قلق أوروبي من تفرّد ترمب بالملف الأوكراني

قادة 7 دول شدّدوا على أهمية مشاركتهم في الاتصالات لحماية مصالحهم «الحيوية»

صورة لقادة «مجموعة السبع» بمناسبة اجتماعهم في ولاية ألبرتا الكندية يوم 16 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لقادة «مجموعة السبع» بمناسبة اجتماعهم في ولاية ألبرتا الكندية يوم 16 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
TT

قلق أوروبي من تفرّد ترمب بالملف الأوكراني

صورة لقادة «مجموعة السبع» بمناسبة اجتماعهم في ولاية ألبرتا الكندية يوم 16 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لقادة «مجموعة السبع» بمناسبة اجتماعهم في ولاية ألبرتا الكندية يوم 16 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

منذ عشر سنوات، لم تطأ قدما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأرض الأميركية. ففي شهر سبتمبر (أيلول) من العام 2015، زار بوتين نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وللقاء الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لغرض بحث ملف الحرب السورية.

ويوم الجمعة المقبل، 15 أغسطس (آب)، سيطأ بوتين مجدداً الأراضي الأميركية للمشاركة في قمة مع الرئيس دونالد ترمب بولاية ألاسكا التي اشترتها الولايات المتحدة من روسيا القيصرية في عام 1876. ولا يفصل روسيا عن هذه الولاية سوى مضيق «بيرينغ» الذي يشكل الحدود البحرية الوحيدة بين البلدين.

ورغم الرمزية التي يحملها اختيار مكان القمة، فإن الأهمية تكمن في مكان آخر؛ إذ إنها الأولى التي تجمع الرئيسين منذ عام 2019، وبعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية.

والأخير الذي تواصل مع نظيره الروسي في كثير من المرات، حزم أخيراً أمره بعد تردّد دام ستة أشهر. وكانت زيارة مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف الناجحة إلى موسكو، قد مهّدت الأرضية للقاء القمة. وكان ترمب أول من أعلن زمن ومكان اللقاء، الذي سيتركز، بالدرجة الأولى، على ملف الحرب في أوكرانيا. وطموح ترمب أن يتمكن من التفاهم مع بوتين لوضع حدّ لهذه الحرب، ما سيفتح أمامه الطريق للفوز بجائزة «نوبل» للسلام على غرار الرئيسين جيمي كارتر وباراك أوباما.

مصادر القلق الأوروبي

منذ معرفة موعد اللقاء، دبّ النشاط في المؤسسات الدبلوماسية الغربية، خصوصاً الأوروبية. فالعواصم الأوروبية التي هللت للتباعد بين ترمب وبوتين، وتهديد الأول بفرض عقوبات مباشرة على روسيا وعقوبات ثانوية على الدول التي تشتري منها النفط، وأهمها الصين والهند، تلقّت خبر اللقاء بكثير من الريبة والقلق. ومصادر قلقها، كما تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، متعددة. أولها أن القمة «ثنائية»، ما يعني أن مصير أوكرانيا يمكن أن يتقرر «على حسابها»، وبعيداً عن رئيسها فولوديمير زيلينسكي الذي يدعو، منذ أشهر، إلى لقاءات «على مستوى القادة»، ولكن دون جدوى لرفض بوتين الاجتماع به.

صورة لآخر لقاء بين الرئيس دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في «قمة العشرين» بأوساكا يوم 14 يونيو 2019 (د.ب.أ)

ومصدر القلق الثاني، بحسب المصادر، انعدام الثقة بما قد يُقرّره ترمب واستعداده المفترض للتجاوب مع مطالب بوتين التي تضمّنتها المذكّرة الروسية الرسمية التي قُدّمت للوفد الأوكراني في اجتماع إسطنبول. وتريد موسكو اعترافاً رسمياً من كييف بضمّ أربع مناطق أوكرانية، هي دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، التي ضمتها روسيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) عام 2022، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها في عام 2014.

وثمة مطالب روسية أخرى، مثل تخلّي كييف عن السعي إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وخفض عديد قواتها العسكرية، ورفض تمركز قوات غربية - أطلسية على أراضيها.

وجاء تصريح ترمب منذ يومين، حيث أعلن أنه «سيكون هناك بعض تبادل للأراضي، لما فيه مصلحة الطرفين» ليفاقم قلق كييف والعواصم الأوروبية، خصوصاً أن القوات الأوكرانية لم تعُد تسيطر على أراض روسية للتفاوض على أساسها بعد أن أُخرجت من منطقة كورسك الروسية.

وأخيراً، لا يريد الأوروبيون أن يبقوا بعيداً عن المفاوضات التي لا تعني أوكرانيا وحدها، بل أيضاً أمن أوروبا، ولأن ما سيحصل لأوكرانيا سيكون له تأثير مباشر على أمن القارة الأوروبية.

حراك دبلوماسي

بالنظر لهذه المخاوف، يمكن تفهم تسارع وكثافة الاتصالات بين الأطراف الأوروبية.

فالقادة الرئيسيون سارعوا للاتصال بنظيرهم الأوكراني لطمأنته ولشدّ أزره. ووفّر اجتماع لندن يوم السبت، الذي ضمّ وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وممثلين عن أوكرانيا والدول الأوروبية الرئيسية، الفرصة ليطرح الأوروبيون «خطة بديلة» تضُمّ مقترحاتهم لتحقيق السلام في أوكرانيا.

جانب من اجتماع بين ترمب وزيلينسكي في الفاتيكان يوم 26 أبريل (أ.ب)

وفيما لم يتم الإعلان رسمياً عن حيثيات الخطّة، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الطرف الأوروبي قدّم اقتراحاً مضاداً يدعو للتوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل اتّخاذ أي خطوات أخرى، وأن يكون أي تبادل للأراضي مقابل ضمانات أمنية حازمة.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أوروبي قوله: «لا يمكن بدء أي عملية (تفاوضية) بالتنازل عن أراض في خضم القتال». بيد أن الموقف الأوروبي الشامل والمتكامل ورد في البيان الصادر ليل السبت - الأحد عن قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا وإيطاليا وفنلندا ورئيسة المفوضية الأوروبية، الذي، رغم إشادته بمساعي ترمب، يرسم صورة مغايرة لكيفية التوصل إلى اتفاق سلام ولشروطه.

وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال اجتماع في تشيفنينغ هاوس بكينت جنوب شرقي لندن (أ.ب)

فبدايةً، يرى القادة أن طريق النجاح يفترض «اتّباع نهج يجمع بين الدبلوماسية الفاعلة، والدعم المتواصل لأوكرانيا، وممارسة الضغط على روسيا الاتحادية لوقف حربها غير القانونية» على أوكرانيا. ويرى الأوروبيون أنه «لا يمكن إجراء مفاوضات جادّة إلا في سياق وقفٍ لإطلاق النار، أو خفض ملموس في وتيرة الأعمال العدائية»، وأنه يتعين التمسك بالمبدأ القائل إن «الحدود الدولية لا يجوز تغييرها بالقوة. وينبغي أن يكون خط التماس الحالي هو نقطة الانطلاق لأي مفاوضات».

وفي السياق عينه، جدّد الأوروبيون «تمسكهم الثابت بسيادة أوكرانيا واستقلالها وسلامة أراضيها»، فضلاً عن تواصل «وقوفهم الحازم إلى جانب أوكرانيا». كذلك، لا يغفلون التذكير بأن «أي حلّ دبلوماسي يجب أن يراعي المصالح الأمنية الحيوية لأوكرانيا وأوروبا».

هوة شاسعة

يعكس البيان الأوروبي الهُوّة الشاسعة بين المقاربتين الأميركية والأوروبية، رغم أن القادة السبعة يشيدون «بجهود» الرئيس ترمب الهادفة لـ«وقف المجازر في أوكرانيا، وإنهاء حرب العدوان التي تشنها روسيا الاتحادية، وتحقيق سلام عادل ودائم يضمن الأمن لأوكرانيا». لكنهم يطالبون بتوافر معطيات لا تنُصّ عليها مبادرة ترمب، مثل وقف إطلاق النار تمهيداً للمفاوضات، والالتزام بسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، فيما ترمب يتقبل مطلقاً مبدأ أن كييف ستخسر جانباً من أراضيها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في المكتب البيضاوي يوم 28 فبراير (إ.ب.أ)

وعندما يتحدث ترمب عن السلام، لا يأتي على ذكر أوروبا، فيما الأوروبيون يتخوفون مما قد يقدم عليه بوتين إذا غضّ الغرب النظر عما فعله في أوكرانيا.

كذلك، يشدد الأوروبيون على أن ضمان المصالح الحيوية لأوكرانيا وأوروبا يفترض «الحاجة إلى ضمانات أمنية قوية وموثوقة» أميركية بالدرجة الأولى. والحال أن الإدارة الأميركية لم تُعرب أبداً عن استعدادها لتوفير ضمانات تطلبها كييف والعواصم الأوروبية.

وسارع زيلينسكي، الذي أجرى مروحة واسعة من المحادثات مع القادة الأوروبيين في اليومين الماضيين، إلى التعبير عن «موافقته» على بيانهم، مشدداً على أن الأوكرانيين «لن يعطوا أرضهم للمحتل» الروسي، وأن «طريق السلام لا يمكن أن يتحقق من غير أوكرانيا». لكن الواضح اليوم أن طموحات زيلينسكي لن تتحقق. وقد لخّص رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، في مقطع فيديو الأحد، وضع زيلينسكي بقوله إن كييف «سوف تعاني» من لقاء ترمب - بوتين، بحيث ستكون «الخاسرة»، مستعيداً مثلاً أفريقياً يقول: «عندما تتقاتل الأفيال، تعاني الحشائش»، مشيراً إلى أن أوكرانيا هي «الضحية» الحتمية لتناحر الكبار.


مقالات ذات صلة

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)

بدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس المخاوف بشأن مدى الصواريخ الإيرانية التي يمكن نظرياً أن تصل أيضاً إلى أهداف في أوروبا.

وقال الوزير خلال زيارة إلى ثكنة عسكرية أسترالية قرب مدينة بريسبان على الساحل الشرقي لأستراليا: «أوروبا آمنة، خاصة أن ألمانيا لا تدافع عن نفسها بمفردها في إطار الدفاع الجوي، بل يتم ذلك في سياق قوات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشار بيستوريوس أيضاً إلى بناء نظام الدفاع الجوي «آرو 3» الذي تم شراؤه من إسرائيل، والذي سيكون جاهزاً للاستخدام قريباً، وقال: «هذا يمثّل قفزة كبيرة إلى الأمام. ما زلت أتذكر الأصوات المنتقدة عندما قمنا بشرائه. كان يقال إنه لا توجد أصلاً صواريخ يتعين على هذا النظام التصدي لها».

ومن المفترض أن يكون «آرو 3» قادراً على تدمير الصواريخ المعادية حتى على ارتفاعات تزيد على 100 كيلومتر، وهي قدرة لا تمتلكها القوات المسلحة الألمانية حتى الآن. ويُعد موقع سلاح الجو في شونيفالده/هولتسدورف على الحدود بين ولايتي سكسونيا-أنهالت وبراندنبورغ الألمانيتين، والذي يضم ميداناً للتدريب العسكري، أول ثلاثة مواقع مخطط لها لتمركز نظام «آرو» بها في ألمانيا.

وقال بيستوريوس بشأن مدى أنظمة الأسلحة الباليستية الإيرانية: «بالطبع يمكن نظرياً لهذه الصواريخ أن تصل إلى أوروبا. لكننا - بصراحة - كنا نعرف ذلك من قبل. السؤال هو: بأي تسليح وبأي دقة؟ ولهذا فإننا نعتمد على قدرة الدفاع المشتركة التي تم تشكيلها في إطار الناتو».

وفيما يتعلق بالدفاع الجوي، أشار الوزير أيضاً إلى أن الصواريخ الموجهة لنظام «باتريوت» الأميركي ستصنعها قريباً في ألمانيا شركة «إم بي دي إيه» للصناعات الدفاعية، وقال: «لكن -لأكون صريحاً - لا يمكننا الإسراع أكثر من ذلك. لقد تم إطلاق هذا المشروع بالفعل في وقت مبكر».


حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.