مارسيل خليفة في صيدا... وحَّد الأغنية بالموقف وقاد جمهوره إلى مرتفعاته

سهرة بجوار البحر بين عود الأب وبيانو الابن وذاكرة محمود درويش

صوته يمشي حافياً على جراح المدن (الشرق الأوسط)
صوته يمشي حافياً على جراح المدن (الشرق الأوسط)
TT

مارسيل خليفة في صيدا... وحَّد الأغنية بالموقف وقاد جمهوره إلى مرتفعاته

صوته يمشي حافياً على جراح المدن (الشرق الأوسط)
صوته يمشي حافياً على جراح المدن (الشرق الأوسط)

كان مُحقّاً مارسيل خليفة حين طرح، بنبرة لا تخلو من القلق، سؤاله: «هل من مكان للقصيدة اليوم؟». ليس هذا السؤال وليد لحظة عابرة أو انفعال مسرحي. إنه امتداد لانشغالات فكرية وفنّية رافقته منذ بداياته، حيث ظلَّ مشغولاً بمصير الشِّعر والموسيقى في زمن التراخي. قُبيل انطلاق حفله في «مهرجانات صيدا»، أراد أن يشارك جمهوره هذا الهمّ، كأنه يضع الحفل في سياقه الوجودي والثقافي منذ اللحظة الأولى. فهو يدرك أنَّ الزمن تغيَّر، وأنَّ المشهد الفنّي لم يعد يُشبه الحلم الذي حمله يوماً عن الأضواء والموسيقى، ومع ذلك لا يزال يؤمن بقدرته على أن يكون الصوت المختلف وسط ضجيج الأصوات المُتشابهة، والطائر الذي يختار التحليق خارج السرب الذي يندفع جماعياً نحو مسار واحد.

العود الذي لا يشيخ (الشرق الأوسط)

لهذا السبب، على الأرجح، قرَّر أن يقيم حفلاً ينطلق منه هو نحو الناس، لا العكس. أراد أن يقود أمسيته وفق إيقاعه الخاص، وأن يفرض ذائقته الفنّية حتى لو خالفت توقّعات بعض جمهوره. لم يُقدّم كلّ ما انتظره الحاضرون منه، وبدا واضحاً إعلانه رَسْم الحفل كما يراه. بعض الحاضرين خلف كاتبة هذه السطور أبدوا تبرّمهم حين طغى العزف على الغناء، فيما أُعجب آخرون بأداء رامي خليفة على البيانو، وإنْ لمحوا فيه إفراطاً في استعراض موهبة الابن في حضرة الأب. لكنَّ مارسيل، الذي خَبِرَ مسارح العالم، لم يكن غافلاً عمّا يدور حوله؛ يعرف تماماً متى يتململ الجمهور، لكنه يصرّ على أن يقوده إلى المرتفعات التي يقيم فيها. والدليل أنه، حين لم تستدعِ إحدى الأغنيات أجواء حماسية، طلب من الحاضرين التوقّف عن التصفيق والاكتفاء بالإصغاء، وعندما سلَّم العزف لابنه تحية لضحايا مرفأ بيروت، ناشدهم أن ينصتوا جيداً، إدراكاً منه لخصوصية اللحظة وصفائها.

وصيدا التي احتفظت بمهرجاناتها وسط واقع سياسي وأمني واقتصادي لا يمنح سبباً واحداً للتمسُّك، جعلت من هذه الأمسية إعلان حياة. في مدينة لم يعُد الأمان فيها مضموناً، يصبح الغناء فعلاً وجودياً، وتغدو المهرجانات جسراً بين الأمل والحاضر، مهما كانت الإمكانات. هنا، ينتفي أيُّ داعٍ للمقارنة مع عروض أخرى ضخمة الإضاءة والميزانيات، لأنَّ ما عجزت عنه التقنية عوَّضه المكان: مسرحٌ لا يبعد سوى أمتار عن البحر، يُجاوره صرح قلعة صيدا التاريخية، ويُباركه قمر مُكتمل يضيف هيبة إلى المشهد. هكذا بدا الحفل كأنه يواجه محاولات تشويه صورة المدينة، ويؤكد أنّ لأبنائها الحقّ في الفرح والاحتفال بالحياة.

وفي ذكرى رحيل محمود درويش، لم يفُت مارسيل خليفة عناق صديقه وشريكه في القصيدة. كان الجمهور ينتظر «ريتا»، وحين غنَّاها، عمَّ شعور خاص بأنَّ الحفل يخصّ كل فرد على نحو شخصي. تحت حرّ أغسطس (آب) ورطوبة البحر، وجد كثيرون أنفسهم يتمنّون أن يفيض الحفل بما جاءوا من أجله من أغنيات محفورة في الذاكرة. «ريتا» كانت من ذلك الصنف المُشتهى، وكذلك «في البال أغنية»، و«منتصب القامة» التي تحوَّلت نشيداً جماعياً، خصوصاً لحاضرين من غزة الجريحة، لوَّحوا بالكوفية وسط التصفيق، كأنهم يلتقطون من حضن موسيقاه عزاء يتيح احتمال عالم لم يعد يُحتمل.

أما «أيها المارّون بين الكلمات العابرة» فتجاوزت كونها قصيدة غنائية أدّاها مارسيل بتأثّر عميق. أرادها موقفاً فنّياً وسياسياً؛ وبصوته، تحوّلت كلمات درويش إلى نداء يهدر بالحق: «اخرجوا من أرضنا/ من برّنا/ من بحرنا... من قمحنا/ من ملحنا/ من جرحنا/ من كلّ شيء». كلماتٌ تُحَسّ، تُلمَس في الصدور، وتمنح السامعين لحظة من عدالة الوجود، لأنها كُتبت لتُحرّك الأعماق.

حين يغنّي... تصبح القصيدة وطناً مؤقتاً (الشرق الأوسط)

راحلٌ آخر أصرّ مارسيل على تحيّته هو زياد الرحباني. لم يغنِّ من أعماله، لكنه منحه لحظة موسيقية خاصة، إذ عزف رامي على البيانو وتبعه والده على العود. ومارسيل الذي يُعانق عوده أينما حلَّ، ويغنّي جالساً بصوت لا يزال يتوهّج، بدا كأنَّ العمر لم يمرّ عليه، وكأنه لم يتعب من النداء. حفلُه كان مساحة لتكريم مَن أحبّهم: محمود درويش، وفلسطين، والجنوب اللبناني، وزياد العبقري، وتشي غيفارا الثائر الذي أهداه موسيقى تانغو، وبيروت ومرفأها القتيل، والأوطان التي تؤلم إن اخترناها أو اختارتنا، وريتا بعينَيْها العسليتَيْن، وابنه رامي الذي منح الأمسية لمسة عذبة بانغماسه حتى النهاية في سحر البيانو.

مارسيل خليفة... منفيّ دائم في وطن الأغنية (الشرق الأوسط)

وعلى مقربة من المسرح، استعدّ صيادو صيدا لملاقاته بأغنية «البحرية». هذه الأغنية الأيقونة التي لا يكتمل حفل لمارسيل من دونها، كانت الذروة العاطفية للأمسية. «هيلا هيلا» على وَقْع هدير المراكب، والقمر البدر شاهداً. موج البحر هادئ، لعلّه يتململ من لهيب أغسطس، ولا مزاج له ليشدّ الحيل ويرتفع أكثر. أو لعلّه أجَّل ارتفاعه إلى ما بعد الحفل، حيث «فَقَش» على طول الطريق المؤدّية إلى باصات المُغادرة كأنه يقول للآتين إلى المدينة: «شكراً لزيارتكم، لا تُطيلوا الغياب».

وحين ارتفعت «شدّوا الهِمّة»، سأل الفنان عن «الزلغوطة» لتُعلن الفرح على طريقتها. عندها، تحوّل الختام إلى مهرجان قائم بذاته. فمارسيل خليفة، العارف بأسرار المسرح، يُدرك متى يُعانق عوده ويشرد في النغم، ومتى يُشعل الحماسة ليُنهض كلَّ جالس على مقعده. في الحالتَيْن، يظلّ فناناً يُقدَّر، لأنه يعرف أنّ الفنّ ليس زِينة وقتيّة، وأنه قمم تُرتقى ومكانة لا ينبغي التنازل عنها. وفي صيدا، لم يغادر قمّته طوال الأمسية.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».