الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

رئيس «الوحدة» الليبية تحدث عن تمسّكه بتفكيك «الميليشيات»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)

نفى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، اتهامات طالت حكومته بالسعي إلى «التطبيع مع إسرائيل»، وقال إن رفض التطبيع «مسألة محسومة لدى الليبيين»، كما أشار إلى أن ما يتردد عن قبوله استضافة مهجرين فلسطينيين من غزة عبارة عن «مغالطات وتسريبات صحافية كاذبة».

وتحدث الدبيبة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن موقف حكومته من تطورات الأزمة السياسية قبل أيام من الإعلان عن «خريطة طريق» لحل الأزمة الليبية من المقرر أن تطرحها المبعوثة الأممية، الخميس المقبل، أمام مجلس الأمن الدولي.

وهذا نص الحوار:

 

من المنتظر أن تطرح المبعوثة الأممية على «مجلس الأمن» قريباً خريطة طريق للحل السياسي في ليبيا.. ما موقف حكومتك من هذا المسار؟

- أجرينا نقاشات عديدة مع المبعوثة الأممية على مستويات مختلفة، وهي تبذل جهوداً واسعة نقدّرها، في محاولة للوصول إلى خريطة طريق تقود إلى الانتخابات.

نؤمن بأن إجراء الانتخابات الوطنية سيجدد شرعية الأجسام السياسية الرئيسية مثل البرلمان، الذي يجب أن يكون العمود الفقري للمرحلة السياسية المقبلة. ونتلقى إشارات إيجابية من الأمم المتحدة عن كيفية التفكير والعمل لتجاوز العقبات، والاستفادة من أخطاء التجارب السابقة.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

التصريحات الأخيرة للمبعوثة الأممية تحدثت عن ضرورة تشكيل «حكومة موحدة» تقود البلاد لانتخابات.. ما مدى استعدادك للتعامل مع هذا الطرح؟

- أوضحنا للمبعوثة الأممية أن أي ارتباك مؤسسي قائم سببه أداء البرلمان وقرارته الأحادية التي انعكست حتى على المؤسسات الرقابية والخدمية، لذلك فإن إنهاء هذا الارتباك يتطلب جسماً تشريعياً منتخباً، وهذه حقائق يتفهمها شركاؤنا والمجتمع الدولي جيداً.

 

هل حظيت حكومتكم بدعم أميركي مباشر خلال المباحثات الأخيرة مع مسعد بولس مستشار دونالد ترمب خلال زيارته طرابلس؟

- هناك التزام واضح من شركائنا في الولايات المتحدة، ونية صريحة لدعم مسار الانتخابات، ومساندة الحكومة في هذا الاتجاه. وقد ناقشنا مع الجانب الأميركي تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح فرص اقتصادية تخدم المصالح الليبية والأميركية، إلى جانب دعم مسار الديمقراطية في ليبيا. المستشار بولس أكد دعمه الكامل لهذه الرؤية، وناقشنا أيضاً السبل الكفيلة للوصول إلى انتخابات بأكثر الطرق سلاسة.

الدبيبة ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال لقاء في العاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

لكن هناك من رأى أن عروض الاستثمارات التي طرحتها حكومتك بقيمة 60 مليار دولار هي محاولة لاستقطاب الدعم الأميركي لبقاء الحكومة.

- هذه استثمارات استراتيجية في قطاعات كبرى، مثل: البنية التحتية، وقطاع النفط والطاقة، وتهدف إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، لذلك فهي ليست عملاً سياسياً، بل مشروع استراتيجي يعزز قدرات الدولة.

 

نظرة إلى الملف العسكري... هل هناك أمل لتوحيد الجيش في ليبيا أم أن هذا الملف يبقى مؤجلاً؟

- الأمل قائم بلا شك، وقد يكون من الحكمة أن يتحقق إنجاز استراتيجي في توحيد الجيش بعد إجراء انتخابات وطنية شاملة، مما يتيح إنهاء العقبات أمام توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية قوية.

 

ماذا عن الخطة التي أطلقتها منذ مايو (أيار) الماضي لتفكيك الميليشيات؟

- تفكيك الميليشيات مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها وتوحيدها، وليس مشروعاً شخصياً أو انتقامياً. هذه الميليشيات تركة خلَّفتها السنوات الماضية، وقد أدت عوامل شتى إلى تقويتها على حساب مؤسسات الدولة النظامية الأمنية والعسكرية؛ حتى ظنت هذه المجموعات أنها أقوى من سلطات الدولة.

ورغم أننا لم نكن جزءاً من تشكيل هذا الواقع، الذي وجدناه أمامنا، وكان بإمكاننا أن نمرره كما هو للحكومات التي تأتي من بعدنا، فإننا ماضون في هذه الخطة، بعد عمل شاق لسنوات من أجل رفع قدرات وزارتَي الدفاع والداخلية، وإعادة هيكلتهما وتأهيلهما.

عناصر مسلحة في العاصمة طرابلس (رويترز)

وهل لمستم دعماً دولياً لهذه الخطة؟

- هناك دعم واضح من شركائنا الإقليميين والدوليين المهتمين بتعزيز الأمن ومواجهة مشروعات الفوضى، التي تمثلها الميليشيات. المجتمع الدولي يدرك خطر تمدد هذه المجموعات، وآثارها على الأمن الإقليمي وملفات مثل الهجرة غير النظامية، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

 

هناك من يرى تناقضاً في أن كثيراً من قادة قوات حكومتكم ينتمون لتشكيلات مسلحة.

- لقد طرحنا على المجموعات المسلحة ثلاثة مسارات من بينها ضم من لا يزال مهتماً منهم بالعمل الأمني والعسكري في وزارتي الدفاع والداخلية، وتلقي التدريبات والتأهيلات اللازمة، فهناك قيادات انتمت سابقاً لتشكيلات مسلحة لكنها اليوم أصبحت قيادات للدولة ومؤسساتها. وهذا بحد ذاته نموذج نقدمه لبقية التشكيلات. الباب مفتوح أمام الجميع للانضمام للعمل المنظم والقيادة تحت راية الدولة وسيادتها.

 

البعض يتحدث عن أن معركتكم ضد الميليشيات تأتي ضمن محاولة لفرض نفوذ مصراتة في طرابلس.. ما تعليقكم؟

- هناك دعاية مضللة تحاول تشويه هذه الحملة الوطنية، وإخراجها من مسارها الوطني وإثارة الانقسام. ونحن نحاول التعامل معها بحكمة وبسياسات إعلامية واضحة لرفع وعي الشارع. الحكومة تضم قيادات ومؤسسات من مختلف المدن والمناطق الليبية، ومشروعنا وطني، ولم يكن يوماً مناطقياً.

قوات تابعة لـ«اللواء 444 قتال» بطرابلس تُنهي تدريبات على الإنزال المظلي (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

هل ما زلتم متحمسين لطرح «مسودة دستور 2017» للاستفتاء؟

- نعم، المسودة المتفق عليها تمتلك شرعية عالية، لأن أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع كتابة الدستور انتُخبوا مباشرةً من الشعب. الاستفتاء على هذه المسودة أقرب الطرق لإنهاء الفراغ الدستوري، وإشراك الليبيين في تحديد مستقبلهم.

 

وما رأيك في الطرح المتعلق بالفيدرالية بوصفها خياراً للحل في ليبيا؟

- ليبيا بحكم اتساعها الجغرافي وحدودها، تحتاج إلى تعزيز اللامركزية للحفاظ على وحدة الدولة وتنوعها الثقافي والاجتماعي. الفيدرالية أو غيرها من الأنظمة التي تطرح على أنها حلول لشكل الحكم في ليبيا، هي خيارات يحددها الشعب مستقبلاً عبر الدستور، ونحن ملتزمون بما يقرره الليبيون.

 

كيف تقيمون التضارب الأخير في القرارات مع «المجلس الرئاسي»؟

-في المراحل الانتقالية المعقدة قد تظهر خلافات طبيعية، لكننا ملتزمون بالتنسيق مع «المجلس الرئاسي»، من أجل مصلحة الدولة العامة، وبما يعزز سيادتها.

 

ما ردكم على انتقادات بعض النواب لعروض الاستكشافات النفطية؟

-الحكومة تعمل وفق القانون والاختصاصات المخولة بها، وما يثار من اعتراضات هي في الأساس اعتراضات سياسية لا قانونية. هذه المشروعات ليست سياسية؛ بل اقتصادية استراتيجية تعزز قدرة ليبيا على الإنتاج، وتسهم في تطوير الاقتصاد الوطني، وبناء شراكات في قطاع الهيدروكربونات. هذه مشروعات تخدم كل الليبيين وليس طرفاً محدداً.

 

ما آخر خطواتكم لفك تجميد الأرصدة الليبية في الخارج؟

- نواصل مناقشة هذا الملف وفق القوانين والمعايير الدولية، وبشكل مؤسسي وليس سياسياً مع الجهات المختصة، بهدف تحسين قدرتنا على إدارة هذه الأرصدة بشفافية ووفق معايير واضحة بعيداً عن الصفقات السياسية.

 

لكن هناك مخاوف من أن يؤدي رفع التجميد إلى إهدار المال العام.

-هذه نقطة مهمة، وتؤكد أهمية إجراء الانتخابات سريعاً لإنهاء المراحل الانتقالية، وتمكين الشعب الليبي من الانتفاع انتفاعاً مطلقاً بهذه الأصول، التي تعرضت لتآكل وخسائر كبيرة تحت التجميد.

نحن نسعى لوقف هذا النزيف، وملتزمون بأعلى معايير الشفافية والرقابة الصارمة وفق القوانين المحلية والدولية، حتى تُدار هذه الأرصدة بما يضمن استدامتها، وتخدم الشعب الليبي.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

خارجياً، ما تعليقك على الجدل المستمر بشأن التطبيع مع إسرائيل؟

- لا يوجد أي مسعى أو رغبة في التطبيع مع دولة الاحتلال. هذه المسألة محسومة لدى الليبيين الذين تمثل القضية الفلسطينية جزءاً رئيسياً من وجدانهم.

 

وماذا عن التسريبات بشأن نقل مهجرين من غزة إلى ليبيا؟

- مزاعم قبولنا بجريمة تهجير الفلسطينيين هي من المغالطات والتسريبات الصحافية الكاذبة للأسف، وقد نفت وزارة الخارجية الأميركية عبر سفارتها لدى ليبيا هذه الأخبار من أساسها.

ما يحدث في غزة من قتل وتجويع للأطفال وحرمان الناس من حقوقهم الأساسية، مأساة إنسانية كبرى يجب أن تتصدى لها القوى الدولية كي يتمكن هذا الشعب من العيش بسلام فوق أرضه لا أن يهجّر منها.

إن هذه المغالطات والتسريبات غير الموثوقة سببها تراجع معايير العمل الصحافي، مما يجعل بعض الأطراف تستخدم هذه التسريبات لتضليل الرأي العام.

 

ما حقيقة حدوث فتور في علاقة حكومتكم مع تركيا مؤخراً؟

- علاقتنا مع تركيا استراتيجية وقائمة على المصالح المشتركة والتعاون في مختلف المجالات، ولا يخفى عنكم ما تمثله القمة الأخيرة في إسطنبول من تعاون رفيع، وقد شهدت اجتماعاتها قدراً عالياً من الود والاحترام المتبادل. العلاقة ممتازة على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الشخصية.

إردوغان مستقبلاً عبد الحميد الدبيبة في إسطنبول (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، هل طرأ تحسن على علاقتكم مع روسيا؟

- العلاقة مع روسيا تسير تدريجياً نحو التحسن. منذ وصولنا إلى طرابلس تبنينا سياسة الانفتاح على جميع الشركاء، وبناء علاقات إيجابية قائمة على الاستثمار في المصالح المشتركة لا الخلافات. وقد نجحنا حتى الآن في ذلك، ونأمل أن تتطور العلاقة مع روسيا لتصل إلى مستوى علاقاتنا مع باقي شركائنا.

 

كيف تصف تجربة الحكم في ليبيا في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

- التجربة مليئة بالتعقيدات، لكنها جزء من رحلة بناء ليبيا ووضعها على الطريق الصحيح. وتركيزنا ينصبّ على قطاع الخدمات، ومبادرات الشراكة الإقليمية والدولية، وإنهاء حالة الفوضى، وترسيخ سيادة الدولة والقانون.

وحملتنا الخدمية الكبرى التي أطلقناها في ربوع ليبيا «عودة الحياة»، غيَّرت رؤية جموع من الأطراف السياسية والعسكرية المسؤولة وغير المسؤولة، وأجبرتها على ترك البندقية والحروب، والاتجاه إلى البناء والإعمار.

الدبيبة خلال متابعته خطة وزارة الداخلية (حكومة الوحدة)

أخيراً... هل لا تزال تفكر في الترشح للرئاسة إذا فُتح الباب لذلك؟

- تركيزي الآن منصبٌّ على تعزيز سيادة القانون، وتمهيد الطريق لانتخابات نزيهة. قرار الترشح سيُتخذ وفق الظروف حينها.

 

وهل ترحّب بالمنافسة مع سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر؟

- القوانين الانتخابية العادلة القابلة للتطبيق وغير المفصَّلة على شخص بعينه سواء بالفوز أو الإبعاد، هي الكفيلة بتحديد معيار المنافسة بين جميع المترشحين أياً كانت أسماؤهم. يجب على الجهات التي تعطل إنجاز هذه القوانين إتمامها فوراً لتمكين الشعب من اختيار قياداته.


مقالات ذات صلة

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

شمال افريقيا جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

قال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن جريمة التخلص من 21 أفريقياً ودفنهم في مقبرة جماعية بمدينة أجدابيا شرق ليبيا «ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)

تعيين «الإخواني» الصلابي مستشاراً لـ«المصالحة» الليبية يوسّع انقسامات «الرئاسي»

صعّد موسى الكوني، النائب بالمجلس الرئاسي الليبي، في مواجهة رئيسه محمد المنفي، متحدثاً عن ضرورة أن يُدار ملف المصالحة الوطنية «في إطار جماعي تشاركي».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا نائبة وزير الخارجية اليوناني ألكسندريا بابادوبولو تستقبل اللجنة البرلمانية الليبية 15 يناير (المتحدث باسم البرلمان)

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

تسعى لجنة برلمانية ليبية خلال زيارتها اليونان إلى انتزاع آلية تتيح لها إدارة «الأرصدة المجمدة في الخارج»، أو الإشراف على رقابتها، يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

على الرغم من التحذيرات الأممية لمجلس الدولة الليبي من اتخاذ أي «خطوات أحادية» بشأن مفوضية الانتخابات، أعلن عن اختياره 3 أعضاء جدد لمجلس المفوضية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

دفعت الانتهاكات المتعددة والأوضاع الإنسانية المتردية في مراكز أمنية رسمية وغير رسمية بليبيا، الأمم المتحدة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.


«صفحات إسرائيلية» تثير ضجة بنشر تصريحات قديمة للسيسي عن الصومال

السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

«صفحات إسرائيلية» تثير ضجة بنشر تصريحات قديمة للسيسي عن الصومال

السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

أثارت «صفحات إسرائيلية» ضجة عقب نشر تصريحات قديمة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تزعم «إحراج الرئيس الصومالي في القاهرة»، فيما عدّ مصريون ما جرى تداوله من قبل بعض «الحسابات الإسرائيلية» على مواقع التواصل «محاولة يائسة لإحداث فتنة» بين القاهرة ومقديشو، خصوصاً وأن «المقطع المتداول قديم ولا يحمل أي إحراج».

ومنذ أن أعلنت إسرائيل «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية. وشدّدت مصر، الأربعاء، على «تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه»، محذرة من أن يؤدي اعتراف إسرائيل بما يسمى «أرض الصومال» إلى تقويض أسس الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

ونشرت بعض الحسابات الإسرائيلية، مساء الأربعاء، مقطع فيديو تحدث فيه الرئيس المصري عن الأزمات التي تعرض لها الصومال، ولم يحدد المقطع توقيتاً محدداً له، فيما تفاعل متابعون على منصات التواصل الاجتماعي، لتوضيح مزاعم الحسابات الإسرائيلية، والتأكيد على متانة العلاقات بين القاهرة ومقديشو.

وذكر بعض المغردين أن «ما جرى تداوله حول إحراج مزعوم لرئيس الصومال في القاهرة، يقوم على تحريف زمني وسياسي متعمد، ويهدف إلى توفير غطاء دعائي لخطوة إسرائيلية غير قانونية بالاعتراف بإقليم أرض الصومال».

ويؤكد خبراء في الشؤون الإسرائيلية، أن ما جرى تداوله عبر بعض «الصفحات الإسرائيلية» «محاولة يائسة لإحداث فتنة» بين القاهرة ومقديشو، وأن «إسرائيل تحاول تصدير فكرة أن مصر هي من تقف ضد اعترافها بـ(أرض الصومال)، وكأن مصر تفعل ذلك بمفردها، والحقيقة أنه لا توجد دولة في الإقليم توافق على هذا الاعتراف».

وقال الإعلامي المصري، محمد مرعي، عبر صفحته على «إكس»، مساء الأربعاء، إن التصريح المشار إليه ليس حديثاً بل صدر في يناير (كانون الثاني) 2024 خلال مؤتمر صحافي رسمي جمع الرئيس السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود.

وتابع: جاء التصريح في سياق سياسي واضح ومحدد، تَمثّل في تأكيد الموقف المصري الداعم لوحدة وسيادة الدولة الصومالية، وذلك عقب إعلان إثيوبيا رغبتها في الحصول على ميناء وقاعدة بحرية في إقليم «أرض الصومال»، في خطوة كانت تمثل تهديداً مباشراً لوحدة الصومال واستقراره.

وأضاف مرعي أن «حديث الرئيس السيسي آنذاك عن التحديات الاقتصادية والمؤسسية التي تواجه الصومال، كان توصيفاً واقعياً معروفاً دولياً، ولم يكن موجّهاً للإساءة أو الإحراج، بل جاء في إطار تبرير الدعم المصري السياسي والأمني والعسكري للصومال، والتأكيد على أن استقرار الصومال يمثل مصلحة إقليمية وأمناً قومياً مصرياً وعربياً، وليس مادة للتشهير أو التوظيف السياسي».

وذكر مرعي أن «إعادة تدوير تصريح قديم خارج سياقه الزمني والسياسي، وتقديمه على أنه حدث أخيراً كما روجت الحسابات الإسرائيلية يكشف عن محاولة دعائية مكشوفة تهدف إلى إحداث شرخ بين القاهرة ومقديشو، وتشويه الدور المصري الداعم للصومال، والأهم تبرير خطوة إسرائيلية مرفوضة إقليمياً ودولياً بالاعتراف بإقليم انفصالي، في سابقة خطيرة تمس مبدأ وحدة الدول وسيادتها».

وأكد نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «الموقف المصري واضح، يدعم ويؤكد على وحدة الدولة الصومالية وسلامتها الإقليمية وسيادتها التي يجب احترامها»، والرئيس السيسي أكد مراراً على «دعم وحدة الصومال»، لافتاً إلى أن «العلاقات مع الصومال قوية، وهناك اتفاقيات بين البلدين في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية».

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي بمدينة العلمين في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

وقال السفير صلاح حليمة لـ«الشرق الأوسط» إن ما اتخذته إسرائيل في «أرض الصومال» إجراء أحادي الجانب، ويتعارض مع القانون والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، لافتاً إلى أنه «يوجد مبدأ متعارف عليه في الاتحاد الأفريقي وهو قدسية الحدود، وهذا الإقليم الانفصالي في الصومال يعد انتهاكاً لو تم الاعتراف به».

وأكد الرئيس السيسي خلال لقاء نظيره الصومالي، في القاهرة، نهاية يناير 2025 أن أمن واستقرار الصومال «جزء لا يتجزأ من أمننا القومي». كما استقبل السيسي شيخ محمود في يوليو (تموز) الماضي بمدينة العلمين. وأشاد السيسي حينها بجهود الرئيس حسن شيخ محمود في «تحقيق اصطفاف وطني بين مكونات المجتمع الصومالي، إزاء القضايا المُلحة التي تواجه بلاده مثل مكافحة الإرهاب، والحفاظ على وحدة الدولة، وبناء مؤسساتها».