسؤوليه، فإن باول أكد عزمه على البقاء رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» حتى انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2026. وقال أمار ريغانتي، استراتيجي الدخل الثابت في «هارتفورد فاندز» والمسؤول السابق في وزارة الخزانة: «يبدو واضحاً أن أي مرشح للمقعد، بغض النظر عن آرائه السابقة، من المحتمل أن يتبنى توجهاً متساهلاً ليجري ترشيحه».

لكن أسعار الفائدة المنخفضة قد تكون حلاً مؤقتاً فقط. فالإدارة قد تأمل «زيادة النمو الاسمي» رغم خطر ارتفاع التضخم، للوصول إلى مستوى يجعل النمو الحقيقي دافعاً لجعل مسار الدين مستداماً، كما قال بريج خورانا، مدير محفظة الدخل الثابت في «ويلينغتون»... «المشكلة هي... أن البنك المركزي يقول: (لا أريد أن أخوض هذه المخاطرة معكم)».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تختتم 2025 بثلاثية مكاسب تاريخية وتترقب تحديات 2026

الاقتصاد متداول يرتدي نظارات مكتوباً عليها «2026» خلال عمله في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تختتم 2025 بثلاثية مكاسب تاريخية وتترقب تحديات 2026

ودّعت «وول ستريت» عام 2025، محققةً ثلاثية تاريخية من المكاسب السنوية المكونة من رقمين، لتضع سوق الأسهم الأميركية أمام اختبار «العام الرابع» الصعب في 2026.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يستخدم حق النقض ضد مشروعَي قانون للمرة الأولى خلال ولايته الثانية

استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب حق النقض ضد مشروعَي قانون للمرة الأولى خلال ولايته الثانية رافضاً إنشاء خط أنابيب لمياه الشرب وتوسيع محمية للسكان الأصليين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد اصطفاف المئات خارج مركز كيرير في كنتاكي طلباً للمساعدة في إعانات البطالة (أرشيفية - رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تهبط إلى أدنى مستوى في شهر

سجّل عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة انخفاضاً غير متوقع خلال الأسبوع الماضي، ليصل إلى أدنى مستوى له في شهر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

تراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية في آخر يوم من 2025

شهدت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية تراجعاً طفيفاً، في آخِر يوم تداول من عام 2025، لكنها تتجه لاختتام عام متقلب اتسم بالغموض بسبب تعريفات ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

وسط مؤشرات تُحذّر المستثمرين… هل يواصل الدولار ضعفه في 2026؟

رغم الارتفاع الطفيف الذي سجّله الدولار في تداولات الأربعاء، فإن العملة الخضراء لا تزال حبيسة مسارٍ نزولي يضعها على أعتاب أكبر خسارة سنوية منذ عام 2017.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

عُمان تُقرّ موازنة 2026 بإنفاق 31.1 مليار دولار

وزير المالية سلطان بن سالم الحبسي خلال اللقاء اليوم الذي عقدته وزارة المالية على هامش الإعلان عن الميزانية (العمانية)
وزير المالية سلطان بن سالم الحبسي خلال اللقاء اليوم الذي عقدته وزارة المالية على هامش الإعلان عن الميزانية (العمانية)
TT

عُمان تُقرّ موازنة 2026 بإنفاق 31.1 مليار دولار

وزير المالية سلطان بن سالم الحبسي خلال اللقاء اليوم الذي عقدته وزارة المالية على هامش الإعلان عن الميزانية (العمانية)
وزير المالية سلطان بن سالم الحبسي خلال اللقاء اليوم الذي عقدته وزارة المالية على هامش الإعلان عن الميزانية (العمانية)

أقرّت سلطنة عُمان، الخميس، موازنتها العامة لعام 2026؛ حيث قُدِّرت الإيرادات العامة بنحو 11.447 مليار ريال عُماني (29.8 مليار دولار)، بزيادة 2.4 في المائة، مقارنة بالإيرادات المعتمدة لعام 2025.

وفي المقابل، بلغ إجمالي الإنفاق العام نحو 11.977 مليار ريال عُماني (31.1 مليار دولار)، بارتفاع 1.5 في المائة، في حين قُدِّر العجز عند 530 مليون ريال عُماني (1.4 مليار دولار)، منخفضاً 14.5 في المائة عن عجز ميزانية 2025، ليُشكّل 4.6 في المائة من إجمالي الإيرادات، و1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

ووفقاً لما نقلته «وكالة الأنباء العُمانية»، بُنيت تقديرات الموازنة على متوسط سعر للنفط عند 60 دولاراً للبرميل، في ظل استمرار اعتماد السلطنة بشكل كبير على عائداته.

كما أعلنت السلطنة أن الدين العام يُتوقع أن يصل إلى 14.6 مليار ريال عُماني (نحو 38.0 مليار دولار) بنهاية عام 2026، وهو ما يعادل 36 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقال وزير المالية، سلطان بن سالم الحبسي، إن الاقتصاد العُماني واصل نموه، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة المتوقَّع حتى نهاية 2025 سجّل 39.2 مليار ريال عُماني (102.0 مليار دولار) مقارنة بـ34.5 مليار ريال عُماني (89.7 مليار دولار) بنهاية 2021، محققاً نموّاً بنحو 14 في المائة منذ بداية الخطة، مع استقرار التضخم عند متوسط 0.9 في المائة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ولفت الحبسي إلى نمو الاستثمار الأجنبي المباشر حتى الربع الثالث من 2025، ليبلغ 30.3 مليار ريال عُماني (78.8 مليار دولار)، مدعوماً بتسهيل بيئة الأعمال وتعاظم الثقة.

كما أشار إلى «أداء استثنائي» لبورصة مسقط، إذ ارتفعت قيمتها السوقية لأكثر من 32.2 مليار ريال عُماني (83.7 مليار دولار)، فيما تجاوزت قيمة التداولات 4.9 مليار ريال عُماني (12.7 مليار دولار) خلال 2025.

وفي ملف الاستثمارات الحكومية، أفاد الوزير بأن أصول جهاز الاستثمار العُماني نمت إلى نحو 21 مليار ريال عُماني (54.6 مليار دولار) بنهاية 2025، فيما رفد الجهاز الميزانية بأكثر من 4.4 مليار ريال عُماني (11.4 مليار دولار) خلال الخطة الخمسية العاشرة.

كما بلغ إجمالي الاستثمارات التي اعتمدها «صندوق عُمان المستقبل» حتى نهاية 2025 نحو 164 مشروعاً التزاماً مالياً قدره 462 مليون ريال عُماني (1.2 مليار دولار)، من بينها 104 ملايين ريال عُماني (270.5 مليون دولار) للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة.


«وول ستريت» تختتم 2025 بثلاثية مكاسب تاريخية وتترقب تحديات 2026

متداول يرتدي نظارات مكتوباً عليها «2026» خلال عمله في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يرتدي نظارات مكتوباً عليها «2026» خلال عمله في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تختتم 2025 بثلاثية مكاسب تاريخية وتترقب تحديات 2026

متداول يرتدي نظارات مكتوباً عليها «2026» خلال عمله في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يرتدي نظارات مكتوباً عليها «2026» خلال عمله في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ودّعت «وول ستريت» عام 2025 محققةً ثلاثية تاريخية من المكاسب السنوية المكونة من رقمين، لتضع سوق الأسهم الأميركية أمام اختبار «العام الرابع» الصعب في 2026. وبينما يطمح المستثمرون إلى مواصلة ماراثون الصعود، يبدو أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود؛ إذ يواجه السوق «مثلثاً حرجاً» يتطلب استدامة نمو أرباح الشركات، وتوجهات أكثر مرونة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع استمرار التدفقات المليارية في شرايين ثورة الذكاء الاصطناعي كوقود لا غنى عنه للحفاظ على الزخم.

فقد كان التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى جانب خفض أسعار الفائدة، واستمرار نمو الاقتصاد رغم المخاوف من ركود وشيك، عوامل محورية دفعت سوق الأسهم الأميركية للصعود منذ بداية السوق الصاعدة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. وتم تحقيق هذه المكاسب على الرغم من عام مليء بالتقلبات، حيث شهدت الأسواق هبوطاً حاداً بعد أن أعلنت إدارة ترمب عن تعريفات جمركية أكبر من المتوقع في أبريل (نيسان). وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 16 في المائة في 2025، بعد أن سجل ارتفاعات قوية بلغت 23 في المائة في 2024، و24 في المائة في 2023.

أحد الأشخاص يمر بجوار بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

وقال سام ستوفال، كبير استراتيجيي الاستثمار في «سي إف آر إيه»: «لتحقيق مكاسب أخرى قوية ذات رقمين، تحتاج السوق إلى أن تعمل كل العوامل بكامل طاقتها». وأضاف ستوفال، الذي وضع هدفاً لسعر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في نهاية 2026 عند 7400 نقطة بزيادة 8 في المائة عن المستويات الحالية: «هناك العديد من المعوقات التي تجعلني أعتقد أنه بينما قد ننتهي بسنة مفاجئة جيدة، لا أظن أنها ستكون سنة رائعة أخرى».

يرى العديد من استراتيجيي السوق أن 2026 ستكون قوية، مع أهداف بعضهم لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تُعادل مكاسب تفوق 10 في المائة، بما في ذلك هدف «بنك دويتشه» عند 8000 نقطة، أي بزيادة نحو 17 في المائة عن المؤشر حالياً.

هل ستوفر الأرباح والذكاء الاصطناعي دفعة للسوق؟

يشير المتفائلون إلى التوقعات الإيجابية لأرباح الشركات الأميركية. فمن المتوقع أن ترتفع أرباح شركات «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 15 في المائة في 2026، بعد ارتفاع قدره 13 في المائة في 2025، وفقاً لتاجيندر دهيلون، رئيس أبحاث الأرباح في «إل إس إي جي».

ومن المتوقع أن يكون نمو الأرباح مدفوعاً بشريحة أوسع من الشركات، إذ تساعد الحوافز المالية والسياسة النقدية الأسهل على دعم الاقتصاد وإنفاق المستهلكين، بدلاً من الاقتصار على مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا العملاقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقد سجلت تلك الشركات العملاقة، التي تضم «إنفيديا»، و«أبل»، و«أمازون» والمعروفة باسم «السبع العظمى»، نمواً في الأرباح بنسبة 37 في المائة في 2024 مقابل 7 في المائة لبقية مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وفقاً لدهيلون.

وفي 2026، من المتوقع أن يقل هذا الفارق بشكل كبير، إذ يُتوقع أن تحقق «السبع العظمى» نمو أرباح بنسبة 23 في المائة مقابل 13 في المائة لبقية المؤشر. وقالت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي السوق في «مان غروب»: «تحسن نمو الأرباح للعديد من الأسهم الأخرى البالغ عددها 493 في (ستاندرد آند بورز 500) -وقد شاهدنا بعض ذلك بالفعل- سيساعد بالتأكيد سوق الأسهم على الوصول إلى مكاسب ذات رقمين في العام المقبل».

وأضاف المستثمرون أن نمو الأرباح سيكون حاسماً لأن تقييمات الأسهم ستكون صعبة التوسع أكثر من مستوياتها المرتفعة بالفعل.

ومن بين المحركات الأخرى للتقييمات، يأتي الحماس حول الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الإنفاق الضخم على البنية التحتية والطلب المتوقع الكبير على تطبيقاته. وقد أثارت مؤخراً التساؤلات حول عوائد هذا الإنفاق التكنولوجي، انخفاضاً في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومن المرجح أن يظل هذا الموضوع محوراً رئيسياً في 2026.

وقال جيف بوتشبيندر، كبير استراتيجيي الأسهم في «إل بي إل فاينانشال»: «إذا بدأت الشركات في تقليص الإنفاق الرأسمالي الذي أشاروا إليه مسبقاً وفقدت السوق الثقة في العوائد التي ستنتجها استثمارات الذكاء الاصطناعي... فستكون النتيجة على الأرجح سنة مستقرة أو حتى متراجعة قليلاً».

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«الفيدرالي» المتساهل... والاحتمالات المفاجئة

عامل آخر مهم لسنة قوية في سوق الأسهم، وفق المستثمرين، هو أن يلين الاقتصاد بما يكفي لتهدئة التضخم وتمهيد الطريق لمزيد من خفض الفائدة، ولكن دون أن يدخل الاقتصاد في ركود. وتشير عقود الفائدة المستقبلية إلى توقع المستثمرين حدوث خفضين آخرين بمقدار ربع نقطة في 2026 بعد خفض 175 نقطة أساس في 2024 و2025.

وقال يونغ-يو ما، كبير استراتيجيي الاستثمار في «مجموعة بي إن سي للخدمات المالية»: «ربما يكون أكبر عامل سأركز عليه هو الحفاظ على موقف (الفيدرالي) المتساهل». ويترقب المستثمرون اختيار الرئيس دونالد ترمب لرئيس «الفيدرالي» المتوقع في أوائل 2026 كإشارة إلى أن البنك المركزي سيكون أكثر تساهلاً، لكنهم يشعرون بالقلق من اختبار استقلاليته.

وتُظهر البيانات التاريخية صورة مختلطة عن العوائد المحتملة في 2026. فمن ناحية إيجابية، سجلت سبع أسواق صاعدة وصلت إلى العام الرابع منذ 1950 متوسط مكاسب 12.8 في المائة، مع أداء إيجابي في ست من الحالات السبع، وفقاً لأبحاث «إل بي إل».

ومع ذلك، تميل سنوات الانتخابات النصفية الأميركية، عندما يؤدي انتخاب كونغرس جديد إلى خلق حالة من عدم اليقين حول تركيبة الحكومة الفيدرالية، إلى أداء ضعيف. فمتوسط مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في سنوات الانتخابات النصفية يبلغ 3.8 في المائة، مقارنةً بمتوسط 11 في المائة خلال السنوات الثلاث الأخرى من الولاية الرئاسية، وفقاً لما ذكره ستوفال، من «سي إف آر إيه».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

كما أن هناك مجموعة من الاحتمالات المفاجئة. على سبيل المثال، بينما تراجعت التعريفات الجمركية كعامل أساسي بعد أن سببت تقلبات كبيرة في أوائل 2025، قد تؤثر العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، على الأسهم في 2026، حسبما قال يونغ-يو ما من «بنك بي إن سي».

وأضاف: «هناك احتمال فعلي لحدوث انفراج بين الولايات المتحدة والصين يمكن أن يكون محفزاً إيجابياً لم يُدرج بعد في التوقعات».

Your Premium trial has ended


أداء متذبذب وتقلبات حادة للسوق المالية السعودية خلال 2025

السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
TT

أداء متذبذب وتقلبات حادة للسوق المالية السعودية خلال 2025

السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)

شهد مؤشر سوق الأسهم السعودية (تاسي) أداءً متذبذباً، وتقلبات حادة خلال تداولات عام 2025، اتسمت بموجات من الارتفاعات والانخفاضات، وتسجيل فترات انتعاش وتعافٍ مؤقتة، خصوصاً في نهاية تداولات الربع الأول، وخلال الربع الثالث الذي يعد أفضل تداولات العام للمؤشر.

وبدأ مؤشر السوق تداولات 2025 عند مستويات 12036.50 نقطة، وانخفض بنهاية العام بنسبة 12.8 في المائة عند مستويات 10490.69 نقطة، فاقداً 1545.81 نقطة، حيث تأثر مؤشر السوق خلال تداولات العام بعدد من العوامل الاقتصادية والمحلية، يأتي في مقدمتها تحركات أسعار النفط، والسياسات النقدية العالمية، وخفض معدلات الفائدة، ومستويات السيولة في السوق، والرسوم الجمركية الأميركية، والأحداث الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، والتأثر بحركة النقل البحري والخدمات اللوجيستية في البحر الأحمر.

وكان أداء مؤشر «تاسي» خلال الربع الأول من 2025 متذبذباً مع تأثره بالضغوط الخارجية، لينهي الربع على انخفاض طفيف ودون مستويات بداية العام عند 12,025 نقطة، واستمرت الضغوط على مؤشر السوق خلال الفصل الثاني مع محاولات ارتداد محدودة، خصوصاً في شهر يونيو (حزيران)، ليغلق المؤشر في هذا الربع على انخفاض ملحوظ عند 11,164 نقطة.

الربع الثالث كان أفضل فترات الأداء خلال عام 2025 بدعم من تحسن السيولة، ودخول استثمارات أجنبية، وخفض أسعار الفائدة، وأغلق المؤشر بنهاية هذا الفصل على ارتفاع بنحو 3 في المائة عند مستويات 11,503 نقاط، إلا أن التراجعات عادت لمؤشر السوق مع تداولات الربع الرابع، بفعل ضعف التداولات ونهاية العام.

أسعار النفط

وأسهم عدد من العوامل في التأثير على مؤشر «تاسي» خلال تداولات 2025، من بينها تراجع أسعار النفط خلال أجزاء من العام، وهو ما انعكس سلباً على معنويات المستثمرين، خصوصاً في القطاعات القيادية المرتبطة بالطاقة والمصارف، وكذلك التغيرات في السياسات النقدية العالمية وتوجهات أسعار الفائدة العالمية، التي أثرت على تدفقات السيولة والاستثمارات الأجنبية في السوق السعودية.

كما أسهمت قرارات تسهيل ملكية المستثمرين الأجانب في دعم أداء مؤشر السوق خلال الربع الثالث، ما أدى إلى موجة ارتفاع ملحوظة خلال تداولات شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، إلا أن ضعف نشاط الأطروحات والاكتتابات الأولية قاد إلى تراجع عدد وقيمة الطروحات الجديدة مقارنة بالسنوات السابقة، ما حدّ من تدفق السيولة الجديدة إلى السوق، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية والجيوسياسية العالمية والتوترات الاقتصادية، وتباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، وهو ما زاد من حالة الحذر لدى المستثمرين في الأسواق المالية كافة ومن بينها السوق السعودية.

وقال محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق السعودية بدأت عام 2025 بأداء متماسك نسبياً، متأثرة بعوامل محلية إيجابية، من بينها استمرار الإنفاق الحكومي ومشاريع البنية التحتية، وكذلك مشاريع «رؤية 2030»، إلا أنه سرعان ما انعكس هذا التماسك والارتفاع إلى فقدان من قيمة المؤشر لنحو 12 في المائة، حتى أصبح من أسوأ الأسواق الناشئة أداءً خلال تلك الفترة، بعد أن استمرت فترة هبوط المؤشر وامتدت لنحو عام كامل، وما نتج عن ذلك من ضعف السيولة بالرغم من الأداء الإيجابي لبعض البنوك وبعض الأسهم الدفاعية، وهو ما أدى أيضاً إلى هجرة الأموال والسيولة إلى الأسواق العالمية منها الصينية، والهندية، والأميركية، إضافة إلى السوق المصرية.

السياسات النقدية

ولفت إلى أن حجم الأموال المهاجرة يُقدر بـ246 مليار ريال (65.6 مليار دولار)، وذلك بحثاً عن فرص أفضل للاستثمار، وجني الأرباح في الأسواق المالية الأخرى.

وأشار الدكتور الخالدي، إلى أن هناك عوامل أثرت في أداء السوق السعودية، منها عوامل عالمية، أهمها ارتفاع أسعار الفائدة، وتشديد السياسة النقدية، مما قلل السيولة وجعل الاستثمار في الأسهم أقل جاذبية مقارنة بالسندات، وكذلك بعض التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط، بالإضافة إلى العوامل النفسية التي أدت إلى الخوف والذعر من السوق، عند مشاهدة هذا الانخفاض المستمر في مؤشر السوق السعودية حتى الوصول إلى نحو 10 آلاف نقطة، وفقد نسبة كبيرة من المكاسب الماضية، إلا أن بعض البنوك استطاعت أن تحافظ على التوازن، ومنها سهم مصرف الراجحي.

ويتوقع الدكتور الخالدي أن يتحسن أداء السوق خلال تعاملات العام الحالي بشكل أفضل نسبياً، خصوصاً مع تراوح أسعار الفائدة بين 3.75 و4 في المائة، والتوجه المقبل نحو خفضين مقبلين بنسب أكبر، خصوصاً مع حرص الحكومة الأميركية على تغيير رئيس البنك الفيدرالي الاحتياطي من أجل الاستمرار في تخفيض أسعار الفائدة.

وأضاف أن السوق المحلية ستتأثر صعوداً باستمرار المناسبات والفعاليات المنبثقة من «رؤية 2030» والمشاريع المرتبطة بها، مما سيساعد السوق على الارتداد إلى مستويات أعلى، وأن الأسعار الحالية لأسهم معظم شركات السوق تعد مغرية للمستثمرين، وفرصة ذهبية قد تطول، ولن تتكرر مثل هذه الأسعار، حيث إن معظم الشركات سجلت أسعاراً تمثل قاع القاع، وقد لا تتكرر مستقبلاً.

التطورات التنظيمية

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، في تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، إن أداء سوق الأسهم السعودية خلال 2025 اتسم بضعف نسبي وتقلبات مرتفعة مع ميل هابط على مستوى المؤشر العام، رغم فترات ارتداد انتقائية مدفوعة بحركة بعض القطاعات وتطورات تنظيمية وهيكلية بالسوق. كما أن هذه الأحداث جاءت في ظل بيئة خارجية ضاغطة، ومنها تقلبات أسعار النفط مع استمرار الفائدة المرتفعة، واستمرار التوترات الجيوسياسية.

وزاد أنه وبالرغم من هذه الأحداث، فإن وجود أساس اقتصادي محلي أكثر متانة وإصلاحات مستمرة ضمن «رؤية 2030»، أسهم في تقليل حدة التراجعات، وفتح المجال أمام موجات دخول انتقائية للمستثمرين المحليين والأجانب، وارتفاع وزن السوق في المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة، التي عززت عمق السوق، وجذبت سيولة مؤسسية طويلة الأجل.

وحسب عمر، فإن التوقعات تشير إلى تسارع نمو الاقتصاد السعودي بنحو 4.4 في المائة خلال عام 2026، مما قد يوفر بيئة أكثر دعماً لربحية الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالإنفاق الرأسمالي والطلب المحلي.

وترجح المعطيات حدوث سيناريو تحسن متحفظ يميل للإيجابية، وسيكون انتقائياً أكثر من كونه موجة صعود عامة، مع بقاء مسار النفط والفائدة وعلاوة المخاطر الجيوسياسية عوامل حاسمة لاتجاه السوق، ومع وجود احتمالات بدء مسار خفض للفائدة، واستمرار تعميق السوق عبر الطروحات وجذب السيولة المؤسسية، وفق الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد».

وقد بيّن أن هذه العوامل قد تدعم التقييمات والربحية في قطاعات مرتبطة بالطلب المحلي والإنفاق الرأسمالي، مع ضرورة استمرار نهج الانتقائية والتركيز على جودة الأرباح والملاءة وإدارة المخاطر.