لا بجعة على مرمى النظر

في زيارة قبر وليم بتلر ييتس

ييتس
ييتس
TT

لا بجعة على مرمى النظر

ييتس
ييتس

تحدثت صاحبة الشعر الأحمر همساً في المقصورة مع القس الشاب، الذي طالع كتاب الأدعية لثوانٍ، وتمتم شيئاً، ثم تطلع ثانية، وتمتم مجدداً، ثم أغلق الكتاب، وكرس نفسه تماماً للمحادثة.

«سان فرنسيسكو؟»، سأل القس.

«نعم»، ردت ذات الشعر الأحمر: «أرسلنا زوجي مرة إلى هناك، وأسافر الآن لرؤية أصهاري، سأراهم للمرة الأولى. وعليَّ المغادرة من بوليموت».

«لديك ما يكفي من الوقت»، قال القس بصوت خافت: «بل الكثير من الوقت». «حقاً؟»، سألت المرأة الشابة بهمس. كانت بالغة الطول، بدينة، شاحبة، وجلست هناك بوجهها الطفولي مثل دمية، بينما التقطت ابنتها، التي تبلغ الثالثة من العمر، كتاب أدعية القسيس وصارت تتمتم تقليداً له. رفعت المرأة يدها كي تعاقب الطفلة، لكن القس كشح يدها.

«اتركيها رجاءً»، قال بخفوت.

المطر ينهمر، والماء يسيل على زجاج الشبابيك، والفلاحون يخوضون في الخارج على مروجهم الفائضة كي يجمعوا قشهم؛ ملابس منشورة على الأسيجة الشجرية تحت رحمة المطر، كلاب مبللة تنبح على القطار، أكباش هاربة، والفتاة تقرأ دعاءها وتتمتم أحياناً بأسماء سمعتها في صلاة المساء: يسوع، القديسة ماريا، ارحما بالأرواح الضائعة أيضاً.

توقف القطار، ووضع فرَّاش منقوع بالماء سلة مليئة بالفطر في عربة الحقائب، ونقل علب السجائر، ورزمة صحف المساء، ثم ساعد امرأة منفعلة في فتح مظلتها...

تطلع ناظر المحطة بحزن إلى القطار المغادر ببطء: قد يسأل نفسه أحياناً ما إذا لم يكن في حقيقة الأمر حارس مقبرة، أربعة قطارات في اليوم، قطاران يصلان، وقطاران يغادران، وربما قطار حمل إضافي، يتهادى بحزن، كأنه ذاهب إلى مأتم دفن قطار حمل آخر. في آيرلندا لا تحمي حواجز السكك السيارات من القطارات، وإنما القطارات من السيارات: فهي لا تنفتح وتنغلق على الشارع، وإنما على السكك؛ وهكذا تبدو المحطات المطلية بالألوان الجميلة مثل دور نقاهة مصغرة أو مصحات، وهذا يظهر ناظر المحطة بمظهر الممرض مقارنة بنظيره في البلدان الأخرى الذي يظهر بمظهر عسكري، الذي يقف بين دخان المكائن، وهزيم القطارات، محيِّياً بيده قطارات الحمل العابرة. الأزهار تنمو حول محطات القطارات الآيرلندية الصغيرة، شمندر معتنىً بها، وأشجار مشذبة بعناية، والناظر يبتسم للقطار المسافر، وكأنه يريد القول: «لا، لا، أنت لا تحلم، هذا يحدث فعلاً، والساعة فعلاً هي 16:49، كما تقول ساعتي المعلقة هناك. هذا، لأن القطار لا بدَّ أن يتأخر بحساب المسافر؛ والقطار تحرك في موعده بدقة، لكن الدقة هنا لها مفعول خدَّاع؛ فـ16:49 هو زمن دقيق لا يتناسب مع الزمن في هذه المحطات. وليست الساعة هي الخطأ هنا، وإنما الزمن نفسه، الزمن الذي يعتمد على عقرب الدقائق.

الخراف تهرب، والبقرات ذاهلة، وكلاب مبللة تنبح والفلاحون يدورون في حقولهم حاملين أوعية ينتشلون العشب فيها بواسطة شبكات.

غناء عذب انطلق متناغماً من بين شفتي الطفلة الصغيرة، تتمحور حول يسوع والعذراء مريم، وتدعو للأرواح المعذبة بين فواصل منتظمة. وذات الشعر الأحمر تزداد قلقاً: «ولكن، لا»، قال القس بصوت منخفض، «هناك محطتان أخريان حتى بوليموت».

هاينريش بول

«في كاليفورنيا»، قالت المرأة الشابة: «الجو حار، وهناك الكثير من الشمس. تبدو آيرلندا غريبة في عيني. مرت خمس عشرة سنة على رحيلي؛ وما زلت أحسب بالدولار، لم أعتد بعد على الحساب بالجنيه، والشلن والبنس، وتدري يا أبتاه، آيرلندا أصبحت أكثر حزناً».

«هذا تأثير المطر»، قالها القس متنهداً.

«لم أقطع هذا المسافة من قبل»، قالت المرأة، «ولكنني قطعت غيرها في السابق، قبل أن أرحل؛ من أثلون إلى غالوي، وسافرت عدة مرات، ولكنني أعتقد، أن أناساً أقل مما في السابق صاروا يعيشون هناك. والسكون هناك جعل قلبي يتوقف. أنا خائفة».

صمت القس وتنهد.

«أنا خائفة»، قالت المرأة هامسة، «إذ ينبغي لي أن أركب الحافلة من بوليموت لمسافة عشرين ميلاً، ثم أواصل على القدمين، عبر المستنقعات - أنا أخاف من الماء. مطر وبحيرات، وأنهار، وجداول، وبحيرات من جديد - تبدو آيرلندا بالنسبة لي، يا أبت، كأنها منخورة بالثقوب. لا تجفُّ قطع الملابس على الحبال أبداً، والقش يعوم على المطر، ألا تشعر بالخوف أبتِ؟».

«هذا تأثير المطر لا أكثر»، قال القس، «اهدئي. أعرف ذلك أيضاً، وأحياناً ينتابني الخوف أنا أيضاً. كانت لي أبرشية صغيرة لمدة سنتين، في الأسفل بين كروسمولينا ونيوبورت، وكانت تمطر هناك لأسابيع دون توقف، والرياح تعصف - لا شيء غير الجبال العالية الخضراء والخضراء الداكنة - هل تعرفين نيفن بيغ؟».

«لا».

«تقع بالقرب من هناك. مطر، ماء، ومستنقعات - وعندما سافرت مرة إلى نيوبورت أو فوكسفورد لم أجد غير الماء - عبر بحيرات، أو ماراً على بحيرات».

سدت الفتاة الصغيرة كتاب الأدعية، وقفزت على الأريكة، وطوقت جيد والدتها، وسألت هامسة «هل سنغرق فعلاً؟».

«كلا، كلا»، ردت الأم، ولكن لم يظهر عليها أنها مقتنعة تماماً؛ في الخارج صفع المطر زجاج النوافذ، وتهادى القطار شاقاً طريقه في الظلام، متسللاً بين المزن. تناولت البنت سندويتشة بصمت، ودخنت الأم سيجارة، فيما التقط القس كتابه من جديد؛ وقلد الفتاة الصغيرة - دون أن يشعر- وهو يتمتم تمتمته التي لا يسمع منها غير كلمات يسوع المسيح، والروح القدس، ومريم، ثم أغلق الكتاب مجدداً. «هل كاليفورنيا فعلاً بهذا الجمال؟»، سأل.

«إنها رائعة»، قالت المرأة وهي تقوس كتفيها بقشعريرة.

«آيرلندا جميلة أيضاً».

«بديعة»، قالت المرأة، «أعرف ذلك، ألا ينبغي أن أنزل هنا؟».

«نعم، في المحطة القادمة».

وكان المطر ينهمر حينما بلغ القطار سليغو؛ جرى تبادل القبل تحت المظلات، وذرفت الدموع تحت المظلات؛ كان سائق تاكسي ينام على يديه المتقاطعتين على المقود، أيقظته، وهو من النوع اللطيف الذي يستيقظ باسماً.

«إلى أين؟»، سأل.

«إلى درومكليف تشيرتشيارد».

«ولكن، لا أحد يسكن هناك».

«ربما»، قلت، «لكنني أريد الذهاب إلى هناك».

«وتعود».

«نعم».

«طيِّب».

سرنا بين البرك، وخلال شوارع خالية: وفي الشفق أبصرت بيانو من خلال شباك مفتوح. بدا كأن الغبار يعلو المفاتيح بسمك أصبع. حلاق كان يقف ضجراً في باب محله، يجزجز بمقصه وكأنه ينوي حلاقة مساقط المطر؛ فتاة تجدد حمرة شفتيها قرب مدخل للسينما، أطفال يركضون تحت المطر حاملين كتب الصلاة تحت آباطهم؛ ونادت امرأة على رجل عجوز عبر الشارع: «مساعدة جدو؟»، ورد الرجل هاتفاً: «أنا بخير، بعون الرب وأمه المباركة».

«هل أنت متأكد تماماً؟»، سألني السائق بهدوء، إنك تريد الذهاب إلى درومكليف تشيرتشيارد؟». «أنا متأكد تماماً»، رددت.

قمم التلال مطوقة بحلقات سرخسية ذابلة مثل شعر امرأة عجوز حمراء الشعر، وصخرتين كالحتين تراقبان مدخل هذا الخليج الصغير: «بينبولبن ونوكناريا»، قال السائق، وكأنه يقدم لي قريبين بعيدين ما عاد يكترث لهما.

«هناك، قال السائق وأشار إلى الأمام، حيث يبرز برج كنيسة في الضباب؛ غربان تحلق حول البرج، غيمة من الغربان، بدت في البعد مثل ندف ثلج سوداء.

«أعتقد» قال السائق: «إنك تبحث عن ميدان المعركة القديم؟».

«كلا»، قلت:« لم أسمع بأي معركة».

«في عام561»، شرع بالحديث بنبرة مرشد سياحي مخففة، «جرت هنا المعركة الوحيدة في العالم التي حصلت بسبب حقوق النشر». شاهدته يهز رأسه.

«حقيقة»، قال السائق: «نَسَخ أتباع القديس كولومبا ترانيم كتاب ألَّفه القديس فينيان، وتسبب هذا بمعركة بين أتباع القديس كولومبا وأتباع القديس فينيان. ثلاثة آلاف قتيل، ولكن الملك حسم المعركة؛ قال: «كما يعود كل عجل لبقرته، تعود كل نسخة إلى الكتاب». «لا تريد إذن أن تشهد ميدان المعركة؟».

«كلا»، قلت، «أنا أبحث عن قبر».

«آخ»، رد السائق، «ييتس، نعم، وتريد الذهاب بالتأكيد حينها إلى اينيسفري».

«لا أعرف بعد»، قلت، «توقف هنا لحظة من فضلك».

الغربان تطير من على شواهد القبور، وتنعب محلقة حول برج الكنيسة. وكان قبر ييتس مبللاً، والحجر بارداً، والكلام الذي أراد ييتس أن يُكتب شاهداً على قبره كان ببرودة إبر الثلج التي أُطلقت عليّ من قبر سويفت، ويقول «أيها الراكب أرسل نظرة باردة إلى الحياة، وعلى الموت، وواصل ركوبك». نظرت إلى الأعلى: «هل كانت الغربان بجعات مسحورة؟ تنعب نحوي بازدراء، وتخفق حول برج الكنيسة؟».

تطوق السرخسيات الذابلة، التي فلطحها المطر، قمم التلال، بلون نحاسي متأكسد. شعرت بالبرد.

«نواصل»، قلت للسائق.

«إذن، إلى اينيسفري بالفعل؟».

«كلا» قلت، «نعود إلى المحطة».

صخور في الضباب، والغربان السود تحلق حول الكنيسة الوحيدة، وأربعة آلاف كيلومتر من الماء تحيط بقبر ييتس. ولا بجعة على مرمى النظر.

* ولد هاينريش بول في مدينة كولونيا في21 ديسمبر (كانون الأول) 1917 وفارق الحياة يوم 16 يوليو (تموز) 1985. كان أبوه فيكتور بول يعمل نجاراً، وكانت أمه ماريا هي الزوجة الثانية لأبيه. وهو الابن السادس لأبيه. ونشأ وسط عائلة برجوازية كاثوليكية.

ترأس في سنة 1970 نادي القلم PEN Club الألماني الأدبي حتى سنة 1972، وترأس في الفترة نفسها، بين 1971 - 1974، نادي القلم الدولي.

في سنة 1972 حصل هاينريش بول على جائزة نوبل للآداب. وتعد رواية الشرف الضائع لكاترينا بلوم من أشهر رواياته على الإطلاق، وقد ترجمت إلى أكثر من 30 لغة، وحولت إلى فيلم سينمائي، وبيع منها في ألمانيا وحدها نحو 6 ملايين نسخة.

وورد النص المعنون «لا بجعة على مرمى النظر» في كتابه الشهير «يوميات آيرلندية»، الذي ينتظر أن توزع ترجمته العربية في مهرجان القاهرة الدولي للكتاب سنة 2026. وعنوان النص إشارة إلى أحد أشهر دواوين الشاعر وليم بتلر ييتس «البجع البري في كول» وقصيدته التي تحمل الاسم نفسه في المجموعة. والمقصود هنا حديقة كول coole Park المعروفة في آيرلندا.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».