عائلات سودانية تُعيد دفن أبنائها مع نقل رفاتهم من مقابر عشوائية

عناصر «الهلال الأحمر» السوداني عثروا على 307 قبور عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)
عناصر «الهلال الأحمر» السوداني عثروا على 307 قبور عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

عائلات سودانية تُعيد دفن أبنائها مع نقل رفاتهم من مقابر عشوائية

عناصر «الهلال الأحمر» السوداني عثروا على 307 قبور عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)
عناصر «الهلال الأحمر» السوداني عثروا على 307 قبور عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

ينبش متطوعو «الهلال الأحمر» السوداني قبوراً عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم، حفرتها عائلات لدفن أقاربهم الذين قضوا خلال الحرب، في وقت حال فيه القصف الجوي والمعارك دون دفنهم في المقابر الرسمية.

وبعدما دفنوا على عجل في باحات المنازل والمدارس والساحات العامة، أتيحت للعديد من العائلات أخيراً إقامة مراسم وداع لائقة لنحو ألفين من أفرادها لقوا حتفهم خلال الحرب المتواصلة منذ أبريل (نيسان) 2023.

واستفادت العائلات ومتطوعو «الهلال الأحمر» من الهدوء الذي باتت الخرطوم تنعم به نسبياً منذ تمكن الجيش في يونيو (حزيران) من إخراج «قوات الدعم السريع» منها، لإخراج رفات الضحايا من المقابر العشوائية ونقلها.

متطوعو «الهلال الأحمر» السوداني ينقلون رفات من حي الأزهري إلى شاحنة تمهيداً لدفنها بشكل لائق في مقبرة أخرى (أ.ف.ب)

في حي الأزهري، يحمل متطوعون يرتدون بزات بيضاء وقفازات حمراء وأقنعة واقية، رُفوشاً لإزالة طبقات التراب عن رفاتٍ دُفنت كيفما اتفق. ويرفع هؤلاء الجثث بعناية، قبل وضعها في أكياس جثث تحمل بطاقات تعريف، ووضعها في شاحنات صغيرة ستحملها إلى مقبرة الأندلس على بُعد نحو 10 كيلومترات.

أما الجثث التي لم يتعرف عليها أحد، فيقوم المتطوعون بتمييزها بملصقات مختلفة والاحتفاظ ببياناتها.

ويقول هشام زين العابدين، رئيس قطاع الطب الشرعي في الخرطوم، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن فريقه عثر على 307 قبور عشوائية في حي الأزهري كانت «موجودة أمام البيوت وفي المساجد والمدارس»، مشيراً إلى أن ذويهم لم يتمكنوا من دفنهم على نحو لائق أو إقامة جنازات، في ظل المعارك بين طرفي الحرب.

متطوعو «الهلال الأحمر» السوداني ينبشون قبوراً عشوائية في حي الأزهري بجنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

وبُعيد اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، سيطرت «قوات الدعم السريع» على مدن رئيسية بينها الخرطوم.

«لم نجد مكاناً لدفنها»

في مساحة ترابية واسعة، تنتشر فيها بقع من العشب الأخضر، تراقب جواهر آدم بحزن عميق متطوعي «الهلال الأحمر» وهم يعملون بمساعدة جرافتين على نبش قبر، يضم رفات ابنتها التي قضت خلال المعارك. وتقول جواهر، والدموع تنهمر من عينيها، في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان عمرها 12 عاماً».

وتُشير إلى أن ابنتها كانت خارج المنزل لشراء حذاء جديد حين قتلت جرّاء قصف لم تُحدد مصدره، مضيفة: «لم نجد مكاناً لدفنها، فدفناها في الحي».

عناصر «الهلال الأحمر» السوداني ينقلون رفات في حقيبة سوداء من قبور عشوائية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

تختبر جواهر للمرة الثانية مشاعر دفن ابنتها «ولكن هذه المرة بكرامة»، مضيفة: «الأمر مؤلم ولكن إكرام الميت دفنه».

وأسفرت الحرب التي اندلعت بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو الملقب بـ«حميدتي»، عن مقتل عشرات الآلاف من السودانيين.

وفي حين أشار المبعوث الأميركي السابق، توم بيرييلو، إلى أن ما لا يقل عن 150 ألف شخص قتلوا خلال العام الأول من المعارك، يبقى تحديد حصيلة دقيقة شبه مستحيل.

عناصر «الهلال الأحمر» السوداني وضعوا الرفات في شاحنات صغيرة ستحملها إلى مقبرة الأندلس على بعد نحو 10 كلم من حي الأزهري (أ.ف.ب)

ووقعت العديد من المعارك الدامية في أحياء مكتظة بالسكان، في غياب بنى تحتية صحية أو مشافٍ لمعالجة الجرحى أو إجراء تعداد دقيق للجثث.

وحسب كلية لندن للصحة العامة والطب الاستوائي، سجَّلت الوفيات في الخرطوم خلال الأشهر الـ14 الأولى من الحرب زيادة نسبتها 50 في المائة، وأحصت الكلية 61 ألف وفاة خلال تلك الفترة، بينها 26 ألفاً بسبب أعمال العنف.

مقبرة إلى مدرسة

حين دفن السودانيون أقاربهم في المقبرة وسط حي الأزهري، وضعت مكان كل جثة قطعة خشبية أو شاهد قبر موقت أو أحجار نقشت عليها أسماؤهم.

وتمكّن «الهلال الأحمر» حتى الآن من انتشال نحو ألفي جثة في العاصمة الخرطوم، ويُقدّر أن المقابر العشوائية المنتشرة في المدينة تحتوي على ما لا يقل عن عشرة آلاف رفات.

الجثث التي لم يتعرف عليها أحد يميزها متطوعو «الهلال الأحمر» السوداني بملصقات مختلفة مع الاحتفاظ ببياناتها (أ.ف.ب)

وبينما تتابع العديد من الأمهات بحزن وعيون دامعة نقل رفات أقاربهن من المقبرة العشوائية في حي الأزهري، لا تزال آلاف غيرهن يجهلن مصير أبنائهن.

خلال العام الماضي، أحصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر 8 آلاف مفقود في السودان، مشددة على أن ذلك يبقى «الجزء الظاهر من جبل الجليد، من إجمالي حالات المفقودين».

وقبل الحرب، كان يسكن الخرطوم نحو 9 ملايين نسمة، نزح منهم 3 ملايين ونصف مليون على الأقل جرّاء المعارك، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة التي تتوقع عودة مليوني شخص إلى الخرطوم قبل نهاية العام الحالي.

متطوعو «الهلال الأحمر» السوداني ارتدوا بزات بيضاء وقفازات حمراء ووضعوا أقنعة واقية خلال نبش قبور عشوائية جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

إلا أن ذلك يتوقف على استقرار الوضع الأمني وعودة البنى التحتية للعمل، إذ ما زالت معظم مناطق العاصمة بلا كهرباء أو مياه نظيفة، في حين تحوّلت المدارس والمستشفيات إلى حطام.

بعد انتشال الجثث من حي الأزهري، سيتمكن المسؤولون المحليون من المُضي في مشروع بناء المدرسة، التي كان مقرراً إنشاؤها في تلك الساحة، حسب يوسف محمد الأمين، المدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء جنوب الخرطوم.

ويوضح، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «إن شاء الله سكان الحي سينشئون فيه مدارس لتعليم أبنائهم. الرفات التي كانت موجودة في الميدان كانت تعوق بناء المدرسة».


مقالات ذات صلة

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

شمال افريقيا البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مع «الكتلة الديمقراطية» إطلاق حوار سياسي داخلي... فيما احتضنت نيروبي اجتماعات لقوى «صمود».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا دبابتان متضررتان أمام مبنى بنك السودان المركزي بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة في أبريل 2025 (أ.ف.ب) p-circle

السودان يرفض العقوبات الأميركية واتهامه باستخدام أسلحة كيماوية

رفضت الحكومة السودانية بشدة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية عليها، بسبب اتهامها للجيش باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج الطائرة السعودية الإغاثية حملت مساعدات إنسانية متنوعة شملت سلالاً غذائية ومواد طبية (واس)

طائرة إغاثية سعودية تصل إلى السودان

وصلت طائرة إغاثية سعودية، الاثنين، إلى «مطار الخرطوم الدولي» بالسودان، تحمل على متنها مساعدات إنسانية متنوعة تشتمل على سلال غذائية ومواد طبية تزن 10 أطنان...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا مصر تتحسب لاضطرابات سد النهضة الإثيوبي مع انخفاض الأمطار (صفحة وزارة الري على فيسبوك)

مصر تتحسب لاضطرابات السد الإثيوبي «غير الشرعي» مع انخفاض الأمطار

تتحسب مصر لاضطرابات «سد النهضة» الإثيوبي الذي تصفه بـ«غير الشرعي» خصوصاً مع انخفاض معدلات الأمطار خلال الموسم الحالي

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا المسؤولة الأممية تتجول في معرض تراثي بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

مسؤولة أممية تشارك في حملة «تعافي نساء السودان من آثار الحرب»

إلى طاولة صغيرة جلست مسؤولة أممية رفيعة المستوى تستمع باهتمام كبير لعدد من السودانيات يروين تجاربهنّ الخاصة في فترة الحرب.

وجدان طلحة (الخرطوم) «الشرق الأوسط» (لندن)