ألاسكا... ولاية أميركية ذات تاريخ روسي

صيادون لدى عودتهم من رحلة بحث عن الإوز والبط قرب بلدة كوينهاغاك في دلتا يوكون بألاسكا في 12 أبريل 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
صيادون لدى عودتهم من رحلة بحث عن الإوز والبط قرب بلدة كوينهاغاك في دلتا يوكون بألاسكا في 12 أبريل 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

ألاسكا... ولاية أميركية ذات تاريخ روسي

صيادون لدى عودتهم من رحلة بحث عن الإوز والبط قرب بلدة كوينهاغاك في دلتا يوكون بألاسكا في 12 أبريل 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
صيادون لدى عودتهم من رحلة بحث عن الإوز والبط قرب بلدة كوينهاغاك في دلتا يوكون بألاسكا في 12 أبريل 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

​كانت ألاسكا التي تستضيف الجمعة قمة بين الرئيسين: الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين، تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية، قبل أن تبيعها في القرن التاسع عشر للولايات المتحدة. لكن النفوذ الروسي لم يتبدد من هذه الولاية الأميركية الواقعة في الدائرة القطبية الشمالية.

مستعمرة روسية سابقة

يُذكر أن المستكشف الدنماركي الذي خدم في البحرية الروسية فيتوس بيرينغ، عندما أبحر في المضيق الذي يفصل بين آسيا والقارة الأميركية عام 1728، كان يقوم برحلة لحساب روسيا القيصرية. ومع العثور على المضيق الذي عُرف لاحقاً بـ«مضيق بيرينغ»، اكتشف إلى غربه منطقة ألاسكا التي كانت تسكنها شعوب أصلية منذ آلاف السنين.

جانب من لقاء بين ترمب وبوتين في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)

كانت رحلة بيرينغ بداية لقرن من الحملات الروسية لصيد الفقمة، مع إقامة أول مستعمرة في جزيرة كودياك. وفي عام 1799 أنشأ القيصر بافل الأول الشركة الروسية- الأميركية لتنظيم تجارة الفراء؛ ما ترافق مع مواجهات مع السكان الأصليين. ولكن الصيد المفرط تسبب في تراجع حاد في أعداد الفقمة وثعالب البحر، وانهار معه اقتصاد المستعمرين.

وفي عام 1867، باعت موسكو ألاسكا إلى واشنطن، مقابل 7.2 مليون دولار. وأثارت الصفقة انتقادات شديدة في الولايات المتحدة، وأُطلق على عملية شراء منطقة تبلغ ضعف مساحة تكساس تسمية «جنون سيوارد»، ربطاً بوزير الخارجية ويليام سيوارد الذي دبَّر الصفقة.

لغات وكنائس

تبقى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي رسخت وجودها في ألاسكا منذ إنشاء الشركة الروسية- الأميركية، من أبرز الشواهد على ماضي الولاية الروسي.

وتنتشر على سواحل ألاسكا أكثر من 35 كنيسة تاريخية، تعلو بعضها قُبَب تتبع أنماط هندسة الكنائس الأرثوذكسية، حسب بيانات جمعية تعمل على حمايتها. وتعتبر أبرشية ألاسكا الأرثوذكسية الأقدم في أميركا الشمالية، وتضم معهداً لاهوتياً أقيم في جزيرة كودياك.

كنيسة القديسة صوفيا الأرثوذكسية في ألاسكا (أ.ف.ب)

واستمرت لغة محلية مشتقة من الروسية وممزوجة باللغات الأصلية عقوداً في مناطق مختلفة، ولا سيما في محيط مدينة إنكوريج الكبرى، ولكنها باتت اليوم على وشك الاندثار.

ورغم ذلك، لا تزال الروسية تُعلَّم في شبه جزيرة كيناي، قرب الأنهار الجليدية الهائلة. هناك تستقبل مدرسة ريفية صغيرة تابعة لمجموعة أرثوذكسية تُعرف باسم «المؤمنين القدامى»، انبثقت من انشقاق حصل في الكنيسة في القرن السابع عشر واستقرت هناك في الستينات، نحو مائة تلميذ تُعلِّمهم باللغة الروسية.

جارتان

ومن أشهر ما قيل عن قرب ألاسكا من روسيا، تصريح أدلت به حاكمة الولاية سارة بايلين في 2008، حين كانت مرشحة لمنصب نائبة الرئيس على تذكرة الجمهوري جون ماكين؛ إذ أعلنت أن «الروس جيراننا في الجهة المقابلة، يمكنكم في الواقع رؤية روسيا من جزيرة في ألاسكا».

قوس قزح يُرى فوق التربة الصقيعية في بلدة كوينهاغاك بألاسكا (أ.ف.ب)

والواقع أنه لا يمكن رؤية روسيا من أي نقطة في بر ألاسكا، غير أن جزيرتين تتقابلان من جانبَي «مضيق بيرينغ» لا يفصل بينهما سوى أقل من 4 كيلومترات.

وإلى الجنوب، وصل روسيان في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 إلى جزيرة سانت لورانس، على مسافة أقل من مائة كيلومتر من السواحل الروسية، لطلب اللجوء في الولايات المتحدة بعدما أعلن بوتين حملة تجنيد عسكري لتعزيز القوات في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا.

ويعلن الجيش الأميركي بانتظام منذ سنوات اعتراض طائرات روسية تقترب من المجال الجوي للولايات المتحدة فوق ألاسكا؛ غير أن روسيا لا تبدي اهتماماً باستعادة السيطرة على ألاسكا التي وصفها بوتين بسخرية في 2014 بأنها «شديدة البرد».


مقالات ذات صلة

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

يتأخر ترمب في إقرار مساعدات الكوارث، ويوافق على طلبات الولايات الجمهورية أكثر من الديمقراطية، في حين يُثير إصلاح وكالة الطوارئ مخاوف من تقليص الدعم الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ جي دي فانس في فعالية قبل الانتخابات التمهيدية في أوهايو 20 أبريل 2022 (أرشيفية - رويترز)

فانس سيبحث ترشحه للرئاسة عام 2028 بعد انتخابات التجديد النصفي

صرَّح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأنه سيناقش مع زوجته إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية عن الحزب الجمهوري لعام 2028 في وقت لاحق من هذا العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب) p-circle

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي... الوضع قد يتدهور... إما أن يتلف الخزان أو أن ينفجر.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس )
الولايات المتحدة​ زعيم الأقلية في مجلس شيوخ فيرجينيا راين ماكدوغل بُعيد جلسة استماع حول الخرائط الجديدة للدوائر الانتخابية في الولاية يوم 27 أبريل (أ.ب)

المحكمة العليا تخلط الحسابات الحزبية والخرائط الانتخابية في أميركا

مع احتفاء الرئيس دونالد ترمب بقرار المحكمة العليا حول قانون حقوق التصويت، اندفع الجمهوريون في لويزيانا وفلوريدا وولايات أخرى للحصول على أفضلية ضد الديمقراطيين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

إدارة ترمب تطلق جهداً عالمياً لمكافحة «سرطان اليسار الإرهابي»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
TT

إدارة ترمب تطلق جهداً عالمياً لمكافحة «سرطان اليسار الإرهابي»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)

دعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إطلاق جهد دولي واسع هو الأول من نوعه عالمياً لمواجهة ما سمته «التهديد المتزايد للإرهاب السياسي اليساري المتطرف»، معتبرة أن السياسات الغربية لمكافحة الإرهاب ركزت خلال العقود الماضية بصورة شبه حصرية على «الإرهاب الإسلاموي»، في حين أغفلت تصاعد العنف الذي تمارسه جماعات اليسار المتطرف.

واستضاف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ممثلين لـ67 دولة في واشنطن، لمناقشة سبل التصدي لما تصفه إدارة ترمب بأنه «التهديد العابر للحدود»، متمثلاً في الجماعات اليسارية المتطرفة، التي اعتبرها نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر «سرطاناً» يجب القضاء عليه.

وفي كلمته الافتتاحية، قال روبيو إن «أهم واجبات الدولة، والمسؤولية الأولى لأي حكومة، هي حماية شعبها»، مضيفاً أن حماية المواطنين «واجب مقدس يجب أن يتجاوز كل الانقسامات السياسية والآيديولوجية». ورأى أن التعاون الدولي خلال العقدين الماضيين نجح في إضعاف التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى القضاء على «داعش»، وقتل قادة مثل أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري، فضلاً عن تطوير منظومات استخبارية حالت دون وقوع هجمات كثيرة في الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن روبيو اعتبر أن «عقيدتنا في مكافحة الإرهاب عانت، لسنوات طويلة، من نقطة عمياء عندما يتعلق الأمر بالعنف المتطرف القادم من اليسار السياسي»، مضيفاً أن مجرد الحديث عن «الإرهاب اليساري» ظل يُعامَل على أنه «خيال يميني» أو «نظرية مؤامرة»، رغم الوقائع التي تشهدها دول غربية عديدة.

السبعينات والثمانينات

واستشهد روبيو بهجمات شهدتها اليونان وألمانيا وفرنسا، وباعتداءات استهدفت البنية التحتية والشرطة والسياسيين، معتبراً أنها دليل على تصاعد العنف الذي تمارسه الجماعات اليسارية والفوضوية في الديمقراطيات الغربية. واستعاد أيضاً تاريخ منظمات مثل «الألوية الحمر» الإيطالية، و«الجيش الأحمر» الياباني، و«منظمة بادر مينهوف» الألمانية، و«17 نوفمبر» اليونانية، و«الدرب المضيء» في بيرو، و«فارك» الكولومبية، إضافة إلى «ويذر أندرغراوند» و«جيش التحرير الأسود» في الولايات المتحدة، مؤكداً أن «93 في المائة من الهجمات الإرهابية في الغرب بين عامَي 1970 و1980 نفذتها جماعات يسارية متطرفة».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في بداية الاجتماع الوزاري حول العنف السياسي في واشنطن (رويترز)

كما اتهم جماعات مثل «أنتيفا» بالعمل عبر شبكات عابرة للحدود، قائلاً إنها تتشارك التمويل والتدريب والدعاية مع جماعات أخرى، ومؤكداً أن بعضها يرتبط أيضاً بشبكات إيرانية والحكومة الكوبية.

وكشف روبيو عن سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترمب، بينها توقيع الرئيس مذكرة الأمن القومي رقم «7»، التي توجّه الوكالات الفيدرالية إلى التحقيق في الشبكات المرتبطة بـ«أنتيفا» وتعطيلها، وإدراج أربع منظمات يسارية متطرفة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، مع إعلان أن «تصنيفات إضافية ستصدر قريباً».

كما أعلن إطلاق برنامج «مكافآت من أجل العدالة» الذي يوفر مكافآت تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تساعد في تعطيل تمويل هذه الجماعات، إضافة إلى تنظيم ورش عمل دولية مع أجهزة إنفاذ القانون، على أن تستضيف ألمانيا الاجتماع المقبل.

«سرطان» اليسار

من جهته، اعتبر نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر أن إدارة ترمب «أعادت توجيه السياسة الأميركية رسمياً من خلال الاعتراف بالعنف اليساري بوصفه إرهاباً سياسياً يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي».

وقال إن مذكرة الأمن القومي الجديدة توجّه، للمرة الأولى، أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون إلى «تعطيل وتحديد وتجفيف مصادر التمويل، وسحب الخدمات المصرفية، واعتقال ومحاكمة الإرهابيين السياسيين اليساريين». وأضاف: «من المهم للغاية أن نفهم أن الإرهاب السياسي اليساري يسعى في نهاية المطاف إلى الإطاحة بنظامنا وشكل حكمنا»، معتبراً أن هذه الحركات «تنتهي دائماً بالاستبداد والقمع والعنف السياسي».

نائب كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن ميلر خلال الاجتماع الوزاري حول العنف السياسي في وزارة الخارجية يوم 16 يوليو (رويترز)

واتهم ميلر جماعات مثل «أنتيفا» بالعمل ضمن شبكات دولية تتشارك التمويل والمعلومات والتنظيم، داعياً إلى تعاون أوثق بين أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون في الدول الحليفة. كما حذّر من أن الديمقراطيات «تقوّض مؤسساتها بنفسها إذا لم يُعاقَب على العنف السياسي».

وأشار كذلك إلى محاولات اغتيال الرئيس ترمب، ومقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك، وارتفاع الاعتداءات على عناصر إدارة الهجرة والجمارك بنسبة «ثمانية آلاف في المائة»، معتبراً أن ذلك يمثل «تمرداً منظماً وممولاً» ضد الحكومة الفيدرالية. وقال: «إذا أدرك اليساريون أن عنفهم ونشاطهم الإجرامي يساعدهم على تحقيق أهدافهم السياسية، فسوف يزدادون جرأة بلا حدود».

وفي ختام كلمته، دعا ميلر الحكومات إلى التحرك قبل فوات الأوان من أجل «اجتثاث هذا السرطان»، قائلاً: «إذا انتظرتم حتى يصبح أسوأ سيناريو واضحاً بحيث لا يستطيع أحد إنكاره؛ فقد خسرتم المعركة بالفعل».

وتزامناً مع المؤتمر، وزّعت وزارة الخارجية الأميركية «ورقة حقائق» قالت فيها إن الاجتماع يهدف إلى «توسيع التنسيق، وتعزيز تبادل المعلومات، وتقوية آليات إنفاذ القانون الدولية» لمواجهة ما وصفته بـ«التهديد المتجدد للإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود».

ووفق الوزارة، شاركت في الاجتماع 67 دولة، معظمها من أوروبا، إضافة إلى دول من آسيا ونصف الكرة الغربي، وكانت إسرائيل الدولة الوحيدة المشاركة من الشرق الأوسط، إلى جانب وزير الخزانة سكوت بيسنت.


الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب)
TT

الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب)

يحاول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، من خلال تحركاته بين البيت الأبيض والكونغرس الأميركي، إقناع واشنطن بأن بغداد مستعدة لفتح صفحة جديدة وموثوقة في العلاقات، لا تقوم على الوجود العسكري ومكافحة الإرهاب فقط، وإنما على الاستثمار والطاقة والإصلاح المالي والتجاري، حسب مقربين من الوفد العراقي الذي يزور الولايات المتحدة حالياً.

فبعد لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعدداً من كبار مسؤولي الإدارة وكبار العسكريين في البنتاغون، عقد الزيدي لقاءات في مبنى «الكابيتول» الأربعاء، حيث اجتمع مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الجمهوري برايان ماست، وأعضاء جمهوريين وديمقراطيين في اللجنة.

وركزت المحادثات على الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز سيطرة الدولة على السلاح، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير بيئة أكثر أمناً وشفافية أمام الشركات الأميركية، كما استعرض الزيدي برنامج حكومته الاقتصادي الذي يستهدف تنشيط القطاعات لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

تأثير «الكونغرس»

حملت هذه الاجتماعات أهمية نظراً إلى دور الكونغرس في تحديد مسار المساعدات الأمنية للعراق والعقوبات والقيود المالية، فضلاً عن قدرته على التأثير في رغبة الشركات الأميركية في الاستثمار بالعراق.

وحاول الزيدي تقديم حكومته بوصفها شريكاً قادراً على الجمع بين متطلبات السيادة العراقية والمصالح الأميركية، وشدَّد على أن حكومته تتبنى سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، وتهيئة المناخ لعمل الشركات الأميركية بأمان داخل العراق.

ووفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات، أبدى أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب من الحزبين تأييداً لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، وزيادة الاستثمارات وتطوير آليات التمويل، وأقرّ المشرعون بالدور المحوري للعراق كعامل للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، غير أن الدعم السياسي في واشنطن يظل مشروطاً، بصورة ضمنية، بقدرة بغداد على تنفيذ التزاماتها الأمنية والمالية، وليس بمجرد الإعلان عنها.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يساراً) ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (يميناً) يحضران اجتماعاً بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض 14 يوليو الحالي (إ.ب.أ)

بيئة معقدة

ويرى باحثون أميركيون أن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يكمن في الحصول على إشارات ترحيب من الإدارة أو الكونغرس، وإنما في ترجمتها إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ داخل بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.

وأشار ديفيد شينكر، الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن الحكومة العراقية الجديدة تحتاج إلى فترة لإثبات قدرتها على التحرك، لكنه حذر من أن استمرار نشاط الفصائل المرتبطة بإيران سيقوّض علاقات بغداد مع الولايات المتحدة والدول العربية ويعرقل التنمية الاقتصادية، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء سيجد صعوبة في فرض مسار جديد، في ظل نفوذ الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة والائتلاف السياسي الذي أوصله إلى السلطة.

بهذا المعنى، تبدو لقاءات الكونغرس محاولة من الزيدي للحصول على «رصيد سياسي» أميركي يسمح له ببدء إصلاحات داخلية صعبة، إلا أن المشرعين الأميركيين سيقيسون نجاحه من خلال مؤشرات محددة، أبرزها منع الهجمات على المصالح الأميركية ودول المنطقة، وتشديد الرقابة على تحويلات الدولار، وإعادة هيكلة المصارف، ووقف استخدام مؤسسات الدولة لتمويل جماعات موالية لإيران.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع في «البنتاغون» 14 يوليو الحالي (أ.ب)

دولة خالية من الفساد

وقد التقى الزيدي أيضاً سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، وأكد له بأن العراق يدخل مرحلة جديدة تهدف إلى بناء دولة ذات سيادة وخالية من الفساد ومدعومة باقتصاد مستدام، محدداً مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة أولويات رئيسية.

وأشار إلى أن العراقيين سيلمسون نتائج ملموسة خلال العام المقبل، لا سيما في قطاعي الطاقة والاستثمار، مستعرضاً خططاً لإعادة هيكلة قطاعي المصارف والتأمين، إلى جانب إجراء تغييرات في الأنظمة الضريبية والجمركية.

في المقابل، أبدى بيسنت دعمه لتحويل مسار العلاقة من الانخراط العسكري إلى الاستثمار والنمو الاقتصادي، مؤكداً استعداد واشنطن لمساعدة العراق في تذليل عقبات التنمية ووضع جدول زمني للإصلاحات.

شركات النفط

وتوجه الزيدي، الخميس، إلى هيوستن بولاية تكساس، التي تُعدّ عاصمة صناعة الطاقة الأميركية، للقاء مسؤولين في شركات نفط وغاز كبرى.

وتمثل هذه المحطة الجانب العملي من رسالته السياسية؛ إذ يريد العراق جذب شركات أميركية إلى تطوير الحقول، وزيادة إنتاج الغاز، وتحسين شبكات الكهرباء، وإقامة مسارات جديدة لتصدير النفط بعيداً عن نقاط الاختناق الإقليمية.

ووفقاً لجدول الزيارة، يجري الزيدي والوفد المشارك معه محادثات مع شركات، بينها «شيفرون» و«إكسون موبيل» و«إتش كي إن إنرجي»، إلى جانب تعاون مرتقب مع «جنرال إلكتريك» لتطوير إنتاج الكهرباء ونقلها. وقد اتخذت الحكومة إجراءات لتخفيف بعض المتطلبات التنظيمية أمام الشركات الأميركية، في محاولة لتغيير الانطباع السائد بأن السوق العراقية شديدة التعقيد بسبب البيروقراطية والنزاعات القانونية والمخاطر الأمنية.

ويقول المحللون إن شركات الطاقة في هيوستن تبحث عن ضمانات تتجاوز الوعود السياسية. فهي تريد عقوداً واضحة، وقدرة على تحويل الأرباح، وحماية المنشآت والعاملين، وآلية مستقرة لتسوية النزاعات، فضلاً عن وضوح العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان في ملفات النفط والغاز. ويظل طموح زيادة الإنتاج مرتبطاً أيضاً بقيود حصص «أوبك بلس»؛ وهو ما يجعل نجاح استراتيجية الزيدي رهناً بالموازنة بين جذب الاستثمارات والالتزام بتعهدات العراق النفطية.

أفاد مصدر بأن من المتوقع أن يوقع العراق أكثر من 18 اتفاقية مع الولايات المتحدة تشمل قطاعات السياسة والاقتصاد والصناعة والطاقة والنفط والتعليم والرعاية الصحية والاستثمار والدفاع، فضلاً عن اتفاقيات إضافية جرى إعدادها بالفعل لتوقيعها خلال الأيام المقبلة.

العراق وسوريا

من جانب آخر، أشار مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إلى أن الولايات المتحدة تدعم جهود العراق وسوريا لإعادة إحياء خط أنابيب للنفط الخام بين البلدين؛ وهو ما من شأنه أن يقلل من تأثير عرقلة إيران إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.

وأضاف المسؤول للصحافيين أن الولايات المتحدة تتوقع من الشركات الأميركية القيام بدور في تسريع عملية إعادة بناء خط كركوك- بانياس، الذي خرج في معظمه من الخدمة منذ تعرضه لأضرار خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وسيمتد خط الأنابيب المعاد تأهيله من حقول النفط العراقية قرب كركوك إلى الساحل الغربي لسوريا.


إدارة ترمب تدوّل ملف «أنتيفا»

روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
TT

إدارة ترمب تدوّل ملف «أنتيفا»

روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)

دعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وزراء ومسؤولين كباراً من أكثر من 60 دولة إلى اجتماع في واشنطن، الخميس، لبحث ما تصفها إدارة الرئيس دونالد ترمب بأنها «عودة الإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود»، في خطوة نقلت ملف حركة «أنتيفا» من الجدل الداخلي الأميركي إلى ساحة دبلوماسية أوسع.

ووفق صحيفة «واشنطن بوست»، فقد أثارت الدعوة قلق مسؤولين أميركيين وأوروبيين ومحللين مستقلين لا يرون التهديد بالصيغة نفسها التي تعرضها الإدارة. وكانت «رويترز» قد ذكرت أن روبيو يعتزم استضافة اجتماع وزاري بمشاركة عشرات الدول من أوروبا والأميركتين وآسيا لمناقشة «عودة العنف السياسي».

من واشنطن إلى الحلفاء

رسمياً، تقول وزارة الخارجية الأميركية إن الاجتماع يأتي في سياق مواجهة تهديد قديم يعاود الظهور بروابط عابرة للحدود. وقد دافع المتحدث باسم «الخارجية»، تومي بيغوت، في بيان، عن المبادرة قائلاً إن «الإرهاب اليساري المتطرف» لم يعالَج بما يكفي في السابق، وإن «كل تواصل، أو تصنيف، أو برنامج مساعدة أمنية، يراكم أثراً يدعم إجراءات المواجهة في الداخل والخارج».

وأبدى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين، وفق صحيفة «واشنطن بوست»، ارتباكاً من الدعوة وأهدافها. بل قال أحدهم إن بلاده «ليس لديها (أنتيفا)» بالمعنى الذي تتحدث عنه واشنطن. وهذا يعكس فجوة في تقدير الخطر: إدارة ترمب تنظر إلى «أنتيفا» بوصفها جزءاً من تهديد يساري عابر للحدود، في حين ترى عواصم أوروبية أن أولوياتها الأمنية تتركز في ملفات أخرى؛ من «الإرهاب الإسلاموي» إلى «اليمين المتطرف» و«التدخلات الروسية» حتى «أمن الحدود».

غوركا والتصنيف الأخطر

الأشد حساسية في هذا المسار لا يتعلق بالاجتماع وحده، بل بما كشفت عنه «واشنطن بوست» من مناقشات أجراها سيباستيان غوركا، مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارة ترمب، مع زملاء له بشأن استخدام تصنيفات الإرهاب الأجنبية ضد «أنتيفا».

والغاية المحتملة من ذلك، وفق مسؤولين تحدثوا للصحيفة، هي تبرير ملاحقة أميركيين يُعتقد أن لهم صلات بالحركة؛ لأن الربط بجهات أجنبية قد يفتح أدوات تحقيق أوسع، بينها المراقبة. ووفق هؤلاء، فقد ينتقل الملف من خطاب سياسي ضد اليسار الراديكالي إلى سؤال قانوني بالغ الحساسية: هل يمكن استخدام أدوات مكافحة الإرهاب الخارجية في صراع داخلي أميركي؟

وتزداد الإشكالية لأن «أنتيفا» ليست تنظيماً مركزياً له قيادة وعضوية وتمويل وهيكل واضح، بل مظلة فضفاضة لناشطين ومجموعات مناهضة للفاشية واليمين المتطرف. بعض هؤلاء ينشط في الاحتجاج السياسي، وبعضهم تورط في أعمال عنف.

لذلك؛ يرى خبراء أن تحويل «أنتيفا» منظمةً إرهابيةً أجنبيةً يواجه عقبات قانونية؛ لأن القانون الأميركي يتعامل مع المنظمات الأجنبية ذات البنية المحددة، لا مع تيار داخلي واسع ومتشظٍ. كما أوضحت «أسوشييتد برس» أن الولايات المتحدة لا تملك آلية قانونية مماثلة لتصنيف جماعات داخلية رسمياً «منظماتٍ إرهابيةً»؛ بسبب قيود «التعديل الأول» وحماية حرية التعبير والتنظيم.

ووفق «واشنطن بوست»، فقد حذر أحد مسؤولي إدارة ترمب بأن استخدام تصنيفات الإرهاب والأدوات الأمنية ضد «أنتيفا» قد يخلق سابقة خطيرة يمكن أن تستعملها إدارة ديمقراطية لاحقة ضد المحافظين. ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين أن المسار الحالي قد يفتح الباب أمام إدارة ديمقراطية مستقبلية، ربما بقيادة حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم إذا وصل إلى البيت الأبيض، لاستخدام السلطات نفسها ضد ناشطين يمينيين. بهذا المعنى، لا يعود الاعتراض دفاعاً عن «أنتيفا»، بل يصبح تحذيراً مؤسسياً من توسيع أدوات مكافحة الإرهاب داخل المجال السياسي، بحيث تصبح قابلة للتداول بين الإدارات المتعاقبة.

عنف سياسي؟

لا يعني ذلك أن العنف اليساري غير موجود أو أن تجاهله ممكن، فقد أصدرت وزارة العدل، في يونيو (حزيران) الماضي، أحكاماً قاسية بحق أفراد وصفتهم بأنهم أعضاء في «خلية (أنتيفا) بشمال تكساس» على خلفية هجوم على منشأة تابعة للهجرة والجمارك، بينها حكم بالسجن 100 عام على بنيامين هانيل سونغ بعد إدانته بمحاولة قتل ضابط إنفاذ قانون. وقدمت الوزارة القضية بوصفها دليلاً على وجود عنف منظم ضد منشآت اتحادية.

لكن تحويل هذه الوقائع عقيدةً أمنيةً شاملةً يظل موضع خلاف. فـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلص إلى أن هجمات ومخططات اليسار المتطرف زادت في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، وأن عام 2025 شهد لأول مرة منذ أكثر من 3 عقود عدداً أعلى من حوادث اليسار المتطرف مقارنة باليمين المتطرف. لكنه لفت أيضاً إلى أن الزيادة جاءت من مستويات منخفضة، وأن العنف «اليميني» و«الإسلاموي» ظل تاريخياً أشد فتكاً.

لذلك؛ فإن الخطر في مبادرة روبيو لا يكمن فقط في الاعتراف بوجود عنف يساري، بل في احتمال تضخيمه ليصبح مدخلاً لإعادة تعريف «الاحتجاج الراديكالي» على أنه «تهديد إرهابي عابر للحدود»، وتبرير تدويله وتحويله أولويةً دبلوماسيةً كبرى.

وتؤكد استراتيجية إدارة ترمب لمكافحة الإرهاب؛ الصادرة في مايو (أيار) 2026، أنها لن تستخدم قدرات الدولة ضد الأميركيين لمجرد اختلافهم السياسي، لكنها في الوقت نفسه تضع «المتطرفين اليساريين العنيفين»، بمن فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية، ضمن «فئات التهديد الرئيسية» إلى جانب «العصابات العابرة للحدود» و«الجماعات الإسلاموية».