«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

معضلة اهتزاز الثقة تضرب مفاصل الدولة والإعلام والتعليم

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية
TT

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

هناك ثورة هادئة تحدث في كيفية تحديد ملايين الأميركيين ما هو حقيقي.

تلاشي الثقة في المؤسسات التقليدية

الثقة تتلاشى من المؤسسات التقليدية -الإعلام والحكومة والتعليم العالي- وتتحول إلى أصوات فردية عبر الإنترنت، من بينها منشئو المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، كما كتبت جيسيكا يلين(*).

وقد أفاد معهد «رويترز» بأن هذا العام، ولأول مرة، سيحصل عدد أكبر من الأميركيين على أخبارهم من منصات التواصل الاجتماعي والفيديو -بما في ذلك «إنستغرام» و«فيسبوك» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إكس»- مقارنةً بالمنافذ التقليدية. ووفقاً لمركز «بيو» للأبحاث، يلجأ واحد من كل خمسة بالغين الآن بانتظام إلى المؤثرين للحصول على الأخبار.

التواصل الاجتماعي: النشر السريع لا المصداقية

ويُعد هذا احتمالاً مرعباً لمن يهتم بالمعلومات الموثوقة، فوسائل التواصل الاجتماعي تُكافئ جوانب الانتشار السريع للأخبار، لا المصداقية. اقضِ خمس دقائق في تصفح «تيك توك» أو «إنستغرام»، وقد تصادف مؤثرين «يعلِّمونك» عن نخبة عالمية تدير العالم من «قارات مخفيّة» خلف «جدار جليدي» في القارة القطبية الجنوبية، أو يمتدحون فضائل مادة الزيوليت zeolite، «مادة رابطة بركانية للعفن» التي يمكنها «تنظيف جميع أنواع السموم تماماً» بهدف رفع ضباب الدماغ، والوقاية من السرطان، وإزالة المواد البلاستيكية الدقيقة من الخصيتين... إنها بيئة مصممة بشكل مثالي لتوسيع نطاق كل من المعلومات المضللة والاحتيال الماكر.

ومع ذلك، فإن الفكرة الشائعة بأن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد حريق قمامة من الأكاذيب الفيروسية تفتقر إلى شيء حيوي؛ إذ لا يزال ملايين الأشخاص يهتمون بالحقيقة. إنهم يبحثون عن الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي من أصوات موثوقة يمكنهم الوثوق بها. إنهم ليسوا متأكدين دائماً من مكان العثور عليها أو ممَّن.

إبداع مستنِد إلى الأدلة

أنا أعرف ذلك لأنني أتفاعل مع هؤلاء الأشخاص كل يوم. كنت من بين أوائل الصحافيين المستقلين الذين جلبوا التقارير الإخبارية إلى «إنستغرام»؛ اليوم، منصتي، «أخبار لا ضجيج» News Not Noise تمتد عبر «إنستغرام» و«يوتيوب» و«بودكاست» و«سابستاك» ومنصات أخرى. وخلال سنوات من التفاعل المباشر مع جمهور المنصة، يبقى السؤال الذي أتلقاه أكثر من أي سؤال آخر، ببساطة: «هل هذا (الخبر المنشور) صحيح؟».

أنا هنا لأخبركم أن الحقيقة لم تَمٌتْ، فآلاف الأشخاص مثلي يعملون عبر الإنترنت فيما أسميهم أناساً «مبدعين مستندين إلى الأدلة».

والعمل معركة شاقة، فمجموعتي ليست شخصيات إعلامية بمستوى عالٍ مع فرق علاقات عامة وطواقم إنتاج وفريق بحث للتحقق من صحة العبارات اللاذعة... نحن أصوات مستقلة تعمل دون شبكات أمان. أحب أن أعدنا المعادل الرقمي للطهاة المهرة الذين يعملون في مصنع للوجبات السريعة المُنتجة بكميات كبيرة.

الحقيقة أصعب من التضليل

إن ما يجعلنا أشخاصاً ذوي قيمة -هوسنا بالحقائق، والتزامنا بالتفاصيل الدقيقة، وساعاتنا التي نقضيها في الإجابة عن أسئلة الجمهور عبر التطبيقات- يضعنا في وضع حرج للغاية في ظل «اقتصاد يهتم باجتذاب الاهتمام».

ما الذي يتطلبه الأمر مثلاً لإنتاج فيديو أنيق يدّعي أن شحم البقر هو الفياغرا الطبيعية؟ خمس عشرة دقيقة مع هاتف آيفون دون أي اعتبار للواقع... فيما نجمع الادعاءات وندحضها ونحاول جعل الأفكار المعقدة دقيقة وجذابة في آن واحد.

مأزق المبدعين الملتزمين بالحقيقة

إن كل هذا يترك المبدعين القائمين على الأدلة في مأزق غريب. نحن نُقدّر بلا شك؛ فشركة Substack، على سبيل المثال، تُثبت أن الجمهور مستعد لدعم «المحققين» الذين يثقون بهم مالياً. لكننا ما زلنا منفصلين إلى حد كبير عن الموارد وأطر العمل التعاونية التي يُمكن أن تُضاعف تأثيرنا.

نحن نعمل بجد في العمل نفسه لدرجة أن فرصتنا ضئيلة لبناء الأسس اللازمة لإنشاء نموذج جديد ودائم في النشر الرقمي -نموذج يتضمن أدوات مثل التسويق عالي الكفاءة، ومحركات النمو؛ للوصول إلى جماهير جديدة، والإشراف التحريري للمساعدة في اتخاذ القرارات الصعبة، والبحوث المشتركة التي من شأنها أن تمنع كل واحد منا من الاضطرار إلى بناء الخبرة من الصفر مع كل قصة جديدة.

ومع هذا فإنني أرى هذه العقبة فرصة. إذ يُظهر لنا التاريخ أن القطاعات التي تواجه ثورة تكنولوجية لا تميل إلى الانهيار ببساطة، بل تتحول.

مثال صناعة الموسيقى

انظروا إلى ما حدث لصناعة الموسيقى عندما حطَّمت «سبوتيفاي» وشركتها التابعة لخدمات البثّ، الحفلات. في الماضي، كان الموسيقيون يعيشون ويموتون بفضل مبيعات الألبومات والبث الإذاعي، وكانت شركات الإنتاج الكبرى بمثابة حراس البوابة... ثم فجَّر البث التدفقي الآفاق.

كانت الثورة فوضوية. وجد كثير من الفنانين أنفسهم مع عدد مستمعين أكبر من أي وقت مضى، لكنَّ رواتبهم لا تكفي. لم يكن الحنين إلى الأقراص المدمجة أو الأسطوانات هو ما ساعد صناعة الموسيقى على ترسيخ أقدامها، بل كانت البنية التحتية الجديدة: تنظيم قوائم التشغيل الذي ساعد المستمعين على اكتشاف هوسهم التالي، وأدوات التحليل التي أخبرت الفنانين بمن يستمع بالفعل، وخدمات التوزيع التي نقلت الموسيقى إلى المنصات، ونماذج الأعمال التي تجاوزت عائدات البث التدفقي لتشمل إيرادات البث المباشر للمعجبين والتسويق.

لا يزال الفنانون يواجهون تحديات، لكن شركات الإنتاج الآن تستثمر بكثافة في البيانات لفهم التوجهات، وتقدم للفنانين أنواعاً مختلفة من الصفقات، وتستخدم قوتها التسويقية لمساعدتهم على تجاوز ضجيج العصر الرقمي المتعب. تطور هذا القطاع من خلال ابتكار أدوات تُكمل خوارزميات البث التدفقي بدلاً من محاربتها، مما يساعد الفنانين على فهم جماهيرهم.

الثورة الإعلامية تظل في مرحلة المراهقة

في نظامنا البيئي الحالي للمعلومات، نحن عالقون في مرحلة المراهقة المحرجة لثورة إعلامية. فالحاجة إلى الابتكار ملحة للغاية، إذ إن الصحف المحلية تُحتضر، مثل قاعات الطعام في المراكز التجارية -فقد أُغلق أكثر من 2500 منها منذ عام 2005. وتتعرض وسائل الإعلام التقليدية لهجوم من إدارة الرئيس ترمب. ويغمرنا الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف مقنع، مما يجعل من رواة الحقيقة من البشر ضرورةً كبرى.

مستقبل الصحافة: ابتكارات مقترحة

غالباً ما تتعثر المناقشات حول الصحافة والثورة التكنولوجية عند مشكلات أو عدم كفاية أي حل. لقد حان الوقت لتغيير ذلك. لذا سأتخذ الخطوة الأولى وأقترح بعض الابتكارات غير المثالية.

* أولاً، يمكن للجمهور الاستفادة من نظام اعتماد مستقل خارج الإطار المألوف حالياً، لمساعدتهم على تمييز الأصوات المستقلة التي تلتزم بالمعايير الصحافية. ويحتاج الجمهور إلى إشارات حول من يلتزم بالدقة ومن يسعى فقط وراء الإعجابات.

و أحد الحلول: شهادة مماثلة لشهادة LEED (Leadership in Energy and Environmental Design شهادة دولية حول مطابقة الأبنية للشروط البيئية-المحرر) طوعية غير ربحية تمنح شيئاً مثل علامة اختيار زرقاء -ولكن يتم فحصها بدقة أكبر بكثير- للمبدعين الذين يستخدمون مصادر موثوقة متفق عليها، ويتحققون من وقائعهم، ويكشفون عن ذلك المحتوى الذي حصلوا فيه على رعاية من الخارج. أُدرك أن أي نظام اعتماد يُعرّض لرد فعل عنيف من المُشكّكين. لكن لا ينبغي الاستخفاف بالناس لمجرد «إجرائهم أبحاثهم الخاصة» إذا لم تُوفَّر لهم الأدوات اللازمة للتمييز بين الواقع والخيال.

* ثانياً، يحتاج المبدعون المستندون إلى الأدلة إلى الدعم. تخيّلوا نموذج ملكية جزئية حيث ينضمّ المبدعون ذوو القيمة المتشابهة إلى إطار عمل مهني مشترك. إذ يُمكننا أن نتشارك جماعياً في أمور مثل الحماية القانونية وأدوات مُتطورة لتنمية الجمهور مُصمّمة خصيصاً للمحتوى القائم على الأدلة. يُمكننا التعاقد مع رعاة يُدركون القيمة الفريدة للأصوات الموثوقة. يُمكننا تقديم اشتراكات مُجمّعة لمساعدة الجمهور على العثور على المزيد منّا دفعةً واحدة. يُمكن لهذا أن يُنشئ مصادر دخل مُستدامة دون المساس بالنزاهة.

* أخيراً، يا وسائل الإعلام التقليدية، من فضلكم توقفوا عن اعتبار المبدعين تهديداً. لسنا مُضطرين للمنافسة -يُمكننا أن نكون النسيج الضامّ بين الصحافة الموثوقة والمنصات التي يستهلك الناس فيها الآن مُعظم معلوماتهم. ويُمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تُحافظ على أهميتها في الواقع الرقمي الجديد من خلال الشراكة معنا. لكن أولاً، سيكون من المفيد أن يُراعوا احتمالية أن ما يحدث ليس مجرد انهيار نظام قديم، بل هو ولادة فوضوية ومعقدة لنظام جديد. ومثل المولود الجديد، يحتاج النظام إلى أكثر من مجرد نيات حسنة ليزدهر.

* «ذا أتلانتيك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر نحو 13 مليار دولار في مصنع جديد لتغليف الرقائق

الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» وفي الخلفية لوحة أم لكمبيوتر (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر نحو 13 مليار دولار في مصنع جديد لتغليف الرقائق

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية، الثلاثاء، عن خططها لاستثمار نحو 13 مليار دولار في بناء مصنع متطور لتغليف الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا باتت منصة «غوغل» للذكاء الاصطناعي «جيميناي» Gemini AI تضم 650 مليون مستخدم شهرياً (رويترز)

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

أعلنت شركة «ألفابت» أنها أبرمت ​صفقة مدتها عدة سنوات مع شركة «أبل» تقضي باعتماد الجيل التالي من هواتف آيفون على ‌نماذج جيميناي التابعة ‌لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

أزالت «غوغل» بعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق عن تعرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب معلومات خاطئة ومضللة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا شعار «غروك» (رويترز)

إندونيسيا تحجب «غروك» مؤقتاً بسبب الصور الإباحية

حجبت إندونيسيا اليوم (السبت) مؤقتاً روبوت الدردشة «غروك» التابع ​لإيلون ماسك بسبب خطر إنشاء محتوى إباحي بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
TT

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟ هذا هو السؤال الذي فجّر جدلاً واسعاً في فرنسا، مع شروعها هذا الأسبوع في رفع أسعار الدخول لغير الأوروبيين إلى متحف «اللوفر»، في خطوة أثارت نقاشاً حول ما يُعرف بـ«التسعير المزدوج»، وفق تقرير نشرته «أسوشييتد برس».

وبدءاً من الأربعاء، سيتعين على أي زائر بالغ من خارج الاتحاد الأوروبي وآيسلندا وليختنشتاين والنرويج، دفع 32 يورو (37 دولاراً) لدخول متحف «اللوفر»، أي بزيادة قدرها 45 في المائة، فيما سيرفع قصر فرساي أسعاره بـ3 يوروهات.

وسيكون الأميركيون والبريطانيون والصينيون، وهم من بين أكثر الزوار الأجانب عدداً، من أبرز المتأثرين بهذه الزيادة، إلى جانب سياح قادمين من دول أفقر.

ولا توجد لهذه الخطوة الفرنسية سوابق كثيرة في أوروبا، لكنها أكثر شيوعاً في الدول النامية، حيث تختلف الرسوم في مواقع مثل ماتشو بيتشو في بيرو، أو تاج محل في الهند.

وندّدت نقابات العاملين في متحف «اللوفر» بالسياسة الجديدة، ووصفتها بأنها «صادمة على الصعيد الفلسفي والاجتماعي والإنساني»، ودعت إلى الإضراب احتجاجاً على هذا القرار، إلى جانب سلسلة من مطالب أخرى.

وتقول النقابات إن المجموعة الضخمة للمتحف، التي تضم نحو 500 ألف قطعة، من بينها أعمال كثيرة من مصر والشرق الأوسط أو أفريقيا، تحمل قيمة إنسانية عالمية.

وبينما ترفض النقابات مبدأ التسعير التمييزي من حيث المبدأ، فإنها تبدي أيضاً قلقاً لأسباب عملية، إذ سيُطلب من الموظفين التحقق من أوراق هوية الزوار.

وشبّه الأكاديمي الفرنسي باتريك بونسيه هذه الخطوة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي رفعت إدارته تكلفة زيارة السياح الأجانب للمتنزهات الوطنية الأميركية بمقدار 100 دولار بدءاً من 1 يناير (كانون الثاني).

وكتب بونسيه في صحيفة «لوموند» الشهر الماضي، أن السياسة الفرنسية «تعكس عودة النزعة القومية الصريحة، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم».

«لسنا وحدنا من يدفع»

وتشمل زيادات الرسوم أيضاً مواقع سياحية فرنسية أخرى مملوكة للدولة، من بينها قصر شامبور في منطقة وادي اللوار، ودار الأوبرا الوطنية في باريس.

وبررت الحكومة هذه الزيادات بأسباب مالية، في إطار سعيها إلى جمع ما بين 20 و30 مليون يورو سنوياً، في وقت تتعرض فيه لضغوط لتعزيز الإيرادات وخفض الإنفاق.

وسيُخصص جزء من هذه الأموال لتمويل خطة ضخمة لتجديد متحف «اللوفر»، أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي.

وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو مليار يورو، وقد وصفت النقابات وبعض نقاد الفن الخطة بأنها مُهدِرة للمال.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن حالة متحف اللوفر سيئة، خصوصاً بعد تسرب مياه حديث، ومشكلات هيكلية، وسرقة جريئة في وضح النهار وقعت في أكتوبر (تشرين الأول)، ما زاد من حدة القلق.

وقالت وزيرة الثقافة رشيدة داتي في نهاية عام 2024، عند إعلانها زيادات الأسعار: «أريد أن يدفع الزوار من خارج الاتحاد الأوروبي ثمناً أعلى لتذاكر الدخول، وأن تُخصص هذه الزيادة لتمويل تجديد تراثنا الوطني».

وأضافت: «ليس من المفترض أن يتحمل الفرنسيون وحدهم كل التكاليف».

استثناء أوروبي

ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الخروج عن الأعراف الأوروبية من جانب الدولة الأكثر زيارة في القارة، سيدفع وجهات ثقافية أخرى إلى اعتماد النهج نفسه، أم لا.

ويُعدّ التسعير على أساس العمر أمراً شائعاً في أوروبا، إذ يُسمح لمن هم دون 18 عاماً بالدخول المجاني في مواقع مثل «الأكروبوليس» في أثينا، ومتحف «برادو» في مدريد، أو «الكولوسيوم» في روما، تشجيعاً لهم على الزيارة.

وسيظل متحف «اللوفر» مجانياً للقاصرين من جميع الدول، وللأوروبيين دون 26 عاماً.

وتوفر وجهات أخرى؛ مثل قصر «الدوجي» في البندقية، دخولاً مجانياً لسكان المدينة.

وتنتهج بريطانيا منذ زمن سياسة الإتاحة المجانية الشاملة للمجموعات الدائمة في متاحفها ومعارضها الوطنية.

لكن المدير السابق للمتحف البريطاني، مارك جونز، أيّد فرض رسوم في أحد آخر حواراته قبل مغادرته المنصب، وقال لصحيفة «صنداي تايمز» عام 2024: «سيكون من المنطقي أن نفرض رسوماً على الزوار القادمين من الخارج».

وأثار الاقتراح نقاشاً واسعاً، لكنه لم يُعتمد.

وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، عارضت وحدة السياسات الثقافية، وهي مركز أبحاث بريطاني معني بالمتاحف، هذا التوجه لأسباب عملية وفلسفية على حد سواء.

وخلص التقرير إلى أن الخطوة ستؤدي إلى تقليص أعداد الزوار، وإطالة أوقات الانتظار، وتقويض سياسة قائمة منذ قرون.

وأضاف: «تحتفظ بريطانيا بمجموعاتها الوطنية للعالم بأسره، لا لسكانها فقط».


إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة
TT

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية، وتحذيرها من أن التحركات الرامية إلى حظر الاحتجاجات بعد حادث إطلاق النار الجماعي في سيدني تهدد حرية التعبير.

وقالت لويز أدلر، وهي ابنة أبوين من الناجين من المحرقة، اليوم الثلاثاء إنها استقالت من منصبها بمهرجان أسبوع اديليد للكتاب المقرر في فبراير (شباط) بعد قرار مجلس إدارة المهرجان إلغاء دعوة كاتبة أسترالية من أصل فلسطيني.

وقالت الروائية، والأكاديمية ‌الفلسطينية راندا عبد الفتاح ‌إن الإجراء «عمل مخزٍ وصارخ من العنصرية ‌المعادية ⁠للفلسطينيين ​ومن الرقابة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن ‌رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي اليوم (الثلاثاء) عن يوم حداد وطني في 22 يناير (كانون الثاني) لإحياء ذكرى مقتل 15 شخصاً في إطلاق نار الشهر الماضي خلال احتفال يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وتقول الشرطة إن المسلحين المزعومين استلهما هجومهما من تنظيم «داعش» المتشدد. وأثار الحادث دعوات على مستوى البلاد للتصدي لمعاداة السامية، وتحركات حكومية على مستوى ⁠الولايات، والحكومة الاتحادية لتشديد قوانين خطاب الكراهية.

وأعلن مجلس إدارة المهرجان اليوم (الثلاثاء) أن ‌قراره في الأسبوع الماضي إلغاء دعوة راندا عبد الفتاح ‍باعتبار أن ظهورها في الفعالية الأدبية «بعد فترة وجيزة من حادثة بونداي» لا يراعي الحساسيات الثقافية، ‍جاء «احتراماً لمجتمع يعاني من ألم جراء هذه الكارثة». وأضاف المجلس في بيان «لكن القرار أدى إلى مزيد من الانقسام، ولذا نتقدم بخالص اعتذارنا».

وقال المجلس إن المهرجان لن يقام، وإن أعضاء مجلس الإدارة المتبقين سيتنحون عن ​مناصبهم.

وذكرت وسائل الإعلام الأسترالية أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي ليت، ⁠والأميركي الحائز على جائزة بوليتزر بيرسيفال إيفرت، ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، من بين المؤلفين الذين قالوا إنهم لن يشاركوا في المهرجان الذي سيقام في ولاية جنوب أستراليا الشهر المقبل.

واعتذر مجلس إدارة المهرجان اليوم الثلاثاء لراندا عبد الفتاح عن «الطريقة التي تم بها عرض القرار».

وجاء في البيان «لا يتعلق الأمر بالهوية، أو المعارضة، بل بتحول سريع ومستمر في الخطاب الوطني حول مدى حرية التعبير في أمتنا في أعقاب أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ أستراليا».

وكانت أدلر قد كتبت في صحيفة «غارديان» في وقت سابق أن قرار المجلس «يضعف حرية ‌التعبير وينذر بأمة أقل حرية، حيث تحدد جماعات الضغط والضغوط السياسية من يحق له التحدث، ومن لا يحق له ذلك».


ميلانيا ترمب إن حكَت... وثائقي يواكب يومياتها واعداً بلقطات حصريّة ومحادثات خاصة

TT

ميلانيا ترمب إن حكَت... وثائقي يواكب يومياتها واعداً بلقطات حصريّة ومحادثات خاصة

تطل ميلانيا ترمب في فيلم وثائقي يواكبها في الـ20 يوماً التي سبقت حفل تنصيب زوجها (أ.ف.ب)
تطل ميلانيا ترمب في فيلم وثائقي يواكبها في الـ20 يوماً التي سبقت حفل تنصيب زوجها (أ.ف.ب)

قليلةٌ هي أَوجُه الشبَه بين السيدة الأميركية الأولى وزوجها دونالد ترمب. وتتّضح التناقضات أكثر عندما يتعلّق الأمر بالكلام، فهو يُكثر منه كلّما سنحت الفرصة، أما هي فقليلاً ما يسمع الرأي العام الأميركي لها صوتاً. ميلانيا ترمب قليلة الكلام، ومقلّةٌ في الظهور، لا سيّما خلال الولاية الرئاسية الأولى لزوجها.

لكنّ الزمن الأوّل تحوّل، وقد فرضت ميلانيا على نفسها أو أنّ زوجها وفريقَه هم الذين فرضوا عليها تحوّلاتٍ جذريّة خلال الولاية الثانية. منذ سنة، وحتى اليوم، صارت جزءاً أساسياً من الصورة الرئاسية. تبتسم أكثر، وتبدو ودودة مع زوجها في إطلالاتهما معاً، على خلاف ما كان يصدر عنها من تصرّفات نافرة تجاهه خلال ولايته الأولى.

تحوّلات جذريّة في التصرّفات ولغة الجسد لدى ميلانيا ترمب خلال ولاية زوجها الثانية (أ.ف.ب)

أما مفاجأة الموسم الثاني من عهد ترمب، فوثائقيٌّ بطلتُه ميلانيا ينطلق عرضه على منصة «أمازون برايم» وفي بعض صالات السينما الأميركية ابتداءً من 30 يناير (كانون الثاني)، تزامناً مع احتفال ترمب بمرور عامٍ على دخوله الثاني إلى البيت الأبيض. وللمفارقة، فإنّ العرض الرسميّ الأول سيكون في «مركز كيندي الثقافي» الذي أضيف اسمُ ترمب إليه قبل أيام، في ظلّ سخطٍ كبير وسط الفنانين، والمثقفين الأميركيين.

يحمل الفيلم اسم «ميلانيا»، مدّته 104 دقائق، وهو يوثّق يوميات السيدة الأولى خلال الأيام الـ20 التي سبقت حفل التنصيب الثاني لترمب. في الفيديو الترويجي القصير الذي وزّعته ستوديوهات «أمازون»، تطلّ ترمب معتمرةً قبّعتها الشهيرة قائلةً وهي تدخل مبنى الكابيتول في يوم التنصيب: «Here we go again» (ها نحن نُعيد الكَرّة)، في إشارةٍ إلى انطلاقة عهدٍ جديد في مسيرة زوجها الرئاسية.

وفي لقطةٍ تتعمّد إظهار ميلانيا على أنها صاحبة رأي في دائرة القرار، تدخل إلى إحدى قاعات البيت الأبيض حيث يتدرّب الرئيس على خطابٍ سيلقيه، وتجلس جانباً مراقبةً إياه. وعندما يعرّف عن نفسه في الكلمة بوصفه «صانع سلام»، تسمح لنفسها بمقاطعته معلّقةً: «صانع سلام، وموَحِّد».

في مشهدٍ آخر لا تبدو فيه على القدْرِ ذاته من الاطّلاع، والاكتراث، تتحدّث على الهاتف مع الرئيس ترمب مقدّمةً له التهاني بلكنتها الروسية. يردّ عليها سائلاً: «هل تسنّى لك المشاهدة؟»، فتجيب: «كلا لم أفعل. سأشاهده في الأخبار».

لم تتخلّ ميلانيا ترمب يوماً عن لكنتها الروسية وهي أصلاً من سلوفينيا (أ.ف.ب)

وفق المشاهد السريعة التي ضمّها الفيديو الترويجي، فإنّ الوثائقيّ يتنقّل بين البيت الأبيض، والشقة العائلية الفخمة في «برج ترمب» في نيويورك، والمقرّ الصيفي الشاسع في مارالاغو–فلوريدا. وإلى جانب مواكبته اللصيقة لأنشطة ميلانيا ترمب وتحرّكاتها وحواراتها الصحافية، يخصص الفيلم مساحة كذلك لبارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي، وأعزّ شخص في حياة السيدة الأولى. فمن المعروف عنها تعلّقها الكبير بابنها الوحيد، وقضاؤها معظم وقتها إلى جانبه.

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)

ميلانيا ترمب هي المنتجة المنفّذة للوثائقي، ولها بالتالي اليد الطولى في المحتوى، والكلمة الفصل حول كل ما سيُعرض على الشاشة. وقد خرجت السيدة الأميركية الأولى رابحة من المشروع، ليس لأنها نجمته فحسب، بل لأنّ قيمة العقد بينها وبين شركة «أمازون» المنتجة بلغت 40 مليون دولار. وقد فازت «أمازون» بالصفقة بعد منافسة مع كلٍ من «ديزني» و«باراماونت بيكتشرز» على إنتاج العمل، وحصريّة بثّه.

في تعليقٍ لها جرى توزيعه، قالت ميلانيا إن الفيلم المقبل «عمل فريد من نوعه، يوثّق 20 يوماً من حياتي قبل التنصيب... أياماً تحوّلتُ خلالها من مواطنة عادية إلى سيدة أولى، واستعددت للموازنة بين أعمالي التجارية، وتلك الخيرية، وبناء فريقي في الجناح الشرقي، وموظفي البيت الأبيض، وبالطبع رعاية عائلتي».

من جانبها، دعت منصة «أمازون» المشاهدين للدخول إلى «عالم ميلانيا ترمب وهي تُدير خطط التنصيب، وتُواجه تعقيدات انتقال السلطة في البيت الأبيض، وتعود إلى الحياة العامة مع عائلتها». وأفاد الاستوديو بامتلاكه «لقطات حصرية لاجتماعات بالغة الأهمية، ومحادثات خاصة».

لقطة من وثائقي «ميلانيا» تجمعها بزوجها دونالد ترمب (أمازون برايم)

من بين بعض النقاط الجدليّة في الفيلم الوثائقي، أنه من إخراج بريت راتنر الذي غاب عن الساحة الهوليوودية منذ 2017 بعد اتهاماتٍ بالتحرّش وجّهت إليه من قبل عددٍ من الممثلات المعروفات، مثل أوليفيا مون، وناتاشا هنستريدج. وقبل أسابيع، خرجت من بين ملفّات قضية جيفري إبستين صورة مثيرة لعلامات الاستفهام، تجمع راتنر بأحد أشهر شركاء إبستين، جان لوك برونيل.

تعليقاً على الفيلم المرتقب، لفتت شبكة «سي إن إن» الأميركية إلى أنه يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة حول العلاقة بين الرئيس والسيدة الأولى. لكنها في المقابل، شبّهت العمل بالنافذة التي نادراً ما تُفتَح على «إحدى أكثر مستشارات ترمب الموثوقات».

ميلانيا ترمب في حفل تنصيب زوجها مطلع 2025 (رويترز)

لكن إلى أي مدى أصابت «سي إن إن» في التوصيف؟ وهل لآراء ميلانيا أهمية فعلاً بالنسبة إلى دونالد ترمب، أم أن الأمر مجرّد فصل آخر من الحملة الترويجية لعهده الثاني؟

أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يو غوف» الأميركية للأبحاث والدراسات في فبراير (شباط) 2025 أن ميلانيا ترمب هي عاشرة الشخصيات الأكثر تأثيراً على الرئيس الأميركي. سبقَها ترتيباً نائب رئيس فريق موظّفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، والمدّعي العام الأميركي بام بوندي. وقد احتلّ إيلون ماسك صدارة القائمة حينذاك، قبل أن يُستبعد عن دائرة القرار في وقتٍ لاحق.

ميلانيا من بين أكثر الشخصيات تأثيراً على دونالد ترمب وفق استطلاع لـYouGov (أ.ب)

أما مَن واكبوا عن كثب زيارة ترمب إلى المملكة المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، فقد لمسوا تأثير ميلانيا على زوجها، وفق ما نقلت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية. ويتركّز ذلك التأثير على الملفَّين الفلسطيني، والأوكراني، حيث تحدّث ترمب مراراً عن امتداد تعاطف زوجته مع أطفال غزة إليه. أما في الشأن الروسي، فهي غالباً ما تشكّك أمامه في نوايا فلاديمير بوتين في إنهاء الحرب على أوكرانيا، وقد وجدت تلك الآراء صدىً في أذن ترمب ومواقفه.

إلا أنّ محللين أميركيين يقرأون في تلك المسايرة السياسية، استراتيجيةً من قِبَل ترمب لاستمالة الناخبات الأميركيات اللواتي لا يستسغن عادةً مواقفه المتسمة بالذكورية، والخشونة.