عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

تنبذ مبدأ الامتناع عن توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات
TT

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

في تحول كبير، تبنّت «غوغل»، و«أوبن إيه آي» و«ميتا»، إضافة إلى أصحاب رؤوس الأموال المغامرة - الذين نبذ الكثير منهم سابقاً المشاركة في الحروب - المجمع الصناعي العسكري.

أندريوبوسورث رئيس التكنولوجيا في «ميتا» وبوب ماكغرو المستشار في «مختبر ثنكنغ ماشينس» والرئيس الأسبق للباحثين في «أوبن أيه آي» وشيام سنكير رئيس التكنولوجيا في «بالانتير» وكيفن ويل مدير المنتجات في «أوبن إيه آي» في حفل منحهم الألقاب العسكرية

قادة التكنولوجيا يرتدون البزة العسكرية

في حفل أقيم في يونيو (حزيران) في قاعدة ماير - هندرسون هول المشتركة في أرلينغتون، فرجينيا، اصطف أربعة مسؤولين تنفيذيين حاليين وسابقين من «ميتا» و«أوبن إيه آي» و«بالانتير» (Palantir) على خشبة المسرح لأداء القسم الخاص بدعم الولايات المتحدة والدفاع عنها.

كان الجيش الأميركي قد أنشأ للتو وحدة ابتكار تقني مخصصة للمسؤولين التنفيذيين، الذين كانوا يرتدون معدات وأحذية قتالية. وفي هذا الحدث، أُعلن عن رتبة مقدم لكل منهم في الوحدة الجديدة، المفرزة 201، التي ستقدم المشورة للجيش بشأن التقنيات الجديدة للقتال المحتمل.

وقال وزير الجيش، دانيال دريسكول، عن المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، الذين خضعوا منذ ذلك الحين لتدريب أساسي: «نحن في حاجة ماسة إلى ما يجيدونه. إنه لأمرٌ لا يُوصف مدى امتناننا لمخاطرتهم بالقدوم ومحاولة بناء هذا التعاون معنا».

وعلى مدار العامين الماضيين، انغمس قادة ومستثمرو وادي السيليكون - الذين نبذ الكثير منهم سابقاً المشاركة في الأسلحة والحرب - في المجمع الصناعي العسكري.

من حظر الذكاء الاصطناعي في تطوير السلاح... إلى توظيفه

قامت شركات «ميتا» و«غوغل» و«أوبن إيه آي»، التي كانت تتضمن في سياساتها المؤسسية في السابق بنوداً تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في ميدان تطوير الأسلحة، بإزالة هذه الصياغة.

وتُطور «أوبن إيه آي» تقنية مضادة للطائرات من دون طيار، بينما تُصنع «ميتا» نظارات الواقع الافتراضي لتدريب الجنود على القتال. في الوقت نفسه، تشهد شركات الأسلحة والدفاع الناشئة ازدهاراً ملحوظاً.

من «عدم ارتكاب أعمال الشرّ»... إلى الادعاء بـ«الوطنية»

ويُعدّ هذا التغيير جزءاً من تحول ثقافي كبير في وادي السيليكون. فقبل عقد من الزمان، رفعت شركات التكنولوجيا شعارات مثل «ربط العالم» (connecting the world) و«عدم ارتكاب أعمال الشر» (do no evil)، وتعهدت بعدم استخدام تقنياتها لأغراض عسكرية. كان العمل مع الحكومة الأميركية غير مرغوب فيه لدرجة أن عقود البرمجيات والحوسبة السحابية مع وزارة الدفاع أثارت احتجاجات موظفي التكنولوجيا.

الآن، «انقلبت الأمور»، هذا ما قاله أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «ميتا» وأحد العسكريين الجدد في المفرزة 201، في مؤتمر تقني عُقد في سان فرانسيسكو في يونيو. وأضاف: «هناك أساس وطني أقوى بكثير مما أعتقد أن الناس ينسبونه إلى وادي السيليكون». ومن المقرر أن يخدم بوسورث بعض أيام الخدمة الاحتياطية في الجيش كل عام.

نموذج أولي لنظارات الواقع المعزز لجنود الجيش الأميركي

وقد دُفعت عسكرة عاصمة التكنولوجيا في البلاد بفعل المناخ السياسي المتغير، والمنافسة مع الصين على قيادة التكنولوجيا، والحروب في أوكرانيا وغزة، حيث أصبحت الطائرات من دون طيار وأنظمة الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي حاسمة في المعارك. دفعت هذه الحروب البنتاغون إلى البدء في تحديث ترسانة الأسلحة الأميركية، وهي خطوة أيدها الرئيس ترمب.

تحذيرات من فقدان السيطرة على الابتكارات التكنولوجية

لكن بعض المسؤولين التنفيذيين والمهندسين في مجال التكنولوجيا يواجهون صعوبات في التعامل مع الأضرار المحتملة لهذا التحول. فبمجرد أن يبن المصممون طائرات مسيَّرة ذاتية القيادة وأسلحة ذكاء اصطناعي للجيش، لن يكون لديهم سيطرة تُذكر على كيفية نشر هذه التكنولوجيا. وقد أدى ذلك إلى نقاشات حول ما إذا كانت هذه الأسلحة المتطورة ستقتل عدداً أكبر من الناس مقارنةً بالأسلحة التقليدية، وفقاً لثلاثة مهندسين في «غوغل» و«ميتا».

وقالت مارغريت أومارا، مؤرخة التكنولوجيا في جامعة واشنطن: «تتميز شركات وادي السيليكون هذه بتنافسية شديدة، وفي سعيها لدخول قطاعات الدفاع هذه، فلا يوجد لديها داعٍ للتوقف كثيراً للتفكير»، بالمور.

البنتاغون موَّل وادي السيليكون في نشأته

تُعدّ عسكرة وادي السيليكون، من نواحٍ عدة، عودةً إلى جذور المنطقة.

فقبل أن تُصبح تلك المنطقة مركزاً للتكنولوجيا، كانت أرضاً ريفية زاخرة ببساتين الفاكهة. ففي خمسينات القرن الماضي، بدأت وزارة الدفاع الأميركية في الاستثمار في شركات التكنولوجيا في المنطقة؛ بهدف منافسة المزايا التكنولوجية الروسية خلال الحرب الباردة. وهذا ما جعل الحكومة الفيدرالية أول داعم رئيسي لوادي السيليكون.

احتضنت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، وهي قسم تابع لوزارة الدفاع الأميركية، لاحقاً تقنيات - مثل الإنترنت - أصبحت أساساً لأكبر شركات وادي السيليكون. في عام 1998، حصل طالبا الدراسات العليا في جامعة ستانفورد، سيرغي برين ولاري بيج، على تمويل من وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (داربا) ووكالات حكومية أخرى لإنشاء «غوغل».

ولكن في أواخر التسعينات وبداية الألفية الثانية، اتجهت شركات التكنولوجيا نحو تقنيات الاستهلاك مثل التجارة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. وقدمت أنفسها بأنها ترسخ ديمقراطية التكنولوجيا للجماهير، جاذبة بذلك قوة عاملة ليبرالية إلى حد كبير عارضت العمل مع المؤسسة الدفاعية.

أعلنت «غوغل» في مؤتمر لها عام 2018 عن مبادئها لمنع توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة وإيذاء البشر

احتجاجات ضد العسكرة

في عام 2018، احتجّ أكثر من 4000 موظف في «غوغل» على عقد مع البنتاغون يُسمى «مشروع مافن»، الذي كان سيستخدم الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة لتحليل لقطات مراقبة الطائرات من دون طيار. وفي رسالة إلى المديرين التنفيذيين، قال الموظفون إن «غوغل» «لا ينبغي أن تنخرط في مجال الحرب».

وسرعان ما أعلنت «غوغل» أنها لن تُجدّد عقد البنتاغون، وانسحبت من سباق الحصول على عقد حوسبة سحابية بقيمة 10 مليارات دولار يُسمى «جيدي» لوزارة الدفاع.

في ذلك العام، نشرت «غوغل» مبادئ توجيهية لمشاريع الذكاء الاصطناعي المستقبلية، تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في «الأسلحة أو غيرها من التقنيات التي يكون الغرض الرئيسي منها أو تطبيقها هو التسبب في إصابة الناس أو تسهيل إصابتهم بشكل مباشر». وحذت شركات أخرى حذوها بتعهدات مماثلة.

توجهات للمشاركة الفعالة في تكنولوجيا الدفاع

وعلى عكس ذلك كانت هناك استثناءات. فقد كان أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، وهي شركة تحليل بيانات تقنية تأسست عام 2003، متحمساً للغاية لدور وادي السيليكون في تطوير تقنيات الدفاع لدرجة أنه رفع دعوى قضائية ضد الجيش عام 2016 لإجباره على النظر في شراء برنامج «بالانتير». وفازت «بالانتير» بالدعوى. كما زودت شركات تقنية أخرى وزارة الدفاع بالبرمجيات والحوسبة السحابية، من بين خدمات أخرى.

كما تغير المناخ السياسي، حيث دعم بعض المديرين التنفيذيين وأصحاب رؤوس الأموال المغامرة علناً آراء ومرشحين يمينيين. دفعت المنافسة مع الصين على التفوق التكنولوجي الكثير من شركات التكنولوجيا إلى التوجه أكثر نحو الحكومة الأميركية بصفتها حليفاً.

أصبحت «بالانتير» نموذجاً لشركات التكنولوجيا الأخرى. ومع عقود مع الحكومة والجيش الأميركي لبرامج تنظم البيانات وتحللها، تضخمت القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 375 مليار دولار هذا الشهر، أي أكثر من القيمة السوقية المجمعة لشركات الدفاع التقليدية مثل «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» و«جنرال ديناميكس».

كما اتجهت شركات أخرى في وادي السيليكون نحو الدفاع.

«أوبن إيه آي» تحذف سياساتها السابقة

وفي يناير (كانون الثاني) 2024، حذفت شركة «أوبن إيه آي»، الشركة المصنعة لبرنامج الدردشة الآلي «تشات جي بي تي» ChatGPT، نصاً من صفحة سياساتها يحظر استخدام تقنيتها في «تطوير الأسلحة» و«الأغراض العسكرية والحربية». وفي ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، أعلنت الشركة عن صفقة مع شركة «أندوريل» (Anduril)، وهي شركة ناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع، لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي مضادة للطائرات المسيَّرة.

وعندما طُلب منها التعليق، أشارت متحدثة باسم «أوبن إيه آي»، إلى محادثة جرت في أبريل (نيسان) بين سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، والجنرال بول إم. ناكاسوني، عضو مجلس إدارة «أوبن إيه آي»، والرئيس السابق لوكالة الأمن القومي. إذ قال السيد ألتمان: «يتعين علينا، ونفخر بذلك، ونرغب حقاً في المشاركة في مجالات الأمن القومي»، مضيفاً أن «أوبن إيه آي»، ستساعد في تطوير الذكاء الاصطناعي عندما «تدعم الولايات المتحدة وحلفاءنا في الحفاظ على القيم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم والحفاظ على سلامتنا».

«ميتا» تلتحق بالركب العسكري

في العام الماضي، غيّرت شركة «ميتا» سياساتها للسماح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لأغراض عسكرية. وفي مايو (أيار) الماضي، أعلنت الشركة عن شراكة مع شركة «أندوريل» لتطوير أجهزة واقع افتراضي لتدريب الجنود. وفي ذلك الوقت، صرّح السيد بوسورث بأن «الأمن القومي الأميركي يستفيد بشكل كبير من إحياء الصناعة الأميركية لهذه التقنيات».

... و«غوغل» تتخلى عن تعهداتها

وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت «غوغل» أيضاً أنها ستتخلى عن حظرها الذاتي على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة. وفي منشور على مدوّنتها، قالت الشركة إن هناك «منافسة عالمية على قيادة الذكاء الاصطناعي في ظل مشهد جيوسياسي متزايد التعقيد. نعتقد أن الديمقراطيات يجب أن تقود تطوير الذكاء الاصطناعي».

ورفضت «غوغل» و«ميتا» التعليق.

وتخلل هذا التوجّه نحو الدفاع انضمام أربعة مسؤولين تنفيذيين تقنيين إلى وحدة الجيش الجديدة في يونيو الماضي، وهم السيد بوسورث من ميتا، وشيام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في بالانتير، وكيفن ويل، كبير مسؤولي المنتجات في «أوبن إيه آي»، وبوب ماكجرو، المستشار في «مختبر ثينكينج ماشينز» والرئيس السابق لقسم الأبحاث في «أوبن إيه آي».

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

انتقد موظف ‌سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه.آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة ​المتسارعة التي ترك

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

استخدم مهندسٌ الذكاء الاصطناعي لفك شفرة عسكرية تعود إلى الحقبة النابليونية، ظلت عصيةً على الحل لأكثر من قرنين من الزمان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

يضخ العالم أموالاً غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تتجاوز استثمارات مراكز البيانات وحدها 30 تريليون دولار بحلول 2050.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج
تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
TT

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

انتقد موظف سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة المتسارعة التي تركز على التطوير السريع تزيد من مخاطر الإخفاقات.

وفي مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» اليوم السبت بعنوان «استقلت من أوبن إيه آي لأن ثقافتها معيبة»، قال ديفيد روبنسون إن شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أوبن إيه آي، لا تتحلى بالحذر الكافي وينبغي لها أن تولي اهتماماً أكبر للخبرة والبحوث في مجال السلامة قبل تطوير أنظمة بقدرات أكبر.

وقال روبنسون: «انتهى عصر التجربة والخطأ»، وأكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب إجراءات وقائية أقرب إلى تلك المستخدمة في قطاعات مثل الطاقة النووية والطيران.

وأضاف روبنسون أن أوبن إيه آي تعتمد إلى حد كبير على ما تسميه «النشر التكراري»، إذ تطلق الأنظمة وتعزز إجراءات الحماية عند ظهور المشكلات.

و تأتي هذه التعليقات لتزيد من الجدل الدائر داخل قطاع الذكاء الاصطناعي حول ما إذا كانت الشركات تتحرك بسرعة مفرطة لتطوير أنظمة ذات قدرات متزايدة. وواجهت أوبن إيه آي والشركة المنافسة لها (أنثروبيك) تدقيقاً شديداً عقب وقائع لم تفلح فيها ضوابط السلامة، أو تصرفت فيها الأنظمة التجريبية بنحو غير متوقع.

وكتب روبنسون، الذي قال إنه أمضى ثلاث سنوات ونصف سنة في أوبن إيه آي وساعد في صياغة إطار عمل التأهب الخاص بالشركة وأشرف على تقارير السلامة في 12 عملية إطلاق لنماذج رائدة «مع اندفاع الشركة من عملية إطلاق إلى أخرى، فإنها تفشل في تحقيق مستوى العناية الذي «أعتقد أنه ضروري».

و قال متحدث باسم أوبن إيه آي في بيان: «نحرص على ألا تصبح نماذجنا قدراتها أكبر مما يمكننا إدارته بأمان أو تأمينه، ونوقف التدريب مؤقتاً أو نؤجل إطلاق النماذج عندما نحتاج إلى إبطاء وتيرة العمل».

وحذر روبنسون من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من فهم الباحثين لمفهوم «المواءمة»، وهو مجال يركز على ضمان أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لأهداف البشر وقيمهم.


«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
TT

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

يبدو أن وكيل «دوتس» الجديد من «أوبن إيه آي» لا يحتاج إلى انتظار سؤال جديد كي يبدأ العمل، فالفكرة الأساسية تقوم على وكيل دائم يمكن تكليفه بهدف، وربطه بالتطبيقات التي يحتاج إليها، وتركه يواصل تنفيذ المهامّ في الخلفية، حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم.

فقد أعلنت الشركة عن «Dots»، خلال مؤتمرها للمطورين في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وقدّمتها بوصفها نقلة من نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الطلبات إلى نظام يستطيع متابعة مشروعات مفتوحة، والعمل عليها على مدار الساعة.

وتعتمد الخدمة على نموذج «GPT-6 Astra»، ويملك كل «دوتس» جهاز كمبيوتر سحابياً خاصاً به ومتصفحاً مستقلاً، مع إمكان الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق عبر منظومة الإضافات التابعة للشركة.

كما يمكن للمستخدم تكليف «دوتس» بمشروع ثم العودة إليه لاحقاً، بينما يواصل الوكيل العمل على مهامّ أخرى، في الوقت نفسه. كما يستطيع المستخدم التواصل معه عبر «شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، مع احتفاظ الوكيل بالسياق بين هذه القنوات. وتقول «أوبن إيه آي» إن الرسائل النصية ستُضاف لاحقاً.

كيف ستستخدم التقنية؟

في تطوير البرمجيات، يمكن للوكيل متابعة ملاحظات العملاء، وتحديد الأخطاء المتكررة، وبناء الإصلاحات واختبارها قبل تقديمها للمراجعة. وفي العمل البحثي، يستطيع إعادة تشغيل التحليلات عند وصول بيانات جديدة وتحديث الرسوم والنتائج. أما في صناعة المحتوى، فيمكنه تحليل نص مقابلة واستخراج مقاطع مناسبة وتجهيز ملاحظات وصياغة منشورات للسوشيال ميديا قبل إرسالها للموافقة.

وتشير الشركة إلى حالة، خلال الاختبارات المبكرة، لاحظ فيها أحد الوكلاء أن مستخدماً نسي إصدار فاتورة لإحدى الجهات، فجهّزها ثم أرسلها بعد حصوله على الموافقة.

تطرح «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» بوصفها أنظمة دائمة يمكنها مواصلة العمل على المهام حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم (الشركة)

جهاز سحابي خاص بالوكيل

أحد الاختلافات التقنية في «Dots» هو أن الوكيل لا يعمل فحسب داخل نافذة دردشة، بل يحصل على بيئة حوسبة سحابية خاصة يستطيع استخدامها لتصفح المواقع وتشغيل الأدوات المرتبطة به.

ويمكن للمستخدم فتح جهاز الوكيل السحابي في أي وقت، لمشاهدة ما يقوم به، كما تسمح الخدمة، عند منح الإذن، بربط الوكيل بحاسوب المستخدم نفسه، بينما يظل الجهاز الشخصي منفصلاً افتراضياً عن بيئة الوكيل، ما لم يقرر المستخدم خلاف ذلك.

ويضع ذلك «دوتس» ضِمن سباق أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير وكلاء دائمين، بدلاً من المساعدات التي تبدأ عملها وتُنهيه داخل جلسة واحدة. ووصفت «رويترز» الإطلاق بأنه جزء من توسع «أوبن إيه آي» في سوق الوكلاء المستقلين، في مواجهة منتجات منافِسة؛ من بينها «ميوز» من «ميتا».

العمل في الخلفية... ضمن حدود

تمنح فكرة الوكيل الدائم النظام وصولاً أوسع إلى التطبيقات والبيانات، ولذلك خصصت «أوبن إيه آي» جانباً من الإعلان للضوابط والصلاحيات. فعندما يعمل «دوتس» بصورة استباقية في الخلفية، تقول الشركة إنه يستخدم التطبيقات المرتبطة به في وضع للقراءة فقط، ما يمنعه في هذه الحالة من إرسال الرسائل أو تغيير المحتوى داخل التطبيقات أو التحكم في المتصفح والحاسوب. ويمكن للمستخدم أيضاً تحديد إجراءات مسموح بها مسبقاً، أو اشتراط الموافقة قبل تنفيذها، أو منعها تماماً.

وتخضع بعض الإجراءات لمراجعة تلقائية، لتحديد ما إذا كان يمكن تنفيذها مباشرة أم تحتاج إلى موافقة المستخدم. وتبقى مهامّ حساسة معينة، مثل تغيير كلمات المرور، بيد المستخدم نفسه. كما تؤكد الشركة أن «Dots» قد ترتكب أخطاء، وتوصي بمراجعة الأعمال ذات العواقب المهمة.

تأتي هذه الضوابط مع تصاعد النقاش حول مخاطر الأنظمة القادرة على اتخاذ إجراءات بصورة مستقلة. وذكرت «أكسيوس» أن الإطلاق يضع وعود السلامة لدى الشركة أمام اختبار جديد؛ لأن التحدي لم يعد متعلقاً فحسب بما قد يقوله النموذج، بل بما قد يفعله عندما يحصل على أدوات وصلاحيات للعمل.

تعتمد الخدمة على صلاحيات وضوابط تحدد ما يستطيع الوكيل فعله مع الحاجة لموافقة المستخدم قبل بعض الإجراءات الحساسة (الشركة)

وكلاء متخصصون داخل الشركات

لا تقتصر خطة «أوبن إيه آي» على وكيل شخصي واحد، فالشركة تختبر أيضاً «دوتس» متخصصة للمؤسسات، يكون لكل منها هوية وصلاحيات خاصة وربط مباشر بأنظمة الشركة.

وتشمل الاستخدامات التي جُرّبت داخل «أوبن إيه آي» المشتريات، ومعالجة الفواتير، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، ودعم العملاء والعقود التجارية، كما تعمل الشركة مع «مايكروسوفت» لدمج هذه الوكلاء مع أدوات الحوكمة والأمن في «Agent 365».

ويجري طرح «Dots» تدريجياً لمشتركي «برو» و«بيزنس بريميوم» في الأسواق المؤهلة، مع نسخة تجريبية للمؤسسات عند تفعيلها من مسؤولي بيئة العمل.

ويبدأ المستخدم حالياً بوكيل رئيسي واحد، بينما تتحدث «أوبن إيه آي» عن مرحلة لاحقة يمكن فيها لفِرق كاملة من الوكلاء العمل معاً نيابة عن المستخدم.

وبهذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي إلى سؤال مختلف عن جودة الإجابة وحدها: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتذكر السياق، ويواصل العمل، ويتصرف عبر تطبيقات متعددة، دون أن يحتاج المستخدم إلى توجيه كل خطوة؟ وهذه هي المساحة التي تحاول «Dots» دخولها.


روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
TT

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يعتمد على طبقة واحدة من الخلايا العضلية الحية لتوليد الحركة، في تصميم يهدف إلى تقليل حجم الروبوتات الحيوية الهجينة، وتحسين كفاءتها مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على كتل عضلية ثلاثية الأبعاد أكبر حجماً.

الروبوت الذي يصفه الباحثون بأنه رقيق إلى حد يشبه الورق، مبني على هيكل من مادة هلامية يبلغ طوله وعرضه تقريباً حجم قطعة من العلكة. وينقسم الهيكل إلى جزأين يعملان كزعانف، تغطي كل واحدة منهما طبقة من الخلايا العضلية الحية أرق من شعرة الإنسان. وقد عُدلت هذه الخلايا وراثياً بحيث تنقبض عندما تتعرض للضوء.

الحركة بالضوء بدلاً من المحركات

عندما يسلط الباحثون الضوء على إحدى الزعانف، تنقبض الخلايا العضلية الموجودة على سطحها؛ ما يؤدي إلى حركة كافية لدفع الروبوت عبر الماء. ويمكن تغيير اتجاه السباحة وسرعتها عبر التحكم في أي زعنفة تُضاء، وتوقيت نبضات الضوء الموجهة إليها.

وفي الاختبارات، تمكن الروبوت من السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة. وبلغت سرعته القصوى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة، وهي سرعة محدودة مقارنة بالسباحين السريعين، لكنها أظهرت أن طبقة عضلية شديدة الرقة تستطيع إنتاج قوة كافية لتحريك جسم كامل داخل الماء.

وتقول ريتو رامان، الأستاذة المشاركة في الهندسة الميكانيكية في «MIT» وإحدى مؤلفي الدراسة، إن الحركة في الماء تتطلب قوة أكبر من الحركة في الهواء؛ ما يجعل قدرة الروبوت على السباحة بهذا الحجم والسمك مؤشراً على القوة التي يمكن أن تنتجها البنية العضلية المستخدمة.

تتحرك زعانف الروبوت عند تعريض الخلايا العضلية للضوء ما يسمح بالتحكم في اتجاه السباحة وسرعتها من دون استخدام محركات تقليدية (الجامعة)

تقليل حجم الروبوتات الحيوية

تجمع الروبوتات الحيوية الهجينة بين مواد صناعية وأنسجة أو خلايا حية لتوليد الحركة، إلا أن كثيراً من التصاميم السابقة اعتمد على كتل ثلاثية الأبعاد من العضلات المزروعة مخبرياً؛ ما يتطلب أعداداً كبيرة من الخلايا، ويؤدي إلى أجهزة أكثر سماكة وتعقيداً.

أما التصميم الجديد، فيعتمد على طبقة رقيقة جداً من العضلات، وهو ما يمكن أن يقلل كمية الخلايا المطلوبة، ويتيح تصنيع روبوتات أبسط وأخف وزناً وأكثر كفاءة في الحركة. ويصف الفريق النظام بأنه أول مثال على روبوت عضلي ثنائي الأبعاد شديد الرقة قادر على الحركة الذاتية. ويرى الباحثون أن الأنسجة الحية تقدم خصائص يصعب تحقيقها باستخدام مكونات ميكانيكية تقليدية فقط، فهي لينة وقادرة على الاستجابة لبيئتها، ويمكن أن تتمتع بقدرات على إصلاح نفسها.

البحث عن «هيكل» مناسب للعضلات

لم يكن التحدي مقتصراً على زراعة الخلايا، بل شمل أيضاً تطوير قاعدة تستطيع تحويل انقباضاتها الصغيرة إلى حركة مفيدة؛ فقد اعتمد الفريق في أعمال سابقة على مادة الفيبرين، وهي مادة هلامية شديدة الليونة، لكنه وجد أنها يمكن أن تنكمش بسرعة عند تعرضها لقوة العضلات؛ ما يقلل كفاءة نقل القوة؛ لذلك اختبر الباحثون تركيبات مختلفة من مادة «GelMA» المستخدمة في هندسة الأنسجة، مع تغيير صلابتها وسمكها وشكل الأخاديد الموجودة على سطحها.

وأظهرت التجارب أن الأخاديد ذات الشكل الأقرب إلى القنوات المربعة ساعدت الخلايا على الاصطفاف بصورة أفضل. وكلما زاد انتظام الخلايا، كان اندماجها في ألياف عضلية أقوى وأكثر تنسيقاً، كما وجد الفريق أن الطبقة الهلامية بسماكة نحو نصف مليمتر توفر توازناً مناسباً بين خفة الوزن والقدرة على دعم العضلات في أثناء انقباضها.

«تدريب» العضلات قبل الاستخدام

عمل الباحثون أيضاً على تقوية العضلات نفسها عبر سلسلة من نبضات الضوء، في عملية شبيهة بالتدريب، بهدف زيادة قدرتها على الانقباض. وبعد تحسين المادة الحاملة وترتيب الخلايا، صمم الفريق الروبوت بزعنفتيه، مع أخاديد على الجانبين تسمح للخلايا العضلية بالنمو في اتجاهات منظمة. وعند تشغيل الزعنفتين معاً، يتحرك الروبوت إلى الأمام، بينما يسمح تشغيل زعنفة واحدة بتغيير الاتجاه.

تطبيقات محتملة في البيئات الحساسة

لا يزال التصميم في مرحلة بحثية مبكرة، ويقول الفريق إن الخطوة التالية تتمثل في تحسين شكل الجسم لزيادة سرعة السباحة وكفاءتها، لكن الباحثين يرون أن الروبوتات الحيوية الهجينة الرقيقة قد تكون مناسبة مستقبلاً للمهام التي تتطلب أجهزة لينة وصغيرة داخل بيئات لا تتلاءم معها الروبوتات التقليدية، مثل مراقبة بعض البيئات المائية الحساسة أو استكشاف مناطق هشة لا تتحمل أجهزة صلبة أو كبيرة. ونُشرت الدراسة في دورية «Advanced Functional Materials»، بينما تلقى المشروع دعماً جزئياً من مكتب البحوث البحرية الأميركي.