لا بجعة على مرمى النظر

في زيارة قبر وليم بتلر ييتس

ييتس
ييتس
TT

لا بجعة على مرمى النظر

ييتس
ييتس

تحدثت صاحبة الشعر الأحمر همساً في المقصورة مع القس الشاب، الذي طالع كتاب الأدعية لثوانٍ، وتمتم شيئاً، ثم تطلع ثانية، وتمتم مجدداً، ثم أغلق الكتاب، وكرس نفسه تماماً للمحادثة.

«سان فرنسيسكو؟»، سأل القس.

«نعم»، ردت ذات الشعر الأحمر: «أرسلنا زوجي مرة إلى هناك، وأسافر الآن لرؤية أصهاري، سأراهم للمرة الأولى. وعليَّ المغادرة من بوليموت».

«لديك ما يكفي من الوقت»، قال القس بصوت خافت: «بل الكثير من الوقت». «حقاً؟»، سألت المرأة الشابة بهمس. كانت بالغة الطول، بدينة، شاحبة، وجلست هناك بوجهها الطفولي مثل دمية، بينما التقطت ابنتها، التي تبلغ الثالثة من العمر، كتاب أدعية القسيس وصارت تتمتم تقليداً له. رفعت المرأة يدها كي تعاقب الطفلة، لكن القس كشح يدها.

«اتركيها رجاءً»، قال بخفوت.

المطر ينهمر، والماء يسيل على زجاج الشبابيك، والفلاحون يخوضون في الخارج على مروجهم الفائضة كي يجمعوا قشهم؛ ملابس منشورة على الأسيجة الشجرية تحت رحمة المطر، كلاب مبللة تنبح على القطار، أكباش هاربة، والفتاة تقرأ دعاءها وتتمتم أحياناً بأسماء سمعتها في صلاة المساء: يسوع، القديسة ماريا، ارحما بالأرواح الضائعة أيضاً.

توقف القطار، ووضع فرَّاش منقوع بالماء سلة مليئة بالفطر في عربة الحقائب، ونقل علب السجائر، ورزمة صحف المساء، ثم ساعد امرأة منفعلة في فتح مظلتها...

تطلع ناظر المحطة بحزن إلى القطار المغادر ببطء: قد يسأل نفسه أحياناً ما إذا لم يكن في حقيقة الأمر حارس مقبرة، أربعة قطارات في اليوم، قطاران يصلان، وقطاران يغادران، وربما قطار حمل إضافي، يتهادى بحزن، كأنه ذاهب إلى مأتم دفن قطار حمل آخر. في آيرلندا لا تحمي حواجز السكك السيارات من القطارات، وإنما القطارات من السيارات: فهي لا تنفتح وتنغلق على الشارع، وإنما على السكك؛ وهكذا تبدو المحطات المطلية بالألوان الجميلة مثل دور نقاهة مصغرة أو مصحات، وهذا يظهر ناظر المحطة بمظهر الممرض مقارنة بنظيره في البلدان الأخرى الذي يظهر بمظهر عسكري، الذي يقف بين دخان المكائن، وهزيم القطارات، محيِّياً بيده قطارات الحمل العابرة. الأزهار تنمو حول محطات القطارات الآيرلندية الصغيرة، شمندر معتنىً بها، وأشجار مشذبة بعناية، والناظر يبتسم للقطار المسافر، وكأنه يريد القول: «لا، لا، أنت لا تحلم، هذا يحدث فعلاً، والساعة فعلاً هي 16:49، كما تقول ساعتي المعلقة هناك. هذا، لأن القطار لا بدَّ أن يتأخر بحساب المسافر؛ والقطار تحرك في موعده بدقة، لكن الدقة هنا لها مفعول خدَّاع؛ فـ16:49 هو زمن دقيق لا يتناسب مع الزمن في هذه المحطات. وليست الساعة هي الخطأ هنا، وإنما الزمن نفسه، الزمن الذي يعتمد على عقرب الدقائق.

الخراف تهرب، والبقرات ذاهلة، وكلاب مبللة تنبح والفلاحون يدورون في حقولهم حاملين أوعية ينتشلون العشب فيها بواسطة شبكات.

غناء عذب انطلق متناغماً من بين شفتي الطفلة الصغيرة، تتمحور حول يسوع والعذراء مريم، وتدعو للأرواح المعذبة بين فواصل منتظمة. وذات الشعر الأحمر تزداد قلقاً: «ولكن، لا»، قال القس بصوت منخفض، «هناك محطتان أخريان حتى بوليموت».

هاينريش بول

«في كاليفورنيا»، قالت المرأة الشابة: «الجو حار، وهناك الكثير من الشمس. تبدو آيرلندا غريبة في عيني. مرت خمس عشرة سنة على رحيلي؛ وما زلت أحسب بالدولار، لم أعتد بعد على الحساب بالجنيه، والشلن والبنس، وتدري يا أبتاه، آيرلندا أصبحت أكثر حزناً».

«هذا تأثير المطر»، قالها القس متنهداً.

«لم أقطع هذا المسافة من قبل»، قالت المرأة، «ولكنني قطعت غيرها في السابق، قبل أن أرحل؛ من أثلون إلى غالوي، وسافرت عدة مرات، ولكنني أعتقد، أن أناساً أقل مما في السابق صاروا يعيشون هناك. والسكون هناك جعل قلبي يتوقف. أنا خائفة».

صمت القس وتنهد.

«أنا خائفة»، قالت المرأة هامسة، «إذ ينبغي لي أن أركب الحافلة من بوليموت لمسافة عشرين ميلاً، ثم أواصل على القدمين، عبر المستنقعات - أنا أخاف من الماء. مطر وبحيرات، وأنهار، وجداول، وبحيرات من جديد - تبدو آيرلندا بالنسبة لي، يا أبت، كأنها منخورة بالثقوب. لا تجفُّ قطع الملابس على الحبال أبداً، والقش يعوم على المطر، ألا تشعر بالخوف أبتِ؟».

«هذا تأثير المطر لا أكثر»، قال القس، «اهدئي. أعرف ذلك أيضاً، وأحياناً ينتابني الخوف أنا أيضاً. كانت لي أبرشية صغيرة لمدة سنتين، في الأسفل بين كروسمولينا ونيوبورت، وكانت تمطر هناك لأسابيع دون توقف، والرياح تعصف - لا شيء غير الجبال العالية الخضراء والخضراء الداكنة - هل تعرفين نيفن بيغ؟».

«لا».

«تقع بالقرب من هناك. مطر، ماء، ومستنقعات - وعندما سافرت مرة إلى نيوبورت أو فوكسفورد لم أجد غير الماء - عبر بحيرات، أو ماراً على بحيرات».

سدت الفتاة الصغيرة كتاب الأدعية، وقفزت على الأريكة، وطوقت جيد والدتها، وسألت هامسة «هل سنغرق فعلاً؟».

«كلا، كلا»، ردت الأم، ولكن لم يظهر عليها أنها مقتنعة تماماً؛ في الخارج صفع المطر زجاج النوافذ، وتهادى القطار شاقاً طريقه في الظلام، متسللاً بين المزن. تناولت البنت سندويتشة بصمت، ودخنت الأم سيجارة، فيما التقط القس كتابه من جديد؛ وقلد الفتاة الصغيرة - دون أن يشعر- وهو يتمتم تمتمته التي لا يسمع منها غير كلمات يسوع المسيح، والروح القدس، ومريم، ثم أغلق الكتاب مجدداً. «هل كاليفورنيا فعلاً بهذا الجمال؟»، سأل.

«إنها رائعة»، قالت المرأة وهي تقوس كتفيها بقشعريرة.

«آيرلندا جميلة أيضاً».

«بديعة»، قالت المرأة، «أعرف ذلك، ألا ينبغي أن أنزل هنا؟».

«نعم، في المحطة القادمة».

وكان المطر ينهمر حينما بلغ القطار سليغو؛ جرى تبادل القبل تحت المظلات، وذرفت الدموع تحت المظلات؛ كان سائق تاكسي ينام على يديه المتقاطعتين على المقود، أيقظته، وهو من النوع اللطيف الذي يستيقظ باسماً.

«إلى أين؟»، سأل.

«إلى درومكليف تشيرتشيارد».

«ولكن، لا أحد يسكن هناك».

«ربما»، قلت، «لكنني أريد الذهاب إلى هناك».

«وتعود».

«نعم».

«طيِّب».

سرنا بين البرك، وخلال شوارع خالية: وفي الشفق أبصرت بيانو من خلال شباك مفتوح. بدا كأن الغبار يعلو المفاتيح بسمك أصبع. حلاق كان يقف ضجراً في باب محله، يجزجز بمقصه وكأنه ينوي حلاقة مساقط المطر؛ فتاة تجدد حمرة شفتيها قرب مدخل للسينما، أطفال يركضون تحت المطر حاملين كتب الصلاة تحت آباطهم؛ ونادت امرأة على رجل عجوز عبر الشارع: «مساعدة جدو؟»، ورد الرجل هاتفاً: «أنا بخير، بعون الرب وأمه المباركة».

«هل أنت متأكد تماماً؟»، سألني السائق بهدوء، إنك تريد الذهاب إلى درومكليف تشيرتشيارد؟». «أنا متأكد تماماً»، رددت.

قمم التلال مطوقة بحلقات سرخسية ذابلة مثل شعر امرأة عجوز حمراء الشعر، وصخرتين كالحتين تراقبان مدخل هذا الخليج الصغير: «بينبولبن ونوكناريا»، قال السائق، وكأنه يقدم لي قريبين بعيدين ما عاد يكترث لهما.

«هناك، قال السائق وأشار إلى الأمام، حيث يبرز برج كنيسة في الضباب؛ غربان تحلق حول البرج، غيمة من الغربان، بدت في البعد مثل ندف ثلج سوداء.

«أعتقد» قال السائق: «إنك تبحث عن ميدان المعركة القديم؟».

«كلا»، قلت:« لم أسمع بأي معركة».

«في عام561»، شرع بالحديث بنبرة مرشد سياحي مخففة، «جرت هنا المعركة الوحيدة في العالم التي حصلت بسبب حقوق النشر». شاهدته يهز رأسه.

«حقيقة»، قال السائق: «نَسَخ أتباع القديس كولومبا ترانيم كتاب ألَّفه القديس فينيان، وتسبب هذا بمعركة بين أتباع القديس كولومبا وأتباع القديس فينيان. ثلاثة آلاف قتيل، ولكن الملك حسم المعركة؛ قال: «كما يعود كل عجل لبقرته، تعود كل نسخة إلى الكتاب». «لا تريد إذن أن تشهد ميدان المعركة؟».

«كلا»، قلت، «أنا أبحث عن قبر».

«آخ»، رد السائق، «ييتس، نعم، وتريد الذهاب بالتأكيد حينها إلى اينيسفري».

«لا أعرف بعد»، قلت، «توقف هنا لحظة من فضلك».

الغربان تطير من على شواهد القبور، وتنعب محلقة حول برج الكنيسة. وكان قبر ييتس مبللاً، والحجر بارداً، والكلام الذي أراد ييتس أن يُكتب شاهداً على قبره كان ببرودة إبر الثلج التي أُطلقت عليّ من قبر سويفت، ويقول «أيها الراكب أرسل نظرة باردة إلى الحياة، وعلى الموت، وواصل ركوبك». نظرت إلى الأعلى: «هل كانت الغربان بجعات مسحورة؟ تنعب نحوي بازدراء، وتخفق حول برج الكنيسة؟».

تطوق السرخسيات الذابلة، التي فلطحها المطر، قمم التلال، بلون نحاسي متأكسد. شعرت بالبرد.

«نواصل»، قلت للسائق.

«إذن، إلى اينيسفري بالفعل؟».

«كلا» قلت، «نعود إلى المحطة».

صخور في الضباب، والغربان السود تحلق حول الكنيسة الوحيدة، وأربعة آلاف كيلومتر من الماء تحيط بقبر ييتس. ولا بجعة على مرمى النظر.

* ولد هاينريش بول في مدينة كولونيا في21 ديسمبر (كانون الأول) 1917 وفارق الحياة يوم 16 يوليو (تموز) 1985. كان أبوه فيكتور بول يعمل نجاراً، وكانت أمه ماريا هي الزوجة الثانية لأبيه. وهو الابن السادس لأبيه. ونشأ وسط عائلة برجوازية كاثوليكية.

ترأس في سنة 1970 نادي القلم PEN Club الألماني الأدبي حتى سنة 1972، وترأس في الفترة نفسها، بين 1971 - 1974، نادي القلم الدولي.

في سنة 1972 حصل هاينريش بول على جائزة نوبل للآداب. وتعد رواية الشرف الضائع لكاترينا بلوم من أشهر رواياته على الإطلاق، وقد ترجمت إلى أكثر من 30 لغة، وحولت إلى فيلم سينمائي، وبيع منها في ألمانيا وحدها نحو 6 ملايين نسخة.

وورد النص المعنون «لا بجعة على مرمى النظر» في كتابه الشهير «يوميات آيرلندية»، الذي ينتظر أن توزع ترجمته العربية في مهرجان القاهرة الدولي للكتاب سنة 2026. وعنوان النص إشارة إلى أحد أشهر دواوين الشاعر وليم بتلر ييتس «البجع البري في كول» وقصيدته التي تحمل الاسم نفسه في المجموعة. والمقصود هنا حديقة كول coole Park المعروفة في آيرلندا.


مقالات ذات صلة

الجيل الضائع في باريس

ثقافة وفنون فيتزجيرالد وزوجته

الجيل الضائع في باريس

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة.

شاكر نوري
ثقافة وفنون اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب،

جمعة بوكليب
ثقافة وفنون الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».