الصوت وسيطاً فنياً: حين يتحول الحنين إلى تركيب بصري وسمعي

تفكيك الذاكرة في أعمال دنيا الشطيري

«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
TT

الصوت وسيطاً فنياً: حين يتحول الحنين إلى تركيب بصري وسمعي

«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)

لم يعد الفن المعاصر يكتفي باستخدام الأشكال والألوان المحددة والمألوفة، ولا بحصر التعبير الفني في إطار تقليدي بل بات يأخذنا في رحلة تتجاوز حدود الزمان والمكان. وهذا ما يحدث تماماً حين يختار الفنان أن يجعل من الصوت وسيطاً لعمله الفني، فيغدو الصوت باباً إلى تجربة حسية تتجاوز المرئي.

من الفنانين الذين لجأوا لاستخدام الصوت وسيلةً تعبير دنيا الشطيري، التي قدمت عدة أعمال كان الصوت فيها شخصية رئيسة والعنصر الأكثر تأثيراً. التقينا الشطيري للحديث عن عملها الفني «أهدي سلامي وتحياتي» الذي كان بمثابة الوجهة المبتغاة في رحلة طويلة مع أصوات رافقتها منذ طفولتها.

دنيا الشطيري (إنستغرام)

بدأنا الحوار بالسؤال عن منشأ فكرة عمل «أهدي سلامي وتحياتي»، لكن الفنانة دنيا الشطيري بادرت بالقول: «لا أستطيع الحديث عن العمل بشكل منفصل»، مشيرة إلى أن كل عمل بالنسبة لها هو جزء من ممارستها الفنية، وأن فكرة «أهدي سلامي وتحياتي» بشكل خاص مرت بعدة محطات حتى تبلورت بشكلها النهائي. إذن أين كانت البداية؟

صوت مرئي

تأخذنا الفنانة في رحلة حسية إلى مشاهد من طفولتها، حيث اعتادت الجلوس أمام جهاز تسجيل الصوت، تستمع إلى أصوات أحبّتها الغائبين، محاولةً تعويض غيابهم الفيزيائي بحضورهم السمعي. ومع مرور الزمن، لم يتبقَّ في ذاكرتها سوى خيالات ضبابية لتلك اللحظات المسموعة، التي بدأت تتلاشى تدريجياً.

هذا الحنين دفعها إلى الانشغال بسؤال: كيف يُحفظ الصوت في الذاكرة الإنسانية؟ ومن هنا، انطلقت في دراسة علمية للصوت، محاولةً فهم آلياته وتجسيده بصرياً. كانت ثمرة هذا البحث عملاً تركيبياً بعنوان «صوت مرئي»، شكّل نقطة تحول في علاقتها مع الصوت.

عمل «نبأ» (الفنانة)

يتكوّن العمل من تنسيق دقيق لأسلاك وأنابيب مثبتة على لوح خشبي، تنعكس عليها إضاءة مدروسة تُحدث تأثيراً بصرياً يوحي بترددات صوتية. بهذا العمل، لا تكتفي دنيا باستحضار الصوت، بل تمنحه جسداً مرئياً، ليصبح الحنين تجربة حسية متعددة الأبعاد.

«نبأ» كان المحطة الثانية لرحلة دنيا. في هذا العمل أرادت استكشاف طاقة الصوت، هذه الاهتزازات غير المرئية التي تتغلل في الجسد والروح تاركة أثراً مغايراً في كل مرة. اختارت أن يرافق عملها التركيبي صوت الأذان المؤثر في حياتنا وثقافتنا والأثير لأرواحنا. عرض العمل الفني «نبأ» في متحف الشارقة ضمن مهرجان الفن الإسلامي لعام 2019.

«سلام على قمر غاب عني»

وصلنا للمرحلة الأهم والعمل الذي كانت تقترب منه خطوة بخطوة مع كل عمل فني تقدمه. وقفت دنيا هذه المرة، في مواجهة أكبر مع الصوت بكل ما يحمله من غياب وحنين وذاكرة شخصية وجماعية.

في عملها الفني «أهدي سلامي وتحياتي»، تستحضر الفنانة عالم المهاجرين اليمنيين الذين وصلوا إلى السعودية خلال ثمانينات القرن الماضي. تعود بذاكرتها إلى مسقط رأسها في مدينة يافع، تلك المدينة الجبلية الواقعة جنوب اليمن، والتي كانت شبه منعزلة آنذاك، ما جعل شرائط الكاسيت الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الأحبة الغائبين.

تتذكر دنيا صوت جدّها وهو يخاطبها عبر الأثير قائلاً: «سلام على قمر غاب عني». وتعلق على ذلك بقولها: «ما زالت تلك الأصوات تؤثر بي، لقد أصبحتْ جزءاً من ذاكرتي الفردية، لكنني اكتشفت أنها تتقاطع أيضاً مع تجارب الكثير من المهاجرين».

وعن اختيارها لعنوان العمل، تشير إلى نسخة أخرى منه عُرضت في مدينة القاهرة، حيث التقت بعدد من المهاجرين في محاولة للمقارنة بين الماضي والحاضر. تقول: «سألتهم إن كانت عبارة (أهدي سلامي وتحياتي) تذكّرهم بشيء، فردّ الكثيرون بالإيجاب. منهم من قال: نعم، تذكرني بجدي، أو بعمي، وآخرون قالوا: تذكرني بفرحتنا عندما كنا أطفالاً حين تصلنا التسجيلات».

عمل «أهدي سلامي وتحياتي» (الفنانة)

الصوت ورغبة التواصل

«أهدي سلامي وتحياتي» الذي عرض في معرض «بين ثقافتين» في الرياض عام 2023، هو عمل تركيبي مكون من جزء بصري، عبارة عن جدارية داكنة من أشرطة كاسيت قديمة، ينعكس عليها ضوء متحرك، يرسم ذبذبات مرئية لثلاثة أحرف عربية منفصلة تكون كلمة «وصل». يمثل الضوء المتحرك طيفاً للحنين ورغبة بالاتصال والتواصل، أما الصوت الخارج من سماعة مخفية فتتحدث عنه دنيا قائلة: «هو مقتطفات جمعتها واخترتها بعناية، واخترت لها تدرجاً عاطفياً معيناً، يبدأ من لحظة شوق وحنين، بعدها حزن وانكسار وأخيرا أمل». أما عن مصدر التسجيلات الصوتية فأخبرتنا أن جزءاً منها تسجيلات خاصة، وباقي التسجيلات جمعتها من أشخاص مختلفين، حيث إن هذه التسجيلات - بحسب تعبيرها - هي إرث تحتفظ به العائلات.

الصوت هويةً ثقافية

وعن كيفية استقبال الجمهور للعمل، تجيب دنيا: «في البداية، كان الصمت هو السمة المشتركة في أثناء الاستماع إلى التسجيلات، ثم يبدأ النقاش حول العمل»، وتضيف أن العمل جذب مختلف الأعمار «الكبار يجرّهم الحنين، والصغار دفعهم الفضول». وفي موقف مؤثر لم تشهده بنفسها، علمت دنيا أن أحد كبار السن بكى بشدة أمام العمل، تضيف معلقة: «ترى، لأي محطة حزن أخذه العمل؟».

وبالسؤال عن استعانتها بالصوت في أعمالها ومدى انسجامه مع المفهوم الذي تسعى لتقديمه، توضح دنيا أن ممارستها الفنية «مرتبطة بتقديم صورة أوسع لمفاهيم الاتصال والتواصل، من خلال تفكيك الفهم السائد نحو مواضيع باتت تعد من المسلمات. والصوت بالنسبة لها هو وسيط مثل الألوان والقماش، قادر على تحريك الحواس وإثارة الذاكرة وإعادة تشكيل الوعي الإنساني». وتختم حديثها بقولها: «غدت هذه الأصوات جزءاً من هويتنا الثقافية، فكلنا نتلاقى في الذاكرة والأحزان».


مقالات ذات صلة

معرض «وِرث»... أعمال الطلاب تُحيي الفنون التقليدية السعودية

يوميات الشرق الأبواب الخشبية المنحوتة والمستلهمة من بيوت جدة التاريخية في معرض «ورث» (الشرق الأوسط)

معرض «وِرث»... أعمال الطلاب تُحيي الفنون التقليدية السعودية

احتضن معرض «وِرث» في حي جاكس بالرياض نافذة واسعة من الفنون التقليدية السعودية، بوصفها ممارسة حية قادرة على التجدد.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق تتمحور أطروحات محمد صبري بسطاوي حول الوجود والبشر (الشرق الأوسط)

«عطاء» يعيد صياغة الحياة عبر حكايات الجدات

تتمحور أعمال الفنان المصري محمد صبري بسطاوي حول الوجود والبشر والتجدد؛ فيسعى من خلالها إلى إبراز التفكيكية المجزأة للحياة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق لوحة لمحمد السليم (سوذبيز)

«بدايات»... معرض يعيد رواد الفن السعودي للواجهة

عادت الأضواء تسلط على أسماء فنانين وفنانات بدأت على أيديهم حركة الفن الحديث في السعودية>

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق إحدى لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«لون لا يموت»... معرض يستحضر الأساطير الشعبية في الريف المصري

عبر أكثر من 100 لوحة في فن الجرافيك والرسم بالأبيض والأسود، وكذلك الأعمال الملونة التي ترصد تفاصيل الحياة الشعبية بالشارع المصري.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق أيقونات قبطية ضمن المعرض الأثري بمناسبة أعياد الميلاد (متحف الحضارة المصرية)

«روح ومحبة»... احتفالات مصرية بأعياد الميلاد في «متحف الحضارة»

تحت عنوان «روح ومحبة» أطلق المتحف القومي للحضارة المصرية احتفالية بمناسبة رأس السنة الميلادية وأعياد الميلاد المجيد.

محمد الكفراوي (القاهرة )

قبر مصري يغرق في عسل النحل... ما قصته؟

عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
TT

قبر مصري يغرق في عسل النحل... ما قصته؟

عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
عسل النحل يتم إنتاجه في أماكن مفتوحة (صفحة عسل نحل وزارة الزراعة على «فيسبوك»)

في واقعة غريبة وجدت صدى كبيراً في مصر، وجد أهالي قرية بمحافظة المنوفية (وسط الدلتا) نحو 13 خلية عسل داخل أحد القبور، واستخرجوا منها نحو 25 كيلو عسل، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وتحدث أبناء القرية عن هذا القبر وأن آخر شخص دفن فيه كان قبل نحو 5 سنوات، كان رجلاً طيباً صالحاً، وعدّوا وجود النحل وهذه الكميات الكبيرة من العسل دليلاً على صلاح المتوفى المدفون في القبر.

وأشار أحد أبناء القرية في مقطع فيديو بثته مواقع محلية إلى أنهم حين فتحوا القبر ليدفنوا فيه جثة متوفى وجدوا أفواجاً من النحل، ونحو 13 خلية بداخل القبر، ووجدوا خلايا العسل تنز داخل القبر من فرط التعتيق، فقد أغرقت رفات الموتى المدفونين بالمقبرة، وقال إن الرفات غارق في العسل.

وسبق إلقاء الضوء على حدث مشابه في مصر، فقبل 7 سنوات وجد الأهالي أن النحل يسكن قبر أحد الشهداء بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحدث أبناء القرية عن الطريقة التي دخل بها النحل وكيف أنه حفر في الإسمنت الذي يغلف المقبرة، وعدّوا ذلك دليلاً على الرائحة العطرة التي فاحت من القبر وجعلت النحل يحفر الإسمنت ليدخل إليه، وفق حديث الأهالي لأحد المواقع الإخبارية المحلية.

من جانبه، استبعد الأستاذ بمعهد البحوث الزراعية، الدكتور خالد عياد، هذا الأمر، وقال «إن مثل هذه القصص لا يمت للواقع ولا للعلم بصلة»، وعدّها «محاولة بائسة لتصدر (الترند) أو البحث عن مصدر شهرة من خلال اختلاق وقائع بهذا الشكل»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط». وأضاف أنه «علمياً لا يمكن للنحل أن يعيش داخل قبر لما يحتويه هذا القبر من روائح تعفن الجثث».

إنتاج العسل يتطلب بيئة خاصة للنحل (وزارة الزراعة)

وأشار إلى وجود أنواع من النحل تعيش في أنفاق من التربة ولكنها لا تنتج عسلاً، واصفاً ما يشاع حول وجود كمية من العسل في المقابر وأنها أغرفت الرفات بأنها «مجرد إشاعات وأقاويل لا تمت للمنطق أو للعلم بصلة، والهدف منها الشهرة أو تحويل المتوفى إلى ولي صالح، وهي أمور شائعة في أوساط غير المتعلمين». وقال عياد إن مقطع الفيديو المنتشر يتحدث عن 13 خلية وهو يقصد 13 طرداً، والطرد يكون به قرصان، والطرد الواحد به ما لا يقل عن 3 آلاف نحلة، فمن أين أكلوا أو شربوا وكيف عاشوا في مكان كهذا؟ ومن المعروف أن النحل يكوّن طروده على جذوع الأشجار أو في مكان به طعام أو ما يفرز الرحيق، وهو أمر لا يمكن أن يتوافر في القبر، ما يؤكد أن هذه القصة غير حقيقية ولا تمت للواقع بصلة، ولا تستهدف سوى جذب المشاهدات وتصدر (الترند)».

ولم يصدر أي رأي ديني صريح في هذا الأمر، وإن كانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت فتاوى عن حكم تنظيف المقابر لتفادي الأذى من أعمال السحر وغيره، مؤكدة أن هذا الأمر لا يجوز إلا للضرورة القصوى، عادّة أن أعمال السحر وخلافه مجافية للعقل ولا تؤثر في الواقع.


نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء حول كتاب توثيقي

تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
TT

نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء حول كتاب توثيقي

تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)
تدشين كتاب «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن» (صفحة هيئة الدواء المصرية على «فيسبوك»)

بسبب ما وصفته مكتبة الإسكندرية بالتصرف الأحادي من قبل هيئة الدواء المصرية، ومخالفة عقد إصدار كتاب توثيقي مشترك يرصد تاريخ وحاضر صناعة العلاجات في مصر بعنوان «الدواء في مصر... رحلة عبر الزمن»، نشبت بوادر نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء المصرية.

وأكدت المكتبة، في بيان، الخميس، أن الكتاب عمل علمي توثيقي يندرج ضمن اختصاصها الأصيل في حفظ وتوثيق التراث المصري العلمي والحضاري، ورصد تطور المعرفة الإنسانية في مختلف المجالات، ومن بينها مجال العلاج وصناعة الدواء.

«التصرف الأحادي من جانب هيئة الدواء المصرية» حسب ما ورد في بيان المكتبة دفع الأخيرة للتأكيد على احتفاظها بكافة حقوقها القانونية والأدبية المتعلقة بالكتاب، وفقاً لأحكام القوانين المنظمة للملكية الفكرية والعقود، وبما لا يخل بحقوق الشركاء أو ما تم الاتفاق عليه تعاقديّاً.

وأشارت المكتبة إلى أنها استخرجت رقم إيداع خاصاً بالكتاب، فضلاً عن الترقيم الدولي من دار الكتب والوثائق القومية في شهر أغسطس (آب) 2025، وفقاً للإجراءات القانونية المعمول بها، قبل إتمام مراحل الإخراج النهائي والطباعة. ورقم الإيداع هو: 16651/2025، والترقيم الدولي: 978-977-452-778-7.

وقالت المكتبة إن الكتاب التوثيقي قام بإعداده نخبة من المتخصصين الأكاديميين العاملين بمكتبة الإسكندرية، وتم التوثيق وفق خط زمني دقيق.

من جهته، ردّ الدكتور علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء المصرية على بيان مكتبة الإسكندرية بقوله إن «ما جاء في بيان المكتبة غير حقيقي، ولا تعليق عليه». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الكتاب يخص هيئة الدواء مائة في المائة، وهي التي قامت بإعداده، ولا علاقة له بما تتحدث عنه المكتبة، فالمادة التي يتضمنها الكتاب من حق الهيئة»، وفقاً لقوله، و«هي خاصة بعلماء وباحثين معتمدين منها، وتملك المؤسسة شهاداتهم، ولا علاقة لهم بالمكتبة، وما جاء في البيان محض افتراء، وليس لباحثي مكتبة الإسكندرية علاقة بما يتضمنه كتابنا التوثيقي»، مضيفاً أنه «لا توجد كلمة واحدة في كتابنا تطابق ما جاء في بيان المكتبة. سنتحمل المسؤولية كاملة، وحقوق ما جاء فيه من ملكية فكرية تخصنا، ولا تخص سوانا».

مكتبة الإسكندرية تضم العديد من المشروعات الخاصة بتوثيق التراث (مكتبة الإسكندرية)

في المقابل، قالت الدكتورة الشيماء الدمرداش، مديرة مشروع إحياء كتب التراث بمكتبة الإسكندرية، إن المكتبة لا تتهم أحداً، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان المكتبة بشأن كتابها المتفق عليه مع هيئة الدواء واضح، ورصدت فيه كل تفاصيل الاتفاق، بدءاً من تحديد الاسم، ثم أقسام الكتاب، وتفاصيل مادته، التي أعدها باحثو المكتبة وهي تطابق ما خططنا له مع الهيئة، ونحن نتشاور بشأن إصداره، ولفت المسؤول إلى أن وثائق تطور الدواء في العصر الإسلامي مملوكة للمكتبة، وهي ضمن أرشيفها، كما أن محتوى الكتاب وتسلسله الزمني يطابق تماماً ما اتفقنا عليه، ومن بين المشاركين في مادته الدكتور حسين عبد البصير مدير متحف الآثار بها، والدكتورة شيماء الدمرداش مديرة مشروع إحياء التراث بالمكتبة، والباحث محمد غنيمة مدير التوثيق بالمكتبة، والدكتور سامح فوزي رئيس مشروع ذاكرة مصر المعاصرة، فلا يوجد باحث واحد خارج مكتبة الإسكندرية يملك ما لدينا من أرشيفات ووثائق». وأضافت مديرة مشروع إحياء التراث أن «هيئة الدواء لم تكن لها مشاركة في الكتاب حسب الاتفاق سوى مشاركة بسيطة منها في الطباعة، واقتصر تعامل الهيئة مع مادة الكتاب على مراجع صحافي كان يتواصل مع المكتبة ليس أكثر».

وأكدت مكتبة الإسكندرية أنها «قامت بتسليم كامل المحتوى العلمي والتاريخي للكتاب إلى هيئة الدواء المصرية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وذلك لإجراء المراجعة النهائية قبل الإخراج النهائي تمهيداً للطباعة، وذلك بعد عشرات المراسلات والاجتماعات بين المؤسستين؛ التزاماً بأحكام العقد، وضماناً لدقة المعلومات، وسلامتها، واتساقها مع القواعد والضوابط التنظيمية المعمول بها، على أن يحمل الكتاب شعار المؤسستين، ويحفظ لمكتبة الإسكندرية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها»، وفق بيانها.

ويتناول الكتاب التطور التاريخي لمنظومة العلاج والدواء في مصر، في إطار توثيقي بحثي غير تقييمي، بدءاً من العصور المصرية القديمة، حيث يوثق استخدام الأعشاب والنباتات الطبية في التداوي، وأساليب تحضير العقاقير الطبيعية، وتدوين الوصفات الطبية على البرديات وجدران المعابد، كما يتناول فن التحنيط بوصفه ممارسة طبية - تقنية أسهمت في تطوير المعرفة التشريحية وطرق الحفظ واستخدام المواد ذات الخصائص المطهرة والحافظة، ويمر الكتاب بالعصر الإسلامي، ونشأة البيمارستانات، وتطور أدوارها في تقديم الرعاية الطبية عبر العصور الإسلامية المختلفة، وتعليم الطب والصيدلة، ويتناول العصر الحديث، وتطور صناعة الدواء في سياقه المؤسسي والاجتماعي والسياسي، وحضور الدواء في السينما من منظور تحليل سوسيولوجي يدرس العلاقة بين الدواء والمجتمع ودور الفن والإعلام.

ويمتد العرض بعد ذلك إلى المرحلة الجديدة، في سياق تاريخي تحليلي غير تقييمي، يوثق ما أسهمت به هيئة الدواء المصرية من أدوار مؤسسية وتنظيمية في تطوير منظومة الدواء.

ويعتمد الكتاب، حسب بيان مكتبة الإسكندرية، على مخطوطات أصلية ووثائق تاريخية نادرة وصور حصرية من مقتنياتها، تم اختيارها وفحصها علمياً وفقاً للمعايير الأرشيفية المعتمدة، وتوظيفها في سياق بحثي وتوثيقي.


بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

TT

بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)

في قلب العاصمة السورية دمشق، التي يطلق عليها في أنحاء البلاد وجوارِها «الشام»، تقبع المنازل الدمشقية العتيقة بتصميماتها الفريدة وزخارفها المنمقة وأشجارها المثمرة، حيث تبوح بأسرار من سكنوها قبل قرون ممن استمتعوا بالنسمات المنعشة وروائح الزهور بالصيف، وأشعة الشمس الدافئة في صحن المنزل في الشتاء.

وتشترك البيوت الدمشقية العتيقة في كثير من الأشياء، في مقدمتها «البحرة»، وهي نافورة مائية تتوسط فناء البيت، والإيوانات التي تطل على الفناء وأشجار النارنج (البرتقال المر) وأشجار الـ«يوسف أفندي»، كما يطلق عليها في سوريا، والياسمين، كما تتكون أغلبها من طابقين، ورغم المساحات الواسعة التي تتمتع بها هذه البيوت من الداخل، فإن جميعها يطل على حارات ضيقة ومتفرعة.

إيوان بأحد البيوت الدمشقية القديمة (الشرق الأوسط)

وقد عبّر المسلسل السوري الشهير «باب الحارة» عن هذه الأجواء التي باتت درباً من النوستالجيا عبر كلمات تتر بدايته «والدنيا بتضحك لما بنضحك، بتزين أفراحنا، وردة وبحرة ونارنجة، أحلى الأسامي، زينة الحارة فرجة للياسمين الشامي»، وقد احتضن بيت «نظام» التاريخي، أحد المنازل التي أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارتها، تصوير كثير من مشاهد المسلسل، ولا سيما لقطات «بيت أبو عصام» ضمن العمل.

البيوت تتضمن زخارف ورسومات نادرة (الشرق الأوسط)

وتخضع 3 بيوت أثرية في دمشق القديمة، تعود ملكيتها إلى محافظة دمشق، لترميم بدأ عام 2008، لكنه تَعطّل معظم الوقت بسبب الحرب والحصار. البيوت هي بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي، وينفذ هذا الترميم «صندوق الآغا خان للثقافة»، الذي قام بتوثيق كل موقع بدقة باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية لتوفير مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضيات، قبل أن يبدأ فريق من الخبراء بأعمال ترميم الأجزاء الأشدّ تضرّراً في هذه المباني الجميلة، التي يحمل كل واحد منها هوية خاصة.

بيت السباعي

يبدو بيت السباعي من الخارج مجرد بيت عادي يتم الدخول إليه من خلال باب ضيق يطل على حارة ضيقة، لكن هذه الصورة تتبدل بمجرد الولوج إليه ورؤية مساحته الكبيرة وطرازه المعماري الفريد.

بيت السباعي يعد نموذجاً مميزاً للبيوت الدمشقية القديمة في القرن الـ18، ويحوي زخارف تمثل هوية دمشق في تلك الفترة، وفق المهندس بشر بري، المشرف على صيانة وترميم هذه البيوت القديمة ضمن مشروع صندوق الآغا خان للثقافة. ويشير المهندس بشر إلى استخدام الحجر الأسود البازلتي والرحيباني والرخام الإيطالي في بناء هذا البيت، بجانب زخارف الأبلق المنحوتة على الحجر بأشكال هندسية أو نباتية.

بيت السباعي لا يعاني الكثير من الأضرار (الشرق الأوسط)

وكحال البيوت الدمشقية القديمة، يتكون البيت من فسحة سماوية، يطلق عليها السوريون «أرض الديار»، وبحرة وإيوان جنوبي وقاعة رئيسية لاستقبال الضيوف، ويسمح ارتفاع سقف الإيوان بمرور تيارات هوائية بالفسحة السماوية مروراً بالبحرة وأشجار النارنج والياسمين والبرتقال، لتعود في النهاية إلى الجالس في الإيوان كنسائم عطرية ترطب الأجواء والنفوس.

ويقابل هذا الإيوان من الناحية الشمالية؛ القاعة الرئيسية التي كانت تخصص لاستقبال الضيوف، وتعدّ هذه القاعة من أندر القاعات الدمشقية العتيقة، لأنها مؤرخة بنصوص واضحة تؤرخ لإتمام القاعة في عام 1187 هجرياً، أو 1773 ميلادياً تقريباً، وفق المهندس السوري بِشر بِري.

المهندس السوري بِشر بِري (الشرق الأوسط)

واكتشف فريق الترميم الذي تم تدريبه من خلال «الآغا خان» في ألمانيا أن ألوان الزخارف الخشبية بالقاعة معتمة قليلاً، لأنها مطلية بطبقة حماية كيماوية غير أصلية، تجري إزالتها ببطء وحذر شديدين. ورغم إنجاز الكثير في بيت السباعي، فإن العمل ما زال مستمراً به، بعد التأكد طوال الوقت من عدم وجود تسرب لمياه الأمطار والرطوبة إلى أسقفه وإلى زخارفه النادرة، خصوصاً بالطابق العلوي الذي توجد فيه قاعة فسيحة مقسمة إلى قسمين، تفصل بينهما بحرة مائية رخامية، فيما تخفي بعض رسومات الجدار الأيمن خزائن داخل الجدار السميك، يتم استخدامها مكتبات للكتب والمصاحف، بينما تقود إحداها إلى شرفة تطل على فسحة البيت الزاخرة بالأشجار المثمرة والمعطرة، في مشهد يسر أعين الناظرين.

وعن كثرة انتشار «البَحرَة» في معظم قاعات وفسحات البيوت الدمشقية القديمة، يقول بشر لـ«الشرق الأوسط»: «هي كانت جزءاً أساسياً لكل بيت نظراً لتوفر المياه العذبة حينذاك على مدار 24 ساعة، وكانت تسهم في تلطيف الأجواء بشكل ملموس جداً».

 

 

بيت القوتلي

رغم أن بيت القوتلي يجاور بيت السباعي، فإنه مختلف عنه تماماً من حيث التصميم والمواد المستخدمة في البناء، وهو يعود إلى عائلة القوتلي أحد أشهر وأعرق العائلات السورية، ويرجح أن يكون قد ولد فيه الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي، الذي تنازل عن حكم سوريا لصالح جمال عبد الناصر، كي تقوم الوحدة بين البلدين عام 1958.

بيت القوتلي يخضع للترميم بنفس المكونات الأصلية (الشرق الأوسط)

ويعد عمْر هذا البيت أحدث نسبياً من بيت السباعي، إذ يعود للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصصت عائلة القوتلي هذا البيت للاحتفالات نظراً لامتلاكها العديد من البيوت الأخرى، ويتناسب البيت مع الطراز الباروكي الأوروبي، الذي انتشر في دمشق بشكل سريع جداً في القرن التاسع عشر، لكن مع حفاظه على روح البيوت الشامية حيث الفسحة السماوية والبحرة والإيوان الجنوبي.

وسكنت البيتَ عائلات فلسطينية مهجرة من نكبة عام 1948، ما أدى إلى تأذيه، خصوصاً مع ازدياد عدد الأسر الساكنة في البيت، فاستلمت محافظة دمشق البيت مجدداً.

بيت القوتلي كان مخصصا للحفلات (الشرق الأوسط)

ويعتمد طراز البيت على الأشكال الهندسية المنتظمة والعناصر المتكررة والمتناظرة، وكحال معظم بيوت دمشق القديمة فإن طابقه الأرضي مبني من الحجارة، والثاني من الطوب اللبن والخشب، ويمكن للمارة رؤية أساس الشرفات البارزة، التي تخضع لإعادة البناء، وهي مكونة من الأخشاب.

ويحتاج هذا البيت إلى عمل كبير ليستعيد سيرته الأولى، وعن ذلك يقول بشر: «إننا نستخدم نفس نوعية الخشب المورد من منطقة الغوطة، لكننا نقوم بعمل معالجة جيدة له، ثم نعمر الجدران والأسقف ونضع الزخارف حتى يعود إلى حالته الأصلية».

بيت نظام

ورغم الجماليات التي يتمتع بها البيتان السابقان، فإن كثيرين يعتبرون بيت نظام الأكبر والأجمل، نظراً لاحتوائه على كثير من الزخارف المنمقة والنادرة، بالإضافة إلى تكونه من 3 باحات متشابهة، تم تصوير بعض مشاهد الدراما السورية بها، خصوصاً «باب الحارة».

الباحة التي شهدت تصوير مشاهد «بيت أبو عصام» بمسلسل «باب الحارة» (الشرق الأوسط)

يؤكد بشر أن كثيراً من المواطنين العرب يعبّرون عن سعادتهم البالغة عند رؤية إحدى الباحات التي احتضنت مشاهد بيت «أبو عصام» ضمن أحداث المسلسل الذي شهد أشهر طلاق في أجزاء المسلسل بين «أبو عصام» و«سعاد».

ويتميز هذا البيت بكبر فسحته الداخلية وكثافة اللون الأخضر بها لاحتوائها على النارنج والياسمين والأكاديا والرمان، وهي أشجار صديقة لفناء البيوت، عكس أشجار النخيل والتوت التي تؤذي أساس وأرضيات البيوت، لكن شجعت المساحة الكبيرة للفسحة الرئيسية للبيت أصحابه على زراعة تلك الأشجار، والأرجح أن تجري إزالتها عند بدء الترميم من جديد لحماية البيت.

بيت نظام من أكبر البيوت العتيقة بدمشق (الشرق الأوسط)

وتعد القاعة الرئيسية في بيت نظام من أجمل القاعات الدمشقية وأكثرها ثراء في استخدام الزخارف المنحوتة والبارزة والمنقوشة على الصدف والرخام. واكتشف فريق الترميم أن اللون الأخضر الذي كان يسيطر على زخارف القاعة ليس أصلياً فعملوا خلال الأعوام الماضية على إزالة الطبقات غير الأصلية والعودة للون الذهبي والسماوي والبيج والسكري.

وتتخيل نقوش وزخارف هذه القاعة الفريدة شكل «الجنات التي تجري من تحتها الأنهار»، وفق بشر.

تطوير شامل

وتتجه شبكة الآغا خان للتنمية خلال الفترة المقبلة لاستبدال مشروعات الترميم الفردية بمشروعات التطوير الشاملة على غرار تطوير منطقة الدرب الأحمر بالعاصمة المصرية القاهرة، وفق غطفان عجوب، الممثل المقيم لشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) في سوريا، الذي يضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «العمل في ترميم هذه البيوت لم يتوقف طوال السنوات الماضية، إذ كان لدينا برنامج سنوي لترميمها والحفاظ عليها»، متوقعاً أن يتم الانتهاء منها نهاية عام 2026، «وسوف تخصص لاستقبال الأنشطة الثقافية بضوابط محددة».

حارة تضم بيت القوتلي والسباعي بقلب دمشق العتيقة (الشرق الأوسط)

ورغم أنه تم الاتفاق بين الشبكة والمسؤولين السوريين على تخصيص أرض فضاء تتوسط البيوت الثلاثة لإنشاء فندق جديد على مساحة تصل لنحو ألفي متر، فإنه تم تأجيل الفكرة بناءً على توجيهات «الآغا خان» الخامس، الأمير رحيم آغا خان، الذي طالب بدعم سوريا أولاً في هذه المرحلة والابتعاد عن أي مشروعات استثمارية ضمن حزمة المساعدات التي التزم بها خلال مؤتمر المانحين في بروكسل بشهر مارس (آذار) من عام 2025. وفق عجوب.

سقف مزخرف لأحد الإيوانات (الشرق الأوسط)

وكشف عجوب أنه «سوف يتم الاتفاق قريباً على تطوير المنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، التي تقع جنوب قلعة دمشق»، لافتاً إلى «أن مديرية السياحة والآثار السورية طلبت أن يشمل المشروع محيط باب توما، أحد الأبواب السبعة التي تشتهر بها دمشق». وأكد أن «رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا سيسهم في تسريع وتيرة مشروعات الترميم والتطوير».