الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

رئيس «الوحدة» الليبية تحدث عن تمسّكه بتفكيك «الميليشيات»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)

نفى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، اتهامات طالت حكومته بالسعي إلى «التطبيع مع إسرائيل»، وقال إن رفض التطبيع «مسألة محسومة لدى الليبيين»، كما أشار إلى أن ما يتردد عن قبوله استضافة مهجرين فلسطينيين من غزة عبارة عن «مغالطات وتسريبات صحافية كاذبة».

وتحدث الدبيبة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن موقف حكومته من تطورات الأزمة السياسية قبل أيام من الإعلان عن «خريطة طريق» لحل الأزمة الليبية من المقرر أن تطرحها المبعوثة الأممية، الخميس المقبل، أمام مجلس الأمن الدولي.

وهذا نص الحوار:

 

من المنتظر أن تطرح المبعوثة الأممية على «مجلس الأمن» قريباً خريطة طريق للحل السياسي في ليبيا.. ما موقف حكومتك من هذا المسار؟

- أجرينا نقاشات عديدة مع المبعوثة الأممية على مستويات مختلفة، وهي تبذل جهوداً واسعة نقدّرها، في محاولة للوصول إلى خريطة طريق تقود إلى الانتخابات.

نؤمن بأن إجراء الانتخابات الوطنية سيجدد شرعية الأجسام السياسية الرئيسية مثل البرلمان، الذي يجب أن يكون العمود الفقري للمرحلة السياسية المقبلة. ونتلقى إشارات إيجابية من الأمم المتحدة عن كيفية التفكير والعمل لتجاوز العقبات، والاستفادة من أخطاء التجارب السابقة.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

التصريحات الأخيرة للمبعوثة الأممية تحدثت عن ضرورة تشكيل «حكومة موحدة» تقود البلاد لانتخابات.. ما مدى استعدادك للتعامل مع هذا الطرح؟

- أوضحنا للمبعوثة الأممية أن أي ارتباك مؤسسي قائم سببه أداء البرلمان وقرارته الأحادية التي انعكست حتى على المؤسسات الرقابية والخدمية، لذلك فإن إنهاء هذا الارتباك يتطلب جسماً تشريعياً منتخباً، وهذه حقائق يتفهمها شركاؤنا والمجتمع الدولي جيداً.

 

هل حظيت حكومتكم بدعم أميركي مباشر خلال المباحثات الأخيرة مع مسعد بولس مستشار دونالد ترمب خلال زيارته طرابلس؟

- هناك التزام واضح من شركائنا في الولايات المتحدة، ونية صريحة لدعم مسار الانتخابات، ومساندة الحكومة في هذا الاتجاه. وقد ناقشنا مع الجانب الأميركي تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح فرص اقتصادية تخدم المصالح الليبية والأميركية، إلى جانب دعم مسار الديمقراطية في ليبيا. المستشار بولس أكد دعمه الكامل لهذه الرؤية، وناقشنا أيضاً السبل الكفيلة للوصول إلى انتخابات بأكثر الطرق سلاسة.

الدبيبة ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال لقاء في العاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

لكن هناك من رأى أن عروض الاستثمارات التي طرحتها حكومتك بقيمة 60 مليار دولار هي محاولة لاستقطاب الدعم الأميركي لبقاء الحكومة.

- هذه استثمارات استراتيجية في قطاعات كبرى، مثل: البنية التحتية، وقطاع النفط والطاقة، وتهدف إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، لذلك فهي ليست عملاً سياسياً، بل مشروع استراتيجي يعزز قدرات الدولة.

 

نظرة إلى الملف العسكري... هل هناك أمل لتوحيد الجيش في ليبيا أم أن هذا الملف يبقى مؤجلاً؟

- الأمل قائم بلا شك، وقد يكون من الحكمة أن يتحقق إنجاز استراتيجي في توحيد الجيش بعد إجراء انتخابات وطنية شاملة، مما يتيح إنهاء العقبات أمام توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية قوية.

 

ماذا عن الخطة التي أطلقتها منذ مايو (أيار) الماضي لتفكيك الميليشيات؟

- تفكيك الميليشيات مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها وتوحيدها، وليس مشروعاً شخصياً أو انتقامياً. هذه الميليشيات تركة خلَّفتها السنوات الماضية، وقد أدت عوامل شتى إلى تقويتها على حساب مؤسسات الدولة النظامية الأمنية والعسكرية؛ حتى ظنت هذه المجموعات أنها أقوى من سلطات الدولة.

ورغم أننا لم نكن جزءاً من تشكيل هذا الواقع، الذي وجدناه أمامنا، وكان بإمكاننا أن نمرره كما هو للحكومات التي تأتي من بعدنا، فإننا ماضون في هذه الخطة، بعد عمل شاق لسنوات من أجل رفع قدرات وزارتَي الدفاع والداخلية، وإعادة هيكلتهما وتأهيلهما.

عناصر مسلحة في العاصمة طرابلس (رويترز)

وهل لمستم دعماً دولياً لهذه الخطة؟

- هناك دعم واضح من شركائنا الإقليميين والدوليين المهتمين بتعزيز الأمن ومواجهة مشروعات الفوضى، التي تمثلها الميليشيات. المجتمع الدولي يدرك خطر تمدد هذه المجموعات، وآثارها على الأمن الإقليمي وملفات مثل الهجرة غير النظامية، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

 

هناك من يرى تناقضاً في أن كثيراً من قادة قوات حكومتكم ينتمون لتشكيلات مسلحة.

- لقد طرحنا على المجموعات المسلحة ثلاثة مسارات من بينها ضم من لا يزال مهتماً منهم بالعمل الأمني والعسكري في وزارتي الدفاع والداخلية، وتلقي التدريبات والتأهيلات اللازمة، فهناك قيادات انتمت سابقاً لتشكيلات مسلحة لكنها اليوم أصبحت قيادات للدولة ومؤسساتها. وهذا بحد ذاته نموذج نقدمه لبقية التشكيلات. الباب مفتوح أمام الجميع للانضمام للعمل المنظم والقيادة تحت راية الدولة وسيادتها.

 

البعض يتحدث عن أن معركتكم ضد الميليشيات تأتي ضمن محاولة لفرض نفوذ مصراتة في طرابلس.. ما تعليقكم؟

- هناك دعاية مضللة تحاول تشويه هذه الحملة الوطنية، وإخراجها من مسارها الوطني وإثارة الانقسام. ونحن نحاول التعامل معها بحكمة وبسياسات إعلامية واضحة لرفع وعي الشارع. الحكومة تضم قيادات ومؤسسات من مختلف المدن والمناطق الليبية، ومشروعنا وطني، ولم يكن يوماً مناطقياً.

قوات تابعة لـ«اللواء 444 قتال» بطرابلس تُنهي تدريبات على الإنزال المظلي (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

هل ما زلتم متحمسين لطرح «مسودة دستور 2017» للاستفتاء؟

- نعم، المسودة المتفق عليها تمتلك شرعية عالية، لأن أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع كتابة الدستور انتُخبوا مباشرةً من الشعب. الاستفتاء على هذه المسودة أقرب الطرق لإنهاء الفراغ الدستوري، وإشراك الليبيين في تحديد مستقبلهم.

 

وما رأيك في الطرح المتعلق بالفيدرالية بوصفها خياراً للحل في ليبيا؟

- ليبيا بحكم اتساعها الجغرافي وحدودها، تحتاج إلى تعزيز اللامركزية للحفاظ على وحدة الدولة وتنوعها الثقافي والاجتماعي. الفيدرالية أو غيرها من الأنظمة التي تطرح على أنها حلول لشكل الحكم في ليبيا، هي خيارات يحددها الشعب مستقبلاً عبر الدستور، ونحن ملتزمون بما يقرره الليبيون.

 

كيف تقيمون التضارب الأخير في القرارات مع «المجلس الرئاسي»؟

-في المراحل الانتقالية المعقدة قد تظهر خلافات طبيعية، لكننا ملتزمون بالتنسيق مع «المجلس الرئاسي»، من أجل مصلحة الدولة العامة، وبما يعزز سيادتها.

 

ما ردكم على انتقادات بعض النواب لعروض الاستكشافات النفطية؟

-الحكومة تعمل وفق القانون والاختصاصات المخولة بها، وما يثار من اعتراضات هي في الأساس اعتراضات سياسية لا قانونية. هذه المشروعات ليست سياسية؛ بل اقتصادية استراتيجية تعزز قدرة ليبيا على الإنتاج، وتسهم في تطوير الاقتصاد الوطني، وبناء شراكات في قطاع الهيدروكربونات. هذه مشروعات تخدم كل الليبيين وليس طرفاً محدداً.

 

ما آخر خطواتكم لفك تجميد الأرصدة الليبية في الخارج؟

- نواصل مناقشة هذا الملف وفق القوانين والمعايير الدولية، وبشكل مؤسسي وليس سياسياً مع الجهات المختصة، بهدف تحسين قدرتنا على إدارة هذه الأرصدة بشفافية ووفق معايير واضحة بعيداً عن الصفقات السياسية.

 

لكن هناك مخاوف من أن يؤدي رفع التجميد إلى إهدار المال العام.

-هذه نقطة مهمة، وتؤكد أهمية إجراء الانتخابات سريعاً لإنهاء المراحل الانتقالية، وتمكين الشعب الليبي من الانتفاع انتفاعاً مطلقاً بهذه الأصول، التي تعرضت لتآكل وخسائر كبيرة تحت التجميد.

نحن نسعى لوقف هذا النزيف، وملتزمون بأعلى معايير الشفافية والرقابة الصارمة وفق القوانين المحلية والدولية، حتى تُدار هذه الأرصدة بما يضمن استدامتها، وتخدم الشعب الليبي.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

خارجياً، ما تعليقك على الجدل المستمر بشأن التطبيع مع إسرائيل؟

- لا يوجد أي مسعى أو رغبة في التطبيع مع دولة الاحتلال. هذه المسألة محسومة لدى الليبيين الذين تمثل القضية الفلسطينية جزءاً رئيسياً من وجدانهم.

 

وماذا عن التسريبات بشأن نقل مهجرين من غزة إلى ليبيا؟

- مزاعم قبولنا بجريمة تهجير الفلسطينيين هي من المغالطات والتسريبات الصحافية الكاذبة للأسف، وقد نفت وزارة الخارجية الأميركية عبر سفارتها لدى ليبيا هذه الأخبار من أساسها.

ما يحدث في غزة من قتل وتجويع للأطفال وحرمان الناس من حقوقهم الأساسية، مأساة إنسانية كبرى يجب أن تتصدى لها القوى الدولية كي يتمكن هذا الشعب من العيش بسلام فوق أرضه لا أن يهجّر منها.

إن هذه المغالطات والتسريبات غير الموثوقة سببها تراجع معايير العمل الصحافي، مما يجعل بعض الأطراف تستخدم هذه التسريبات لتضليل الرأي العام.

 

ما حقيقة حدوث فتور في علاقة حكومتكم مع تركيا مؤخراً؟

- علاقتنا مع تركيا استراتيجية وقائمة على المصالح المشتركة والتعاون في مختلف المجالات، ولا يخفى عنكم ما تمثله القمة الأخيرة في إسطنبول من تعاون رفيع، وقد شهدت اجتماعاتها قدراً عالياً من الود والاحترام المتبادل. العلاقة ممتازة على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الشخصية.

إردوغان مستقبلاً عبد الحميد الدبيبة في إسطنبول (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، هل طرأ تحسن على علاقتكم مع روسيا؟

- العلاقة مع روسيا تسير تدريجياً نحو التحسن. منذ وصولنا إلى طرابلس تبنينا سياسة الانفتاح على جميع الشركاء، وبناء علاقات إيجابية قائمة على الاستثمار في المصالح المشتركة لا الخلافات. وقد نجحنا حتى الآن في ذلك، ونأمل أن تتطور العلاقة مع روسيا لتصل إلى مستوى علاقاتنا مع باقي شركائنا.

 

كيف تصف تجربة الحكم في ليبيا في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

- التجربة مليئة بالتعقيدات، لكنها جزء من رحلة بناء ليبيا ووضعها على الطريق الصحيح. وتركيزنا ينصبّ على قطاع الخدمات، ومبادرات الشراكة الإقليمية والدولية، وإنهاء حالة الفوضى، وترسيخ سيادة الدولة والقانون.

وحملتنا الخدمية الكبرى التي أطلقناها في ربوع ليبيا «عودة الحياة»، غيَّرت رؤية جموع من الأطراف السياسية والعسكرية المسؤولة وغير المسؤولة، وأجبرتها على ترك البندقية والحروب، والاتجاه إلى البناء والإعمار.

الدبيبة خلال متابعته خطة وزارة الداخلية (حكومة الوحدة)

أخيراً... هل لا تزال تفكر في الترشح للرئاسة إذا فُتح الباب لذلك؟

- تركيزي الآن منصبٌّ على تعزيز سيادة القانون، وتمهيد الطريق لانتخابات نزيهة. قرار الترشح سيُتخذ وفق الظروف حينها.

 

وهل ترحّب بالمنافسة مع سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر؟

- القوانين الانتخابية العادلة القابلة للتطبيق وغير المفصَّلة على شخص بعينه سواء بالفوز أو الإبعاد، هي الكفيلة بتحديد معيار المنافسة بين جميع المترشحين أياً كانت أسماؤهم. يجب على الجهات التي تعطل إنجاز هذه القوانين إتمامها فوراً لتمكين الشعب من اختيار قياداته.


مقالات ذات صلة

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

عبّر مدوّنون ليبيون عن انزعاجهم من ارتفاع نسبة النجاح في الشهادة الثانوية العامة، وأرجعوا الأمر إلى ظاهرة «الغش»، وقالوا إن النسبة بعيدة عن «مستوى التحصيل».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الضاوي و«الفأر» وعبد الله الطرابلسي في منزل الأول بمدينة ورشفانة 13 أغسطس (صفحات موالية للضاوي على مواقع التواصل)

غرب ليبيا رهين «اتفاق أو اختلاف» التشكيلات المسلحة

احتوت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الأوضاع المتوترة في مدينة الزاوية، من بوابة التوافق بين تشكيلات مسلحة، لكن الأوضاع تبقى رهينة لنفوذ هذه الميليشيات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)

ارتفاع مرتقب لسعر الخبز يثير مخاوف المواطنين الليبيين

يتخوف ليبيون من ارتفاع مرتقب لسعر رغيف الخبز، متأثراً بنقص الديزل اللازم لتشغيل المخابز في ظل انقطاع الكهرباء، مع شكاوى بعض الفئات من تدهور الأوضاع المعيشية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

ماذا حققت زيارة وزير خارجية تركيا لشرق ليبيا وغربها؟

أنهى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارته إلى ليبيا، وعقد لقاءات مع قادة سياسيين وعسكريين وأمنيين، في تحرك يعكس «براغماتية» في التعامل مع الأزمة السياسية.

علاء حموده (القاهرة)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
TT

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

عاد الحديث مجدداً في ليبيا عن مصير «المبادرة الأميركية» لتوحيد البلاد المنقسمة، في ظل الاضطرابات الأمنية التي وقعت في مدينة الزاوية غرباً، إلى جانب اغتيال قيادة أمنية رفيعة في بنغازي شرقاً.

وكانت الزاوية قد شهدت اضطرابات وأحداثاً دامية، نجمت عن اشتباكات مسلحة، استخدمت فيها طائرات مسيرة استهدفت مصفاة النفط بالمدينة، بالإضافة إلى اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية بـ«الجيش الوطني»، بتفجير سيارته في بنغازي.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

وبات التساؤل: هل ستربك هذه الاضطرابات الميدانية «المبادرة الأميركية»، التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، وتجهضها؟ أم ستدفع نحو تسريعها والمضي قدماً بها، باعتبارها «الحل الوحيد» لكبح الفوضى الأمنية المتصاعدة؟

ووفقاً لقراءة المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، فإن تصاعد العنف المتزامن في شرق البلاد وغربها «يعكس محاولات أطراف داخلية وخارجية لعرقلة المبادرة، إما لغياب ثقتها بالراعي الأميركي، وإما لعدم وجود ضمانات تحمي مصالحها بالبلاد حال إقرارها».

وقال العبدلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الخروقات الأمنية في مناطق نفوذ القوتين، اللتين ترتكز عليهما المبادرة - القيادة العامة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة (الوحدة) برئاسة عبد الحميد الدبيبة - ستؤدي إلى انشغالهم بالمعالجة، وبالتالي تأجيل إقرارها بشكل مؤقت».

ويستند العبدلي في رؤيته لبيان وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة»، الذي وصف استهداف منشآت الزاوية بأنه «عمل عدائي ممنهج» مدعوم من جهات خارجية.

ويقول بولس إنه يسعى إلى إنهاء الانقسام في ليبيا. وتقوم المبادرة «على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود إلى الانتخابات. وتتداول أوساط سياسية أن المقترح يُبقي الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ويرجح العبدلي أن هدف التشكيلات المسلحة في الزاوية هو «استمرار إضعاف الدبيبة وحكومته تدريجياً، وإفقاد أي شرعية لها، وهو ما يعني تغييب طرف رئيسي في المبادرة»، لافتاً إلى تصاعد غضب الشارع تجاه «الوحدة» في ظل تواصل أزمة الوقود والكهرباء، وارتفاع الدولار، خاصة بعد استقالة محافظ المصرف المركزي المتزامنة مع هذه الحوادث.

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة»، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، وتحظى بدعم «الجيش الوطني».

بالمقابل، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية، أشريف عبد الله، أنه «لا رابط فعلياً بين الحوادث المتفرقة رغم تزامنها»، متوقعاً أن «تدفع نحو تسريع المبادرة، باعتبارها الحل المثالي لوجود حكومة ومؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، تضبط الأمن بالبلاد».

وذكر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوترات في الزاوية باتت أمراً معتاداً «بسبب تنافس التشكيلات على عوائد التهريب»، مشيراً إلى «رصد 23 اشتباكاً مسلحاً خلال العامين الماضيين، إلا أن التطور الخطير هذه المرة هو دخول المسيّرات إلى مسرح العمليات وتوجيهها لاستهداف منشآت الطاقة والكهرباء».

واستبعد عبد الله أن يستجيب بولس لأي رسائل تذهب إلى أن «الاضطرابات الراهنة هي رسائل من أطراف ترفض إقصاءها من مبادرته، وأن من اختارهم ليسوا أكفاء، وبالتالي يتوجب عليه تعديلها، أو يؤجل المفاوضات برمتها».

وكان بولس قد أعرب عن قلق بلاده إزاء أعمال العنف في الزاوية وبنغازي، مؤكداً أن هذه الهجمات المتكررة تؤكد ضرورة وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن والحماية للشعب.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

بدوره، رجح الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، استئناف اللقاءات المتعلقة بالمبادرة خلال فترة وجيزة. واعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة لطرابلس وبنغازي تأتي في إطار تحريك المواقف الليبية تجاه المبادرة». ورأى أن «الاضطرابات الأمنية الأخيرة قد تتحول إلى محفز يُبنى عليه الاتفاق، عبر الترويج لفكرة أن المبادرة تستهدف إنهاء نشاط التشكيلات المنفلتة».

ورغم اتفاقه مع من يرى أن موقع الدبيبة في المفاوضات قد يتراجع، جراء الأحداث التي شهدتها الزاوية وطرابلس، يشير القماطي إلى أن اغتيال شخصية كالمنصوري يشكل ضربة أقوى؛ لأنه يقوض فرضية استقرار الشرق، التي رُوِّجَ لها طوال أكثر من عقد. ولفت إلى أن «المبادرة ترتكز على استقرار الأوضاع في طرابلس وبنغازي معاً».

وطرح المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، رؤية مغايرة، وقال إن «المبادرة تمر أصلاً بحالة تعثر قوية بسبب استمرار الخلاف بين القوى الفاعلة حول تقاسم السلطة بينهما والقوانين الانتخابية».

وأضاف محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أن «التوترات الأخيرة عززت أصواتاً ترى أنه لا يمكن الحديث عن منح سلطات فشلت في إدارة الدولة، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، شرعية جديدة وفرصة أخرى للحكم». ورأى أن المبادرة «أضعفت التحالفات القائمة، خاصة غرب البلاد»، مشيراً إلى أن «كل طرف بات يبحث عن مصالحه بمعزل عن توجه الحكومة، باعتبار أن الأخيرة تخوض المفاوضات بمفردها، دون ضمانات واضحة لأي تشكيل موال لها، وبالتالي بات الجميع يعمل منفرداً، وهو ما ظهر جلياً في أحداث الزاوية الأخيرة».


ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
TT

ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

أثارت نتائج الشهادة الثانوية العامة في ليبيا جدلاً واسعاً، بعدما سجلت معدلات نجاح وتفوق قياسية بدت، وفق انتقادات متصاعدة، بعيدة عن واقع التعليم ومستوى التحصيل، في وقت أقرّت فيه السلطات بوجود خروقات داخل بعض لجان الامتحانات.

وأظهرت النتائج حصول 94 في المائة من الناجحين على تقديريْ «ممتاز» و«جيد جداً»، وسط شبهات بانتشار الغش عبر غرف إلكترونية لتبادل الأسئلة والإجابات، وإقرار رسمي بوقوع خروق داخل بعض اللجان.

وضجّت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بالانتقادات والسخرية من النتائج، التي دفعت البعض إلى الحديث عن «جيل قادم من العلماء والعباقرة»، بوصفها لا تعكس واقع التعليم ومستوى التحصيل في البلاد.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية خلال زيارة سابقة لإحدى المدارس (الوحدة)

ولم يهدأ الجدل منذ أن أعلنت وزارة التربية والتعليم في طرابلس، الأربعاء، نتائج الامتحانات، حيث بلغ عدد الناجحين 103 آلاف و244 طالباً وطالبة، حصل 69 ألفاً منهم؛ أي 66.9 في المائة، على درجة «ممتاز»، في حين نال 27 ألفاً و884، بنسبة 27 في المائة، تقدير «جيد جداً».

ووفق التصنيف المعتمَد بقرار، يبدأ «ممتاز» من 85 في المائة، و«جيد جداً» من 75 إلى أقل من 85 في المائة.

ووفق الوزارة، بلغت نسبة النجاح في القسم العلمي 79.87 في المائة، في حين بلغت نسبة النجاح بالقسم الأدبي 66.50 في المائة، والتعليم الديني 57.58 في المائة.

وانتشر تسجيل مصوَّر على نطاق واسع لمواطِنة من بنغازي، أعربت فيه عن استغرابها من ارتفاع نسب النجاح، وعدَّت أن تطوير التعليم لا يبدأ من «تجميل الأرقام»، بل من «مكافحة الغش وضبط اللجان».

في هذا السياق، حذَّر الأكاديمي الليبي عبد السلام الورفلي من أن ما وصفها بـ«الدرجات المنفوخة» تُفرِّغ الشهادة من قيمتها ولا تضمن كفاءة الخريجين.

واستعاد مدوّنون تجارب سابقة، إذ قال المدوّن عبد الله خليفة إن نسبة النجاح في القسم العلمي عام 1976 بلغت 27 في المائة فقط، ولم يتجاوز الحاصلون على «ممتاز» آنذاك 11 طالباً على مستوى ليبيا.

وامتدت الانتقادات إلى شخصيات سياسية؛ حيث حذّرت ماجدة الفلاح، نائبة رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، من «فقدان الشهادة الثانوية قيمتها في تقييم الطلاب إذا ثبت عدم تعبير النتائج عن الواقع»، بينما وصف الخبير الاقتصادي، مختار الجديد، النتائج بأنها «فضيحة» يمكن أن تطيح بحكومات في دول متقدمة.

وتركَّز الجدل خصوصاً على «شبهات واسعة» حول تصوير أوراق الأسئلة داخل بعض اللجان، وتداولها عبر «تلغرام» و«واتساب». وبرز حساب باسم «سويسي»، قيل إنه كان ينشر صور الأسئلة والإجابات بعد بدء الامتحانات، ما أثار تساؤلات حول قدرة منظومة الرقابة على منع الغش.

ولم يصدر رد رسمي من وزارة التعليم في غرب ليبيا على هذه الاتهامات، لكن «مدير المركز الوطني للامتحانات» أحمد مسعود، أقر بوجود «ضعف في المراقبة» داخل بعض اللجان، رافضاً وصف الأمر بأنه تسريب للامتحانات، لكنه قال إن تصوير الأسئلة يجري بعد بدء الامتحان.

ورداً على سؤال بشأن «سويسي»، قال مسعود، في تصريحات تلفزيونية: «لا يوجد سويسي واحد، بل كل مدرس خان الأمانة هو سويسي»، وعدَّ أن الخروق لا ترتبط بشخص واحد، بل بمن «باع ضميره» داخل بعض اللجان.

جانب من أداء طلاب الثانوية العامة الامتحانات في الزاوية (وزارة التربية والتعليم بالمدينة)

وأوضح مسعود أن كل فصل يضم نحو 15 طالباً يشرف عليهم ملاحظان ومراقب ورئيس لجنة، إلى جانب متابع من التفتيش التربوي، في حين تُصوَّر ورقة الأسئلة عند الساعة الثامنة والنصف، متسائلاً: «هل ترى أن سويسي قادر على أن يدخل في كل لجنة؟».

كان المركز الوطني للامتحانات قد تحدَّث، في يونيو (حزيران) الماضي، عن رصد صفحات وهمية، تُروج لتسريب أسئلة الشهادة الإعدادية، وإحالتها إلى الجهات الأمنية، مؤكداً أن الأسئلة المتداولة قديمة.

وتكتسب تصريحات مسعود أهمية في ضوء حجم الطاقم المكلَّف بالامتحانات، إذ شارك فيها 29 ألفاً و5 من الكوادر التربوية والإدارية والخِدمية، بينهم 935 رئيس لجنة و2707 مراقبين و18 ألفاً و258 ملاحظاً و935 مفتشاً تربوياً، إلى جانب عناصر أمنية وصحية وملاحظين «احتياط»، وفق الوزارة.

وقال قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، إن «ثبوت تورط أي معلم في تسريب أو غش يستوجب ملاحقة أمنية وقضائية حازمة وعقوبات قانونية، فضلاً عن وقف عضويته ودوره النقابي».

وشدد، لـ«الشرق الأوسط»، على «خطورة» هذه الممارسات الصادرة عن مُربِّي أجيال، مؤكداً أنها «لا تمثل عموم المعلمين الليبيين، الذين يؤدون رسالتهم في ظروف صعبة تمر بها ليبيا».

ومنذ اليوم الأول للامتحانات، في 28 يونيو، حذّرت وزارة التربية والتعليم من اصطحاب الهواتف والأجهزة الإلكترونية، التي قد تُستخدم في الغش، في امتحانات أُجريت داخل 935 لجنة موزعة على 134 بلدية حتى 16 يوليو (تموز)، دون إعلان رسمي عن ضبط حالات غش.

ويرى سيف النصر عبد السلام، الرئيس السابق لمركز المناهج التعليمية، أن «الغش لم يعد حالات فردية، بل تحوّل إلى نمط متكرر ومنظم تتغير أدواته سنوياً».

وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إن مُنظمي الامتحانات يخوضون «سباقاً تقنياً مع شبكات الغش التي تُطور أساليبها، والاعتماد على الملاحظين وحدهم لم يعد كافياً في ظل انتشار الهواتف ووسائل التواصل».

ودعا عبد السلام إلى تعزيز الرقابة الوقائية، خصوصاً بتركيب كاميرات داخل قاعات الامتحانات، والاستعانة بتسجيلاتها عند الاشتباه في الغش، أو ظهور نتائج استثنائية ومعدلات تفوُّق غير طبيعية في لجنة أو منطقة بعينها.

وتُعد امتحانات الشهادة الثانوية العامة من المسارات القليلة في ليبيا التي حافظت على وحدتها، إذ انطلقت بـ«ورقة امتحانية موحدة» لجميع الطلاب، البالغ عددهم 134 ألف طالب وطالبة في مختلف أنحاء البلاد، رغم الانقسام الحكومي والسياسي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«توافق» على أجندة «الحوار الوطني» في إثيوبيا... هل يترجم إلى واقع؟

مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«توافق» على أجندة «الحوار الوطني» في إثيوبيا... هل يترجم إلى واقع؟

مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بعد نحو شهر من إطلاق مسار الحوار الوطني، أعلنت إثيوبيا التوافق على محاوره الرئيسية الثمانية رغم غياب معارضة تيغراي وأمهرة الإقليمين المحملين بكثير من المطالب.

ويرى نائب إثيوبي أن «التوافق سيقود لتحول كبير في إثيوبيا وسيترجم على أرض الواقع»، مقابل مخاوف يبديها خبير في الشؤون الأفريقية من أن «يتحول الحدث لنتائج على الورق فقط دون منع تجدد الصراعات المسلحة مجدداً».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022 مكونة من 11 مفوضاً؛ بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي، اللذين لم يتمثلا في جلسة الإعداد للحوار.

وأعلنت «مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي»، الجمعة، «تحقيق محطة رئيسية، بعد توصل المشاركين إلى توافق بشأن جميع المحاور الموضوعية الثمانية المدرجة على جدول أعمال الحوار»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية.

وكانت «المفوضية» أعلنت قبل يومين، عن توصل المشاركين إلى «توافق بشأن أربعة محاور رئيسية، هي بناء السلام، والشؤون الدينية، ومكافحة الفساد والحكم الرشيد، وهيكل الحكومة والنظام السياسي».

وحسب «المفوضية» توصل المشاركون أيضاً إلى اتفاق بشأن المحاور الأربعة المتبقية، «والتي تشمل بناء الأمة، وشؤون المدن الفيدرالية، وبناء المؤسسات، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على المزارعين والرعاة»، حسب الوكالة الرسمية.

جانب من جلسات الحوار الوطني في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ويجرى الحوار الوطني من خلال مجموعات عمل تجمع ممثلين لمختلف فئات المجتمع الإثيوبي لمناقشة القضايا التي حُددت بوصفها «في حاجة إلى توافق وطني واسع»، حسب المصدر ذاته.

وسبق تحديد هذه المحاور، حسب تصريحات سابقة لـ«مفوضية الحوار»، بعد مشاورات موسعة نُفذت في أكثر من 1200 دائرة إدارية بمختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق عمل اللجنة عام 2021، بمشاركة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية والشخصيات التقليدية، إضافة إلى ممثلي النساء والشباب ومختلف المكونات المجتمعية.

ويقول البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد لـ«الشرق الأوسط»، إن «التوافق حول محاور أجندة الحوار الوطني أمر جيد، وسيؤتي ثماره المرجوة، في معالجة تحديات الإثيوبيين»، متوقعاً تحقيق أديس أبابا «إنجازاً كلياً وليس جزئياً في هذا المسار».

وبدوره، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، أن «الحوار قد ينجح في الاتفاق على المبادئ، لكن تطبيقها يحتاج إلى تشريعات وإصلاحات مؤسسية وترتيبات أمنية؛ وهو ما قد يصطدم بمصالح الحكومة المركزية والأقاليم والقوى السياسية المختلفة. وقد حددت لجنة الحوار نفسها تنفيذ التوصيات والمخرجات كمرحلة أساسية لاحقة؛ ما يعني أن الوصول إلى توافق ليس نهاية العملية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن التحدي الأمني في مقدمة العقبات؛ «إذ لا تزال جماعات مسلحة فاعلة ونزاعات محلية قائمة، خصوصاً في أمهرة وأوروميا، في حين ظلت بعض القضايا المرتبطة بتيغراي غير محسومة بالكامل»، ويؤكد، أن استمرار العنف يجعل تنفيذ أي اتفاق أكثر صعوبة؛ لأن السلطات قد تعطي الأولوية للترتيبات الأمنية على الإصلاحات السياسية.

وسبق أن أعلنت «حركة فانو» الأمهرية (AFNM)، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)»، أكثر من مرة، رفض الانخراط في الحوار الوطني الذي تديره الحكومة في أديس أبابا، بوصفه «عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم».

وتم استثناء إقليم تيغراي في الشمال من الانتخابات العامة السابعة، التي اكتسحها «حزب الازدهار» الحاكم يوليو (تموز) الماضي، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137 وقتها.

من جلسات الحوار الوطني في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وعن أزمة الغائبين، أكد أحمد، أنه لا تأثير للمتغيبين على نتائج الحوار الوطني، مؤكداً «أن هناك ممثلين لإقليم تيغراي وأمهرة مشاركين في الحوار، ولا يعني غياب البعض فشلاً للأمر ككل».

بينما يرى إسحاق، أن «غياب قوى سياسية مؤثرة من تيغراي وأمهرة يظل نقطة ضعف مهمة في تمثيل الحوار الوطني، حتى مع مشاركة شخصيات وممثلين مدنيين من الإقليمين... المسألة لا تتعلق فقط بعدد المشاركين، وإنما بوجود الأطراف التي تمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً أو قدرة على التأثير في الوضع الأمني على الأرض».

ويتابع: تزداد أهمية ذلك لأن كثيراً من القضايا المطروحة تمس مباشرة أسباب الصراعات الإثيوبية، مثل شكل الدولة والفيدرالية، وتوزيع السلطة، والهوية، والأراضي، والعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، وإذا لم تشعر القوى الأكثر تأثيراً في تيغراي وأمهرة بأنها شاركت في صياغة هذه التوافقات، فقد تنظر إليها بوصفها مخرجات لا تلزمها، وهو ما يقلل فرص تحولها إلى تسوية وطنية مستدامة.

كما يؤكد، أن «الخطر الأكبر هو أن يتحول الحوار إلى توافق سياسي على الورق من دون توافق فعلي على كيفية تطبيقه في ظل غياب المعارضة».