لا بجعة على مرمى النظر

في زيارة قبر وليم بتلر ييتس

ييتس
ييتس
TT

لا بجعة على مرمى النظر

ييتس
ييتس

تحدثت صاحبة الشعر الأحمر همساً في المقصورة مع القس الشاب، الذي طالع كتاب الأدعية لثوانٍ، وتمتم شيئاً، ثم تطلع ثانية، وتمتم مجدداً، ثم أغلق الكتاب، وكرس نفسه تماماً للمحادثة.

«سان فرنسيسكو؟»، سأل القس.

«نعم»، ردت ذات الشعر الأحمر: «أرسلنا زوجي مرة إلى هناك، وأسافر الآن لرؤية أصهاري، سأراهم للمرة الأولى. وعليَّ المغادرة من بوليموت».

«لديك ما يكفي من الوقت»، قال القس بصوت خافت: «بل الكثير من الوقت». «حقاً؟»، سألت المرأة الشابة بهمس. كانت بالغة الطول، بدينة، شاحبة، وجلست هناك بوجهها الطفولي مثل دمية، بينما التقطت ابنتها، التي تبلغ الثالثة من العمر، كتاب أدعية القسيس وصارت تتمتم تقليداً له. رفعت المرأة يدها كي تعاقب الطفلة، لكن القس كشح يدها.

«اتركيها رجاءً»، قال بخفوت.

المطر ينهمر، والماء يسيل على زجاج الشبابيك، والفلاحون يخوضون في الخارج على مروجهم الفائضة كي يجمعوا قشهم؛ ملابس منشورة على الأسيجة الشجرية تحت رحمة المطر، كلاب مبللة تنبح على القطار، أكباش هاربة، والفتاة تقرأ دعاءها وتتمتم أحياناً بأسماء سمعتها في صلاة المساء: يسوع، القديسة ماريا، ارحما بالأرواح الضائعة أيضاً.

توقف القطار، ووضع فرَّاش منقوع بالماء سلة مليئة بالفطر في عربة الحقائب، ونقل علب السجائر، ورزمة صحف المساء، ثم ساعد امرأة منفعلة في فتح مظلتها...

تطلع ناظر المحطة بحزن إلى القطار المغادر ببطء: قد يسأل نفسه أحياناً ما إذا لم يكن في حقيقة الأمر حارس مقبرة، أربعة قطارات في اليوم، قطاران يصلان، وقطاران يغادران، وربما قطار حمل إضافي، يتهادى بحزن، كأنه ذاهب إلى مأتم دفن قطار حمل آخر. في آيرلندا لا تحمي حواجز السكك السيارات من القطارات، وإنما القطارات من السيارات: فهي لا تنفتح وتنغلق على الشارع، وإنما على السكك؛ وهكذا تبدو المحطات المطلية بالألوان الجميلة مثل دور نقاهة مصغرة أو مصحات، وهذا يظهر ناظر المحطة بمظهر الممرض مقارنة بنظيره في البلدان الأخرى الذي يظهر بمظهر عسكري، الذي يقف بين دخان المكائن، وهزيم القطارات، محيِّياً بيده قطارات الحمل العابرة. الأزهار تنمو حول محطات القطارات الآيرلندية الصغيرة، شمندر معتنىً بها، وأشجار مشذبة بعناية، والناظر يبتسم للقطار المسافر، وكأنه يريد القول: «لا، لا، أنت لا تحلم، هذا يحدث فعلاً، والساعة فعلاً هي 16:49، كما تقول ساعتي المعلقة هناك. هذا، لأن القطار لا بدَّ أن يتأخر بحساب المسافر؛ والقطار تحرك في موعده بدقة، لكن الدقة هنا لها مفعول خدَّاع؛ فـ16:49 هو زمن دقيق لا يتناسب مع الزمن في هذه المحطات. وليست الساعة هي الخطأ هنا، وإنما الزمن نفسه، الزمن الذي يعتمد على عقرب الدقائق.

الخراف تهرب، والبقرات ذاهلة، وكلاب مبللة تنبح والفلاحون يدورون في حقولهم حاملين أوعية ينتشلون العشب فيها بواسطة شبكات.

غناء عذب انطلق متناغماً من بين شفتي الطفلة الصغيرة، تتمحور حول يسوع والعذراء مريم، وتدعو للأرواح المعذبة بين فواصل منتظمة. وذات الشعر الأحمر تزداد قلقاً: «ولكن، لا»، قال القس بصوت منخفض، «هناك محطتان أخريان حتى بوليموت».

هاينريش بول

«في كاليفورنيا»، قالت المرأة الشابة: «الجو حار، وهناك الكثير من الشمس. تبدو آيرلندا غريبة في عيني. مرت خمس عشرة سنة على رحيلي؛ وما زلت أحسب بالدولار، لم أعتد بعد على الحساب بالجنيه، والشلن والبنس، وتدري يا أبتاه، آيرلندا أصبحت أكثر حزناً».

«هذا تأثير المطر»، قالها القس متنهداً.

«لم أقطع هذا المسافة من قبل»، قالت المرأة، «ولكنني قطعت غيرها في السابق، قبل أن أرحل؛ من أثلون إلى غالوي، وسافرت عدة مرات، ولكنني أعتقد، أن أناساً أقل مما في السابق صاروا يعيشون هناك. والسكون هناك جعل قلبي يتوقف. أنا خائفة».

صمت القس وتنهد.

«أنا خائفة»، قالت المرأة هامسة، «إذ ينبغي لي أن أركب الحافلة من بوليموت لمسافة عشرين ميلاً، ثم أواصل على القدمين، عبر المستنقعات - أنا أخاف من الماء. مطر وبحيرات، وأنهار، وجداول، وبحيرات من جديد - تبدو آيرلندا بالنسبة لي، يا أبت، كأنها منخورة بالثقوب. لا تجفُّ قطع الملابس على الحبال أبداً، والقش يعوم على المطر، ألا تشعر بالخوف أبتِ؟».

«هذا تأثير المطر لا أكثر»، قال القس، «اهدئي. أعرف ذلك أيضاً، وأحياناً ينتابني الخوف أنا أيضاً. كانت لي أبرشية صغيرة لمدة سنتين، في الأسفل بين كروسمولينا ونيوبورت، وكانت تمطر هناك لأسابيع دون توقف، والرياح تعصف - لا شيء غير الجبال العالية الخضراء والخضراء الداكنة - هل تعرفين نيفن بيغ؟».

«لا».

«تقع بالقرب من هناك. مطر، ماء، ومستنقعات - وعندما سافرت مرة إلى نيوبورت أو فوكسفورد لم أجد غير الماء - عبر بحيرات، أو ماراً على بحيرات».

سدت الفتاة الصغيرة كتاب الأدعية، وقفزت على الأريكة، وطوقت جيد والدتها، وسألت هامسة «هل سنغرق فعلاً؟».

«كلا، كلا»، ردت الأم، ولكن لم يظهر عليها أنها مقتنعة تماماً؛ في الخارج صفع المطر زجاج النوافذ، وتهادى القطار شاقاً طريقه في الظلام، متسللاً بين المزن. تناولت البنت سندويتشة بصمت، ودخنت الأم سيجارة، فيما التقط القس كتابه من جديد؛ وقلد الفتاة الصغيرة - دون أن يشعر- وهو يتمتم تمتمته التي لا يسمع منها غير كلمات يسوع المسيح، والروح القدس، ومريم، ثم أغلق الكتاب مجدداً. «هل كاليفورنيا فعلاً بهذا الجمال؟»، سأل.

«إنها رائعة»، قالت المرأة وهي تقوس كتفيها بقشعريرة.

«آيرلندا جميلة أيضاً».

«بديعة»، قالت المرأة، «أعرف ذلك، ألا ينبغي أن أنزل هنا؟».

«نعم، في المحطة القادمة».

وكان المطر ينهمر حينما بلغ القطار سليغو؛ جرى تبادل القبل تحت المظلات، وذرفت الدموع تحت المظلات؛ كان سائق تاكسي ينام على يديه المتقاطعتين على المقود، أيقظته، وهو من النوع اللطيف الذي يستيقظ باسماً.

«إلى أين؟»، سأل.

«إلى درومكليف تشيرتشيارد».

«ولكن، لا أحد يسكن هناك».

«ربما»، قلت، «لكنني أريد الذهاب إلى هناك».

«وتعود».

«نعم».

«طيِّب».

سرنا بين البرك، وخلال شوارع خالية: وفي الشفق أبصرت بيانو من خلال شباك مفتوح. بدا كأن الغبار يعلو المفاتيح بسمك أصبع. حلاق كان يقف ضجراً في باب محله، يجزجز بمقصه وكأنه ينوي حلاقة مساقط المطر؛ فتاة تجدد حمرة شفتيها قرب مدخل للسينما، أطفال يركضون تحت المطر حاملين كتب الصلاة تحت آباطهم؛ ونادت امرأة على رجل عجوز عبر الشارع: «مساعدة جدو؟»، ورد الرجل هاتفاً: «أنا بخير، بعون الرب وأمه المباركة».

«هل أنت متأكد تماماً؟»، سألني السائق بهدوء، إنك تريد الذهاب إلى درومكليف تشيرتشيارد؟». «أنا متأكد تماماً»، رددت.

قمم التلال مطوقة بحلقات سرخسية ذابلة مثل شعر امرأة عجوز حمراء الشعر، وصخرتين كالحتين تراقبان مدخل هذا الخليج الصغير: «بينبولبن ونوكناريا»، قال السائق، وكأنه يقدم لي قريبين بعيدين ما عاد يكترث لهما.

«هناك، قال السائق وأشار إلى الأمام، حيث يبرز برج كنيسة في الضباب؛ غربان تحلق حول البرج، غيمة من الغربان، بدت في البعد مثل ندف ثلج سوداء.

«أعتقد» قال السائق: «إنك تبحث عن ميدان المعركة القديم؟».

«كلا»، قلت:« لم أسمع بأي معركة».

«في عام561»، شرع بالحديث بنبرة مرشد سياحي مخففة، «جرت هنا المعركة الوحيدة في العالم التي حصلت بسبب حقوق النشر». شاهدته يهز رأسه.

«حقيقة»، قال السائق: «نَسَخ أتباع القديس كولومبا ترانيم كتاب ألَّفه القديس فينيان، وتسبب هذا بمعركة بين أتباع القديس كولومبا وأتباع القديس فينيان. ثلاثة آلاف قتيل، ولكن الملك حسم المعركة؛ قال: «كما يعود كل عجل لبقرته، تعود كل نسخة إلى الكتاب». «لا تريد إذن أن تشهد ميدان المعركة؟».

«كلا»، قلت، «أنا أبحث عن قبر».

«آخ»، رد السائق، «ييتس، نعم، وتريد الذهاب بالتأكيد حينها إلى اينيسفري».

«لا أعرف بعد»، قلت، «توقف هنا لحظة من فضلك».

الغربان تطير من على شواهد القبور، وتنعب محلقة حول برج الكنيسة. وكان قبر ييتس مبللاً، والحجر بارداً، والكلام الذي أراد ييتس أن يُكتب شاهداً على قبره كان ببرودة إبر الثلج التي أُطلقت عليّ من قبر سويفت، ويقول «أيها الراكب أرسل نظرة باردة إلى الحياة، وعلى الموت، وواصل ركوبك». نظرت إلى الأعلى: «هل كانت الغربان بجعات مسحورة؟ تنعب نحوي بازدراء، وتخفق حول برج الكنيسة؟».

تطوق السرخسيات الذابلة، التي فلطحها المطر، قمم التلال، بلون نحاسي متأكسد. شعرت بالبرد.

«نواصل»، قلت للسائق.

«إذن، إلى اينيسفري بالفعل؟».

«كلا» قلت، «نعود إلى المحطة».

صخور في الضباب، والغربان السود تحلق حول الكنيسة الوحيدة، وأربعة آلاف كيلومتر من الماء تحيط بقبر ييتس. ولا بجعة على مرمى النظر.

* ولد هاينريش بول في مدينة كولونيا في21 ديسمبر (كانون الأول) 1917 وفارق الحياة يوم 16 يوليو (تموز) 1985. كان أبوه فيكتور بول يعمل نجاراً، وكانت أمه ماريا هي الزوجة الثانية لأبيه. وهو الابن السادس لأبيه. ونشأ وسط عائلة برجوازية كاثوليكية.

ترأس في سنة 1970 نادي القلم PEN Club الألماني الأدبي حتى سنة 1972، وترأس في الفترة نفسها، بين 1971 - 1974، نادي القلم الدولي.

في سنة 1972 حصل هاينريش بول على جائزة نوبل للآداب. وتعد رواية الشرف الضائع لكاترينا بلوم من أشهر رواياته على الإطلاق، وقد ترجمت إلى أكثر من 30 لغة، وحولت إلى فيلم سينمائي، وبيع منها في ألمانيا وحدها نحو 6 ملايين نسخة.

وورد النص المعنون «لا بجعة على مرمى النظر» في كتابه الشهير «يوميات آيرلندية»، الذي ينتظر أن توزع ترجمته العربية في مهرجان القاهرة الدولي للكتاب سنة 2026. وعنوان النص إشارة إلى أحد أشهر دواوين الشاعر وليم بتلر ييتس «البجع البري في كول» وقصيدته التي تحمل الاسم نفسه في المجموعة. والمقصود هنا حديقة كول coole Park المعروفة في آيرلندا.


مقالات ذات صلة

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛

فاضل ثامر
ثقافة وفنون «النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،


مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية