ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

ترمب فرض رسوماً جمركية مرتفعة... ولولا استنجد بـ«بريكس»

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
TT

ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل منعطفاً حاداً وخطراً، بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية قياسية على السلع البرازيلية، ووجه مطالب مباشرةً إلى المحكمة العليا في برازيليا بوقف محاكمة حليفه السابق، الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو. في المقابل، يرفض الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الانصياع لما يعده «تدخلاً أميركياً غير مقبول»، ويسعى لحشد دعم دولي من خلال الاتصال بقادة «بريكس».

هذه المواجهة غير التقليدية، التي يصفها الخبراء بأنها «الأسوأ منذ 200 عام»، لا تُظهر أي بوادر للحل السريع، وتكشف عن تعقيدات سياسية تتجاوز النزاعات التجارية المعتادة. كما تأتي في وقت حساس من الناحية الجيوسياسية، حيث تدفع الرسوم؛ ليس فقط البرازيل ولكن الهند أيضاً التي من المقرر أن تواجه ضريبة منفصلة بنسبة 50 في المائة في وقت لاحق من هذا الشهر، إلى الاقتراب من الصين وروسيا.

آلاف من أنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو يحتشدون على شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

محاكمة بولسونارو... شرارة الأزمة

تتأثر الأزمة الحالية بشكل كبير بمصير رجل واحد: الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يُحاكَم بتهم خطيرة تتعلق بالتخطيط لانقلاب عسكري للبقاء في السلطة بعد خسارته انتخابات 2022. من بين التهم الموجهة إليه، والتي ينفيها جميعاً، التورط في خطة لاغتيال لولا، وتدبير هجوم واسع النطاق على مؤسسات الدولة في برازيليا، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

ومع اقتراب المحكمة من إصدار حكمها، تدخل ترمب شخصياً في 7 يوليو (تموز)، واصفاً المحاكمة بأنها «حملة اضطهاد» وطالب بـ«وقفها فوراً». وعندما تجاهلت المحكمة العليا البرازيلية المستقلة طلبه، أعلن الرئيس الأميركي أن البرازيل تمثل «تهديداً غير عادي واستثنائياً» للأمن القومي الأميركي، وفرض رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على سلعها.

جاء في الأمر التنفيذي للبيت الأبيض أن «سياسات وممارسات وإجراءات حكومة البرازيل بغيضة للقيم الأخلاقية والسياسية للمجتمعات الديمقراطية والحرة».

قاضي المحكمة العليا البرازيلية ألكسندر دي مورايس يحضر جلسة للمحكمة العليا في برازيليا (رويترز)

لولا يتحدّى... وواشنطن تزيد الضغط

رداً على الإجراءات الأميركية التي وصفها لولا بأنها «ابتزاز غير مقبول» مقدماً شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، لم يقم الرئيس البرازيلي بالاتصال بترمب، بل سعى إلى حشد حلفائه. ففي 7 أغسطس (آب)، اتصل برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، طالباً التضامن بين دول مجموعة «بريكس». وبعد يومين، اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتسلم وسام الصليب الجنوبي الوطني من لولا في 25 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وتُظهر هذه الاستجابة تمسك لولا بموقفه. وتقول برونا سانتوس، الخبيرة في شؤون البرازيل بمركز «إنتر-أميركان ديالوغ» في واشنطن للصحيفة البريطانية، إن ترمب «هدّد بفرض رسوم جمركية، لكن مع طلب سياسي لا يمكن تحقيقه»، مضيفةً: «من المستحيل مؤسسياً أن يقدم لولا التنازل المطلوب، وهذا يجعله دون أي استراتيجية للخروج من الأزمة».

وقد تصاعدت المواجهة بعد فرض الرسوم، حيث فرضت واشنطن حظراً على سفر ثمانية من قضاة المحكمة العليا البرازيلية، متهمةً إياهم بـ«إقامة نظام اضطهاد ورقابة». وعندما أمر القاضي ألكسندر دي مورايس، بولسونارو بارتداء سوار إلكتروني خشية فراره، استخدمت واشنطن تشريعاً مخصصاً لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة لفرض عقوبات مالية شاملة على القاضي.

لكنَّ القاضي دي مورايس لم يبالِ، وظهر في مباراة كرة قدم بعد ساعات، ووجه إشارة تحدٍّ، وبعد أيام قليلة، وُضع بولسونارو قيد الإقامة الجبرية.

ونقلت «ياهو فاينانس» عن شخص مطّلع على تفكير البيت الأبيض، إن البيت الأبيض كان لديه هدف ثلاثي من الرسوم الجمركية على البرازيل: استهداف قاضي المحكمة العليا المتورط في قضية بولسونارو، لقمعه حقوق الأميركيين في حرية التعبير؛ والحد من نفوذ دول «بريكس»، والمساعدة في تعزيز حلفاء الولايات المتحدة في البرازيل. وأضاف هذا الشخص أن تحول الرسوم الجمركية إلى بولسونارو قد أضر بهذه الأهداف، لافتاً إلى أن «المشكلة لا تكمن في أننا نفضل شخصية سياسية برازيلية على أخرى. إذا تحول الأمر إلى بولسونارو، فسيصبح كل شيء مشوهاً».

البرازيل: دفاع عن الديمقراطية أم انتقام سياسي؟

يُشير روبنز ريكوبيرو، السفير البرازيلي السابق لدى واشنطن، إلى أن البرازيل «تمتلك عيوباً كثيرة، لكن في هذه الحالة بالتحديد، تمكنت من الدفاع عن الديمقراطية بشكل أفضل من المؤسسات الأميركية». ويؤكد أن المحكمة مصمِّمة على إثبات قدرة المؤسسات الديمقراطية على تحقيق العدالة، حتى في أصعب الظروف.

في المقابل، يرى المحافظون البرازيليون المحكمة على أنها «مؤامرة يسارية خارجة عن السيطرة»، ويشيرون إلى أن سبعة من القضاة الأحد عشر عيَّنهم لولا أو خلفه. وقد أثار تدخل ترمب حماس أنصار بولسونارو الذين خرجوا في مظاهرات مطالبين بإقالة القاضي دي مورايس والعفو عن المتورطين في أحداث 8 يناير (كانون الثاني) 2023.

وقد استغل لولا الخلاف لتقديم نفسه على أنه «وطني» يدافع عن السيادة الوطنية في وجه التدخل الأميركي، حيث ظهر وهو يرتدي قبعة كُتب عليها «البرازيل ملك للبرازيليين».

متظاهرون من الاتحاد الوطني للطلاب يحرقون تمثالاً لترمب خلال احتجاج على رسومه الجمركية أمام القنصلية الأميركية في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

تأثير محدود على الاقتصاد البرازيلي

على الرغم من الرسوم الجمركية القاسية، فإن الضرر الاقتصادي على البرازيل قد يكون محدوداً. فالأمر التنفيذي لترمب استثنى 694 منتجاً، بما في ذلك سلع لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنها بسهولة مثل عصير البرتقال وخام الحديد والطائرات. وتشير غرفة التجارة الأميركية في البرازيل إلى أن هذه الاستثناءات تغطي نحو 43 في المائة من إجمالي الصادرات البرازيلية إلى الولايات المتحدة.

وحسب ماتياس سبيكتور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «فونداساو جيتوليو فارغاس»، فإن البرازيل في «وضع جيد نسبياً لمواجهة ترمب»، لأن الصادرات الأميركية تمثل أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، على عكس المكسيك.

ومع ذلك، ستتأثر بعض القطاعات بشكل مباشر، مثل صادرات البن واللحوم، وهو ما قد يضر بالقاعدة الشعبية لبولسونارو من قطاع الأعمال الزراعية.

هل هناك مخرج من الأزمة؟

يشير سلزو أموريم، مستشار لولا للسياسة الخارجية، إلى أنه «لا يرى مخرجاً» من الأزمة مع الولايات المتحدة، ويدعو البرازيل إلى تنويع شركائها التجاريين والتوجه نحو الخليج والهند وجنوب شرق آسيا.

في المقابل، يرى روبنز منين، رئيس شركة الإنشاءات «إم آر في»، أن على لولا أن يتواصل مع ترمب عاجلاً أم آجلاً، قائلاً: «هذا الأمر سينتهي عندما يتحدث أحدهما مع الآخر».

ومع أن لولا أشار إلى إمكانية فصل الخلاف السياسي عن الخلاف التجاري، فإن اجتماعاً كان مقرراً بين وزير المالية البرازيلي ووزير الخزانة الأميركي قد تم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة، مما يشير إلى أن التوترات لا تزال قائمة.

وبينما يرى البعض أن ترمب قد يتراجع إذا تمكن من إيجاد حل يحفظ ماء الوجه، فإن الأزمة لا تزال معلقة، وجميع الأنظار تتجه نحو المحكمة العليا البرازيلية لمعرفة حكمها في قضية بولسونارو، الذي سيحدد على الأرجح مسار العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب.


مقالات ذات صلة

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

الاقتصاد قضبان نحاس في شركة «سي آند آر ميتالز» بميامي (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

بدأ النحاس الأسبوع بقوة مدعوماً بشحّ المعروض، ما أسهم أيضاً في اتساع فارق السعر الرئيسي، بعدما سجل، الأسبوع الماضي، أوسع مستوياته خلال خمس سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، كبير مفاوضيها التجاريين، في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات بشأن الرسوم.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

نمو الاقتصاد الماليزي يتجاوز التوقعات... و«المركزي» يترقب 5 % في 2026

قال البنك المركزي الماليزي، يوم الجمعة، إن اقتصاد البلاد قد ينمو بنحو 5 في المائة هذا العام، عند الحد الأعلى من نطاق توقعاته الرسمية.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف في «ناشونال مول» بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن (رويترز)

«فيتش» تُبقي تصنيف الولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني يوم الخميس تصنيفها السيادي للولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى حجم الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حاويات الشحن بميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)

واردات الولايات المتحدة من الحاويات تسجل رابع أعلى مستوى في يوليو

أعلنت شركة «ديكارت سيستمز غروب»، المتخصصة في تكنولوجيا سلاسل التوريد، الاثنين، أن واردات الولايات المتحدة من البضائع المنقولة في حاويات سجلت في يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

الدولار يتراجع إلى أدنى مستوياته منذ يونيو واليورو يواصل مكاسبه

ورقة نقدية لليورو فوق أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
ورقة نقدية لليورو فوق أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يتراجع إلى أدنى مستوياته منذ يونيو واليورو يواصل مكاسبه

ورقة نقدية لليورو فوق أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
ورقة نقدية لليورو فوق أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له في أكثر من شهرين يوم الاثنين، مع تقليص المتداولين رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة الأميركية في ظل سلسلة من البيانات الاقتصادية الضعيفة؛ مما أبقى اليورو عند أعلى مستوى له في شهرين، بينما منح الينَّ الياباني المتراجع بعض الدعم مؤقتاً.

وارتفع الين بنسبة 0.2 في المائة إلى نحو 159.04 ين للدولار، متجاهلاً بيانات أظهرت نمو الاقتصاد الياباني بوتيرة أضعف من المتوقع. وظل الين بعيداً عن أدنى مستوى له في 4 عقود، الذي سجله في أواخر يوليو (تموز) الماضي، قبل تدخل السلطات اليابانية والأميركية في سوق الصرف لكبح تراجعه، وفق «رويترز».

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، إلى أدنى مستوى له منذ أوائل يونيو (حزيران) الماضي. وسجل اليورو أعلى مستوى له في شهرين عند نحو 1.1614 دولار، مرتفعاً 0.3 في المائة خلال اليوم.

ويأتي هذا التحول في توقعات أسعار الفائدة قبيل «ندوة جاكسون هول» التي يعقدها «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» الأسبوع المقبل، حيث سيبحث المستثمرون عن مؤشرات بشأن كيفية تقييم صناع السياسة أحدث البيانات الاقتصادية.

كما أسهمت الجهود المشتركة التي تبذلها الولايات المتحدة واليابان لوقف تراجع الين في خلق بيئة حساسة لأسواق العملات، مع تركيز المستثمرين على احتمال أن يرفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة قريباً.

وقال ماثيو تاتل، الرئيس التنفيذي لشركة «تاتل» لإدارة رأس المال: «لقد غيّر التدخل مسار السوق، لكنه لم يقضِ على الحافز المرتبط بفروق أسعار الفائدة، الذي يدعم تجارة الفائدة».

ونما الاقتصاد الياباني بوتيرة أبطأ من المتوقع خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو الماضيين، متأثراً بضعف الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري؛ مما يعكس، وفق المحللين، عوامل استثنائية في المقام الأول.

لغز أسعار الفائدة يبقي الأسواق في حالة ترقب

يعتمد أداء الين أيضاً على توقعات أسعار الفائدة الأميركية. وأظهرت بيانات الأسبوع الماضي انخفاضاً مفاجئاً في مبيعات التجزئة وتضخماً معتدلاً؛ مما دفع بالأسواق إلى استنتاج أن الحاجة الملحة إلى رفع أسعار الفائدة قد تراجعت.

ويضع المتداولون حالياً احتمالاً بنسبة 30.8 في المائة لرفع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في اجتماعه خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، انخفاضاً من 52.2 في المائة قبل أسبوع، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

ومع ذلك، فقد قال توماس سيمونز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جيفريز»: «كان هناك بعض التقلبات في البيانات تُبقي السوق في حالة تأهب لاحتمال رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام».

وقد تظل الأسواق شديدة الحساسية للبيانات الاقتصادية المقبلة، والتصريحات الصادرة خلال «ندوة جاكسون هول»، والتطورات في الشرق الأوسط. كما أن غياب توجيهات جديدة من «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» قد يزيد حيرة المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة في ظل حالة الغموض الراهنة.

وأضاف سيمونز: «اسأل 10 أشخاص عن توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة التي سيحددها (الاحتياطي الفيدرالي)، وستحصل على الأرجح على 20 إجابة».

وانخفض الدولار بنسبة 0.11 في المائة مقابل اليوان الصيني إلى 6.7372 في التداولات الخارجية، ليحوم قرب أدنى مستوى له منذ عام 2023.

وأظهرت بيانات صدرت يوم الاثنين تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي في الصين، بينما ارتفعت مبيعات التجزئة بوتيرة أقل من المتوقع في يوليو الماضي.


«المركزي الأوروبي» يحذر من تصحيح محتمل لأسهم التكنولوجيا الأميركية

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يحذر من تصحيح محتمل لأسهم التكنولوجيا الأميركية

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

ذكرت مدوَّنة لـ«البنك المركزي الأوروبي»، نُشرت يوم الاثنين، أن تصحيحاً في سوق أسهم التكنولوجيا الأميركية، التي تشهد ارتفاعاً مفرطاً، يبدو مرجَّحاً، وأنه قد تكون له تداعيات واسعة النطاق، في ظل محدودية أدوات السياسة المالية والنقدية المتاحة لاحتواء التداعيات الاقتصادية المحتملة.

وأقبل المستثمرون بكثافة على أسهم التكنولوجيا، مراهنين على أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولاً جذرياً في الاقتصاد العالمي؛ مما دفع بتقييمات كبرى شركات التكنولوجيا إلى مستويات أعلى بكثير من متوسطاتها التاريخية، وفق «رويترز».

وقالت المدوَّنة، التي لا تعكس بالضرورة وجهة نظر «البنك المركزي الأوروبي»، إن «الأبحاث الاقتصادية بشأن الثورات التكنولوجية السابقة تشير إلى استنتاج مقلق، يتمثل في أن تصحيح تقييمات سوق الأسهم الحالية يبدو مرجحاً». وأضافت أنه حتى في حال نجاح التكنولوجيا وارتفاع الأرباح، فقد تتراجع أسعار الأسهم بسبب صعوبة تحقيق توقعات الأسواق المتفائلة بصورة مفرطة بشأن نمو الأرباح.

التفاؤل المفرط قد يفاقم حدة تراجع الأسعار

وأشارت المدوَّنة إلى أن العوامل النفسية في الأسواق تنذر باحتمال حدوث تصحيح. فالمستثمرون الذين يتسمون بتفاؤل مفرط يميلون إلى دفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز ما تبرره الأساسيات الاقتصادية. وعندما يتبدد هذا التفاؤل، تميل الأسعار إلى التراجع بوتيرة أشد من السيناريو الذي تبرره العوامل الأساسية.

وبالنسبة إلى أوروبا، فإن أي تصحيح في السوق الأميركية يمثل مسألة تتعلق بالاستقرار المالي، إذ تستثمر الأسر الأوروبية نحو 440 مليار يورو (نحو 510 مليارات دولار) فيما تُعرف بأسهم «ماغنيفيسنت سفن»، و«ألفابت» و«أمازون» و«أبل» و«ميتا بلاتفورمز» و«مايكروسوفت» و«إنفيديا» و«تسلا»، بينما تستثمر صناديق التقاعد وشركات التأمين مبلغاً يقترب من ذلك.

وأضافت المدوَّنة: «السيناريو الأخطر ليس تصحيح سوق الأسهم في حد ذاته، بل حدوث تصحيح بالتزامن مع اضطرابات أوسع نطاقاً في الأسواق، يصعب على صناع السياسات احتواؤها. فعلى خلاف أزمة (فقاعة الإنترنت)، يحد الوضع الحالي بدرجة كبيرة من قدرة صناع السياسات على خفض أسعار الفائدة أو استخدام السياسة المالية لتخفيف التداعيات».

وعلى الرغم من أن تقييمات الأسهم الأوروبية تبدو أكبر اعتدالاً، فإن تحركات أسواقها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق الأميركية، وبالتالي فستتأثر الأسهم الأوروبية أيضاً، وفق المدوَّنة، التي أشارت إلى أن التوقيت الدقيق لأي تصحيح «لا يمكن التنبؤ به مسبقاً».

وقالت المدوَّنة: «لا يمكن تحديد أنماط الازدهار والانهيار هذه إلا بعد فوات الأوان».


السعودية تفتح التعليم أمام الاستثمار الخاص وغير الربحي

مبنى وزارة التعليم في الرياض (واس)
مبنى وزارة التعليم في الرياض (واس)
TT

السعودية تفتح التعليم أمام الاستثمار الخاص وغير الربحي

مبنى وزارة التعليم في الرياض (واس)
مبنى وزارة التعليم في الرياض (واس)

تتجه السعودية إلى إعادة تشكيل سوق التعليم العام، مع فتح مساحة أوسع أمام مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي، ضمن نظام جديد يضع إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً لحوكمة القطاع وتقديم خدماته، بما يعزز فرص الاستثمار ويرفع كفاءة المنظومة التعليمية.

ويأتي النظام في وقت يشهد فيه قطاع التعليم السعودي توسعاً تدريجياً في قاعدة المستثمرين والشركات المدرجة، مع تنامي الاهتمام بالفرص التجارية في مجالات التعليم والتدريب والخدمات المساندة، في ظل مستهدفات «رؤية 2030».

وكان مرسوم ملكي بالموافقة على نظام التعليم العام صدر الشهر الماضي، والذي يستهدف تعزيز إطار حوكمة التعليم العام، وتوفير الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، وتمكينه من رفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها، إضافة إلى تنظيم دور القطاعين الخاص وغير الربحي بما يواكب مستهدفات «رؤية 2030».

ويحدد النظام أدوار وزارة التعليم ومجلس شؤون التعليم العام والجهات ذات العلاقة، بما يدعم مواءمة السياسات والخطط والبرامج التعليمية، ويرفع كفاءة اتخاذ القرار، ويمكّن الوزارة من تطوير أدوات التنظيم والمتابعة والإشراف على قطاع التعليم العام.

كما يستهدف النظام دعم الاستثمار في التعليم، من خلال تنظيم مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي في تقديم الخدمات التعليمية، وتعزيز جاذبية الاستثمار والشراكات، وفق ضوابط واضحة، بما يرفع جودة الخدمات ويوسع الخيارات التعليمية ويدعم استدامة تطوير المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة.

ويرى خبراء أن أهمية النظام لا تقتصر على زيادة حجم الاستثمارات، بل تمتد إلى تغيير طبيعة السوق نفسها من خلال وضوح الأدوار التنظيمية، وتوسيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع مستوى الحوكمة، وهي عوامل من شأنها خفض المخاطر أمام المستثمرين المحليين والأجانب.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور عبد الله السلوم، أستاذ المالية والاستثمار في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إن الموازنات العامة في السعودية اعتادت وضع التعليم ضمن أكبر بنود الإنفاق الحكومي، مشيراً إلى أنه خُصص للتعليم نحو 200 مليار ريال (53.3 مليار دولار) في آخر ميزانية، بما يمثل قرابة 18 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي.

وأضاف أن الإنفاق على التعليم يقدر بما يتراوح بين 5 و7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تضع السعودية أعلى من متوسط إنفاق الاقتصادات عالمياً على التعليم ومن الأعلى بين دول مجموعة العشرين.

الاستثمار الأجنبي يتوسع

وعلى مستوى الاستثمار، أشار السلوم إلى أن أرصدة الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع التعليم بلغت 3.43 مليار ريال (914.7 مليون دولار) بنهاية عام 2024، مرتفعة بأكثر من 13 ضعفاً مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات.

وقال إن القيمة لا تزال محدودة مقارنة ببعض القطاعات الاقتصادية الأخرى، إلا أن متوسط النمو السنوي المركب للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحسب البيانات التي أشار إليها، يقارب 130 في المائة، بما يعكس تطوراً ملحوظاً في جاذبية القطاع للمستثمرين الأجانب خلال العقد الماضي.

ومن هذه الزاوية، يتوقع السلوم أن يسهم النظام الجديد في تعزيز هذا المسار، عبر توسيع الخيارات الاستثمارية وتوفير إطار تنظيمي أكثر وضوحاً ومرونة لمشاركة القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي.

وأشار إلى أن حجم الأثر سيبقى مرتبطاً بفعالية تطبيق اللوائح التنفيذية، ومدى استجابة المستثمرين للفرص.

مدرسة حكومية للطفولة المبكرة في الرياض (واس)

8 شركات مدرجة في السوق

ولفت السلوم إلى أن إدراج شركات التعليم في السوق السعودية مؤخراً بات ملحوظاً، موضحاً أن السوق المالية السعودية تضم حالياً ثماني شركات مدرجة تعمل في مجالات التعليم والتدريب.

وبحسب السلوم، سجلت هذه الشركات إيرادات تقارب 3.4 مليار ريال (906.7 مليون دولار) خلال عام 2025، بنمو سنوي يقارب 12 في المائة.

وقال إن هذه الأرقام تعكس أن القطاع لا يقتصر على كونه أحد أكبر القطاعات من حيث الإنفاق الحكومي، بل أصبح يمتلك قاعدة استثمارية وتجارية تتوسع تدريجياً، وهو ما قد يدعم استمرار نموه خلال السنوات المقبلة مع اكتمال المنظومة التنظيمية الجديدة.

تقاسم الأدوار ورفع كفاءة السوق

ولا يتوقع السلوم أن تقتصر آثار النظام على زيادة حجم الاستثمارات فقط، بل يرى أن الأهم يتمثل في تغيير طبيعة السوق، موضحاً أن وضوح الأنظمة، وتوسيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع مستوى الحوكمة، كلها عوامل تساهم في خفض مخاطر الاستثمار.

وأكَّد أن خفض مخاطر الاستثمار يمثل «العنصر الأكثر أهمية بالنسبة للمستثمر المحلي أو الأجنبي على حد سواء عند اتخاذ قرار الدخول إلى أي سوق».

ويؤكد النظام حماية حقوق الإنسان في التعليم، وحقوق الطلبة والمعلمين، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، بما يدعم جودة العملية التعليمية ويحسن تجربة الطلاب والطالبات، إلى جانب ترسيخ دور الأسرة في مساندة الرحلة التعليمية.

كما يدعم جودة الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، بما يواكب أهمية السنوات الأولى في بناء شخصية الطفل ومهاراته، ويسهم في تقديم خدمات تعليمية ومساندة أكثر مواءمة لاحتياجات الطلاب ذوي الإعاقة داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب دعم رعاية الطلاب الموهوبين وتنمية قدراتهم.

وتعمل وزارة التعليم خلال المرحلة المقبلة، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، على استكمال الأحكام التنفيذية والتنظيمية، بما يضمن تطبيق النظام وفق منهجية واضحة، ويدعم تحقيق مستهدفات تطوير التعليم العام ورفع كفاءة مخرجاته.

ويتضمن نظام التعليم العام عدداً من الأحكام المنظمة لمراحل التعليم، ومجلس شؤون التعليم العام، والمؤسسات التعليمية، والمسارات التعليمية، والتعليم الإلكتروني، والتعليم المستمر، والبيئة التعليمية، وحقوق الطلاب والمعلمين.