«هيوماين»: إطلاق «علّام» أول نموذج ذكاء اصطناعي عربي من السعودية أواخر أغسطس

رئيسها التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: هذه الشرارة ستغير موقع الشرق الأوسط في الاقتصاد الرقمي العالمي

«علّام» هو أول نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي يتم تطويره من الصفر في السعودية ويُركز على اللغة العربية ولهجاتها
«علّام» هو أول نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي يتم تطويره من الصفر في السعودية ويُركز على اللغة العربية ولهجاتها
TT

«هيوماين»: إطلاق «علّام» أول نموذج ذكاء اصطناعي عربي من السعودية أواخر أغسطس

«علّام» هو أول نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي يتم تطويره من الصفر في السعودية ويُركز على اللغة العربية ولهجاتها
«علّام» هو أول نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي يتم تطويره من الصفر في السعودية ويُركز على اللغة العربية ولهجاتها

في خطوة طموحة تعكس التحول الرقمي المتسارع في السعودية، تستعد شركة «هيوماين» لإطلاق «علّام»، وهو نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي جرى تطويره وتدريبه بالكامل في المملكة. لا يمثل "علّام" مجرد إضافة إلى عالم النماذج اللغوية الضخمة، بل هو إعلان واضح من العالم العربي على قدرته على الابتكار والتطوير في هذا المجال الحيوي.

في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، كشف الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين»، طارق أمين، أن نهاية شهر أغسطس (آب) الجاري ستشهد إطلاق «علّام»، وهو نموذج أساسي (Foundation Model) فريد من نوعه، والذي طُوّر بالكامل في السعودية. يركز النموذج بشكل أساسي على اللغة العربية بجميع لهجاتها، كما أنه مزود بحواجز أمان ثقافية وسياسية مصممة خصيصاً للمنطقة.

وأكد أمين أن «علّام» ليس مجرد نموذج لغوي ضخم آخر، بل هو إعلان واضح بأن العالم العربي يمتلك القدرة على ابتكار وتدريب وتشغيل ذكاء اصطناعي بمستوى عالمي، وبمعاييره الخاصة.

طارق أمين الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»... (هيوماين)

ابتكار سعودي متقدم

يقف خلف تطوير «علّام» فريق مكون من 40 باحثاً يحملون درجة الدكتوراه، جميعهم يعملون داخل المملكة. وقد أنجز الفريق عمله في سرية تامة لابتكار ما يصفه أمين بأنه «أفضل نموذج عربي يلبي احتياجاتنا الفعلية». تم تدريب النموذج على مجموعات بيانات خاصة، تؤكد الشركة أنها «لن تُتاح مطلقاً على الإنترنت العام»، وهو ما يمنحه عمقاً في المعرفة المحلية ودقة في الفهم تتفوق على النماذج العالمية.

سيُطرح «علّام» لأول مرة أمام الجمهور عبر تطبيق «هيوماين شات»، وهو تطبيق مجاني يُشبَّه بـ«شات جي بي تي» باللغة العربية، لكن مع اختلافات جوهرية. فبالإضافة إلى إجادته اللغة العربية الفصحى، يتقن النموذج التفاعل مع اللهجات المحلية مثل السعودية والمصرية والأردنية واللبنانية وغيرها. وقد خضع لاختبارات في تطبيقات حساسة، منها «صوتك»، وهي أداة مخصصة لتفريغ محاضر الجلسات القضائية في السعودية.

يقول أمين: «(تشات جي بي تي) لن يمتلك أبداً مجموعات البيانات التي نمتلكها. أريد للعالم العربي أن يطرح السؤال: لماذا لا ننشئ اتحاداً لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي يعكس ثقافتنا وقيمنا؟».

حواجز أمان وهدف واضح

صُمم «علّام» منذ البداية ليعمل ضمن إطار واضح للذكاء الاصطناعي المسؤول، حيث يضمن نظام الحواجز المدمجة على مستوى المدخلات والمخرجات أن تكون الإجابات متوافقة مع الأعراف الثقافية والاجتماعية والسياسية في المنطقة.

ويشدد أمين على أن «القضية ليست رقابة، بل ملاءمة وبناء ثقة»، مضيفاً: «النموذج أشبه بطفل يحتاج إلى رعاية وتعليم وتطوير حتى يصبح شخصاً بالغاً ومسؤولاً... وهذا هو نهجنا مع (علّام)».

ويُعد «علّام» ثمرة التكوين الفريد لشركة «هيوماين»، التي جمعت تحت مظلتها خبرات تقنية من «أرامكو ديجيتال» و«المركز الوطني للذكاء الاصطناعي» التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا). وسيكون إطلاقه بمثابة نقطة الانطلاق لا خط النهاية، إذ تخطط «هيوماين» للاستفادة من ملاحظات المستخدمين في مختلف أنحاء العالم العربي لتطوير النموذج بشكل مستمر، وبناء منظومة كاملة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً منه.

وتتمثل رؤية الشركة في تأسيس سوق للمطورين تتيح للشركات الناشئة والمؤسسات الوصول إلى «علّام» وتشغيل حالات استخدام جاهزة، من أتمتة الأعمال إلى تقديم خدمات المواطنين، من دون الحاجة إلى البدء من الصفر.

إطلاق «علّام» سيكون عبر تطبيق «هيوماين شات» الذي يفهم العربية الفصحى وعدة لهجات محلية

حجم الفرصة

يؤكد أمين أن اللغة العربية، التي يتحدث بها أكثر من 350 مليون شخص، ما زالت تعاني من تمثيل محدود في نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، إذ تُدرَّب أغلبها أساساً على اللغة الإنكليزية وعدد قليل من اللغات الأخرى. وحتى عند توفير دعم للعربية، غالباً ما يكون التعامل مع اللهجات والاعتبارات الثقافية محدوداً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعطاء الأولوية للغة العربية، مع إبقاء الباب مفتوحاً للتوسع لاحقاً. وتركز «هيوماين» على تلبية احتياجات الجهات الحكومية التي تعتمد العربية بشكل شبه كامل في أعمالها، إلى جانب متطلبات القطاع الخاص في مجالات مثل السياحة والرعاية الصحية وغيرها.

من نموذج إلى منظومة

بالنسبة إلى أمين، يُمثل «علّام» أكثر من مجرد مشروع لغوي، فهو الشرارة التي يمكن أن تغيّر موقع الشرق الأوسط في الاقتصاد الرقمي العالمي، من مستهلك لتقنيات الآخرين إلى مبتكر لمنصات ومنتجات أصلية. ويقول في حديثه مع «الشرق الأوسط»: «لا نمتلك حتى الآن منظومة متكاملة من مطوري وشركات الذكاء الاصطناعي، ويجب أن نؤمن بقدراتنا... الوقت هو الآن».

ويرتبط «علّام» ارتباطاً وثيقاً بمبادرات «هيوماين» الأوسع، والتي تشمل تطوير البنية التحتية، وأنظمة التشغيل، والأجهزة اللازمة لتمكين المنطقة من إنتاج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بدلاً من الاكتفاء باستهلاكه.

بنية تحتية على مستوى عالمي

إلى جانب «علّام» وعدد من المشاريع الأخرى التي تعمل عليها «هيوماين»، كشفت الشركة مؤخراً عن اتفاقية بنية تحتية مهمة مع شركة «غروك» (Groq) الناشئة في وادي السيليكون، والمتخصصة في تقنيات «الاستدلال» (Inference) السريع وبتكلفة منخفضة.

يوضح أمين أن علاقته مع «غروك» بدأت قبل عامين، حين التقى رئيسها التنفيذي جوناثان روس -المخترع الأصلي لوحدات معالجة «تينسور» (TPUs) في «غوغل»- خلال حدث في السعودية. وبفضل خبرته التقنية العميقة ورؤيته الواضحة، قرر أمين المراهنة على معمارية «غروك» القائمة على شرائح «آسيك» (ASIC) المصممة خصيصاً لعمليات الاستدلال.

ويقول أمين إن هذه الرهانات أثمرت بالفعل؛ إذ تمكنت «هيوماين» من نشر 19 ألف وحدة معالجة لغوية (LPUs) من «غروك» خلال ستة أيام فقط، مما أتاح لها تقديم خدمات استدلال بتكلفة تقل بنحو 60 في المائة عن أي مكان آخر عالمياً. ويضيف أن المنصة تتميز باستهلاك منخفض للطاقة، وبنية ذاكرة قائمة على «سرام» (SRAM)، وتصميم مخصص يجعلها مثالية لتشغيل النماذج الكبيرة بكفاءة عالية.

شراكة «هيوماين» مع شركة «غروك» أتاحت نشر 19 ألف وحدة معالجة لغوية في 6 أيام وخفض تكاليف الاستدلال بنسبة 60 % (أدوبي)

إتاحة نماذج «أوبن إي آي»

أحرزت شراكة «هيوماين» مع «غروك» إنجازاً بارزاً مؤخراً، تمثل في الإتاحة الفورية لأحدث نموذجين مفتوحين من «أوبن إي آي» وهما «gpt-oss-120B» و«gpt-oss-20B» على منصة «غروك السحابية» (GroqCloud)، مع توفير دعم محلي داخل المملكة.

يعمل النموذجان بسياق كامل يصل إلى 128 ألف «رمز» (Token)، ويقدمان استجابات فورية في الوقت الحقيقي، إلى جانب أدوات مدمجة مثل تنفيذ الأكواد والبحث عبر الويب، مع أداء فائق. واليوم، تُستخدم بنية «الاستدلال» المدعومة من «غروك» والتي تديرها «هيوماين» في الدمام من مستخدمين في 130 دولة، في سابقة للمملكة، وربما للشرق الأوسط بأكمله.

إعادة تصور نظام التشغيل

في حين يُعد «علّام» النموذج الأبرز لشركة «هيوماين»، تستعد الشركة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) لإطلاق ابتكار كبير آخر هو «هيومان وان» (Humane One)، والذي يصفه أمين بأنه «إعادة ابتكار كاملة لنظام تشغيل المؤسسات».

يوضح أمين أن الفكرة تقوم على الاستبدال بالتنقل التقليدي بين عشرات التطبيقات المنعزلة واجهة أوامر موحّدة، نصية أو صوتية، قادرة على تنفيذ مهام معقدة عبر أنظمة متعددة بسلاسة. وفي إحدى حالات الاستخدام، تمكن وكيل ذكاء اصطناعي واحد من اختصار عملية إعداد الرواتب التي كانت تتطلب أربعة موظفين و30 ساعة عمل، إلى 30 دقيقة فقط، مع تحقيق مستوى دقة أعلى.

أما تجربة الاستخدام الصوتية في «هيوماين وان» فقد صُممت لتعمل على أجهزة «ويندوز» و«ماك» وأجهزة الحاسوب الخاصة بـ«هيوماين» نفسها، التي يستخدمها جميع موظفي الشركة، مما يضمن دمج الذكاء الاصطناعي بشكل سلس ومتجانس في بيئة العمل.

«هيوماين» تطلق في أكتوبر نظام التشغيل «هيوماين 1» وحاسوب ذكاء اصطناعي سعودياً بالشراكة مع «كوالكوم»... (أدوبي)

حاسوب «هيوماين» للذكاء الاصطناعي... قريباً

سيشمل الدمج مع الأجهزة حاسوب «هيوماين» للذكاء الاصطناعي، الذي جرى تصميمه بالكامل في السعودية بالشراكة مع شركة «كوالكوم». ويجمع هذا الجهاز بين قدرات المعالجة المركزية (CPU) والمعالجة الرسومية (GPU) والمعالجة العصبية (MPU)، مما يمنحه قوة حوسبة متكاملة تلبي احتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

ومن المقرر أن يُعرض الجهاز لأول مرة خلال مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) في الرياض في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، على أن يُطرح لاحقاً في الأسواق العالمية. ويؤكد أمين أن هذا الابتكار «سيغير قواعد اللعبة»، مضيفاً: «عندما تطّلع على مواصفاته وسعره مقارنةً بما هو موجود في السوق، ستدرك نهجنا في تقديم الذكاء الاصطناعي على الحافة»، في إشارة إلى التركيز على تمكين المعالجة المحلية السريعة والفعّالة دون الاعتماد المفرط على مراكز البيانات البعيدة.

الذكاء الاصطناعي بوصفه أساساً اقتصادياً

كل مبادرات «هيوماين» من نموذج «علّام»، إلى شراكتها مع «غروك»، وصولاً إلى نظام «هيومان 1» تسير في انسجام تام مع «رؤية 2030». ويرى أمين أن الذكاء الاصطناعي يمثل «الأساس الذي تُبنى عليه الاستراتيجية الكاملة»، سواء في مجالات السياحة أو الرعاية الصحية أو الصناعة.

ويصف نهج الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، بأنه «رؤيوي وعملي في آن واحد»، موضحاً أنه «لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي على أنه أداة إضافية، بل بوصفه ضرورة للاقتصاد، ولتطوير قدرات المواطنين، وتسريع التبني عبر جميع القطاعات».

الاستثمار في الطاقات المحلية

يؤكد أمين أن نجاحات «هيوماين» تعود أولاً إلى كوادرها، خصوصاً قاعدة المواهب السعودية العميقة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويقول: «سمعت مَن يشكِّك في قدرتنا على إيجاد الكفاءات، وقلت: تعالوا لتروا ما لدينا». ويرى أن وجود 40 باحثاً حاصلاً على الدكتوراه خلف مشروع «علّام» هو برهان عملي على أن الشرق الأوسط قادر على إنتاج نماذج ذكاء اصطناعي بمستوى عالمي، وإعادة صياغة السردية التي تفترض اعتماد المنطقة على الابتكار الخارجي.

مع اقتراب إطلاق «علّام» في نهاية الشهر الجاري، تخطو «هيوماين» خطوة حاسمة نحو ترسيخ سيادة الذكاء الاصطناعي في العالم الناطق بالعربية. فمن خلال الدمج بين التوافق الثقافي، والبيانات الحصرية، والبنية التحتية المتقدمة، يسعى النموذج إلى تلبية الاحتياجات المحلية وتحقيق الطموحات العالمية. والخطة التالية واضحة: توسيع المنظومة، وتمكين المطورين، وتسخير حزمة «هيوماين» المتكاملة التي تشمل النموذج، ونظام التشغيل، والأجهزة لجعل السعودية لاعباً رئيسياً ومصدّراً لتقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، لا مجرد مستهلك لها.


مقالات ذات صلة

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

خاص مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

تستند الجاهزية الرقمية في السعودية إلى إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، لضمان توافر الخدمات الحكومية ومواكبة المتغيرات والاحتياجات اليومية.

عبير حمدي (الرياض)
أوروبا صحافي يجرب نظارة مزودة بالذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا (أ.ب)

النرويج تقترح حظراً مؤقتاً على نظارات الذكاء الاصطناعي في أماكن عامة

أعلنت الحكومة النرويجية اليوم (الاثنين) أنها تعتزم اقتراح حظر مؤقت على استخدام النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي في بعض الأماكن العامة.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن )
تكنولوجيا إيلون ماسك خلال لقاء الرئيس ترمب في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ) p-circle

إيلون ماسك يعتزم تغيير اسم شركته «سبيس إكس إيه آي»

يعتزم الملياردير في مجال التكنولوجيا إيلون ماسك تغيير اسم شركة الذكاء الاصطناعي التابعة له.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

أمر عمل جديد من «هيوماين» لـ«المعمر» يتجاوز 135 % من إيرادات 2025

تلقت شركة المعمر لأنظمة المعلومات (إم آي إس) ثاني أمر عمل ضمن اتفاقيتها مع شركة «هيوماين» (HUMAIN)، بقيمة إجمالية تتجاوز 135 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا دفع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء مواد اعتداء جنسي وكالة مكافحة الجريمة الوطنية ومؤسسة مراقبة الإنترنت إلى حث الآباء والأوصياء على تجنب نشر صور أطفالهم على وسائل التواصل (رويترز)

زيادة 40% خلال عام في الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي لاعتداءات جنسية على الأطفال

رصد محللون عدداً من المواد التي تصور اعتداءً جنسياً على الأطفال باستخدام الذكاء الاصطناعي في النصف الأول من عام 2026، يفوق ما تم رصده خلال العام السابق بأكمله.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.


«بنك التسويات»: الديون المرتفعة قد تعقّد تدخلات البنوك المركزية في الأزمات

برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية «بي آي إس» في بازل (رويترز)
برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية «بي آي إس» في بازل (رويترز)
TT

«بنك التسويات»: الديون المرتفعة قد تعقّد تدخلات البنوك المركزية في الأزمات

برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية «بي آي إس» في بازل (رويترز)
برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية «بي آي إس» في بازل (رويترز)

حذّر رئيس «بنك التسويات الدولية» بابلو هرنانديز دي كوس من أن ارتفاع مستويات الدين العام وتغيرات هيكلية في الأسواق المالية قد تجعل مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيداً وإثارة للجدل عند التعامل مع الأزمات المالية المقبلة، رغم بقاء هذه المؤسسات في صميم جهود احتواء اضطرابات الأسواق.

وقال دي كوس، في كلمة ألقاها في فيينا، الاثنين، إن الأزمات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين أظهرت أهمية سرعة تدخل البنوك المركزية لاحتواء اضطرابات الأسواق، لكن الظروف التي ستواجهها الأزمات المقبلة تتغير سريعاً.

وأشار إلى أن مستويات الدين العام تقترب في اقتصادات عدة من أعلى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية، في حين لا تزال العجوزات المالية كبيرة، ومن المتوقع استمرار الضغوط على المالية العامة. وقد يجعل ذلك من الأصعب على البنوك المركزية التمييز بين اضطرابات السوق التي تستدعي التدخل والمخاوف المشروعة للمستثمرين بشأن أوضاع المالية العامة.

وقال دي كوس إن البنوك المركزية ينبغي أن تتدخل عندما تهدد اضطرابات الأسواق الاستقرار المالي أو انتقال السياسة النقدية، لكنه حذّر من أن ارتفاع الدين واحتياجات التمويل الحكومي الكبيرة قد يجعل أي عملية تدخل، حتى لو كانت مصممة بعناية، عرضة للتفسير من منظور مالي.

المؤسسات غير المصرفية مصدر ضغط جديد

وتأتي تحذيرات رئيس «بنك التسويات الدولية» في وقت شهدت فيه عوائد السندات ارتفاعاً حاداً عالمياً، في حين اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية المصنفة عند أعلى درجات الجدارة الائتمانية، بما أعاد إلى الأذهان أجواء أزمة الديون الأوروبية.

وسلّط دي كوس الضوء أيضاً على تنامي نفوذ المؤسسات المالية غير المصرفية، مثل صناديق التحوط وصناديق التقاعد ومديري الأصول، التي أصبحت من كبار حائزي الدين الحكومي. وقال إن هذه المؤسسات تدعم سيولة الأسواق في الظروف الطبيعية، لكن اعتمادها على الرفع المالي والتمويل القائم على السوق قد يؤدي إلى تضخيم الضغوط خلال فترات الاضطراب.

واستشهد بأزمة «الاندفاع نحو النقد» في سوق سندات الخزانة الأميركية في مارس (آذار) 2020، وأزمة السندات الحكومية البريطانية في 2022.

وقال إن استجابة «بنك إنجلترا» لأزمة السندات البريطانية تقدم نموذجاً لكيفية استخدام البنوك المركزية مشتريات الأصول أداةً لمواجهة الأزمات، مشيراً إلى أن تحديد نوافذ الشراء وكمياته بدقة، إلى جانب وضوح الاتصالات وآليات الحوكمة، أسهم في فاعلية التدخل. لكنه حذّر من أن هذه الالتزامات قد لا تكون قابلة للتصديق بالقدر نفسه في أزمة أكبر وأكثر استمراراً.

الذكاء الاصطناعي والعملات المستقرة يسرّعان الأزمات

وقال دي كوس إن الخدمات المصرفية عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والعملات المستقرة والذكاء الاصطناعي قد تزيد سرعة الأزمات المالية مستقبلاً؛ إذ يمكن لعمليات السحب الإلكترونية السريعة وانتشار المعلومات، بما فيها المعلومات المضللة، أن يفرضا على صانعي السياسات التحرك بوتيرة أسرع من السابق.

ودعا إلى تشديد تنظيم المؤسسات المالية غير المصرفية والتقنيات المالية الناشئة للحد من المخاطر الأخلاقية والحفاظ على فاعلية أدوات البنوك المركزية في إدارة الأزمات.

وقال إن البنوك المركزية تؤدي دوراً محورياً، لكن المنظمين والحكومات لهم دور أيضاً، مؤكداً أهمية التعاون الدولي، ولا سيما خطوط مبادلة العملات بين البنوك المركزية، التي وصفها بأنها تظل أداة حاسمة لتحقيق استقرار النظام المالي العالمي في أوقات الضغوط الحادة.